منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تجديد مفهوم الدليل عند الأصوليين (الإمام الباجي والإمام الغزالي أنموذجين)

د. عبد السلام العزوزي

0
الفهرس إخفاء

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد؛

يعد القرن الخامس الهجري فترة ذهبية في تاريخ علم أصول الفقه، فقد” حظي بعدد كبير من أعلام الأصوليين ومجتهديهم من الذين توافرت جهودهم على التأليف في علم الأصول وإثرائه، فورثوا الأجيال اللاحقة فكرا أصيلا متميزا بالاستقلال والانطلاق، وكان الاختلاف على بعض الموضوعات كحجية الاستحسان، وأحاديث الآحاد، والأحاديث المرسلة، وقول الصحابي، وحجية القياس سببا في احتكاك الأفكار، وعاملا فعالا في تنشيط حركة النقد الذي كان عصب هذه الانطلاقة الفكرية في علم أصول الفقه.

وقد اتسم النقد في هذه الفترة بالموضوعية والتجرد في غالب الأحيان دون أن تتسلط أو تسيطر عليه النزعات الشخصية، أو الميول المذهبية، وقد بدأ هذا أوضح ما يكون عند المتكلمين” [1]؛ ومن أبرزهم الإمام أبو الوليد الباجي المالكي(ت474هـ) والإمام أبو حامد الغزالي الشافعي(ت505هـ)؛ اللذان كان لهما الأثر التجديدي البارز في صناعة مفهوم أصول الفقه عموما، وفي صناعة مفهوم الدليل خصوصا.

المزيد من المشاركات
1 من 12

فالأدلة عند الإمام الباجي “على ثلاثة أضرب:  أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال. فأما الأصل: فهو الكتاب والسنة والإجماع.

وأما معقول الأصل فعلى أربعة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب.

وأما استصحاب الحال: فهو استصحاب حال العقل، إذا ثبت ذلك[2].

والملاحظ أنه لم يذكر المصلحة المرسلة ولا الاستحسان ولا سد الذريعة في مسمى الأصل ولا ذكر القياس وعمل أهل المدينة رغم أنها أصول المالكية.

إشكال مفهوم الدليل عند الإمام الباجي يجعلنا نتساءل: هل فعلُ الباجي يترجم لأصول المالكية؟ وهل اختياراته هي اختيارات المالكية؟ كيف أعاد الباجي صناعة مفهوم الدليل عندما ذكر الاستحسان وسد الذريعة ضمن استصحاب الحال؟ فهل هما من استصحاب الحال فعلا؟

وأما الإمام الغزالي فجعل القطب الثاني من كتابه المستصفى في أدلة الأحكام وذكر أنها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي(الاستصحاب)، وأنهى القطب بخاتمة له عنونه بقوله: “خاتمة لهذا القطب ببيان أن ما نظن أنه من أصول الأدلة وليس منها، وهو أيضا أربعة: شرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح…..”[3]. فقد قام رحمه الله في بناء مفهوم الدليل إلى منطقتين معرفيتين:

  • منطقة الأدلة المعتبرة ورسم معالمها في ثلاثة أنواع: الكتاب،  والسنة، والإجماع. وأضاف إليها دليل العقل(نفي ثبوت الحكم إلى أن نجد الدليل الشرعي المثبت للأحكام).

فما هو تصور الغزالي للإجماع؟ واستصحاب دليل العقل؟ كيف دلّ العقل على نفي الحكم؟ وأين يندرج القياس؟

  • ومنطقة ثانية اعتبر فيها الدليل موهوما وقسمها إلى أقسام: شرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح.

فلماذا جعل هذه أدلة موهومة؛ غير معتبرة؟ وما تصوره للاستحسان؟ والاستصلاح؟

تلك جملة إشكالات وغيرها يروم هذا البحث بإذن الله الوقوف على حقيقتها، مبينا الأثر التجديدي في بناء مفهوم الدليل عند كل من الإمام الباجي والإمام الغزالي.

