منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تصوّر ابن جني للغة القرآن الكريم

تصوّر ابن جني للغة القرآن الكريم/ الدكتورة رشيدة مصلاحي

0

تصوّر ابن جني للغة القرآن الكريم

الدكتورة رشيدة مصلاحي

مقدمة:

نشأت الدّراسات العربية بفروعها المختلفة متعلّقة بالقرآن الكريم؛ سواء منها تلك الدّراسات التي تتعلّق تعلّقاً مباشراً بتفسير القرآن، وتبيين معناه، وتوضيح آياته، أو تلك التي تخدم هذه الأغراض جميعها بالبحث في دلالة اللفظ، واشتقاق الصيغ، وتركيب الجمل، والأسلوب، والصور الكلامية واختلافها باختلاف المقام..

من يقرأ الخصائص يدرك أنّ ابن جني قد قام بعملية إنضاج لأفكار السّابقين؛ إذ وسّع بحوثهم وعمّقها، وساهم في إعادة النّظر في الكثير من المفاهيم والمصطلحات اللّغوية والنّحوية والبلاغية، ولم يكن مجرّد قلم ناقل أو شخص مردّد لما أتى به العلماء قبله[1].

ثمّ إنّ المتمعِّن في أسلوب الخصائص يجد أنّ ابن جني قد جمع ما تشتّت من كلام القدماء، وحاول صياغة نظرية تنسحب على معظم الظّواهر اللّغوية والنّحوية، لذا بلغ كلامه من النُّضج ما فاق به أسلافه وأقرانه، وفي موضوع الاشتقاق -الذي تخصّص فيه- من الجدّة ما لم يُسْبَق إليه.

وقد استنبط ابن جني موضوعات لغويّة، واستقى قضايا نحويّة جديدة في اللّغة محاكاة للقضايا الفقهيّة والكلاميّة، واُبْتَكر تفسيرات لظواهر لغويّة متنوّعة، وقد كان ابن جني مُبْدعاً في ذلك لا مُتَّبِعاً، ولَيْسَ مَنْ اُجْتَهَد فأَبْدَع كَمَنْ اُقْتَفَى واُتَّبَع، ويبقى ما أتى به ابن جني من استدراكات على سابقيه من العلماء، وابتداع لبعض المصطلحات اللّغوية والنّحوية مؤكّداً على مبدأ التفرّد والابتداء.

وإذا كان هذا حال ابن جني مع أسلافه، وهو من هو رجاحة عقل، ورحابة فكر، وغزارة معرفة، كيف يكون حالنا معه ونحن القطرة في بحر علمه؟ وما الموقف ممّا قدّمه وما زال يقدّمه لعلوم العربية؟ وكيف يمكن قراءته وتأمّله بصفته تراث له وجوده المتميّز؟ خصوصاً وأنّه ما زال يطرح نفسه للتدبّر والنّقاش بصفة مستمرّة، وما زال نصّ كتابه الخصائص يتجدّد عبر العصور، ويحمل في طياته بذور الكثير من الأفكار الحديثة المصاغة بلغة قديمة؟

إنّ طرح أسئلة من هذا القبيل يمكّن الباحث من الاستفادة من التّراث اللّغوي العربي القديم، ومن أسئلته ولحظاته الإبداعية بشكل عميق ومتّسع؛ خصوصاً وأنّه يمكن اعتبار ابن جني وحده تراثاً لغوياً مستقلّاً بذاته، يمكن أن يُغْتَرَفَ من معارفه العلمية العديدة، والمبثوثة في كتابه الخصائص على مستوى واسع النّطاق.

ويبقى الخصائص كتاباً جامعاً لجلّ مباحث العربية فضلاً عن كونه كتاباً في الأوضاع والمبادئ والأصول[2]، لذلك أمكن القول إنّه كتب متعدّدة في كتاب واحد، وتمّ اعتباره موسوعة لغوية، ودائرة معارف علمية؛ لم يكن مُوجّها من طرف صاحبه إلى عموم طلّاب العلم، بل خصّ به جمهور الباحثين على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم[3].

ويمكن إجمال معظم أبواب الخصائص في المسائل الآتية: مسائل عامة تتضمّن البحث في ماهية اللغة ونشأتها وتفرعها وتطورها، ومسائل منهجية تتعلق بمنهج البحث في اللغة، ومسائل صوتية، ومسائل صرفية، مسائل نحوية، ومسائل بلاغية ودلالية..

وهكذا فمن أبواب الكتاب ما يتّصل بالنحو واللغة، ومنها ما يتّصل بالبلاغة، ومنها ما يتّصل بالشعر ونقده، ومنها ما يتّصل بالأصوات إلى غير ذلك مما سأقف عليه عند دراستي لجوانب الكتاب.

لقد فتح ابن جني في كتابه الخصائص أبواباً لم يتسنّ فتحها لسواه، وكان بذلك إماماً يَحتاج إلى أَتْباع يمضون في سبيله، ويبنون على بحوثه، ولكنّه تفرّد بمنهجه وتصوّره، وتميّز بكثير من اجتهاداته، وبذلك مضى في مجرى القرون بعده مَضْرِبَ المثل في معرفة علم أصول النحو والتبريز فيه، وهو يعدّ بحقّ –بتأليف كتابه الخصائص- مؤسّس هذا العلم ومطوّره في نفس الآن.

وقد دلّت الدّراسات السّابقة واللّاحقة أنّ لابن جني الفضل في تأسيس علم أصول النحو على طريقة الفقهاء والمتكلّمين، ثمّ جاء بعده علماء آخرون مثل: ابن الأنباري والسيوطي؛ فطوّرا ولخّصا ما ذكره ابن جني، وتميّزا عنه بكثرة التّقسيمات –وربّما زادا في بعض الفروع- إلّا أنّهما لم يتتبّعا القضايا اللّغوية التي تكتنفها هذه المصطلحات مثل ما فعل أبو الفتح ابن جني.

وهذه الفكرة تدعو للجزم بأنّ ابن جني عالم مجتهد في مجال علوم العربية تمكّن من كشف أبعاد مختلفة لظواهر لغوية ونحوية وبلاغية لم تكن معروفة لدى سابقيه، وقد شكّلت معرفة ما يتعلّق بأسرار العربية جزءاً جوهريّاً من اهتمامه، وربّما يلتقط الإشارة أو العبارة يعتقد غيرُه أنّها من البديهيات؛ فيواجهها هو مواجهة تحليل وتقويم تنمّ عن خصوصيّة عاليّة في تناول الأشياء.

وقد اتّضح أنّه على الرّغم من اعترافه بتأثّره بالسّابقين؛ فقد كان يصرّح في مواطن كثيرة من الخصائص بأنّه كان يضع المصطلحات للمسائل اللّغوية التي استقاها منهم، ويزيد عليهم بالتّفسير والتّنظيم والتّحديد.

وكان ابن جني –أحياناً- يختار مصطلحه من أقوال شيوخه؛ فيختصر كلاماً كثيراً لهم ليضع مصطلحاً واضحاً وموجزاً يعبّر عن تصوّره الخاصّ للأشياء؛ حتّى إنّه سنّ للباحث الدّارس أنّ يذهب إلى ما يهتدي إليه بعد أن يُمْعن في البحث ويستقصي في النّظر.

لقد كان ابن جني إمام وقته في علم اللّغة والنّحو، وعالم عصره كرّس معظم وقته لخدمة العربية التي نزل بها القرآن الكريم. ويمكن اعتبار الخصائص كتابا مهما يبحث في خصائص اللغة العربية وفلسفتها ومشكلاتها، كما يبحث في النحو، ويعنى صاحبه عناية خاصة بالصرف، “يشتمل على مباحث تتصل باللغة عامة كالفرق بين الكلام والقول، وأصل اللغة، وهل هي إلهام من عند الله أم اصطلاح بين البشر؟ ويثير الكتاب مشكلات لغوية ما تزال تعالج حتى اليوم في الأبحاث اللغوية الحديثة. من أبوابه: مقاييس العربية، الاطراد والشذوذ، تعارض السماع والقياس، الاشتقاق الأكبر، الساكن والمتحرك، التقديم والتأخير، وغير ذلك كثير”[4].

1.   تصوّر ابن جني للّغة

لقد كان اهتمام ابن جني بالعربية والتأليف في إطارها نابعاً من تصوّره لها؛ إذ نجده يعطيها تعريفاً يتوافق والمكانة التي احتلتها في نفسه؛ باعتبارها لغة الدين والأدب، ووسيلة الفهم والإبداع؛ فهو يقرّر “أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”[5].

ويظهر من خلال التأمّل في مقاصد هذا النصّ -والذي يعتبره الدّارسون نصّاً تُراثياً- أنّ في كلّ كلمة من كلماته دلالة معيّنة ومعنى محدّد يقصده ابن جني –فهمناه أم لم نفهمه المهمّ أن نستكشفه- فإذا حاولنا تحليل هذا التعريف للغة، ولم نكتف بتأمّله؛ حتّى لا نسقط في تقديم توصيفي تقريري لما هو موجود في النص؛ قلنا إنّ هذا التعريف يكتسي أربعة أبعاد دلالية متنوّعة:

  • الأوّل: اللّغة أصوات: هناك بعد فيزيائي.
  • الثاني: يعبّر بها: هناك بعد تعبيري.
  • الثالث: كل قوم: هناك بعد الجماعة.
  • الرابع: عن أغراضهم: هناك بعد وظيفي..

ويستلهم الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف نفس التعريف متدبّراً له ومحلّلاً له في نفس الآن؛ فقد ورد في كتابه النحو والدلالة النصّ نفسه: “اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، كما حدّدها ابن جني منذ أكثر من ألف سنة، والأغراض وهي المعاني أو الدلالات التي يراد نقلها من متكلم إلى مستمع، تستخدم الأصوات المنطوقة أو المكتوبة صورة لها. فهناك إذن جانبان، أحدهما مادي مسموع أو مرئي، والآخر إدراكي معنوي، وكلا الجانبين يؤثر في الآخر ويتأثر به”[6].

ويؤكّد الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف أنّ هذا المفهوم الذي قدّمه ابن جني للّغة “هو المفهوم نفسه الذي قدمه أرسطو قبله بمئات السنين، حيث يرى أن الكلام نتاج صوتي مصحوب بعمل الخيال من أجل أن يكون التعبير صوتا له معنى. وهو المفهوم نفسه الذي صدر عنه أوتو يسبرسن بمئات السنين، إذ يرى أن جوهر اللغة نشاط إنساني، نشاط من قبل الفرد ليجعل نفسه مفهوما من قبل الآخرين، ونشاط من قبل الآخرين ليفهموا ما يدور في عقل الفرد، وأن كل ظاهرة قد ينظر إليها من جهة الشكل الخارجي أو من جهة المعنى الداخلي، والشكل الخارجي هو صيغة الكلمات ومواقعها، والداخلي هو المعاني أو الأغراض”[7].

ويجزم الدكتور فهمي حجازي أنّ تعريف ابن جني للغة من التعريفات الدّقيقة إلى حدّ بعيد؛ لأنّ ابن جني قد ذكر الكثير من الجوانب المميّزة للغة، حيث أكّد طبيعتها الصّوتية، كما ذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، وذكر أيضاً أنّها تستخدم في مجتمع فلكلّ قوم لغتهم[8].

أمّا الدكتور صبحي الصالح فيرى أنّ في “تعريف ابن جني للغة بأنّها: “أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم” دلالة على السّبق الذي أحرزه علماء العربية في هذا المجال، فأصل اللغة كلِّها من الأصوات المسموعات، وهنالك علاقة دقيقة بين الألفاظ والمعاني أشار إليها ابن جني، وهو صاحب سبق في ذلك”[9].

