منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أنا هنا

فيحاء نابلسي/ أنا هنا

0

أنا هنا

فيحاء نابلسي

 

أنا القابعة في الزاوية المعتمة يجلّلني الغبار, لم يكن هذا حالي من قبل!
كانت لي أيام.
عندما دخلت هذا البيت أول مرة كنت تحفة تسر الناظرين.
جاءت بي إلى هنا صدفة, في الحقيقة هي ليست صدفة بمعنى الكلمة ,
حسنا , سأحكي لكم الحكاية.
كان الزوجان يتجولان في صالة العرض, أعتقد أنهما قدما لشراء شيء ضروري, كرسي أو طاولة أو شيء من هذا القبيل , لا أظنهما قدما من أجل تحف أو زخارف.
حالما وقع بصر السيدة علي توقفت أمامي تتأمل نقوشي وألواني بإعجاب بالغ.
على الرغم من أن زوجها سحبها من يدها ,بعدما قرأ الرقم المدون على بطاقتي, وتابعا جولتهما, إلا أنني عرفت أنها ستعود إلي.
ربما لا تصدقون هذا ولكن أقول لكم , نحن الأشياء ندرك مشاعر البشر تجاهنا.
كنت ألمحها تتلفت نحوي وهي تتجول في الصالة باحثة عن الشيء الذي قدمت من أجله وبعد عدة جولات عادت إلي, لم يخب ظني.
في الطريق من الصالة إلى البيت , غمرني حبور مشوب بالقلق, كنت أتساءل أي شكل من أشكال الحياة ينتظرني.
لم يكن بيتا مزدحما بالأثاث, لكنه كان بيتا هادئا ومنيرا و أعتقد أنهم تخطوا حدود قدراتهم ليحضروني إلى هنا.
جالت بي السيدة أرجاء البيت, وفي النهاية استقر بي الحال على طاولة القهوة في غرفة الجلوس , مكان رائع, أكثر دفئا من هذه الزاوية المصقعة التي ركنوني فيها فيما بعد.
شهدت صباحاتهم وأمسياتهم , صخبهم وسكونهم, وعندما كانوا يطفئون الأنوار ويغطون في السبات, كنت أستأنس بنغمات أنفاسهم وأترقب الصباح لأعيش معهم يوما جديدا تبدأه السيدة بفنجاني قهوة تضعهما جواري يطوف عبق بخارهما حولي بينما تنسق ما وضعته في من أزاهير .
نادرا ما تركتني خاوية, لطالما كان هناك شيء ينبض داخلي حتى لو وردة أو زهرة واحدة.
عندما كانت تطوف بكفها علي وتمسح عني الغبار وتتحسس وجودي, كنت أشعر بذراتي تنساب في مداراتها بحبور بالغ.
سأفشي لكم سراً, نحن الأشياء نشعر بمن يحوزنا تقديرا وحبا وبمن يقتنينا مفاخرة ورياء, الأمر لدينا ليس سيان.
تناوبت عليّ أحوال كثيرة ولكن لم أكن فارغة في أي وقت .
أحيانا كانت تزدحم فيّ أعواد الزنبق, باقات نرجس , نسيم أو تمر حنّة.
انتصبت في أيضا عروق زهر لا تنبض فيها حياة , ثرية اللون فقيرة الرائحة.
حلّت فيّ أيضا سنابل قمح مجففة وملونة, ومرّة ريش ملوّن ربما ريش طاووس أو نعام .
الأثيرة لدي على الدوام كانت باقة الخزامى ليلكيّة اللون فواحة العبير حديثة العهد بالتراب, وحتى بعدما تجف يبقى شذاها عالقا في الأرجاء.
هل تستغربون احتفائي بنفحة حيّة أنا الشيء الساكن الذي لا حياة فيه؟
ولكن مهلاً, حتى أنتم تسأنسون أحيانا أن يجالسكم من لا يجانسكم, لا يأتيك الهناء دوما ممن يماثلك !
ونحن مثلكم , حالنا كحالكم دوامه محال!
عندما خطى أول صغارهم خطواته الأولى, ارتأت السيدة أن مكاني على طاولة الوسط لم يعد آمنا .
مع ذلك لم يغنني الحذر عن القدر .
كرة طائشة ركلها أحد صغارها , أطاحت بي أرضا, سمعت شهقتها وهي تجري نحوي وشعرت برعشة يدها وهي تلملم كسراتي المبعثرة عن الأرض, كلانا كان ينتحب!
في وقت لاحق, مسح السيّد أثلامي بشء دبق وأعاد لي شظاياي , التحمنا من جديد, وبقي أثر الشروخ باديا للعيان.
هويت أرضا مرة أخرى , ومرة أخرى جمعوا شتاتي ونجوت , بقيت على قيد الوجود.
كبرت السيّدة, لم تعد تضع فيّ ورداً.
سيدة شابة أعادت ترتيب المكان على نسق أخر, أزاحتني بلا اكتراث إلى زاوية عاتمة, يدها الباردة أوحت لي أنني غدوت شيئا غير رائج, غير قادر على منح البهجة والجمال.
يباغتك احساس مؤلم عندما تكتشف فجأة أنك فقدت مبرر وجودك!
كبُرت السيدة أكثر, لم تعد تغادر سريرها, افتقدت لمساتها الحانية, وشعرت أني هرمت معها.
أسوء من الخواء احتواء شيء لا ينتمي إليك, هكذا فوجئت بأشياء تُلقى في جوفي, نظارة مكسورة , مفتاح صدأ, فردة قرط أضاعت رفيقتها, أقلام جف حبرها وبعض أوراق مكرمشة, أشياء لا يحتاجها أحد, و عندما تمتلئ بأشياء لا قيمة لها, تفقد قيمتك!
هل سأبقى هكذا إلى الأبد مُسندة إلى جدار بارد أنتظر النهاية ؟
لا أخاف الموت , نحن الأشياء لنا أعمار كأعماركم, أقول لكم, الحياة جميلة والفناء جميل أيضا, ولكن للعطالة احساس مقيت.
أنادي أحيانا, أنا هنا … أنا هنا …
أحلم بضربة تطيح بي أرضا وتحيلني أشلاء, ركلة كرة , قدمٌ تتعثر بي بغتة , شيء يضع حدا لوجودي الصوري!
لا أعرف كم مضى عليّ على تلك الحال.
زمن العطالة لا يحتسب عمرا مهما طال .
أمسكت بي اليد الباردة قبل قليل , زجت بيّ بين أشياء أخرى, قطع صدأة , محطمة,أدوات معطلة, يبدو أنها تخرج من بيتها سقط المتاع.
فجأة وجدت نفسي على رصيف , كانت ذراتي ترتعش, في أي لحظة سأتلقى ركلة من قدم عابرة أو … .
يدٌ حانية تمتد إلي , تنتشلني من بين الخرائب وتحملني إلى أعلى, تحدق بي, تتأمل نقوشي وألواني, تمسح عني الغبار , تمرر الأصابع على أثلامي ثم تربت علي, أرى في العينين بريق الدهشة وشيء من الفرح , ها ! لقد أعجبتُها , أحبّتني! أعرف هذا , ههههه ما زلت على قيد الحياة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.