وقد اقتضى منهج الدراسة أن يكون ضمن مبحثين وخلاصة(نتائج وتوصيات):

المبحث الأول: مفهوم الدليل عند الإمام الباجي:

ويعنى بالبحث في تصور الباجي لمفهوم الدليل خصوصا،  والنقلة النوعية التي أحدثها في صناعة علم أصول الفقه بالأندلس عموما. كما يعنى ببيان أثر التجديد في صناعة الدليل من حيث التصنيف والترتيب والاحتجاج والاعتبار.

المبحث الثاني: مفهوم الدليل عند الإمام الغزالي:

ويعنى بالبحث في تصور الغزالي لمفهوم الدليل، وأثر التجديد في بناء هذا المفهوم.

الدراسات السابقة في الموضوع:

إذا أردنا الحديث عن الدراسات التي اهتمت التي أنجزت عن الإمام الباجي والإمام الغزالي وله علاقة بموضوع البحث نجد ما يلي:

1- ما أنجز حول الإمام الباجي:

  • الآراء الأصولية للإمام الباجي من خلال كتابه إحكام الفصوص في أحكام الأصول” الأدلة المختلف فيها نموذجا- مذكرة تخرّج تدخل ضمن متطلبات الحصول على شهادة الماستر في العلوم الإسلامية- تخصص: فقه وأصوله. لأسيا فرحات حميدة. السنة الجامعية 1437هـ-2017م.يتعلق موضوع هذه الرسالة بالآراء الأصولية للإمام الباجي التي تضمنها كتابه الأصولي الإحكام، وقد تركز على آرائه التي ذهب إليها في مسائل الأدلة المختلف فيها، ومنها عمل أهل المدينة، والاستحسان، وسد الذرائع، والاستصحاب، والأخذ بأقل ما قيل، حاولت الطالبة التعريف بالمسألة ثم ذكر محل النزاع فيها مع الأراء التي قيلت فيها، لتصل للرأي الذي اختاره الباجي فيها، مع ذكر الأدلة التي استند عليها لإبراز الرأي والرد عليه، وتختم بمثال تطبيقي.
  • آراء أبي الوليد الباجي الأصولية في معقول الأصل والأدلة المختلف فيها مع دراسة تطبيقية على كتاب الصلاة من شرحه المنتقى. رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه إعداد الطالب محمد صديق محمد.1415هـ/1994م. وقد تعرض في الباب الأول لآراء الباجي الأصولية في معقول الأصل والأدلة المختلف فيها التي ذكرها الباجي.
  • الأدلة المختلف فيها عند الإمام الباجي (474ه) من خلال كتابه إحكام الفصول في أحكام الأصول –نماذج تطبيقية من المنتقى- عبد النور زروالي. مذكرة مؤطرة من طرف مخبر الشريعة جامعة الجزائر 1438ه-2017م..خصص الفصل الثاني للحديث عن الأدلة التبعية عند الباجي من خلال كتابه “الإحكام” مبينا آراء العلماء مقارنة برأي الباجي فيها وأمثلة تطبيقية من” المنتقى”.
  • منهح الإمام أبي الوليد الباجي في الاستدلال بإجماع أهل المدينة دراسة نظرية وتطبيقية، ذ. ربيع لعور. وهو مقال بمجلة الشريعة والاقتصادVolume 1, Numéro 1.
  • الإمام أبو الوليد الباجي وآراؤه الأصولية في مباحث الكتاب والسنة والإجماع حسب تبويب إحكام الفصول مع تطبيقها على كتاب الطهارة من شرحه المنتقى، لنور الدين صغيري. بحث مقدم للحصول على درجة الماجستير في الفقه والأصول مكتبة ابن رشد الرياض ط1: 1426ه- 2005م.

–  الامام الباجي وجهوده في خدمة المذهب المالكي أصولا وفروعا، د. العمري بلاعدة جامعة المسيلة. العدد 28 شتنبر 2017 السنة التاسعة.