وممّا ساعد ابن جني فيما ذهب إليه؛ تمثّله لتراث السّابقين، وانتماؤه إلى فرقة المعتزلة التي كانت لها ثقة كبيرة بالعقل، فهذه الأرضية الفكرية مكّنته من محاولة جعل اللغة العربية علماً، وبذلك خطّ لمن بعده أسس البحث اللّغوي وأساليبه.‏

فهو يستهل الخصائص بشرح عموميات تتعلّق باللغة مثل: الفرق بين القول والكلام، ومعنى النحو والإعراب والبناء. وتطرّق إلى أصل اللغة؛ أوحي هي أم اصطلاح، ولم يقر بواحدة منهما[10].

وأوضح أنّ هدفه يتمثّل في تأسيس أصول النحو على غرار أصول الفقه، ورفع العلل النحوية إلى مستوى العلل الكلامية؛ وأكّد أنّ للغة قوانين تحصّنها، وأفرد أبواباً كثيرة للقياس الذي يتزعّم مدرسته، إلى جانب دراسات صوتية تصبّ هي الأخرى في مجرى النّظام العامّ للغة.

وهكذا، فإنّ اللغة بصفتها أداة اتّصال وتواصل يجب أن يكون لها نظام معيّن في نظر ابن جني؛ لذلك نجده يقول في معرض حديثه عن الاختلاف بين لغة تميم ولغة الحجاز: “هذا القدر من الخلاف لقـلته ونزارته، محتقـر غير محتفـل به، ولا معيج عليه، وإنما هو شيء من الفروع يسير، فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف فيه، ولا مذهب للطاعن به. وأيضا فإن أهل كل واحدة من اللغتين عدد كثير، وخلق من الله عظيم، وكل واحد منهم محافظ على لغته، لا يخالف شيئاً منها، ولا يوجد عنده تعادٍ فيها. فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون، ويقتاسون، ولا يفرطون، ولا يخلطون. ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه –على قلته وخفته- إلا له من القياس وجه يؤخذ به. ولو كانت هذه اللغة حشواً مكيلاً وحثواً مهيلاً، لكثر خلافها، وتعادت أوصافها: فجاء عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه والمفعول به، والجزم بحروف النصب، والنصب بحروف الجزم؛ بل جاء عنهم الكلام سـدًى غير محصل، وغفلا من الإعراب، ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه، والكلـف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه”[11].

ويوضّح ابن جني -في موضع آخر- أنّ اختيار الأصول الثلاثية في اللغة العربية قد تمّ بطريقة اعتباطية، وذلك حين قال:”اعلم أن واضع اللغة لما أراد صوغها، وترتيب أحوالها، هجم بفكرة على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بد من رفض ما شنُع تآلفه منها (…) فلما كان الأمر كذلك اقتضت الصورة رفض البعض، واستعمال البعض، وكانت الأصول وموادّ الكلم مُعرِضة لهم، وعارضة أنفسها على تخيرهم، جرت لذلك عندهم مَجرى مال مُلْقًى بين يدي صاحبِه، وقد أجمع انفاق بعضه دون بعضه، فميز رديئه وزائفه، فنفاه البتة، كما نفَوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه. ثم ضرب بيده إلى ما أطف[12] له من عُرْض جيّده، فتناوله للحاجة إليه، وترك البعض لأنه لم يُرِدْ استيعاب جميع ما بين يديه منه؛ لما قدمنا ذكره؛ وهو يرى أنه لو أخذ ما ترك، مكان أخذِ ما أخذ، لأغنى عن صاحبه، ولأدّى في الحاجة إليه تأديته؛ ألا ترى أنهم لو استعملوا (لجع) مكان (نجع) لقام مقامه، وأغنى مغناه”[13].‏

يكشف النص عن تصور ابن جني لمراحل وضع ألفاظ اللغة العربية والتي تمثلها كالآتي:

  • رفض ما شنع تآلفه من الأصوات، وغالباً ما تكون- حسبما يشرح في مكان آخر من الخصائص- الأصوات التي لها مخرج واحد، مثل هع وكق.‏
  • التركيز على أعدل الأصول وأخفها وهو الثلاثي، والابتعاد عن الأصول الطويلة، أي عن الرباعي والخماسي.‏
  • لا يمكن استيعاب كل الأصول الثلاثية، لذلك تم انتقاء بعضها بطريقة اعتباطية.

إنّ اللّغة في تصوّر ابن جني ظاهرة اجتماعية، وهي تقبل الخضوع في تغيّرها لما تخضع له عناصر الطبيعة[14]، ويقتحم ابن جني اللّغة في مستواها الفنّي كاشفاً عن الكثير من الخصوصيات، والإمكانات التعبيرية التي تنطوي عليها أساليبها.

وفي هذا السياق نراه يدلي بدلوه على نحوٍ مفصّل في عدد من القضايا المحورية التي تشتمل عليها النظرية اللغوية الفنّية؛ ممّا يمكن معه القول إننا بإزاء عالم محيط باللّغة، ويصادفنا لديه رفضه لأشهر فكرة، وهي فكرة (العامل)، وذلك قبل ابن مضاء القرطبي (ت592هـ) بقرنين من الزمان؛ إذ يصرّح ابن جني بأنّ “العمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره”[15].

“ومن لفتات ابن جني الجليلة فهمهُ أنَّ النحو القديم مؤسَّسٌ على العامل.. فَهَدمَ ابن جني هذه القضية.. ” ثم قال: “وجاء ابن جني يريد تأسيس نحو آخر، ولكن للأسف، لم يجد سميعاً.. إلى أن جاء ابن مضاء [القرطبي] فألَّف كتاباً سمَّاه: الرد على النحاة، أسسه على الجملة التي رويناها عن ابن جنّي في الخصائص”[16].

2.   شغف ابن جني بالعربية

يتساءل ابن جني في خصائصه[17] عن أيَّة فضيلةٍ للعربيّة على العجميّة؟ ثم يجيب مصطنعاً حواراً متميّزاً وهادفاً مثل عادته: “لو أحسَّتِ العَجَم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة، وما فيها من الغموضِ والرّقة والدّقة لاُعتذرت من اعترافها بلغتها، فضلا عن التقديم لها، والتنويه منها.

فإن قيل لا، بل لو عرفت العرب مذاهب العَجَم في حسن لغتها، وسَدَاد تصرُّفها، وعذوبة طرائقها لم تَبْء[18] بلغتها، ولا رفعت من رؤوسها باستحسانها وتقديمها.

قيل قد اعتبرنا ما تقوله، فوجدنا الأمر بضِدّه. وذلك أنا نسأل علماء العربية ممن أصله عَجَميّ وقد تدرَّب بلغته قبل استِعرابه، عن حال اللغتين، فلا يجمع بينهما، بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك؛ لبعده في نفسهِ، وتقدّم لطف العربيّة في رأيه وحِسِّه. سألت غير مرّة أبا عليّ –رضي الله عنه- عن ذلك، فكان جوابه عنه نحوا مما حكيته.

فإن قلت: ما تنكر أن يكون ذلك، لأنه كان عالما بالعربيّة، ولم يكن عالما باللغة العجميّة، ولعلّه لو كان عالما بها لأجاب بغير ما أجاب بهِ.

قيل نحن قد قطعنا بِيقين، وأنت إنما عارضت بشكّ، ولعلّ هذا ليس قطعا كقطعنا، ولا يقينا كيقيننا. وأيضا فإنّ العَجَم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العَجَم فإن قُوَاهم في العربيّة تؤيِّد معرفتهم بالعجميّة، وتؤنِسهم بها، وتزيد في تنبيههم على أحوالها؛ لاشتراك العلوم اللغويّة واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها. ولم نر أحدا من أشياخنا فيها –كأبي حاتم[19] وبندار[20]، وأبي عليّ، وفلان وفلان- يسوُّون بينهما ولا يُقَرِّبون بين حاليهما. وكأنّ هذا موضع ليس للخلاف فيهِ مَجَال؛ لوضوحه عند الكافّة. وإِنما أوردنا منه هذا القدر احتياطا به، واستظهارا على مُورِد له عسى أن يُورده”[21].

ويظهر للمتأمل في مثل هذه الأقوال الواردة في الخصائص أنّ ابن جني عالم مجتهد يحاول دائماً الغوص في تفسير أسرار العربية، وشغف العرب بها، وتعظيمهم لها، واعتقادهم أجمل الجميل فيها[22].

ويمكن إرجاع هذا الشّغف الكامن في إحساسهم بلطف صناعتهم في هذه اللّغة “وما فيها من الغموض والرّقة والدقّة”[23]؛ فهي تمتلك من الخصائص التعبيرية ما يجسد “صنعتها” و”دقّتها” و”غموضها”؛ هذه النّعوت التي تثبت أنّ ابن جني يسعى إلى إظهار الخصائص الفنّية للّغة العربية؛ إذ ينظر إليها باعتبارها إبداعاً[24].

ولقد بيَّن ابن جني في مواضع كثيرة بأنّ غرضه الأساس هو إظهار وجوه حكمة اللغة العربية وشرفها، ويشعر قارئ ابن جني أنّه شغوف باللّغة العربية مقدّر لحكمتها؛ هذا الإعجاب الذي أظهره في معظم أبواب الخصائص[25].

وهكذا، يصير الكشف عن العلّة -عند الكثير من الدّارسين المحدثين ومنهم محمد مشبال- نوعاً من بيان حكمة العرب، والمهمّ هو أنّ التّعليل كان يفسح المجال لاحتواء النّظام اللّغوي لاستعمالات لغوية نادرة؛ لذلك لم يكن ابن جني يُخطّئ مستعملي اللّغة أو يصف كلامهم باللّحن مهما اجترءوا على تراكيب اللّغة.

وليس البحث عن دلائل الإعجاز إلا وجها آخر للبحث عن دلائل الحكمة في اللغة العربية عند ابن جني، حيث تقوم المبادئ المستخلصة من طول تأمّله الدّقيق لهذه اللغة دليلا على عبقريتها، وقد دافع عن هذه الفكرة صاحب الدلائل[26].

وبموازاة هذا الإعجاب الشديد باللغة العربية، أعجب ابن جني بشعر المتنبي ليثمر هذا الإعجاب شرحاً لا يشذّ عن منهجه في تأويل اللغة العربية والكشف عن أسرارها، بل إنّه ليعدّ تطبيقاً لما أجمله في كتابه الخصائص من مبادئ.

ونشير هنا إلى أنّ منطلق ابن جني في ترصّد شعر المتنبّي هو صُيُود اللّغة العربية، وكنوزها الكثيرة التي يفيض بها شعره، ومسالكه المعنوية المُلتوية، وتنوّع أغراضه ومقاصده الشعرية التي ابتعد في كثير من جوانبها عن عادة الشّعراء في المدح والهجاء والغزل والرّثاء؛ خاصّة وأنّ ابن جني وشيخه الفارسي من الذين حازوا المنطق، وامتلكوا القدرة على إخضاع الشواذّ اللّغوية إلى مبرّرات وحجج تجعلها معقولة ومقبولة.

إنّ ابن جني الذي لم ير للمتنبّي نظيراً في معناه ولا مجرياً إلى مداه؛ سينبري إلى الكشف عن وجه الإبداع في شعره؛ فابن جني يرى أنّ خروج المتنبّي عن العربية لم يقع إلّا على مستوى الظاهر، وكأنّه أراد أن يقول للذين يتعاملون مع الاستعمال اللّغوي بمقتضى القواعد النحوية الضيّقة: إنّ للعربية مسالك ومذاهب تتّسع للشعراء في اجتراءهم وشجاعتهم؛ فحسبنا أن نتمتلك درايةً كافيةً بهذه اللغة. وإن أومأ ابن جني هنا إلى شيء فإنّما يومئ إلى خصائص العربية، وإمكاناتها التعبيرية والجمالية وما تسمح به للمتكلّم من أساليب[27].

