منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ابن عطية الأندلسي أنموذج الجمع بين العلم والجهاد

القرشي حسن

0

لا يذكر القرن السادس الهجري إلا ويذكر معه أربعة علماء مبرَّزين، تخلدت أسماؤهم بمؤلفاتهم في مجال علوم القرآن خاصة، حتى سارت تفاسيرهم عالة على كل من جاء بعدهم، فإلى جانب الإمامين المشرقين الزمخشري والبغوي، لمع نجم الإمام ابن عطية بمعية الإمام ابن العربي في المغرب الأقصى، غير أن ابنَ عطية الأندلسي انفرد عن أقرانه بخصيصة الجمع بين العلم النافع والجهاد الميداني دفاعًا عن حياض المسلمين.

المطلب الأول خيركم من تعلم القرآن وعلمه

الإمام العلامة، شيخ المفسرين، أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، إمام كبير ومفسر عظيم وشاعر مجيد وأديب نجيب، أثل رحمه الله لهذه الأمة إرثاً تليداً، وإن كان محدود العدد فهو عميق المدد، تجلى في تفسيره الفريد الذي ملأ ذكره الخافقين، والذي اصطلح على تسميه “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز “، ثم فهرستاً هي “من أوائل الفهارس المطبوعة التي وصلتنا وأوائل الذين سجلوا سبقا في هذا المجال واخترطا خطة هدفها خدمة العلم والانتساب إلى أهله”[1]، حيث تضمنت ترجمة ثلاثين (30)شيخا أجازوه في مائة وعشرين (120) كتاباً، من جملتهم أبوه المحدث أبي بكر بن غالب، الذي سعى جاهدا لتربية ابنه وحفزه على طلب العلم من أفواه الرجال لا من بطون الكتب، فكانت له اليد الطولى في توجيه ابنه إلى خط تفسيره، حيث أنه ” ربما أيقظ ابنه أبا محمد عبد الحق في الليلة مرتين يقول له: قم يا بني أكتب كذا وكذا في موضع كذا من تفسيرك، فكانت له له فيه نكت كثيرة”[2].

نهج ابن عطية في تفسيره منهجا فريداً وصارماً، فقال في مقدمته ” قصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا، لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به”[3]، فنحا على غير نهج من سبقوه، كتفسير المهدوي- رحمه الله- فهو يرى أن مصنفه “مفرق للنظر، مشعب للفكر”[4]، فجانب في تفسيره ذكر الإسرائيليات والقصص الواهية، حتى اطّرد في طيات تفسيره عبارات تدل على ذلك كقوله “ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب “[5]، وقوله” وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء”[6] وقوله ” وصورة ذلك وتنويعه مما لا يختص بالتفسير “[7].

حقيقةً لقد كان تفسير ابن عطية رحمه الله ” جليل الفائدة، كتبه الناس كثيراً، وسمعوا منه، وأخذوا عنه[8]، فلا تكاد تجد تفسيرا إلا من استنباطاته ملتمس حتى صار عالة على من جاء بعده، غير أن فضل الله لا يحجر بزمان ولا مكان، فكم ترك الأولون للآخرين، فإنما يُستجَاد الشيء ويُسترذَل لجَوْدته ورداءته لا لقِدَمه وحدوثه. فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف وألهمنا شكراً يقتضي توالي الآلاء ويقضي بانقضاء اللأواء.” [9]

المزيد من المشاركات
1 من 30

المطلب الثاني: طلب العلم في الثغور

ولد سنة 481هـ بغرناطة بالأندلس مع بداية عهد دولة المرابطين، وهي ” دولة الفقهاء” [10] وحاملة لواء إقامة العدل ونشره، من أجل ذلك حرص أمراء المرابطين على تعيين القضاة مِمَّن برزوا في العلم والفقه،، فتولى في زمنهم خطة القضاء على مدينة ألمرية الساحلية، ثم منصب قاضي الجماعة بحضرة المرية، وهو منصب رفيع ومقرب بصلاحيات واسعة، بل يعتبر ثالث شخصية في الأندلس بعد الأمير والحاجب.

لم يمنع ابن عطية منصبه الإداري ورمزيته العلمية من أداء واجبه الجهادي، ” فكان يكثر الغزوات في جيوش الملثمين” [11]، حيث ذكر في فهرسته عن لقاء بعض شيوخه والنهل من علومه بالثغور، فقل ” لقيته في جيان في نهوضي إلى غزوة طلبيزة سن ثلاث وخمسمائة فأجاز لي جميع روايته”[12].