2- ما أنجز حول الإمام الغزالي:

  • الغزالي ذلك المجهول بين تأثره وتأثيره بين أنصاره وخصومه ندوات أكاديمية المملكة المغربية حلقة وصل بين الشرق والغرب أبو حامد وموسى بن ميمون – اكادير ربيع الأول 1406ه- نونبر 1985م.عبد الرحمن الفاسي.
  • مخالفات الإمام الغزالي الأصولية للإمام الشافعي من خلال كتابه المستصفى- رسالة ماجستير إشراف د. عزيز محمد ناجي السعودية – 2003م.
  • المنهج الأصولي عند الإمام الغزالي من خلال كتابه المستصفى من علم الأصول رسالة دكتوراه، خير الدين سيب. جامعة وهران كلية العلوم الانسانية والحضارة الاسلامية، سنة 1434ه- 2013م.
  • منهج الغزالي من خلال مؤلفاته مجلة الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة تلمسان العدد 9- سنة 2005م.

فهذه الدراسات وغيرها، لم تعالج الموضوع بالشكل الذي تم وصفه من قبل  وهو بيان تصور كل من الباجي والغزالي لمفهوم الدليل وأثر التجديد في بناء هذا المفهوم.

لكن قد تلتقي معه من ناحية الاهتمام والعناية بمبحث الأدلة وأقسامها ومنهج الاستدلال بها.

تمهيد:

أولا- نبذة عن الإمام الباجي وآثاره العلمية:

ولد أبو الوليد الباجي سنة 403ه- فنشأ وسط أسرة عربية أصيلة، حيث إنَّ مردَّ نسَبه من جهة أبيه وأمه إلى قبيلة «تُجيب» العربية المشرَّفة بثناء الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم عليها[4].

واتَّسمت هذه الأسرة بالعلم والنباهة[5] فكان لبعض أفرادها مساهمة فعالة في الحياة العلمية، وفي كَنَف هذه البيئة العلمية، وتحت الرعاية الأسرية الداخلية، نال أبو الوليد الباجي حظَّه من التربية الحسنة والأخلاق العالية، وقد ساد في عصره وضمن محيط مجتمعه بالأندلس ـ موجة علمية عالية تقوم على التنافس الجاد في مختلف العلوم وشتَّى الفنون وسائر المعارف، وفي هذا الجوِّ العلمي العام ترعرع أبو الوليد الباجي وكلُّه إرادة جِدِّية، وحزم أكيد.

انتهى به السعي والمطاف بمدينة «المَرِيَّة»[6] (Almeria) حيث أدركته المنيَّةُ ليلة الخميس ـ بين العشاءين ـ في التاسع عشر من رجب[7] سنة (٤٧٤ﻫ). وصَلَّى عليه يوم الخميس ـ بعد العصر ـ ابنُه أبو القاسم، ودفن على ضفة البحر بالرباط. رحمه الله وغفر لنا وله.

يُعدُّ أبو الوليد الباجي من أقطاب المعرفة، وفحول العلماء، وأعلام الصلاح والتقوى، فكان مثالًا جليًّا للحركة العلمية المزدهرة في عصره، وقد أجمع أهل عصره على جلال قدره علمًا وفطنةً ودينًا وفضلًا وخُلُقًا.

ويرى الذين كتبوا عن الباجي أن طريقته أقرب إلى طريقة الفقهاء في كتابة أصول الفقه لخلوها من المسائل الكلامية مع كونه من حذاق المتكلمين. يقول عبد المجيد تركي: ” وهو إن كان متكلما حاذقا على طريقة الأشاعرة فطريقته في إحكام الفصول مثلا تبدو لنا أقرب إلى طريقة الفقهاء إلى طريقة المتكلمين”.[8]

لقد ترك القاضي أبو الوليد الباجي آثارًا علميةً نافعةً، وثروةً وافرةً قيِّمةً من الكتب والرسائل في مجالاتٍ شتَّى، وفنونٍ متنوعةٍ جمعت بين المنقول والمعقول، والرواية والدراية، تشهد له بمعرفته وسعة علمه ومكانته الراقية بين فطاحل العلماء العاملين، ونقتصر على ذكر ما يهم موضوع الدراسة وهي كتبه في أصول الفقه والجدل:

1-«إحكام الفصول في أحكام الأصول»[9].