“إن استقصاء دلائل الحكمة في اللغة العربية الذي تنزّل المنزلة الأولى في كتاب الخصائص الذي عقده ابن جني كما يقول هو نفسه، “للتنبيه على شرف هذه اللغة”، سيظلّ مبدأ مرعياً في جميع كتاباته”[28].

ولم يكن نظر ابن جني في اللغة العربية وبحثه عن خصائصها مجرّدين عن وصفه لها بالحكمة، فقد اقترن تأويله لظواهر اللغة بالكشف عن إعجابه بها، ومن هنا كان النزوع نحو إظهار وجوه الحكمة الغاية التي وجهت ابن جني في معظم الأبواب التي عقدها في كتابه الخصائص وكان خلف جملة من المبادئ التي تنبه لها في اللغة العربية”[29].

لقد ارتقى ابن جني في سلم علوم العربية وبلغ درجة عالية في الإحاطة بخصائصها أشاد بها القدماء والمحدثون على حد سواء؛ حتى قال أبو الطيب المتنبي (ت 354هـ): “هذا رجل لايعرف قدره كثير من الناس. وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح (…) فإنه يقول ما أردت وما لم أرد”[30].

3. خصائص العربية عند ابن جني

ويمكن القول إنّ ابن جني قد أراد أن تكون إسهاماته متمحورة حول اللغة العربية التي نظر إليها بصفتها لغة متميّزة، وهو بذلك يخالف بعض اللّسانين المعاصرين[31]، والذي يعتقد أنّ اللغة العربية ليست لغة متميّزة، ولا تنفرد بخصائص لا توجد في لغات أخرى.

ثمّ إنّ الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري –مثلاً- يرى أنّ “العربية لغة كسائر اللغات البشرية. فاللغة العربية بصفتها “لغة” تنتمي إلى مجموعة اللغات الطبيعية وتشترك معها في عدد من الخصائص (الصوتية والتركيبة والدلالية)، وتضبطها قيود ومبادئ تضبط غيرها من اللغات. وبصفتها “عربية” تختص بمجموعة من الخصائص التي لا توجد في كل اللغات، وإنما توجد في بعض اللغات. وكونها “عربية” لا يعني أنها تنفرد بخصائص لا توجد في أية لغة من اللغات. بل لا نكاد نجد ظاهرة في اللغة العربية إلا ونجد لها مثيلا في لغة أو لغات أخرى، هند أوربية كانت أو غير هند أوربية”[32].

وإذا تساءلنا حول ما هي بعض خصائص اللّغة العربية –عند ابن جني- وجدنا مسألة الرّتبة في مقدّمة هذه الخصائص؛ فالعربية كلسان تتمتّع بنوع من الحريّة في مسألة الرّتبة لأنّها تمتلك عنصر الإعراب، وهذه الحرية نسبية ومشروطة، والشّرط أو القيد الموجود هو: لكي يعمل عامل في معموله؛ لا يجب أن يفصل بينه وبين معموله فاصل.

يقول  ابن جني في باب القول على الإعراب: “هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه، وشكر سعيدا أبوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر، الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجا[33] واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه. فإن قلت: فقد تقول ضرب يحيى بشرى، فلا تجد هناك إعرابا فاصلا، وكذلك نحوه، قيل: إذا اتفق ما هذه سبيله، مما يخفى في اللفظ حاله، ألزم الكلام من تقديم الفاعل، وتأخير المفعول، ما يقوم مقام بيان الإعراب (…) وأما لفظه فإنه مصدر أعربت عن الشيء إذا أوضحت عنه”[34].

ويظهر من خلال النصّ أنّ ابن جني يؤكّد مسألة أساسية وهي: الاسم الذي لا يظهر عليه أثر الإعراب تكون الرّتبة بالنسبة إليه ضرورية ولازمة، والملاحظ أنّ ابن جني يتكلّم عن الإعراب في مرحلته النّهائية أي بعد تحقُّقه، وبعد أن صار ملموساً، ولم يتجرّد ابن جني حتّى يتكلّم عن الإعراب كظاهرة عامّة في جميع الألسن، وإذا كان ابن جني يتحرّى التّجريد في غالب الأحيان؛ كيف فاته أنّ الإعراب ليس مسألة خاصّة باللّغة العربية فقط؟

ثمّ إذا نظرنا إلى الإعراب من حيث النوع وجدناه: مادّي ومجرّد، وهناك ألسن يتحقّق فيها الإعراب صوتياً (أي لفظياً)، وهناك ألسن يتحقّق فيها مجرّداً؛ فالإعراب مسألة مجرّدة قبل أن يكون مشخّصاً، وهو كذلك ظاهرة موجودة في جميع الألسن؛ إلّا أنّه في العربية يُنفَّذ تنفيذاً مادّياً، وتكمن خصوصيّته في الطّريقة التي ينفّذ بها فقط، ويبقى الإعراب في العربية -وكما هو معلوم- خاصّية الإسم أمّا الفعل المضارع فيُعرب بالشبهيّة[35] فقط.

وهكذا نلاحظ أنّ الجملة بصفة عامّة: مجموعة من المراتب أي مجموعة من المواقع، والموقع في الجملة حين تحلّ فيه كلمة معيّنة؛ يتحقّق فيها الرّفع أو النّصب أو الجرّ صوتياً أو لا يتحقّق؛ فالإعراب -إذن- وظيفة طارئة على الجملة وظاهرة عامّة:

موقع

ضار بٌ    رفــع

باً    نـصب

بٍ   جـــر

وفي كتاب الإيضاح يناقش الزجّاجي (ت337هـ) مسألة علاقة الكلام بالإعراب في باب القول في الإعراب والكلام أيّهما أسبق؟

ويقرّ أبو القاسم الزجّاجي أنّ الأشياء مراتب في التّقديم والتّأخير، وأنّ الكلام سبيله أن يكون سابقاً للإعراب، لأنّ الكلام في حاله غير مُعرب؛ والإعراب يدخل عليه، ويستنتج الزجّاجي مسألة هامّة وهي: أنّ الكلام سابق للإعراب في المرتبة، وأنّه تابع من توابعه، وهكذا يشكّل قول الزجّاجي في الإعراب مبحثاً معرفياً عامّاً؛ إذ يعدّه عرضاً في النّطق كاللّون في الجسم لأنّ الجسم أقدم بالطّبع والاستحقاق[36]. 

4. أصول النظرية اللغوية عند ابن جني

لقد تناول كتاب الخصائص خصائص اللغة العربية، وقضاياها اللغوية، واستنبط أسساً عامّة للفكر اللغوي؛ ثمّ إنّ أبا الفتح بن جني من أشهر من عني بتسجيل الأصول في كتابه؛ إذ تناول معظمها بالبسط والدّراسة.

ويدرك المتصفّح له أنّ علم اللغة كما مارسه ابن جني ومن تبنى تصوّره ليس له سوى معنى واحد هو استنباط الأصول التي اعتمدها النحاة العرب في بناء نظرهم وأحكامهم، وصياغتها في صورة مبادئ عامّة، يقول محقّق كتاب الفسر: “وعلى مباحث ابن جني طابع الاستقصاء والغوص في التفاصيل والتعمق في التحليل واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات”[37].

ونذكر من بين هذه المبادئ الأساسية والقوانين اللّغوية العامّة، والتي ضمّنها ابن جني خصائصه ما يأتي:

  • الشّيء إذا كان بحيث لا أصل يسوّغه ولا قياس يحتمله ولا سماع ورد به‏.‏ وما كانت هذه سبيله وجب اُطّراحه والتوقّف عن لغة من أورده[38]‏.
  • ومعاذ الله أن ندّعي أنّ جميع اللّغة تستدرك بالأدلّة قياساً؛ لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به ونبّهنا عليه؛ كما فعله من قبلنا ممّن نحن له متّبعون وعلى مثله وأوضاعه حاذون[39].
  • إذا رأيت شيئا من هذا النّحو لا ينقاد لك فأحد أمرين: إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد فكرك عنه، أو لأنّ لهذه اللّغة أصولا وأوائل قد تخفى علينا[40].

وتبقى فائدة تعلّم أصول النحو –في رأي الأستاذ تمام حسان- كامنةً في كونها ضروريّة لطالب النحو المتخصّص، وكذلك معلّم النحو؛ لا بدّ لهما وقد نصّبا نفسيهما لفهم التّراث النحوي من أن يقفا على أرض نظرية واضحة المعالم؛ فإذا تم الاعتناء بفهم الأساس النظري لهذه المسائل كانا أقدر على ردّ كلّ فرع إلى أصله، وبدا النحو العربي بسيط البنية سهل الفهم منسجم التكوين منطقي التفكير[41].

إنّ أصول النحو هي الغرض العام الذي كون الإطار الأكبر لكتاب الخصائص لابن جني، وهي التي طغت على قضاياه التي طرحها، وهي التي ربطتها ووحدتها مهما تشعّبت والتصقت بالأمور اللّغوية أو النحوية أو الصرفية أو الصوتية أو البلاغية أو الدّلالية.

ومن القوانين والمبادئ اللغوية التي رأى ابن جني أنّها تُحصّن النّظام العامّ للعربية، وتساهم في بناء هيكلها الأصول اللّغوية الآتية:

