منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أدركت السر (قصة قصيرة)

أدركت السر / محمد فاضيلي

0

أدركت السر(قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

كان مساء صيفيا حارا..مساء أحد خميسات شهر غشت غابر في الزمن..
اتصل به قيم المسجد لأمر مهم مستعجل..وبدون مقدمات..طلب منه التكلف بخطبة الجمعة والصلاة..
كان الأمر مفاجئا..
أضاف القيم: أمر طارئ منع الخطيب من أداء مهمته..والمرشدون الدينيون في إجازة..ولم نجد أحدا سواك ليقوم بالمهمة..
كيف!؟
هو شاب ثلاثيني..ملازم للمسجد..صديق للقيمين عليه..لا يعوزه العلم..لكن مهمة جليلة كهذه يستحيل تنفيذها، ولم يبق من الوقت أكثر من نصف يوم..
من أجل ذلك تخوف من الأمر واعتذر عن القبول..
أصر القيم على رأيه.. وأصر هو على الرفض..لم يستطع تحمل مسؤولية يتطلب تنفيذها أياما من الاستعداد ..كما يتطلب تمكنا وثقة بالنفس يفتقدها شخص سيقف على المنبر لأول مرة..
وإن كان ضميره لم يسمح له بالتقاعس ومرور اليوم دون شعيرة ينتظرها المسلمون كل أسبوع..
اتصل به الخطيب وشجعه على الأمر، ثم اتصل به مسؤول عن الشأن الديني..فخجل واستحيى أن يرد لهم الطلب..
عاد إلى بيته خائفا مرتبكا شديد الحيرة..فكر مليا في موضوع مناسب، مغاير لما اعتاد الناس سماعه..
صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، لينطلق لسانه، شلالا، متدفقا يقرع الآذان، ويوقظ القلوب، ويسرق الأبصار، ويذرف منها الدموع ..
وبعد الصلاة يتفاجأ بسيل من المصلين يسلمون عليه ويشكرونه ويهنئونه على خطبته المبهرة..
رفعه الحدث لأعلى مقام، وأكسبه محبة الجميع واحترامهم، فحمد الله واثنى عليه، لكن قلبه لم يخر ساجدا، ولم يرد الأمر لصاحب الأمر، ولم يدرك ان التوفيق والسداد من الله عز وجل..
مر العام، وتكرر المشهد مرة أخرى، لكن صداه ونجاحه كانا دون الأول، وزاد الطين بلة أن علم بشكوى البعض من طول الخطبة وانخفاض حجم الصوت وأمور لم تكن له فيها يد..فحزن واغتم لذلك كثيرا..
تفكر طويلا، وادرك في الأخير أن في الأمر سرا، وأن رسائل من الغيب تاتي حانية شفيقة لتربي وتعلم وتطهر النفس من أدرانها والقلب من تقلباته..فيدرك السر ويخضع للسر، ويرد الأمر لصاحب الأمر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.