2- «الإشارة إلى معرفة الأصول، والوجازة في معنى الدليل»[10].

3ـ- «الحدود في أصول الفقه»[11].

4- « الناسخ والمنسوخ في الأصول»[12]:

 أولا- نبذة عن الإمام الغزالي وكتابه المستصفى:

الإمام الغزالي أشهر من أن يعرف به، وذلك لكثرة الكتب التي اهتمت به دراسة وشرحا، غير أن منهج البحث عن مفهوم الدليل اقتضى الوقوف على حياته العلمية بما  يحقق المقصود من البحث بإيجاز.

فهو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي[13] الطوسي[14] يكنى بأبي حامد، ويلقب بحجة الإسلام”، زين الدين[15]، ولد سنة 450ه بالطابران[16].

بدأ منذ نشأته في طلب العلم، قرأ في صباه طرفا من العلم في بلده “طوس” على أحمد بن محمد الراذكاني[17]، ثم سافر إلى جرجان[18] وكان فيها الإمام أبو القاسم الإسماعيلي[19]، ثم رجع إلى طوس، وقدم نيسابور[20] ولازم فيها إمام الحرمين، وجد واجتهد في طلب العلم عليه حتى مماته  (سنة505ه). فبرع في المذهب والخلاف والجدل والأصول والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة فأحكم كل ذلك. وفي العصر[21] الذي نشأ فيه الغزالي أثر على شخصيته حيث تم تشجيع العلم والعلماء من طرف جميع الدول المجاورة للدولة العباسية. وقد ظهر ذلك الأثر في مصنفاته الكثيرة وفي شتى العلوم والفنون[22].  وما يهمنا من تلك الفنون والعلوم هو علم أصول الفقه. ويأتي كتاب المستصفى من علم أصول الفقه تمام الكتب الأربعة التي نوه عنها ابن خلدون بأنها أركان هذا العلم[23]، وعمدته فهو أحدها، وأهمية المستصفى أنه آخرها تأليفا يصور الدرجة الفكرية الأخيرة في مراحل التدرج الفكري عند الغزالي ويمثل قمة النضج العلمي فقد أبدع في تحقيق المسائل والموضوعات، ساعده على هذا اطلاعه على أعمال السابقين من أئمة الأصول فهيأ له الاشراف على أعمالهم الاستفادة منها فخرج من كل ذلك بفكر أصيل ومنهج مستقل فريد، إنه كتاب اجتهاد في الأصول يوضح فيه موقفه ويبين فيه اجتهاده على قدم المساواة مع اجتهادات الأئمة الآخرين [24].

فقد ساغ له النظر فيما كتبه شيخه الجويني وما كتبه الباقلاني، وما كتبه القاضي عبد الجبار وتلميذه أبو الحسين فأحسن الاستفادة منها وأجاد في صياغة مادتها العلمية وأتقن ترتيبها وتبويبها، فصنف أجل كتبه وكأنها زبدة من سبقه وخلاصة من قبله من العلماء.

 المبحث الأول: مفهوم الدليل عند الإمام الباجي:

المطلب الأول-  تجديد بناء مفهوم أصول الفقه عند الإمام الباجي:

كانت للإمام الباجي في التأليف الأصولي منهجية علمية تمثل بحق مشروعا علميا إلى جانب مشروع ابن حزم نقطة تحول في تاریخ الدارسات الأصولیة بالأندلس.