  • الأفعال لا تحذف (أي لا يدخلها الحذف الصرفي)؛ إنما تحذف الأسماء نحو: يد ودم وأخ وأب، وما جرى مجراه. والحروف يشتق منها ولا تشتق هي أبدا[42].
  • في الانتقال من أصل إلى أصل آخر، نحو: صبر وبصر وصرب وربص، صورة الإعلال[43].
  • الضمة أثقل من الكسرة، ولكنها أقوى منها، وقد يحتمل للقوة ما لا يحتمل للضعف[44].
  • لا تجد في الثنائي –على قلة حروفه- ما أوله مضموم إلا القليل، وإنما عامته على الفتح أو على الكسر، ولا يرد على هذا نحو: (هم ومذ) فهما محذوفان من (همو، ومنذ) ولا يرد (هو) ساكن الواو، فهي ضمة مشبعة[45].
  • جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد، عامته على الفتح إلا الأقل، وقليل منه مكسور، ولا تجد مضموما إلا همزة الوصل، اضطرارا[46].
  • الطبيعة لا تحتمل وقوع الألف المدة الساكنة بعد ضمة أو كسرة، فلا بد من القلب[47].
  • من المستحيل جمعك بين الألفين المدتين، نحو أصل (كساء وقضاء)[48].
  • “الحرف الواحد لا يكون متحركا ساكنا في حال”[49].
  • لا يلتقي ساكنان إلا في لغة العجم، وقد يلتقي فيها ثلاث سواكن[50].
  • إذا ثبت المصدر –الذي هو الأصل- لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع، نحو قولهم: (العون) ولم يرد عنهم الثلاثي (عان) فكأنه ورد. وإذا صحت الصفة فالفعل في الكف[51].
  • إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل في الكف[52]
  • إذا أداك الاستعمال إلى نقض الغرض الذي سيق له الكلام، لزم الامتناع منه، نحو: حذف نون التوكيد، وإدغام المثلين في بناء الإلحاق، وتوكيد الضمير المحذوف (عند أبي الحسن)[53].
  • البدل من الزائد زائد، وليس البدل من الأصل بأصل[54].
  • التكرير قد يجوز فيه ما لولاه لم يجز؛ ألا ترى أن الواو لا توجد مفردة في ذوات الأربعة إلا في (ورنتل) ثم إنها قد جاءت مع التكرير مجيئا متعالما[55]
  • إذا كان الفعل قد حذف في الموضع الذي لو ظهر فيه لما أفسد معنى كان ترك إظهاره في الموضع الذي لو ظهر فيه لأحال لمعنى وأفسده أولى وأحجى[56].
  • البدل أعم تصرفا من العوض، فكل عوض بدل، وليس كل بدل عوضا[57].
  • ليس في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، وأما (حيوة) علما و(الحيوان) فالواو فيهما بدل من الياء لضرب من الاتساع[58].
  • قول العلماء: الأصل في قال: (قول) وفي شد: (شدد) وفي استقام: (استقوم) ونحو ذلك –ليس معناه أن هذا الأصل كان مستعملا في وقت أول، ثم غير، وإنما معناه أن لو جاء مجيء غير المغير لوجب أن يكون مجيئه على ذلك[59].
  • قد يوهم تفسير الكلام إعرابا، وإن كان الحق غيره في الصنعة[60].
  • المحذوف لعلة كالثابت، والعمل له، إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه[61].
  • الأصل مخالفة صيغة الماضي لصيغة المضارع؛ إذ الغرض من صوغ هذه المثل إنما هو لإفادة الأزمنة[62].
  • لو التقت همزتان على وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما[63].
  • ليس في الكلام أصل عينه ولامه همزتان[64].
  • ما عينه واو ولامه ياء أكثر مما عينه ولامه ياءان؛ ألا ترى أن باب (طويت وشويت) أكثر من باب (حييت وعييت)[65].
  • متى اجتمع معك في الأسماء والأفعال حرف أصل ومعه حرفان مثلان لا غير، فهي أصلان، متصلان أو منفصلان (تفصيل ذلك)[66].
  • إذا اتفق اللفظان في الحروف إلا حرفا واحدا، فما أمكن أن يكون جميعا أصلين لم يسع العدول عن ذلك، إلا أن دل دليل على خلافه[67].
  • إذا جرد حرف من معناه الموضوع له واستعمل استعمالا آخر، اكتسب حكما نحويا جديدا، فخرج من بنائه إلى الإعراب المستحق لوضعه الجديد، ويعرف هذا بـ(خلع الأدلة)[68].
  • مجيء المضارع يشهد للماضي وإن لم يسمع، قالوا: الأمر يحزنني، ولم يقولوا: حزنني[69].
  • حرف العلة ضعيف لا يتحامل بنفسه؛ لذلك قد تحذف حركته، وقد يحذف هو نفسه في النثر والشعر[70].
  • ليس في الدنيا مرفوع يجوز تقديمه على رافعه[71].
  • عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال[72].
  • اعتلال اللام أقعد في معناه من اعتلال العين، ولذلك أدلة[73].
  • يقتصر في الأوزان المحتملة للكلمة عليا الأوزان التي لها نظير موجود أو القريبة مما له نظير[74].
  • الأصل أن يدل الفعل أو الاسم على إثبات معناه، لا على سلبه، وقد خرج عن هذا الأصل ألفاظ[75].
  • الأسماء هي الأول، الأفعال توابع وثوان لها، وللأصول من الاتساع والتصرف ما ليس للفروع[76].
  • ليس في كلامهم نون ساكنة مظهرة بعدها لام، إنما يكون ذلك في الصنعة النحوية فقط[77].
  • إذا حذفت العرب من الكلمة حرفا راعت حال ما بقي، فإن كان ما تقبله أمثلتهم أقروه، وإن خالف ذلك مالوا به إلى نحو صورهم[78].
  • أصل المد وأقواه وأعلاه وأنعمه وأنداه، إنما هو للألف، وإنما الياء والواو محمولان عليها في ذلك[79].
  • الساكنان إذا التقيا من كلمة واحدة حرك الآخر منهما، وإنما يحرك الأول منهما إذا كان من كلمتين[80]
  • المضارع أسبق في الرتبة من الماضي[81].

يقول الأستاذ عبد السلام المسدي متحدّثاً عن النظرية اللّغوية عند العرب: “إن مما اطرد عند الدارسين اللغويين أن الحضارة العربية لم تفرز في مجال اللغويات سوى علم تقني منطلقه وغايته نظام اللغة العربية في حد ذاتها لا غير”[82].

وهذه الحقيقة – في نظر الأستاذ عبد السلام المسدي- تَصدُق كذلك على أحدث التيارات اللّسانية العامّة في عصرنا كما هو الشّأن في تصانيف رائد النحو التوليدي تشومسكي.

فالقضية إذن مردّها قدرة أمّة من الأمم على تجاوز ضبط لغتها وتقنيتها لإدراك مرتبة التفكير المجرّد في شأن الكلام باعتباره ظاهرة بشرية كونية تقتضي الفحص العقلاني بغية الكشف عن نواميسها الموحّدة.

فالحضارة العربية قد أدركت تلك المرتبة –في نظر الأستاذ المسدي- حيث أدرك أنّ أعلامها –وفي مقدّمتهم العالم المميّز ابن جني- قد فكروا في اللّغة العربية فاستنبطوا منظومتها الكلّية وحدّدوا فروع دراستها بتصنيفٍ لعلوم اللّغة وتبويب لمحاور كلّ منها، فكان من ذلك جميعاً تراثهم اللّغوي في النّحو والصّرف والأصوات والبلاغة والعروض وغيرها.

ويرى الأستاذ المسدي -كذلك- أنّ المفكرين العرب قد تطرّقوا إلى التفكير في الكلام من حيث هو كلام؛ أي في الظّاهرة اللّغوية كونيّاً، “ولئن ورد ذلك جزئيا في منعطفات علوم اللغة العربية وخاصة عندما فلسفوا منشأ نظامها وقواعدها فوضعوا علم أصول النحو فإنهم دونوا ذلك خصوصا في جداول تراثهم الآخر غير اللغوي أساسا، وما خلفوه لنا في هذا المضمار يكشف لنا بجلاء أنهم ترقوا في بحوثهم اللغوية”[83].

ومن الدّراسات المُركّزة على رواد التفكير اللّغوي أطروحة الأستاذ عبد القادر المهيري[84] الذي عقد فصلاً لنظريات صاحب الخصائص في اللّغة عموماً. “وقد انتهى الباحث إلى أن ابن جني وإن لم يبلور نظرية متكاملة في الموضوع، فإن آراءه المبثوثة في مصنفاته تفضي إلى الجزم بأنه وقف على كثير من خصائص الظاهرة اللغوية كالقول بأنها تقوم على نظام داخلي متكامل وكاعتبارها مؤسسة من مؤسسات الحياة الاجتماعية وكالإشارة ولو بشيء من التردد والاضطراب إلى أنها ترضخ لعامل الزمن فتنضوي تحت سلطان التطور”[85]. ولعل هذا ما يعين على ضبط مقومات نظرية العرب في مركّبات الخطاب.

“وقال الدكتور رمضان عبد التواب: “أما كتب فقه اللغة العربية من تراثنا اللّغوِي فإنها حقاً تبعث على الإعجاب والإكبار إذ يظهر في شيء غير قليل من قضاياها سبق علمائنا القدامى لأحدث النظريات اللّغوِية في العصر الحديث بألف عام أو يزيد، وعلى رأس هذه الكتب الخصائص وسر صناعة الإعراب للإمام ابن جني”[86].

المبحث السادس: دور ابن جني في إغناء المعجم اللغوي العربي

تتجلّى مكانة ابن جني العلمية والمعرفية في تأثيره في أُمّهات الكتب العربية[87] التي حفظت لنا هذه اللغة، إذ كان أبو الفتح مصدر توثيق وحجّة، اُسْتُنِد عليه في إثبات كثيرٍ من الآراء، “ولو رجعنا إلى كتب اللغة كالمخصّص والمحكم لابن سيدة ولسان العرب لابن منظور وتاج العروس للفيروز آبادي وغيرها، أو إلى كتب النحو والنقد كالاقتراح والمزهر للسيوطي والمثل السائر لابن الأثير وسر الفصاحة للخفاجي وغيرها من الكتب لوجدنا آراءه وكلماته وتعليلاته مبثوثة فيها، نقلها أصحاب تلك الكتب في معرض الاحتجاج والإعجاب”[88].

ولقد رجع محقّق الفسر إلى فهارس لسان العرب، فوجد اسم ابن جنيّ يتردّد فيها بما يقارب ثمانمائة مرّة، وقد ضرب على ذلك بعض الأمثلة في الدّراسة التي قدّم بها تحقيقه لكتاب الفسر. ويقول الشيخ علي النجّار في مقدّمة تحقيقه للخصائص: “لقد فتح ابن جنيّ في العربية أبوباً لم يتسنَّ فتحها لسواه، ووضع أصولاً في الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعاني وإهمال ما أهمل منَ الألفاظ وغير ذلك، وكان بذلك إماماً يحتاج إلى أتباعٍ يمضون في سبيله، ويبنون على بحوثه، وإذا لنضجت أصوله، وبلغت إناها، ولكنه لم يرزق هؤلاء الأتباع”[89].

وتجدر الإشارة إلى أن معجم لسان العرب يتميّز بكونه موسوعة أدبية اعتمد ابن منظور (ت711ه) في استلهام مادّتها من مصادر وكتب اللغة السّابقة عليه وهي:

التهذيب للأزهري والمحكم لابن سيدة (ت458ه)، واللذان أحسنا جمع اللغة المأخوذة عن طريق المشافهة، وقد أخذ عنهما ابن منظور المادّة اللغوية المجموعة فيهما.

الصّحاح للجوهري والذي تميّز بحسن الترتيب، وقد أخذ عنه ابن منظور منهجه المتميّز في عرض المادّة اللغوية.

الحواشي لابن برّي والذي تكمن قيمته في تدارك الأخطاء التي وقع فيها صاحب الصّحاح الجوهري.

النهاية لابن الأثير، وقد أخذ عنه ابن منظور ما وشَّح به مادّته المعجمية من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأشعار وأمثال..

ويتّهم الشيخ علي النجّار ابنَ سيدة الأندلسي (ت458ه) صاحب المحكم، بأنّه أغار على فوائد أبي الفتح وبحوثه اللُّغوية، وأنّه نقل كثيراً من آرائه إلى كتابه المحكم من دون أن يعزوها إلى صاحبها، فجاء صاحب اللسان، ونسبها لابن سيده، وهي في حقيقتها لابن جني.

وهذا يضاعف الرّقم الذي تمّت الإشارة إليه –آنفاً- في مسألة نقل صاحب اللّسان عن ابن جنيّ، وهو بحث يحتاج إلى بسط واستقصاء فعلاً كما ذكر الشيخ علي النجار. كما أقترح بدوري أن يُقَام ببحث مستفيض حول دور ابن جني في تطوير المعجم العربي لسان العرب نموذجاً.

وقد أورد ابن منظور في مسألة تفسير النحو في مادة (نحو) من اللّسان منسوبة إلى ابن سيده في المحكم، وهو فصل نقله ابن سيده في المحكم عن ابن جنيّ في الخصائص[90]. وابن جنّي “واسع الرّواية والدراية في اللغة، وفي معاجم العربية قدر كبير من اللغة مرجعه إلى هذا الإمام (…) وكثيراً ما يطالعك صاحب اللّسان عندما يورد الشّاهد الشعري بقوله: أنشد ابن جني رغم ورود البيت عند غيره، وهذا دلالة على التوثيق كون ابن جنيّ هو المصدر”[91].

