منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهوية الوجودية والوجدانية -1-

محمد عبد الرحمان بن الطالب

0

مقدمة:

يستند تحديد الهوية الشخصية- بشقيها الذاتي والاعتباري- إلى معيارين؛ أحدهما يعتمد على استمرار النسل، والآخر يرتكز على استقرار الأنساب؛ فالأول انتماء آدمي يهتم برفع الكم العددي وضمان ديمومة الكائن البشري على وجه البسيطة، بينما يتهمم الثاني بكيفية وجودة اندماج هذا الكائن في كيانه، ويقصد به الانتساب الأبوي. فرابطة انتماء المواطن للمجتمع تؤطرها قواعد النظام العام، وتدعمها برامج المؤسسات التي تأويه، ويفصح عنها الانخراط والمشاركة والمثابرة، في حين أن انتساب الولد إلى الأسرة تؤهله رضاعة الأمومة، ورعاية الأبوية، وتشرب مبادئ القيم الأخلاقية، وهذا تتم صياغته وصناعته داخل الأسرة، باعتبارها مدرسة للأجيال من المهد إلى اللحد، يتصدى فيها الأصول لحضانة المولود بتلبية حاجياته، ورعاية الأطفال بتوجيه سلوكهم، وتأطير الشباب بتوفير السند لهم، وهي حقوق مستعارة، وديون مضمونة السداد في أعناق هؤلاء الفروع، الذين لا يُبْرِي ذمتهم منها إلا أداء حقوق أصولهم، والقيام بالواجبات اتجاههم، وهي التزامات متبادلة بين السلف والخلف ترتكز على سلامة الجسم شكلا، وصقل العقل مضمونا، وصفاء القلب جوهرا. فإن المجتمع يعد كاشفا لمعادن هذه الأجيال، وفاضحا لنواياهم، باعتباره منبثا للحضارة ومشيدا للعمران، والتي تبنيا إما بالسواعد القوية والأفكار الصائبة. فالمجتمع بهذا يكون بمثابة فضاء منافسة وأرضية معاملة وسوق عمل. بل هو أسرة متحركة في الزمن ومتوسعة في المكان؛ لما في ذلك من دلالات تاريخية وخصوصيات جغرافية، بفعل تجديد الشرائع، وتطور التشريعات، وتغيير العادات.

 

الإشـكـالـيـة: المسألة الإنسانية.

التمييز بين الهويتين، الوجودية والوجدانية، نابع من كون الإنسان أليف مألوف بطبعه بالأصالة، وابن بيئته بالإكراه؛ فهو لم يختر أبواه ولا إخوته، ولكنه قادر أن يصطفي الخليل والخليلة من بني جلدته. بعد أن اكتسب الإخوة في الخَلْق من النطفة الأبوية، وهي خصوصية تصان ولا تهان، والنظارة في الخَلق من الفطرة الطينية، باعتبارها مشتركا آدميا لا تستمر سلالته إلا بالتواصل الإنساني، ولا يستقر على البسيطة إلا بالحوار وتحري المصلحة المرسلة. فلقد زاغ إبليس الرجيم بين الأخوة الإنسانية، وأوحى إلى أوليائه وجنده من أبالسة الإنس تحويل التدبير المنظم الى التبذير المفوض والتدابر المدبر، وتقهقر درجتي الهوية إلى دركتي الهواية المترفة والهوة المعمقة. فما الإنسان الذي نُريده ليختار الهوية التي يريد؟ وهل نحن بصدد الحديث عن الكائن الإنساني الحقيقي أم عن الكيان الإنسي الصوري؟

يحيلنا السؤال الإنكاري السالف الذكر، إلى الاعتقاد بأن الحديث يدور حول الإنسان المتعدد والمشترك. والأمر كذلك مادامت الصيغة الإنسانية قد تبنتها الآلة وصاغت الإنسان الآلي، واستعبد ”الإنسان المنتصب القامة” نظيره المنحني الظهر مند سالف العهد والأوان، واليوم استبعد الإنسان المتحكم صنوه الانسان المحكوم، وتخاطفت الجنسيات المتعددة على ”الإنسان المتجانس”، واحتار الانسان الفطري المخنث بين القوامة والحافظية، واستبدل ”الإنسان المحتال” بالطفرة الجينية الذكورة بالأنوثة، أو العكس، واستحل ”الإنسان المثلي” جنسه الفطري على جنسه المقابل، واستباح ”الإنسان السفاح” دم بني جلدته دون موجب شرعي. فأمام كثرة أشباه الإنسان في فضاء واحد، وتعدد نظائره في حيز محدد، وتزايد أشكاله في الزمان والمكان، لذا كان لازما- في هذا المقال- معرفة المقصود بالهوية الوجودية (المبحث الأول)، والمراد بالهوية الوجدانية (المبحث الثاني).