فقد استطاع الإمام الباجي أن یطلع على طرق التألیف في عصره فأوعبها وأحسن الاستفادة منها وأتقن إعمالها، ویظهر هذا الأمر لكل دارس لتراث الإمام الباجي الأصولي. فقد ساد التقلید لدى فقهاء الأندلس وكان هو السمة البارزة، وهذا قبل عودة الإمام الباجي من رحلته المشرقیة، تجلى ذلك واضحا في صرف اهتمامهم إلى فقه النوازل وما جرى به العمل دون أن یرقوا إلى مستوى مناقشة أصول تلك النوازل والتشریع على أساسها، كما صرفوا جهودهم إلى اختصار المصنفات الفقهیة كمدونة سحنون (ت240ه)،  والموازیة لابن المواز (ت269ه)، والواضحة لابن حبیب (238ه) وغیرها من المصنفات حتى قصرت الهمم عن كبار العلم وأصبح فقهاء الأندلس في بدایة القرن الخامس الهجري في وضع علمي لا یسمح لهم بمواجهة انتقادات خصوم المذهب.كابن حزم الظاهري.  فكان الباجي بما نال من ثقافة واسعة في مختلف العلوم الشرعية واللغوية هو المناظر المالكي لابن حزم.

وقد أكد هذا الأمر أبو بكر بن العربي الذي وقف تحسرا على ما آل إليه فقهاء المالكية المتأخرون، واصفا ما أنقذهم الله به من علوم الراحلين إلى المشرق بقوله: ” ولولا أن الله تعالى منّ بطائفة تفرقت في ديار العلم وجاءت بلباب منه كالقاضي أبي الوليد الباجي، أبي محمد الأصيلي، فرشوا من ماء العلم على هذه القلوب الميتة وعطروا أنفاس الأمة الزفرة، لكان الدين قد ذهب”[25].

وفيما يلي نماذج لجهود الإمام الباجي في أصول الفقه:

– جهود الإمام الباجي في تحقيق أصول المذهب: فإن معظم الأصول اختلف فيها المالكية أنفسهم إما في نسبتها إلى مالك، أو المراد بها والمقصود منها كإجماع أهل المدينة، وتحقيق مسألة شرع من قبلنا وموقف مالك منها وغيرها من المسائل الأصولية التي عالجها الباجي في كتاباته الأصولية.

– جهود الإمام الباجي في المصطلح الأصولي: من الجهود المعتبرة التي قام بها الإمام الباجي خدمة للمذهب المالكي جانب المصطلح الأصولي، وهذا لأهميته وفائدته، حيث ینتج عن المصطلح أفهام وتصوارت، إن استقامت استقام فهمها، وإن أسيء فهمها حصل الفساد. وقد اعتنى الإمام الباجي بهذا الجانب عنایة فائقة، سواء من حیث إفراده بالتصنیف والتألیف في كتابه’’الحدود في الأصول‘‘، أو من حیث تصدیره لمؤلفاته الأصولية، وذلك من خلال مقدمات ومباحث تتضمن الجانب المصطلحي الذي كثر استعماله وتداوله لدى الأصوليین. ومن ثم یمكن القول إن الإمام الباجي قد اهتم بالمصطلح الأصولي أیُّما اهتمام خدمة لأصول المذهب.[26]

ويعد كتابه إحكام الفصول في أحكام الأصول من أفضل كتبه الأصولية، وقد حرص أبو الوليد على إبراز أقوال العلماء المالكية ومذاهبهم[27]، إلا أنه لم يتقيد بآرائهم بل كثيرا ما يخالفهم، وأحيانا ينفرد بآراء يخالف فيها جمهور الأصوليين. وتظهر آثار تأثره بمنهج أبي إسحاق الشيرازي، إلا أنه لم يؤثر ذلك على منهجه الخاص المستقل، الغني بالإبداع والإضافة.

قد تأثر بأستاذه (أبي اسحاق الشيرازي)، وخاصة في تقسيمه لأدلة الشرع، إذ يقسمها هو الآخر إلى أصل ومعقول أصل واستصحاب حال. ولكن مع ذلك فقد خالفه في مواضع كثيرة، ويرجع هذا إلى الاختلاف المذهبي بين الأستاذ والتلميذ، حيث ينتمي الأول إلى المذهب الشافعي، بينما ينتمي الثاني إلى المذهب المالكي، وأبرز مثال على ذلك: مخالفته له في تفاصيل الأدلة، فهو وإن وافقه في تقسيمها إلى الأقسام الثلاثة المذكورة، إلا أنه خالفه بعد ذلك في التفاصيل[28].