ومن خصال ابن جني البارزة وخلاله الظاهرة الأمانة والوفاء فقد كان أميناً في التحديث عن شيوخه دقيقاً في النّقل عليهم؛ “فهو يذكر الأبواب والفصول التي قرأها على شيخه أبي علي أو على غيره، وأحياناً يذكر الأمكنة التي قرأ فيها ويذكر أنه نسي اللفظ الذي سمعه وأنه ينقل المعنى”[92].

يقول ابن جني مقدّماً كتاب أستاذه المازني، وناصحاً كلّ من يطّلع على كتاب ذي قيمة وينظر في كتاب قد عُنِي به وَاضعه، وانصرف إلى الاهتمام به مُصَنِّفُه، فحظي منه بأقصى ما طلب، ووصل إلى غايته من كَثَب بأن يلتزم بالأمور الآتية:

  • أن يحمد الله على ما وهبه له مِن فهْمه.
  • وأن يُسلِّم لصاحبه ما وَفَّره اللهُ عليه منْ حفْظه.
  • وأن يعتزِيَ فيما يحكيه عنه إليه.

“فإن فَعَل ذلك فَعلى مَحَجَّةِ أهْل العلم والأدَبِ وَقف، وإن أبَى إلا كُفْران النّعمة فَعَن المروءة والإنسانية صَدَف”[93].

يقول الشيخ النجار: “وهو في علل العربية وتخريجها وبيان الحكمة في تصريفها واستخراج مناسبات الاشتقاق لا يشق له غبار”[94]. وقد بلغ من ولع ابن جني بالاشتقاق إلى أن جعل الألفاظ دلالة على المعاني بالمطلق، “فرأى أنّ المسك هو فعل من أمسكت بالشيء، كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسَّة عليه، ولا يعدل بها صاحبها عنه”[95].

ويؤكّد محقّق كتاب الفسر على أنَّ ابن جنّي “كان على معرفةٍ تامَّة بالفارسيَّة، يدلُّ على ذلك ما نثر في ثنايا كتبه من كلماتها، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أوَّل ما يتسلَّحُ به عالم اللُّغة المتبحر في فقهها معرفته بلغات عدَّة، وهذا ما كان أبو الفتح يمتلكهُ فعلاً”[96]. وقد ذكر محقّق كتاب الفسر عدداً كبيراً ممّن أفادوا من فكر أبي الفتح بن جني، وانتفعوا بالاشتغال على مؤلفاته وأفكاره، واغترفوا من بحر علمه.

لقد كانت لابن جنّي مكانة علمية ومعرفية نالها بحقّ، وبذلك حظي بموقع مرموق من العربية التي أعلن شغفه بها وصرّح بحبّه لها؛ فكانت النتيجة الحتمية أن أبدع فيها، وكان أحد أبنائها الخالدين.

“ولعل هذا الفكر الموسوعي العميق والدقيق وهذه الابتكارات الرائعة في ميادين اللُّغة وهذا التنوع العجيب في المعارف، وهذا التفرد بمسائل كثيرة جعل الباحثين يقفون طويلاً أمام تفسير الأسباب التي كانت وراء تفوق هذه الشخصية الهامة (…) وإذا كان لنا من رأي نقوله في هذا الأمر فإنما نشير إلى أن مرد ذلك إلى ما رزق أبو الفتح من موهبة متميزة، ولدت معه، فاتَّجه إلى العلم والمعرفة منذ نعومة أظفارره، وأحبَّ العربيَّة، فأكبَّ عل دراسةِ علومها في موطنه الموصل حيث البيئة مهيئة لصقل الموهبة ورفد المعرفة، وبهذه الموهبة وبذاك الحب اختزن أبو الفتح ما حباه الله به”[97].


 

[1]) يظهر جليا لقارئ الخصائص أنّ ابن جني لم يكن مجرّد قلم ناقل أو شخص مردّد لما أتى به أساتذته (أمثال أبي علي الفارسي وسيبويه..)، ولكنّه كان عالماً مجتهداً في مجال اللغة والنحو والأدب، ابتدع مسائل ومصطلحات خاصّة به، وقد صرّح هو نفسه بذلك في خصائصه، وذلك حين أقرّ بوضعه وابتكاره لمصطلح الاشتقاق الأكبر.

وهذا خلاف ما صرّح به الأستاذ شوقي ضيف حين قال: إنّ من يقرأ ابن جني “في كتبه المطبوعة وخاصة الخصائص يحسّ أن مادة علمه مستمدة من أستاذه، وكأنه كان قلما في يده يسجل كل خواطره ولفتاته النحوية والصرفية”. انظر كتاب المدارس النحوية لشوقي ضيف، دار المعارف المصرية- القاهرة، الطبعة الرابعة: بدون تاريخ، ص: 266. ويقول في الصفحة: 259 من نفس الكتاب: “ولعلّنا لا نغلو إذا قلنا إن أكثر الأصول التي اعتمدها ابن جني في كتابه الخصائص إنما استمدها من إملاءات أبي علي أستاذه وملاحظاته”.

[2] ) لهذا نجد ابن جني يقدّم مؤلّفه بقوله: “هذا كتاب مبنيّ على إثارة معادن المعاني، وتقرير حال الأوضاع والمبادئ، وكيف سَرَت أحكامها في الأحناء والحواشي”. انظر الخصائص: 1/32.

ويقول في موضع آخر: “وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام، وكيف بدئ وإلام نُحِي”، الخصائص: 1/67.

[3] ) يقدّم ابن جني الخصائص بقوله: “هو كتاب يتساهم ذوو النظر: من المتكلمين والفقهاء والمتفلسفين والنحاة والكتّاب والمتأدّبين التأمّل له، والبحث عن مستودعه، فقد وجب أن يخاطب كل إنسان منهم بما يعتاده، ويأنس به، ليكون له سهم منه وحصّة فيه!”. انظر الخصائص: الجزء نفسه الصفحة نفسها.

[4]) البلاغة والأصول، دراسة في أسس التفكير البلاغي العربي، نموذج ابن جني لمحمد مشبال، أفريقيا الشرق- المغرب: 2007م، ص: 224.

[5] ) الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني (ت392ه)، تحقيق: علي النجار، دار الكتب المصرية- المكتبة العلمية، بدون طبعة، 1/33.

[6] ) محمد حماسة عبد اللطف: النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي- الدلالي، دار الشروق- القاهرة، الطبعة الأولى/200م، ص: 39.

 [7]) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[8]) علم اللغة العربية، مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية لمحمود فهمي حجازي، وكالة المطبوعات- الكويت، ص: 9.

[9] ) دراسات في فقه اللغة للأستاذ صبحي الصالح، دار العلم للملايين- بيروت، الطبعة الثامنة عشر: 2007م، ص: 156-157.

[10] ) يقول نايف معروف: “إن الناظر بعمق إلى آراء ابن جني يجد أنه في حيرة من أمره، فحين قال بالاصطلاح والتواضع اصطدم بالحقيقة القرآنية التي تقول: إن مصدر العلم الأول للإنسان الأول (آدم عليه السلام) جاء من عند الله، فلجأ إلى التأويل. ومن جهة أخرى هو مأخوذ بروعة اللغة العربية وجمالها وكمالها، بحيث يعجز الناس عن الإتيان بمثلها”. خصائص اللغة العربية وطرائق تدريسها، دار النفائس- بيروت، الطبعة الأولى: 1985م، ص: 22.

[11] ) الخصائص: 1/244.

[12] ) أطف: دنا وقرب

[13] ) الخصائص: 1/64- 65.

[14] ) لتأكيد هاتين الصفتين للغة انظر (باب في مشابهة معاني الإعراب معاني الشعر) الخصائص: 2/168 وما بعدها؛ ثمّ (باب في بقاء الحكم مع زوال العلة): 3/157 وما بعدها.

[15] ) الخصائص: 1/110.

[16]) الفسر، شرح ابن جني الكبير على ديوان المتنبي، تحقيق: الدكتور رضا رجب، دار الينابيع-دمشق، الطبعة الأولى: 2004م، 1/122.

[17] ) وذلك في باب في أن العرب قد أرادت من العِلَل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها

[18] ) من بأى يبأى –كسعى يسعى- بأوا، وبأيا: فخر.

[19] ) هو سهل بن محمد السجستاني البصري، أستاذ المبرّد. مات سنة255.

[20] ) هو ابن عبد الحميد الكرخي.

[21] ) الخصائص: 1/242-243.

[22] ) الخصائص: 1/242

[23] ) الخصائص: 1/242.

[24] ) محمد مشبال: البلاغة والأصول، مرجع سابق، ص: 49.

[25] ) المرجع نفسه، ص: 47.

[26]) انظر دفاع عبد القاهر الجرجاني عن هذه الفكرة في ص: 37- 38… من الدلائل. دلائل الإعجاز، تأليف: عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلّق عليه: أبو فهر محمود محمد شاكر، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية: 1410ه/1989م.

[27] ) محمد مشبال: البلاغة والأصول، مرجع سابق، ص: 55.

[28] ) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[29] ) البلاغة والأصول، ص: 48.

[30] ) الخصائص: 1/21.

[31] ) أمثال الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري.

[32] ) اللسانيات واللغة العربية نمادج تركيبية ودلالية، للأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، الكتاب الأول، دار توبقال للنشر- المغرب، الطبعة الأولى: 1985م، ص: 56.

[33] ) شرجا: ضربا.

[34] ) الخصائص: 1/35.

[35] ) الفعل المضارع يضارع الاسم أي يشبه اسم الفاعل.

[36] ) انظر كتاب الإيضاح في علل النحو لأبي القاسم الزجّاجي، تحقيق: مازن المبارك، دار النفائس- بيروت، الطبعة الخامسة: 1986م، ص: 67- 68.

[37] ) انظر كتاب الفسر: 1/120.

[38] ) “وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، وترك تلقي ما يرد عنها (…) وقد كان طرأ علينا أحد من يدعي الفصاحة البدوية، ويتباعد عن الضعفة الحضرية، فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له، وميزناه تمييزا حسن في النفوس موقعه، إلى أن أنشدني يوما شعرا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشئؤها, أدأؤها [بوزن أشععها وأدععها] فجمع بين الهمزتين كما ترى، واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه (…) فالناطق بذلك بصورة من جر الفاعل أو رفع المضاف إليه في أنه لا أصل يسوغه ولا قياس يحتمله ولا سماع ورد به‏.‏ وما كانت هذه سبيله وجب اطراحه والتوقف عن لغة من أورده‏. الخصائص: 2/5-6-7.

[39] ) “ومعاذ الله أن ندعي أن جميع اللغة تستدرك بالأدلة قياساً لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به ونبهنا عليه كما فعله من قبلنا ممن نحن له متبعون وعلى مثله وأوضاعه حاذون. فأما هجنة الطبع وكدورة الفكر وخمود النفس وخيس الخاطر وضيق المضطرب فنحمد الله على أن حماناه ونسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه ويستعملنا به فيما يدني منه ويوجب الزلفة لديه بمنه‏.‏ فهذا مذهب العلماء بلغة العرب وما ينبغي أن يعمل عليه ويؤخذ به فأمضه على ما أريناه وحددناه غير هائب له ولا مرتاب به‏.‏ وهو كثير وفيما جئنا به منه كاف”‏.‏الخصائص:2/34.

[40]) “فإن أنت رأيت شيئا من هذا النحو لاينقاد لك فيما رسمناه، ولا يتابعك على ما أوردناه، فأحد أمرين: إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوئل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا [كما قال سيبويه:] أو لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر”. الخصائص: 2/ 164.

[41] ) تمام حسان: الأصول، دراسة إبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي، دار الثقافة- الدار البيضاء، طبعة: 1991م،

ص: 8.