وإلى جانب جهاد ابن عطية بالسيف في جيوش المرابطين كان له جهاد من نوع آخر، وهو جهاده بالقلم، فعندما احتل الغزاة النصارى جزيرة ” میورقة ” سنة 508ه، خاطب ابن عطية أحد زعماء الدولة المرابطية، برسالة مؤثرة، وصف له فيها أحوال “ميورقة” بعد استيلاء الأعداء عليها وكيف أنهم استباحوا حرماتها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها، وارتكبوا الفظائع فيها، ختم بشعر فقال[13]:

ونحو أمير المسلمين تطامحت… نواظر آمال وأيدي رغائبِ

من الناس تستدعى حفيظة عدله… لصدمة جور في ميورق ناصبِ

مقيم فان لم يرغم السعد انفه… ألم فوافى جانبا بعد جانبِ

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

لقتل وسبي واصطلام شريعة… لقد عظمت في القوم سوء المصائبِ

فكان رحمه يُلهب حماس المرابطين الديني، ويشعل في نفوسهم جدوة الجهاد المقدس، ويحرك في قلوبهم معاني البطولة والشجاعة والإقدام[14] لعلمه أن بالجهاد ” صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، ولولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة[15].

المطلب الثالث: بين العلم والجهاد

لا انفِصام بين العلم والجهاد” فإن ثباتَ الجهاد بثبات العلم، وإنه فرع له، ومَبنيٌّ عليه”[16]، وما سبب جمع القرآن في عهد الصديق رضي الله عنه إلا لإن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، فكانوا في الصفوف الأولى عند النفير، ومع ذلك، فكلا الأمرين (العلم والجهاد) مطلوب ومرغوب، ووردت الأحاديث الكثيرة في علو منزلتهما، ولكن تفاضلوا بحسب الزمان والمكان والأشخاص، مع بقاء صفة الفضل في كل منهما، لأن ” أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرّب سبحانه وتعالى، وشغل كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته”[17]، لكن لا مجال البتة للعالم من الاستقالة من هموم الأمة، حتى لا نقول الاصطفاف والركون إلى الظلمة والتشريع لجورهم واستبدادهم، فهذا لا يَمُت إلى العلم من قريب ولا بعيد، وإن جاء صاحبُه بالألقاب والشهادات والإجازات والمؤلفات.

خاتمة

ميزة سنية ومنقبة شريفة رفعت الإمام ابن عطية إلى مرتبه عالية، هي جمعه بين المطلب الجهادي العلمي الأنفسي ومطلب نصرة دين الله الجهادي الآفاقي والدفاع عن العدوة الأندلسية زمن احتضارها إلى وفاته في 25 رمضان 541 هـ، فكان رحمه الله نموذج العالم الذي ” يغشى مجالس الناس، ومحافل السياسية، وأسواق الإعلام، ومناشط التعليم، ومرافق الحياة الاجتماعية، ومناطق نفوذ الفيلسوف الملحد، ومقاصف اللاهي الغافل، يغشى، ويصمد، ويصبر، ويخالط الناس ويصبر على أذاهم”[18].


 [1] كتب البرامج والفهارس الأندلسية دراسة تحليلية، هاني صبحي العمد، المركز التقني للخدمات المطبيعية، عمان الأردن، ط 1، 1993م، ص76

[2] بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، الضبي أبو جعفر، الكاتب العربي القاهرة، 1967 م، ج1 ص478

 [3] ابن عطية الأندلسي المحاربي، مقدمة المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيزن المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق المجلس العلمي، فاس، 1975م، ج1 ص 5

 [4] نفس المصدر والصفحة

[5] ابن عطية عبد الحق، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج2 ص 136

[6] نفسه، ج1 ص23

[7] نفسه، ج6 ص368

[8] معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي، ابن الأبار البلنسي، مكتبة الثقافة الدينية مصر، ط1، 1420 هـ – 2000 م ص 265

 [9] تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، محمد ابن مالك الطائي، تحقيق محمد كامل بركات، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1387هـ – 1967م، ص 2

[10]الشورى في الأندلس والمغرب منذ بداية الدولة الأموية حتى نهاية دولة الموحدين، احسان عباس، كتاب الشورى في الإسلام، مؤسسة آل البيت، 1410هـ 1989م، ج1 ص 364

[11] معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي، ابن الأبار البلنسي، ج1 ص111

[12] فهرس ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن عطية، تحقيق محمد أبو الأجفان ومحمد الزاهي، دار الغرب الإسلامي بيروت، ط2، ص45

 [13] قلائد العقيان، الفتح بن خاقان، مصر، 1284هـ – 1866م، ص 212

 [14] منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، عبد الوهاب فايد، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1973 م، مصر، ص80

[15] نفسه، ج11 ص 205

 [16] أحكام القرآن، أبو بكر الجصاص، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي بيروت، 1405ه، ح4 ص 319

 [17] تجريد التوحيد المفيد، تقي الدين المقريزي، تحقيق طه محمد الزيني، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1409هـ/1989م، ص50

 [18] الرسالة العلمية، عبد السلام ياسين، مطبوعات الهلال وجدة، ط1، 2001م، ص41

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.