المطلب الثاني: بناء مفهوم الدليل عند الباجي:

بناء الدليل يقصد به تحديد الدليل المعتبر، ويرجع هذا الأمر إلى أمرين أساسيين في أصول الفقه:

الأول هو بناء المرجعية وتأصيل الأصول وبيان حجيتها، و الثاني بناء المنهجية وهو النظر في تلك الأصول والأدلة. أي قبل بيان الدليل المعتبر لابد من البحث في وظيفته هل هي وظيفة مرجعية أم وظيفة منهجية. حتى يتبين هل هو دليل بنفسه أم هو نظر في الدليل.

فما هو مفهوم الدليل عند الباجي؟

قد بين الباجي تصوره لمفهوم الدليل في الباب الأول في كتابه “إحكام الفصول في أحكام الأصول” حيث قسم أدلة الشرع إلى ثلاثة أقسام: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، وتناول في الأصل الكلام عن الكتاب والسنة والإجماع وما يتعلق بها من مباحث، وفي معقول الأصل: تكلم عن لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب (القياس)، وتوسع كثيرا في الكلام عن القياس.

وتكلم بعد ذلك عن استصحاب الحال وأدرج معه الاستحسان وسد الذرائع.

سنرى أن هذا التصور لمفهوم الدليل لم يُكتب في علم أصول الفقه على منواله، لكن نجده عند شيخه الإمام الشيرازي قال: ”  وأدلة الشرع ثلاثة: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال ” [29].

فلئن كان شيخ الباجي الإمام الشيرازي الشافعي قد قسم الأدلة إلى ثلاثة أقسام: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال؛ قال في كتابه اللمع: “أن الأصل يستعمله الفقهاء في أمرين:  أحدهما في أصول الأدلة؛  وهي الكتاب والسنة والإجماع.  ويقولون هي الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل” [30]. ثم قال: “وأما استصحاب الحال فضربان:  استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع”[31]؛ فإن الإمام الباجي سيخرج هذا التقسيم من الجدل إلى التأسيس لقواعد علم أصول الفقه، وستصبح قواعد لأصول مندرجة في هذا البناء الهيكلي: لمفهوم الدليل: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، فأحدث بذلك نقلة نوعية في صناعة علم أصول الفقه بالأندلس.

أولا- الكلام في الأصل:

أما الأصل فيعتبر فيه الكتاب والسنة والإجماع، فترى أن الباجي لم يذكر ضمن الأصل: المصلحة المرسلة، ولا الاستحسان، ولا سد الذريعة، ولم يذكر القياس ولا عمل أهل المدينة رغم أنها أصول المالكية؟ هل الباجي يترجم لأصول المالكية؟

إن الباجي يقدم تجربته ورؤيته الخاصة في صناعة أصول الفقه، كما يقدم اختياره الأصولي المجتهد في بناء مفهوم الدليل إذ لم نجد عالما من علماء المالكية كتب وفق هذا التصور.

فالدليل المعتبر في الأصل هو: الكتاب والسنة،  والإجماع، وقد بين الإمام الباجي الأحكام المتعلقة بالكتاب أولا، لأنه الأصل الأول من أصول الأدلة الشرعية فقال: “أما الكتاب فينقسم إلى قسمين: حقيقة ومجاز، وذكر الآراء بوجود المجاز في القرآن، واستدل لكل رأي، ثم عقد بابا في بيان حكم المفصل، ثم أورد مسائل الأمر، ثم مسائل النهي، فذكر العموم وأقسامه وأحكامه، وعقد بابا في أحكام ما يقع به التخصيص، ثم ذكر مسائل الاستثناء، ثم عقد فصلا في المطلق والمقيد، ثم بابا في بيان حكم المجمل، وأورد فصلا في إثبات اللغات من جهة القياس، واختتم الكتاب بإيراد باب في أحكام البيان.