[42] ) “جميع باب (ن ع م) إنما هو مأخوذ من (نعم) لمل فيها من المحبة للشيء والسرور به. فنعمت الرجل، أي قلت له (نعم) فنعم بذلك بالا، كما قالوا: بجلتته أي قلت له (بجل) أي حسبك حيث انتهيت، فلا غاية من بعدك، ثم اشتقوا منه الشيخ البجال، والرجل البجيل. فنعم، وبجل كما ترى حرفان، وقد اشتق منهما أحرف كثيرة. فإن قلت: فهلا كان نعم وبجل مشتقين من النعمة والنعيم، والبجال والبجيل ونحو ذلك دون أن يكون ذلك مشتقا منهما؟ قيل: الحروف يشتق منها ولا تشتق هي أبدا. وذلك أنها لما جمدت فلم تتصرف شبهت بذلك أصول الكلام الأول التي لاتكون مشتقة (من شيء) (…) والأفعال لا تحدف؛ إنما تحذف الأسماء نحو يد، ودم، وأخ، وأب، وما جرى مجراه، وليس الفعل كذلك. فأما خذ، وكل ومر فلا يعتد، إن شئت لقلته، وإن شئت لأنه حذف تخفيفا في موضع وهو ثابت في تصريف الفعل؛ نحو أخذ يأخذ، وأخذ وآخذ”. الخصائص: 2/37.

[43] ) “اعلم أن واضع اللغة لما أراد صوغها، وترتيب أحوالها، هجم بفكره على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لابد من رفض ما شنع تألفه منها، نحو هع، وقج، وكق، فنفاه عنه نفسه، ولم يمرره بشيء من لفظه، وعلم أيضاً أن ما طال وأمل بكثرة حروفه لا يمكن فيه من التصرف ما أمكن في أعدل الأصول وأخفها، وهو الثلاثي. وذلك أن التصرف في الأصل وإن دعا إليه قياس –هو الاتساع به في الأسماء، والأفعال، والحروف- فإن هناك من وجه آخر ناهياً عنه، وموحشاً منه، وهوأن في نقل الأصل إلى أصل آخر نحو صبر، وبصر، وصرب، وربص، صورة الإعلال، نحو قولهم “ما أطيبه وأيطبه” “واضمحل وامضحل” “وقسي وأينق” (…) وهذا كله إعلال لهذه الكلم وما جرى مجراها. فلما كان انتقالهم من أصل إلى أصل، نحو صبر، وبصر، مشابها للإعلال، من حيث ذكرنا، كان من هذا الوجه كالعاذر لهم في الامتناع من استيفاء جميع ما تحتمله قسمة التركيب في الأصول. فلما كان الأمر كذلك، واقتضت الصورة رفض البعض، واستعمال البعض، وكانت الأصول ومواد الكلم معرضة (موجودة ظاهرة لا تمتنع) لهم، وعارضة أنفسها على تخيرهم، جرت لذلك [عندهم] مجرى ما ملقًى بين يدي صاحبه، وقد أجمع إنفاق بعضه دون بعضه، فميز رديئه وزائفه، فنفاه البتة، كما نفوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه، ثم ضرب بيده إلى ما أطفله عرض جيده، فتناوله للحاجة إليه، وترك البعض؛ لأنه لم يرد استيعاب جميع ما بين يديه منه؛ لما قدمنا ذكره؛ وهو يرى أنه لو أخذ ما ترك، مكان أخذ ما أخذ،لأغنى عن صاحبه، ولأدى في الحاجة إليه تأديته؛ ألا ترى أنهم لو استعملوا لجع مكان نجع لقام مقامه، وأغنى مغناه. ثم لا أدفع أيضا أن تكون في بعض ذلك أغراض لهم، عدلوا إليه لها، ومن أجلها؛ فإن كثيرًا من هذه الغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها؛ ألا تراهم قالوا قضم في اليابس، وخضم في الرطب؛ وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى في الفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف”. الخصائص: 1/64-65.

[44] ) “فإن قلت: فما بالهم كثر عنهم باب فعل، نحو عنق، وطنب، وقل عنهم باب فعل، نحو إبل وإطل مع أن الضمة أثقل من الكسرة؟ فالجواب عنه من موضعين: أحدهما أن سيبويه قال: “واعلم أنه قد يقل لشيء في كلامهم، وغيره أثقل منه، كل ذلك لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون فهذا قول، والآخر أن الضمة وإن كانت أثقل من الكسرة، فإنها أقوى منها؛ وقد يحتمل للقوة ما لا يحتمل للضعف”. الخصائص: 1/68-69.

[45] ) “ومن حديث الاستثقال والاستخفاف أنك لا تجد في الثنائي –على قلة حروفه- ما أوله مضموم، إلا القليل؛ وإنما عامته على الفتح، نحو هل، وبل، وقد، وأن، وعن، وكم، ومن، وفي المعتل أو، ولو، وكي، وأي، أوعلى الكسر؛ نحو إن، ومن، وإذ. وفي المعتل إي، وفي، وهي. ولا يعرف الضم في هذا النحو إلا قليلا؛ قالوا: هو، وأما هم فمحذوفة من همو، كما أن مذ محذوفة من منذ. وأما هو من نحو قولك: رأيتهو، وكلمتهو، فليس شيئا، لأن هذه ضمة مشبعة في الوصل؛ ألا تراها يستهلكها الوقف، وواو هو في الضمير المنفصل ثابتة في الوقف والوصل”. الخصائص: 1/69.

[46] ) “جميع ما جاء من الكلم على حرف واحد: عامته على الفتح، إلا الأقل؛ وذلك نحو همزة الاستفهام، وواو العطف، وفائه، ولام الابتداء وكاف التشبيه وغير ذلك. وقليل منه مكسور، كباء الإضافة ولامها ولام الأمر، ولو عري ذلك من المعنى الذي اضطره إلى الكسر لما كان إلا مفتوحا، ولا نجد في الحروف المنفردة ذوات المعاني ما جاء مضموما، هربا من ثقل الضمة”. الخصائص:1/71.

[47] ) “إن علل النحويين على ضربين: أحدهما واجب لابد منه؛ لأن النفس لا تطيق في معناه غيره. والآخر لا يمكن تحمله؛ إلا أنه على تجشم واستكراه له. الأول –وهو لابد للطبع منه-: قلب الألف واوا للضمة قبلها، وياء للكسرة قبلها. أما الواو فنحو قولك في سائر: سويئر، وفي ضارب ضويرب. وأما الياء فنحو قولك في نحو تحقير قرطاس وتكسيره: قريطيس، وقراطيس. فهذا ونحوه مما لا بد منه؛ من قبل أنه ليس في القوة، ولا احتمال الطبيعة وقوع الألف المدة الساكنة بعد الكسرة ولا الضمة. فقلب الألف على هذا الحد علته الكسرة والضمة قبلها. فهذه علة برهانية ولا لبس فيها، ولا توقف للنفس عنها. وليس كذلك قلب واو عصفور ونحوه ياء إذا انكسر ما قبلها؛ نحو: عصيفير وعصافير؛ ألا ترى أنه قد يمكنك تحمل المشقة في تصحيح هذه الواو بعد الكسرة؛ وذلك بأن تقول: عصيفور وعصافور. وكذلك نحو: موسر، وموقن، وميزان وميعاد؛ لو أكرهت نفسك على تصحيح أصلها لأطاعتك عليه، وأمكنتك منه؛ وذلك قولك موزان، وموعاد، وميسر، وميقن. وكذلك ريح وقيل؛ قد كنت قادرا أن تقول: قول، وروح؛ لكن مجيء الألف بعد الضمة أو الكسرة أو السكون محال، ومثله لا يكون”. الخصائص: 1/88.

[48] ) “ومن المستحيل جمعك بين الألفين المدتين؛ نحو ما صار إليه قلب لام كساء ونحوه قبل إبدال الألف همزة، وهو خطا كساا، أو قضاا، فهذا تتوهمه تقديرا ولا تلفظ به البتة. قال أبو إسحاق يوما لخصم نازعه في جواز اجتماع الألفين المدتين –ومد الرجل الألف في نحو هذا، وأطال- فقال أبو إسحاق: لو مددتها إلى العصر ما كانت إلا واحدة. وعلة امتناع ذلك عندي أنه قد ثبت أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا؛ فلو التقت ألفان مدتان لانتقضت القضية في ذلك؛ ألا ترى أن الألف الأولى قبل الثانية ساكنة، وإذا كان ما قبل الثانية ساكنا كان ذلك نقضا للشرط لا محالة”.الخصائص:1/88-89.

[49] ) انظر الخصائص: 1/89.

[50] ) “ومن طريف حديث اجتماع السواكن شيء وإن كان في لغة العجم، فإن طريق الحس موضع تتلاقى علي طباع البشر، ويتحاكم إليه الأسود والأحمر، وذلك قولهم: “آرد” للدقيق و”ماست” لللبن؛ فيجمعون بين ثلاثة سواكن. إلا أنني لم أر ذلك إلا فيما كان ساكنه الأول ألفا، وذلك أن الألف لما قاربت بضعفها وخفائها الحركة صارت “ماست” كأنها مست”.الخصائص: 1/90.

[51] ) “فإن قلت: فما تقول في استعان وقد أعل، وليس تحته ثلاثي معتل، ألا تراك لا تقول: عان يعون كقام يقوم؟ قيل: هو وإن لم ينطق بثلاثيه فإنه في حكم المنطوق به، وعليه جاء أعان يعين. وقد شاع الإعلال في هذا الأصل؛ ألا تراهم قالوا: المعونة –فأعلوها كالمثوبة، والمعوضة- والإعانة، والاستعانة: فأما المعاونة فكالمعاودة: صحت لوقوع الألف قبلها. فلما اطرد الإعلال في جميع ذلك دل أن ثلاثيه وإن لم يكن مستعملا فإنه في حكم ذلك. (…) وأيضا فقد نطقوا من ثلاثيه بالعون، وهو مصدر، وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع؛ قال لي أبو علي بالشام: إذا صحت الصفة فالفعل في الكف”. الخصائص: 1/1221.

[52] ) “وحكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال درهمت الخبازى؛ أي صارت كالدراهم، فاشتق من الدرهم وهو اسم أعجمي. وحكى أبو زيد رجل مدرهم (أي كثير الدراهم). قال ولم يقولوا منه: درهم؛ إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل في الكف. ولهذا أشباه”. الخصائص:1/358.

[53] ) “وذلك أن الغرض في التوكيد إنما هو التحقيق والتسديد، وهذا مما يليق به الإطناب والإسهاب، وينتفي عنه الإيجاز والاختصار. ففي حذف هذه النون نقض الغرض. فجرى وجوب استقباح هذا في القياس مجرى امتناعهم من ادغام الملحق؛ نحو مهدد، وقردد، وجلبب، وشملل، وسبهلل (السبهلل: الفارغ)، وقفعدد، في تسليمه وترك التعرض لما اجتمع فيه من توالي المثلين متحركين؛ ليبلغ المثال الغرض المطلوب في حركاته وسكونه، ولو ادغمت لنقضت الغرض الذي اعتزمت. ومثل امتناعه من نقض الغرض امتناع أبي الحسن من توكيد الضمير المحذوف المنصوب في نحو الذي ضربت زيد؛ ألا ترى أنه منع أن تقول: الذي ضربت “نفسه” توكيد للهاء المحذوفة من الصلة. الخصائص:1/126-127.

[54] ) “فإن قلت: فإن همزة تأبل، وخأتم، والعألم، إنما هي بدل من الألف، قيل: هي وإن كانت بدلا فإنها بدل من الزائد، والبدل من الزائد زائد، وليس البدل من الأصل بأصل. فقد ترى أن حال البدل من الزائد أذهب به (الضمير في (به) يعود على البدل) في حكم ماهو بدل منه من الأصل في ذلك. فاعرف هذا”. الخصائص:1/142-143.