 

المزيد من المشاركات
1 من 70

الهويــة الوجوديـــــة

نقصد بالهوية الوجودية إرجاع الناس المختلفة ألوان بشرتهم، والمتنوعة لغات ألسنتهم، والمتعددة قبائلهم، والمتفرعة شعوبهم، إلى أصلهم الطيني، بل الفطري الذي فطرهم الله عليه، وهو الانتماء الآدمي الذي يجمع بينهم، مصداقا لقول الواجد الماجد: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[1]. فالبشر كلهم عباد الله وإماؤه، وأبناء آدم خلقوا من نفس واحدة، وتناسلوا من السلالة الآدمية؛ من نطفة أمشاج آدم وحوى. رحم واحدة أنجبت الصالح والطالح، ووضعت الأصولي والوصولي، وخلفت الملك والمملوك، وأعقبت السلف الخلف. فهم جميعا إخوة بالانتماء إلى هذه الأرض التي تعد أمّاً اعتبارية، ومأوى اعتياديا، فمنها المبدأ والمنتهى، بل هي مهد الولادة فوق الأرض، ولحد الوفاة تحت الأرض، والبعث يوم العرض، كما قال البارئ الخالق: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ[2]. فالهوية الوجودية، إذن، هي عنوان استمرار العنصر البشري على وجه البسيطة، التي هي الملاذ الآمن، ومستقر الرحم الآدمي، والموطن المشترك لعبد الله بن آدم، وأمة الله بنت آدم.

تكتفي هذه الهوية الوجودية المعاصرة بالاعتراف بالإنسان، والاعتزاز بانتمائه الآدمي، دون أن تعير الاهتمام لنسبه، ولا تكلف نفسها التنقيب عن أصله، والتفتيش عن فصله. فالمولود في نظر هذه الهوية هو رقم إحصائي كوني- ينادى باسم عند ولادته- وعدد من نسمة كيانه، وسند يكتسب به جنسية بلاده، ليعد مواطنا في وطنه. فمنطوق الفقرة الأولى من المادة (7) من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، يؤكد على ما نصه:” يسجل الطفل بعد ولادته فورا، ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما.”[3] من الواضح هنا أن الهاجس هو تسجيل الولادة بغض النظر عن أصلها ومصدرها، فهذه المادة اعتبرت التعرف على الأبوة حق ثانوي للطفل يأتي بعد واجب المجتمع تسجيله والاعتراف بوجوده، وحقه الأساسي في اكتسابه جنسية البلد الذي ولد فيه أو الذي يأويه. وقد ألزمت الفقرة الأولى من المادة (8)، الدول الموقعة على هذه الاتفاقية الأممية، على احترام عناصر هذه الهوية الوجودية، والتأكيد على ترتيبها  الحقوقي الثلاثي ” تتعهد الدول الأطراف باحترام حق الطفل في الحفاظ على هويته، بما في ذلك جنسيته، واسمه، وصلاته العائلية، على النحو الذي يقره القانون، وذلك دون تدخل غير شرعي”[4].

وتأسيسا عليه، فإن الهوية الوجودية هي هوية قانونية بامتياز؛ تجعل الجنسية رابطة انتساب الانسان إلى الأرض أو الوطن، وبالتالي تسهل انخراط المواطن في النظام العام لبلده، الذي بدوره ينخرط في المنتظم الدولي. فالمقاربة الحقوقية الصارمة تتجلى في التأكيد على الكرامة المتأصلة، والمساواة، والعدالة، والسلم، والحرية. هذه المفاهيم المجردة يعوزها العمل الإجرائي، وتبقى مجرد شعارات استهلاكية أما الانتهاكات اليومية للطفل قبل حقوقه، في بؤر عالمية مشهورة تغتصب فيها براءة الأطفال، قبل أن تهان كرامتهم، خاصة أولئك اللاجئين الذين تغتصب أرحام أمهاتهم اللواتي علقن في الحدود بين الدول المتحاربة أو القوميات المتناحرة. أما الأطفال المشردون، بل المتشردون، نعم متشردون لأن المجتمع الذي أنجبهم تخلى عنهم، فهم يفترشون الثرى، ويلتحفون السماء ويأكلون من خشاش الأرض ومن فتات موائد إخوانهم، فأصبحوا لقما سائغة لتلك الذئاب الإنسانية، من فصيلة البيدوفيل، أو تستغلهم تلك السدانة البشرية للقيام بالأعمال اليدوية الشاقة، أو تسخرهم مافيات المخدرات لترويج سمومهم الفتاكة، والاتجار في الحبوب المهلوسة. أي طفل هذا الذي ترعرع في أحضان الهوية الوجودية، التي انشأت المأوى للمتخلى عنهم، والدور للمتشردين منهم؟ طفل حمله رحم أم عازبة، أو حملته أحشاء أم مغلوبة، أو وضعته خليلة مغدورة… وأطفال طحالب، وصبية طفرية أوجدتهم نزوات العلاقات الجنسية الرضائية بين الطائشين، واقتلعت جذور أنسابهم الإنسانية، وقطعت أصرتهم الآدمية، وجعلتهم غثاء السيل العرم يطفو في المجتمع، وتجرفهم تياراته الجارفة، وتتلاعب بهم أمواجه الهائجة.