ثم تحدث عن السنة باعتبارها الأصل الثاني من أصول الأدلة الشرعية، وقسّم السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أقسام: أقوال، وأفعال، وإقرار.

وتكلم عن كل واحد منها، ثم ذكر أحكام الأخبار من التواتر، والآحاد، وصفات الراوي، وصفة الرواية وأحكامها، وسائر الأحكام المتعلقة بالسنة.

والأدلة بهذا النظر لا تثير أي إشكال إلا ما تعلق بتحقيق القول في الإجماع، أهو دليل بنفسه أم باستناده إلى دليل معتبر؟

وواضح عند الأصوليين أن الإجماع لابد له من مستند، والمستند إما معنى في الكتاب أو معنى في السنة، أو معنى وقع قياسه على ما في الكتاب أو في السنة. وهكذا يكون الإجماع دليلا لا بنفسه وإنما دليل في متضمنه أو في مستنده. قال الباجي: ” إذا ثبت أن الإجماع حجة شرعية:  فإنه لا يصدر إلا عن دليل سمعي أو عقلي، ويكون إجماعها على ذلك وتلقيها له من وجهين:

  • أحدهما: أن يوقف صلى الله عليه وسلم الأمة أو أكثرها على الحكم فَيُجْمَعُ عليه بتوقيفه.
  • والثاني: أن ينص على الحكم، أو ينصب دليلا عليه، فتصير إليه لأجل النص أو الدليل” [32].

فيبقى الإجماع طريقا إلى تحقيق العلم بالدليل أو القطع بالدليل حيث إن الإجماع ينفي عن الدليل احتمال التأويل واحتمال النسخ.

ثم يثير الباجي إشكالا آخر حينما أدرج  “إجماع أهل المدينة”  ضمن حديثه عن الإجماع!

و معلوم أن من أهم مميزات المذهب المالكي “عمل أهل المدينة” فهل الباجي يعتبره إجماعا؟ وهل يعده وأصلا ودليلا من الأدلة الشرعية مثل دليل الكتاب والسنة؟

إن الإمام الباجي من أوائل الأصوليين المالكيين الذين تصدوا لبيان حقيقة عمل أهل المدينة. وبيان حقيقة مفهومه من الأهمية بمكان ذلك أن أكثر من شنع على المالكية إنما لعدم تصوره، ولذا تجد الإمام الشافعي ينكر على الإمام مالك جنوحه لهذا الأصل، رغم افتقاره إلى زمام يضبطه؛ فقال: ” وما عرفنا ما تريد بالعمل إلى يومنا هذا وما أرانا نعرفه ما بقينا”.[33]

ويعد أيضا ابن حزم من المشنعين على مالكية الأندلس في استنادهم إلى هذا الأصل وغيره، حيث نقض مذهبم بما أوتي من العلوم وخاصة علم الجدل. ولذلك حاول الباجي توضيح المقصود بعمل أهل المدينة وخاصة في إحكام الفصول الذي كتبه بعد عودته من المشرق وكان مقصده منه كما بينه في مقدمته هو إجابة طلبة طالب في بيان أصول المالكية وحججهم، ونصرته للحق الذي يذهب إليه.[34]

ولا شك أن الباجي حاول تعريف عمل أهل المدينة بطريقة التقسيم الحاصر الذي يأبى الزيادة ويمنع النقصان، وإن  كان ذكره مع الإجماع فإنما لأجل الرد على أصحابه لأنهم عدّوا العمل من قبيل الإجماع فكان للمخالف حظ من الوجاهة فيما صاروا إليه من التشنيع. قال الباجي: ” قد أكثر أصحاب مالك رحمه الله في ذكر إجماع أهل المدينة والاحتجاج به، وحمل ذلك بعضهم على غير وجهه، فتشنع به المخالف عليه، وعدل عما قرره في ذلك المحققون من أصحاب مالك رحمه الله” [35].

