منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اشتقت حبيبي (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

0

مثل الخنفساء سيارتي، لا يذهب ذهنكم بعيدا، ليست من العلامات التجارية الفارهة، أشبهها بالخنفساء لصغر حجمها…
كان الحاج إذا دخل إليها احتلها بالكلية، لا يستطيع أحد الجلوس في المقعد الخلفي وراءه إلا إذا جمع ركبتيه إلى صدره، وكان يقودها ببطنه، وهو المتعود على سياقة حافلات نقل المسافرين والشاحنات العملاقة، كانت تبدو بين يديه كلعبة، يتلاعب بها وبمن يركب معه كما يتلاعب الصبي بألعاب عاشوراء الجديدة…
كثيرة هي الذكريات التي تقفز إلى ذهني هذه اللحظة، ارتبطت بتلك الخنفساء الجميلة صور لا تنمحي من الأفراح والمسرات، كانت تشاركني رحلاتي مع أعز الناس، تنقلت معي في شوارع أوربا الفاخرة، وركبت معي الباخرة، وصرت بها إلى مشرق الشمس حيث الجبال الوعرة، وإلى ملتقى البحرين حيث الخضرة والنظرة، وإلى مغرب الشمس حيث غابات البلوط المؤنسة، وإلى جميع اتجاهات هذه البلاد الرائعة.
ليس الغرض من الحكي اليوم استعراض المشاهد التي جمعتني مع سيارتي، قد أجد فرصة أخرى أقصها عليكم، وإنما الغرض وصف رحلة على متنها رفقة أعز الناس..
أعز الناس لا يحب سياقة الخنفساء، رغم أنه في سن الشباب الذي يتباهى أقرانه بركوب السيارات، ومع أنه يجيد استعمالها، كان يحب أن يجلس بجانبي وأنا أقودها، ولا يتذمر أن يراه الناس بجانب أنثى جميلة سافرة الرأس وهو الفقيه الذي يحفظ القرآن..
كان لا يهمه رأي الناس، وسهام أعينهم التي ترمق ذلك الشاب الملتحي متمسك بيدي، يكفي أنه سعيد بوجودي معه.
في تلك الرحلة كان يجلس في المقعد الخلفي خلاف عادته، انتقل إلى وضع الصمت كعادته هذه المرة، وأخذ يجهش بالبكاء، انتبهت بصعوبة لحسه، لأنه كان يحاول إخفاء مواجده، تعودت أن أراه مطمئنا قويا، أستمد منه عزيمتي، وأكافح به مُدْلَهِمَّاتِ الأمور..
رفعت رأسي إلى المرآة، خيوط الدمع تتخلل لحيته لترشح قطرات على صدره..
قبل أن أسأله، وفي أجزاء قليلة من الثانية، سألت نفسي ما يبكي أعز الناس، فداه نفسي، ما يبكيه وهو الذي لم تذرف له عين حين اجتمعنا جميعا نودع أمي إلى جوار ربها بالمدامع.
سألته ما يبكيك؟ حاول كفكفة ما انكشف من أمره..
– لا شيء
بعد إلحاح، ومخافة أن أهلع، وبعدما عَزمت على إيقاف الخنفساء بجانب الطريق لأتفقد أعز الناس، أخبرني:
– اشتقت إلى حبيبي، اشتقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وددت في تلك اللحظة أن أنتقل بالخنفساء التي كانت تشترك مع القبة النبوية في خضرة اللون إلى البلاد المنورة، لم أكن لأتردد لو لم تكن تلك الحدود والتأشيرات، وكانت ستسعد الخنفساء كما كنا سنسعد جميعا بلثم الجناب الشريف.
قلت لأعز الناس إذن تذهب إلى الحج على نفقتي.
رفع رأسه وابتسم وقال: يكفي أن ترضي عني، أمي، هل أنت عني راضية؟ وكررها المرة تلو المرة.
أخبرته أني عنه راضية، ثم انتبهت إلى أن هذا الجواب البارد لا يكفي هذا القلب المشتاق، وتيقنت أني لست قادرة على إخباره مدى رضاي عنه.
رفعت رأسي إلى السماء، وسألت الله بكل إقبال، يا رب، يا من تسمع ندائي، وتعرف ما في صدري، أظهر له برهان صدق رضاي عنه..
في الحين، ولساني رطب بقول يا رب، استجاب السميع القريب، وتكبدت فوقنا غمامة أمطرت الخنفساء وحدها بعدما كان الجو ربيعيا مشمسا، وكأننا نخترق قناة من رحمة الله لم يجزها غيرنا.
لا شك كانت تلك العلامة وذلك البرهان.
في تلك الرحلة اشتعلت في قلبي جمرة الاشتياق للحج إلى بكة حرم الله، وإلى طيبة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جمرة لم يطفئها حجي الأول، وكنت أود أن أكون فيه مع أعز الناس، عزمنا على الحج معا، وكان قد سبقني بحجتين وكانت الثالثة معي لو لم يحبسه حابس، ويمنعه قاهر.
ذهبت إلى الحج وأحمل في قلبي أعز الناس، كنت أراه يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا، ويبيت في مزدلفة، ويصلي في الروضة، ويلثم بشفتي قلبه الجناب النبوي الشريف.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.