[55] ) “ومثل امتناعهم من قلب الواو في نحو هذا ياء من حيث كانت زائدة فلا عصمة لها، ولا تلزم لزوم الأصلي فيعرف بذلك أصلها، أن ترى الواو الزائدة مضمومة ضما لازمًا ثم لا ترى العرب أبدلتها همزة؛ كم أبدلت الواو الأصلية؛ نحو أجوه، وأقتت. وذلك نحو الترهوك، والتدهور والتسهوك: لا يقلب أحد هذه الواو –وإن انضمت ضما لازمًا- همزة؛ من قبل أنها زائدة، فلو قلبت فقيل: الترهؤك لم يؤمن أن يظن أنها همزة أصلية غير مبدلة من واو. فإن قلت: ما تنكر أن يكون تركهم قلب هذه الواو همزة مخافة أن تقع الهمزة بعد الهاء وهما حلقيان وشديدا التجاور؟ قيل يفسد هذا أن هذين الحرفين قد تجاورا، والهاء مقدمة على الهمزة؛ نحو قولهم: هأهأت في الدعاء. فإن قلت: هذا إنما جاء في التكرير، والتكرير قد يجوز فيه ما لولاه لم يجز؛ ألا ترى أن الواو لا توجد منفردة في ذوات الأربعة إلا في ذلك الحرف وحده، وهو “ورنتل” (الشر والأمر العظيم) ثم إنها قد جاءت مع التكرير مجيئًا متعالما؛ نحو وحوح (النفخ من شدة البرد)، ووزوز (الخفة والطيش)”. الخصائص:1/139-140.

[56] ) “إذا كان الفعل قد حذف في الموضع الذي لو ظهر فيه لما أفسد معنى كان ترك إظهاره في الموضع الذي لو ظهر فيه لأحال لمعنى وأفسده أولى وأحجى؛ ألا ترى أنهم يقولون: الذي في الدار زيد، وأصله الذي استقر أو ثبت في الدار زيد، ولو أظهروا هذا الفعل هنا لما أحال معنًى؛ ولا أزال غرضا”. الخصائص:1/186.

[57] ) “باب في فرق بين البدل والعوض (…) تقول في ميم (اللهم): إنها عوض من (يا) في أوله، ولا تقول: بدل. وتقول في تاء زنادقة: إنها عوض من ياء زناديق، ولا تقول: بدل. وتقول في ياء (أينق): إنها عوض من عين (أنوق) فيمن جعلها أيفل، ومن جعلها عينا مقدمة مغيرة إلى الياء، جعلها بدلا من الواو. فالبدل أعم تصرفا من العوض، فكل عوض بدل، وليس كل بدل عوضا”. الخصائص:1/265. 

[58] ) “وذكر محمد بن الحسن (هو ابن دريد صاحب الجمهرة) (أروى) في باب (أرو) فقلت لأبي علي: من أين له أن اللام واو؟ وما يؤمنه أن تكون ياء، فتكون في باب التقوى، والرعوى؟ فجنح إلى ما نحن عليه: من الأخذ بالظاهر، وهو القول. فاعرف بما ذكرته قوة اعتقاد العرب في الحمل على الظاهر، ما لم يمنع منه مانع. وأما حيوة، والحيوان فيمنع من حمله على الظاهر أنا لا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، فلا بد أن تكون الواو بدلا من ياء، لضرب من الاتساع مع استثقال التضعيف في الياء، ولمعنى العلمية في حيوة”. الخصائص:1/255-256.

[59] ) “باب في مراتب الأشياء، وتنزيلها تقديرا وحكما، لا زمانا ووقتا (…) وذلك كقولنا: الأصل في قام قوم، وفي باع بيع، وفي طال طول، وفي خاف ونام، وهاب، وخوف، ونوم، وهبب، وفي شد شدد، في استقام استقوم، وفي يستعين يستعون، وفي يستعد يستعدد. فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها –مما يدعى إن له أصلا يخلف ظاهر لفظه- قد كان مرة يقال؛ حتى إنهم كانوا يقولون في موضع قام زيد: قوم زيد (…) وليس الأمر كذلك، بل بضده. وذلك أنه لم يكن قط مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه. وإنما معنى قولنا: إنه كان أصله كذا: أنه لو جاء مجيء الصحيح ما لم يحدث فيه تغيير ولم يعلل لوجب أن يكون مجيئه على ما ذكرنا. فأما أن يكون استعمل وقتا من الزمان كذلك، ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر”. الخصائص:1/256-257.

[60] ) “باب في الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى (…) من ذلك قولهم في قول العرب: كل رجل وصنعته، وأنت وشأنك: معناه أنت مع شأنك، وكل رجل مع صنعته، فهذا يوهم من أمم أن الثاني خبر عن الأول، كما أنه إذا قال أنت فإن قوله (مع شأنك) خبر عن أنت. وليس الأمر كذلك؛ بل لعمري إن المعنى عليه، غير أن تقدير الإعراب على غيره. وإنما (شأنك) معطوف على (أنت)، والخبر محذوف للحمل على المعنى، فكأنه قال: كل رجل وصنعته مقرونان، وأنت وشأنك مصطحبان”. الخصائص:1/283.

[61] ) “باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه. من ذلك أن ترى رجلاً قد سدد سهمًا نحو الغرض ثم أرسله، فتسمع صوتاً فتقول: القرطاس والله، أي أصاب القرطاس. فـ(أصاب) الآن في حكم الملفوظ به البتة، وإن لم يوجد في اللفظ، غير أن دلالة الحال عليه نابت مناب اللفظ به”. الخصائص:1/293.

[62] ) “باب في تركب اللغات (…) وذلك أنه قد دلت الدلالة على وجوب مخالفة صيغة الماضي لصيغة المضارع؛ إذ الغرض في صيغ هذه المثل إنما هو لإفادة الأزمنة، فجعل لكل زمان مثالٌ مخالف لصاحبه، وكلما ازداد الخلاف كانت في ذلك قوة الدلالة على الزمان. فمن ذلك أن جعلوا بإزاء حركة فاء الماضي سكون فاء المضارع، وخالفوا بين عينيهما، فقالوا: ضرب يضرب، وقتل يقتل، وعلم يعلم”. الخصائص: 1/375.

[63] ) “وقد كان طرأ علينا أحد من يدعي الفصاحة البدوية، ويتباعد عن الضعفة الحضرية، فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له، وميزناه تمييزًا حسن في النفوس موقعه، إلى أن أنشدني يوما شعرا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشئؤها (أسبقها)، وأدأؤها (أخدعها) [بوزن أشععها وأدععها] فجمع بين الهمزتين كما ترى، واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه. نعم، وأبدل إلى الهمز حرفاً لا حظ له في الهمز له، بضد ما يجب؛ لأنه لو التقت همزتان على وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما، فكيف أن يقلب إلى الهمز قلباً ساذجاً عن غير صنعة ما لا حظ له في الهمز، ثم يحقق الهمزتين جميعاً؛ هذا ما لا يبيحه قياس، ولا ورد به سماع”. الخصائص: 2/5-6.

[64] ) “أما أشئؤها وأدأؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين. وكيف تكونان أصلين وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضا عن وجوب. فالناطق بذلك بصورة من جر الفاعل أو رفع المضاف إليه، في أنه لاأصل يسوغه، ولا قياس يحتمله، ولا سماع ورد به. ومن كانت هذه سبيله وجب اطراحه والتوقف عن لغة من أورده”. الخصائص: 2/7.

[65] ) “ظهور الياء عينا في حيوي قد علمنا منه كون العين ياء، وإذا كانت العين ياء واللام معتلة فالكلمة من مضاعف الياء البتة؛ ألا ترى أنه ليس في كلامهم نحو حيوت. وهذا واضح. ولولا هذه الحكاية لوجب أن تكون الحية والحواء من لفظ واحد؛ لضربين من القياس: أما أحدهما فلأن فعالا في المعاناة (المعالجة) إنما يأتي من لفظ المعاني؛ نحو عطار من العطر، وعصاب من العصب. وأما الآخر فلأن ما عينه واو ولامه ياء أكثر مما عينه ولامه ياءان؛ ألا ترى أن باب طويت وشويت أكثر من باب حييت وعييت. وإذا كان الأمر كذلك علمت قوة السماع وغلبته للقياس؛ ألا ترى أن سماعا واحدا غلب قياسين اثنين”. الخصائص: 2/46.

[66] ) “باب في المثلين: كيف حالهما في الأصلية والزيادة، وإذا كان أحدهما زائدا فأيهما هو؟ اعلم أنه متى اجتمع معك في الأسماء والأفعال حرف أصل ومعه حرفان مثلان لا غير فهما أصلان، متصلين كانا أو منفصلين. فالمتصلان نحو الحفف (ضيق العيش وشدته)، والصدد، والقصص، وصببت، وحللت، وشددت، وددن، وبين. وأما المنفصلان فنحو دعد، ونوت، وطوط، وقلق، وسلس. وكذلك إن كان هناك زائد فالحال واحدة؛ نحو حمام، وسمام (جمع سم)، وثالث، وسالس”. الخصائص: 2/56.

[67] ) باب في الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه. فمتى أمكن أن يكون الحرفان جميعا أصليين (كل واحد منهما قائم برأسه) لم يسغ العدول عن الحكم بذلك. فإن دل دال أو دعت ضرورة إلى القول بإبدال أحدهما من صاحبه عمل بموجب الدلالة، وصير إلى مقتضى الصنعة”. الخصائص:2/82. “باب في خلع الأدلة. من ذلك حكاية يونس قول العرب: ضرب منٌ منًا، أي إنسان إنسانا، أو رجل رجلا؛ أفلا تراه كيف جرد (من) من الاستفهام؛ ولذلك أعربـها. ونحوه قولهم في الخبر: مررت برجل أي رجل. فجرد (أيا) من الاستفهام أيضا”. الخصائص: 2/179.

[68] ) “ومن ذلك (يا) في النداء؛ تكون تنبيها، ونداء، في نحو يا زيد، ويا عبد لله. وقد تجردها من النداء للتنبيه البتة؛ نحو قوله تعالى: (ألا يا اسجدوا) [كأنه قال: ألا ها اسجدوا]”. الخصائص: 2/196.

[69] ) “وأما أحزنه الله فهو محزون فقد حمل على هذا؛ غير أنه قد قال أبو زيد: يقولون: الأمر يحزنني، ولا يقولون: حزنني، إلا أن مجيء المضارع يشهد للماضي. فهذا أمثل مما مضى. وقد قالوا فيه أيضا: محزنٌ، على القياس”. الخصائص: 2/216.

[70] ) “وإذا كان الحرف لا يتحامل بنفسه حتى يدعو إلى اخترامه وحذفه كان بأن يضعف عن تحمل الحركة الزائدة عليه فيه أحرى وأحجى. وذلك نحوقول الله تعالى “والليل إذا يسر” و”ذلك ما كنا نبغ” و”الكبير المتعال” (…) و”يمح الله الباطل” و”سندع الزبانية” كتبت في المصحف بلا واو للوقوف عليها كذلك. وقد حذفت الألف في نحو ذلك؛ قال رؤبة:

* وصاني العجاج فـيما وصني *

يريد: فيما وصاني”. الخصائص: 2/292-293.

[71] ) “كما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فكذلك لا يجوز تقديم ما أقيم مقام الفاعل؛ كضرب زيد. وبعد فليس في الدنيا مرفوع يجوز تقديمه على رافعه. فأما خبر المبتدأ فلم يتقدم عندنا على رافعه؛ لأن رافعه ليس المبتدأ وحده، إنما الرافع له (المبتدأ والابتداء) جميعا، فلم يتقدم الخبر عليهما معا، وإنما تقدم على أحدهما وهو المبتدأ. فهذا (لا ينتقض)”.