لقد اهتدت الهوية الوجودية إلى شكل المجتمع الإنساني، المؤسساتي المنظم، وهذه مزية حسنة تحسب لها، غير أن الذي يُحْسَب عليها اعتداؤها على الجوهر الآدمي لهذا المجتمع العاق أبويه لأبنائه، والقاطع صلة الأرحام، وآصرة القرابة، وأواصل الدم. يعوز هذه الهوية المزج بين ممارسة الفروع لحقوقهم المقننة، وأداء الأصول لواجباتهم المفروضة، ونقصد بذلك التوازن بين الصرامة القانونية والمرونة الاجتماعية، ولا نعني بها العاطفة العابرة، والشفقة الآنية، والدعم المثقل، والإحسان المتقطع، والشعور المؤقت، والشعارات السياسية الملغومة، والتوظيف الإعلامي المخجل، والاسترزاق بمعاناة المستضعفين، والتلذذ بأوجاع المقهورين، والتبشير المتخم البطون، والطامس العقول والقاسي القلوب . لا، لا هذا، ولا ذاك، بل هو إيمان راسخ يغمر القلب، واعتقاد جازم يعلق بالقلب، يتمتع بهما أسوياء النفس، وأصفياء الروح من الأفراد، قبل أن تتألف الإرادات الجماعية، وتنتظم المنظمات، وتتأسس المؤسسات، وتجتمع الجمعيات التي تنتفي أهدافها مع الريع، والربح، وتنكر فيها الذاتية، وتطمس فيها القومية، وتقبر فيها العصابية، وتشيد بأصالة الفطرة، وتستحضر الآدمية المشتركة، وتحمي الإنسانية المفترى عليها. وهذا يقتضي سعي الأفراد قبل الجماعات الى استدامة التماسك بين الجوهر الآدمي والشكل الإنساني، أو على الأقل تحصين الشكل البشري من شبهة الطفرة المعيبة، وصيانة الخلقة الطينية من الاندثار، وحماية النطفة الأبوية من الانقطاع.

وبالجملة، فالحقيقة التي لا مناص للهوية الوجودية أن تبحث عنها، بعد إيجاد مخاض الأمومة، هي إمداده بالمودة الأبوية. فإذا كان الإيجاد دعامة لاستمرار النسل وتكاثر النوع، فإن الإمداد لا يستقر إلا بالوجدان، الذي لا يكتمل النوع إلا به، ولا يتحقق النموذج الناجح إلا به. وإلا فما الفرق بين هذا المولود فوق الأرض وتلك الموؤدة تحت الأرض، فكلاهما يتوارى صاحبه عن الأنظار بسوء ما جنى، أو بسوء ما بشر به؟ فما على الهوية الوجودية إلا أن تصدر مذكرة بحث عن مرتكب الجناية، دون اللجوء إلى تسجيلها ضد مجهول، والذي لا يعجز تحليل الحامض النووي عن الكشف عنه، أم تراها مؤامرة صمت مجتمعية، وتستر مقصود على الجاني؟ إن يكن ذلك فهذا مس بالنظام العام، وخرق للقيم الأخلاقية، وتحميل المجتمع برمته المسؤولية، ومتابعته بتهمة المشاركة، والتستر، وتضليل العدالة. ألم تر كيف فعلت المدنية بالهوية الوجودية، وكيف اختزلت العولمة العلاقات البشرية، وكيف جففت الطفرة المنابع الوجدانية الآدمية، وكيف قتلت المروءة الإنسانية، وكيف أقست القلب، وطمست العقل، وأقصت الأخلاق؟

[1]– سورة طه: 55.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

[2]– سورة البقرة: 282.

[3] -https://www.unicef.org/arالموقع الرسمي منظمة اليونسيف، نص اتفاقية حقوق الطفل

[4] – المصدر نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.