[72] ) “لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف، ولا شيء مما اتصل به. ولا يجوز تقديم الجواب على المجاب، شرطا كان أو قسما أو غيرهما؛ ألا تراك لا تقول: أقم إن تقم. فأما قولك أقوم إن قمت فإن قولك: أقوم ليس جوابا للشرط، ولكنه دال على الجواب، أي إن قمت قمت، ودلت أقوم على قمت. ومثله أنت ظالم إن فعلت؛ أي إن فعلت ظلمت، فحذفت (ظلمت) ودل قولك: (أنت ظالم) عليه. فأما قوله:

فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت  ***  فطعنة لا غـس ولا بمغمـر

فذهب أبو زيد إلى أنه أراد: إن ينج منها فلم أرقه، وقدم الجواب. وهذا عند كافة أصحابنا غير جائز، والقياس له دافع، وعنه حاجز. وذلك أن جواب الشرط مجزوم بنفس الشرط، ومحالٌ تقدم المجزم على جازمه؛ بل إذا كان الجار –وهو أقوى من الجازم؛ لأن عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال– لا يجوز تقديم ما انجر به عليه كان ألا يجوز تقديم المجزوم على جازمه أحرى وأجدر”. (الرجز لرؤبة في ديوانه ص: 160، ولسان العرب (عين)).الخصائص:2/387-388.

[73] ) “فإن قلت: فقد قالوا: فيعل مما عينه معتلة؛ نحو سيد وميت فبنوه على فيعل، فجاء مخالفًا للصحيح الذي إنما بابه فيعل؛ نحو صيرف وخيفق (سريع)، وإنما اعتلاله من قبل عينه، وجاءت أيضًا الفيعلولة في مصادر ما اعتلت عينه؛ نحو الكينونة والقيدودة، فقد أجروا العين في الاعتلال أيضًا مجرى اللام في أن خصوها بالبناء الذي لا يوجد في الصحيح. قيل: على كل حال اعتلال اللام أقعد في معناه من اعتلال العين؛ ألا ترى أنه قد جاء فيما عينه معتلة فيعل مفتوحة العين في قوله:  * ما بال عيني كالشعيب العين *

وقالوا أيضا هـيبان (الجبان) وتيحان (كثير الحركة) بفتح عينهما، ولم يأت في باب ما اعتلت لامه فاعل مكسراً على فعلة. (فالاعتلال المعتد) إذاً إنما هو للام، ثم حملت العين عليهما فيما ذكرت لك…” الخصائص: 2/485-486.

[74] ) “لا يخلو أن يكون أفعلا أو فعلنا أو أيفلا أو فيعلا. فيجوز هذا كله؛ لأن بعضه له نظير (وبعضه قريب مما له نظير)؛ ألا ترى أن أفعلا كثير النظير؛ كأكلب وأفرخ ونحو ذلك، وأن أيفلا له نظير (وهو أينق) في أحد قولي سيبويه فيه، وأن فعلنا يقارب أمثلتهم”. الخصائص: 3/68-69.

[75] ) “باب في السلب (…) اعلم أن كل فعل أو اسم مأخوذ من الفعل أو فيه معنى الفعل، فإن وضع ذلك في كلامهم على إثبات معناه لا سلبهم إياه. وذلك قولك: قام، فهذا لإثبات القيام، وجلس لإثبات الجلوس، وينطلق لإثبات الانطلاق، وكذلك الانطلاق، ومنطلق: جميع ذلك وما كان مثله إنما هو لإثبات المعاني لا لنفيها. ألا ترى أنك إذا أردت نفي شيء منها ألحقته حرف النفي فقلت: ما فعل، ولم يفعل، ولن يفعل (ولا تفعل) ونحو ذلك. ثم إنهم مع هذا قد استعملوا ألفاظا من كلامهم من الأفعال، ومن الأسماء الضامنة لمعانيها، في سلب تلك المعاني لا إثباتها”. الخصائص: 3/75.

[76] ) “الماضي وإن عري من حرف الزيادة فغن المضارع لابد له من حرف المضارعة، والأفعال كلها تجري مجرى المثال الواحد. فإذا وجد في بعضها شيء فكأنه موجود في بقيتها. وإنما جعلنا هذه الأفعال في كونها ضامنة لمعنى حرف النفي ملحقة بالأسماء في ذلك، وجعلنا الأسماء أصلا فيه، من حيث كانت الأسماء أشد تصرفا في هذا ونحوه من الأفعال؛ إذ كانت هي الأول، والأفعال توابع وثوان لها؛ وللأصول من الاتساع والتصرف ما ليس للفروع”. الخصائص:3/82.

[77] ) “باب في احتمال اللفظ الثقيل لضرورة التمثيل (…) وذلك كقولهم في التمثيل من الفعل في حبنطى: فعنلى. فيظهرون النون ساكنة قبل اللام. وهذا شيء ليس موجودًا في شيء من كلامهم؛ ألا ترى أن صاحب الكتاب قال: ليس في الكلام مثل قنر، وعنل. وتقول في تمثيل عرند: فعنل، وهو الأول. وكذلك مثال حجنفل: فعنلل، ومثال عرنقصان: فعنللان. وهذا لابد أن يكون هو ونحوه مظهرًا، ولا يجوز ادغام النون في االلام في هذه الأماكن؛ لأنه لوفعل ذلك لفسد الغرض، وبطل المراد المعتمد (…) وبهذا تعلم أن التمثيل للصناعة ليس ببناء معتمد؛ ألا تراك لو قيل لك: ابن من دخل مثل حجنفل لم يجز؛ لأنك كنت تصير به إلى دخنلل، فتظهر النون ساكنة قبل اللام، وهذا غير موجود. فدل أنك في التمثيل لست ببان، ولا جاعل ما تمثله من جملة كلام العرب؛ كما تجعله منها إذا بنيته غير ممثل”. الخصائص: 3/96-97.

[78] ) “باب في فـك الصيغ. (…) وذلك أن العرب إذا حذفت من الكلمة حرفا، إما ضرورة أو إيثارا، فإنها تصور تلك الكلمة بعد الحذف منها تصويرا تقبله أمثلة كلامها، ولا تعافه وتمجه لخروجه عنها؛ سواء كان ذلك الحرف المحذوف أصلا أم زائدا. فإن كان ما يبقى بعد ذلك الحرف مثالا تقبله مثلهم أقروه عليه. وإن نافرها وخالف ما عليها أوضاع كلمتها نقـض عن تلك الصورة، وأصير إلى احتذاء رسومها”. (3/111-112).

[79] ) “قد أجروا الياء والواو الساكنتين المفتوح ما قبلهما مجرى التابعتين لما هو منهما. وذلك نحو قولهم: هذا جيب بكر أي جيب بكر، وثوب بكر، أي ثوب بكر. وذلك أن الفتحة وإن كانت مخالفة الجنس للياء والواو فإن فيها سرا، له ومن أجله جاز أن تمتد الياء والواو بعدها في نحو ما رأينا. وذلك أن أصل المد وأقواه، وأعلاه وأنعمه وأنداه، إنما هو للألف. وإنما الياء والواو في ذلك محمولان عليها، وملحقان في الحكم بها”. (3/127).

[80] ) “وذلك أن الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرك الآخر منهما؛ نحو أمس، وجير، وأين، وسوف، ورب. وإنما يحرك الأول منهما إذا كانا من كلمتين؛ نحو قد انقطع، وقم الليل. وأيضا فإن الساكنين لا ينكر اجتماعهما في الوقف”. (3/200).

[81] ) “المضارع أسبق في الرتبة من الماضي، فإذا نفي الأصل كان الفرع أشد انتفاء”. (3/331).

[82] ) عبد السلام المسدي: التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثانية: 1986م، ص: 24.

[83] ) عبد السلام المسدي: التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثانية: 1986م، ص: 24.

[84] ) وهو أستاذ الدكتور عبد السلام المسدي.

[85] ) عبد السلام المسدي: التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثانية: 1986م، ص: 28.

[86] ) انظر كتاب السفر: 1/124.

[87] ) “ثم أخذ يعمِّقُ تلك المعارف على أيدي أساتذته الأجلاء ولا سيما أبا علي الفارسي، وهذا العقل النافذ جعل أبا الفتح يسبح في كل بحر، ويطوف في كل روض، ويختار ما يراه صواباً (…)، وسكبَ خلاصة ما قرأ بأسلوبه الخاص في ما أبقى من كنوز تزين مفرقَ العربيَّة. فقد أبقى أبو الفتح ثروة نفيسة في مختلف فنون المعرفة، وبحث موضوعات على نحو لم نعهده لدى أسلافه ومعاصريه ومن تلاه، وخاض غمارا شتى في النحو والتصريف (…). وترك في فنون شتى كتبا تدل على تنوع معارفه وسعة إطلاعه وبلاغته النادرة وقدرته العجيبة على تحويل تلك المعارف التي اختزنها إلى كتب يتداولها الناس، وقد تميزت بأسلوبها الواضح الذي غاير به أسلوب أستاذه الفارسي، وفوق ذلك كله كان شاعرا مجيداً، ومن أهم قصائده تلك التي رثى بها أبا الطيب المتنبي، (…) وتتجلى مكانته العلمية في الاحترام الذي لقيه من أمراء البويهيين، وكانوا سادة الدنيا (…) وتتجلى مكانته العلمية في جلوسه في ندوة سيف الدولة الحمداني أمير حلب يحاور أعلام ذلك العصر.. “. انظر كتاب الفسر: 1/125.

[88] ) انظر الفسر: 1/125-126.

[89] ) الخصائص: 1/29.

[90] ) انظر الخصائص: 1/34.

[91] ) انظر الفسر: 1/128.

[92] ) ابن جني النحوي: تأليف: الدكتور فاضل صالح السّامرائي، مدرس في كلية التربية-جامعة بغداد، ومحاضر بكلية الدراسات الإسلامية، دار النذير للطباعة والنشر والتوزيع، ساعدت جامعة بغداد على نشره: 1389ه/1969م، ص: 27.

[93] ) انظر كتاب المُنْصِف: شرح الإمام أبي الفتح عثمان بن جني النحوي لكتاب التَّصْرِيف للإمام أبي عثمان المازني النحوي البصري، تحقيق لجنة من الأستاذين: إبراهيم مصطفى العضو بالمجمع اللغوي بالقاهرة، وعبد الله أمين أحد نظار مدارس المعلمين الأولين السابقين، إدارة إحياء التراث القديم دار الثقافة العامة بوزارة المعارف-مصر، الطبعة الأولى: 1373ه/1954م، الجزء الأول، ص: 5-6.

[94] ) الخصائص المقدمة: 1/33.

[95] ) الخصائص المقدمة: 1/34، وانظر الخصائص: 2/118.

[96] ) انظر الفسر: 1/129

[97] ) انظر كتاب الفسر: 1/124. “أما بعدُ فنحن إزاء آراء فيلسوف كبير عرف أسرار اللغة ودقائقها حتى ضرب الناس بذلك الأمثال (…) فقد بدل في اكتناه أسرار هذا العلم وكشف المخبأ منه جهوداً كبيرةً، وقرَّر منذ ألف عام كثيراً من القواعد التي أقرَّها اليوم المستشرقون وعلماء الأصوات (…) ولا يعلم حقيقة أثر ابن جني في التصريف واللغة إلاَّ من اطلع على آثار الصرفيين وأصحاب المعاجم، فإنَّها كلها مطبوعة بطابعه”. انظر الفسر: 1/121.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.