فالباجي يصحح مفهوم “عمل أهل المدينة” ويرى أنه ليس إجماعا  لأن شرائط الإجماع المعتبر غير متوفرة فيه، قال: ” وتنزيل مالك لهذه الألفاظ على هذا الوجه وترتيبها مع تقاربها في الألفاظ يدل على ما تجوزه في العبارة، وأنه يطلق على لفظ الإجماع، وإنما يريد به ترجيح ما يميل إليه من المذهب…”[36].

فما عمل أهل المدينة إذاً إلا طريق من طرق نقل السنة النبوية، فهو تواتر عملي في نقل السنة، قال: ” ومما يحتج به على وجه الإجماع، وليس بإجماع على الحقيقة؛ إجماع أهل المدينة فيما طريقه النقل، وإنما هو احتجاج بخبر”[37].

فقد تبين إذا أن الباجي لا يعتبر عمل أهل المدينة إجماعا ولا أصلا ولا دليلا، وإنما طريق من طرق نقل السنة، وقد قدم له أمثلة، كمسألة الآذان ومسألة الصاع، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله ونقل نقلا متواترا”.[38]

وقد رأى ابن خلدون دراسة عمل أهل المدينة ضمن مباحث السنة أو الأدلة المختلف فيها قال: ” ولو ذكرت المسألة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره، أو مع الأدلة المختلف فيها مثل: مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق”[39].

ووجه الصحة في كلام ابن خلدون أن الباجي تحدث عن عمل أهل المدينة ضمن حديثه عن الأصل الثالث وهو الإجماع، وبين قسمي عمل أهل المدينة: العمل النقلي المتصل، والعمل الاجتهادي. وقد أكد الباجي على حجية  وقطعية العمل النقلي المتصل دون الاجتهادي، قال: “فهذا نقل أهل المدينة عنده في ذلك حجة مقدمة على خبر الآحاد وعلى أقوال سائر البلاد الذين نقل إليهم الحكم في هذه الحوادث أفراد الصحابة وآحاد التابعين…”[40] ثم قال “ولا يجوز أن يعارض الخبر المتواتر بخبر الآحاد”[41]. فترى أن كلام ابن خلدون صحيح لكن سبق البيان أن الباجي إنما ذكر عمل أهل المدينة ضمن حديثه عن الإجماع ليرد على أصحابه ويصحح لهم مفهومه وحقيقته، وإلا كان على الباجي من الناحية العملية أن يذكره ضمن مفهوم التواتر.  والله تعالى أعلم.[42]

نخلص إلى أن عمل الباجي ههنا هو تصحيح لمفهوم عمل أهل المدينة من جهتين: الأولى متعلقة بنقد المالكية أنفسهم خاصة أولئك الذين اعتبروا عمل أهل المدينة  إجماعا.

والثانية رد على من خالفهم في التمييز بين ما وقع نقله متواترا فهو معتبر حجة وأهل المدينة مقدمون فيه على غيرهم وما كان من الآحاد والرأي والاجتهاد فأهل المدينة وغيرهم سواء.

ثانيا- معقول الأصل:

إن الناظر في معقول الأصل عند الباجي يرى أنه يتحدث عن قضايا دلالية؛ قال: ” والكلام هاهنا في معقول الأصل، وهو على أربعة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب والاستدلال بالحصر، ومعنى الخطاب.”[43]

فلحن الخطاب هو دلالة الكتاب أو السنة، على الأحكام من طريق دلالة الخطاب، قال: ” فأما لحن الخطاب: فهو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به”[44]. وأراد بالضمير المضمر وهو المقدر لأن معنى الكلام لا يستقيم بدون هذا التقدير. والذي عبر عنه الباجي بلحن الخطاب عبر عنه غيره من الأصوليين بدلالة الاقتضاء، كما صرح القرافي بهذا في شرح تنقيح الفصول[45].

وفحوى الخطاب هو أيضا دلالة الكتاب أو السنة من طريق لحن الخطاب.  قال: ” والقسم الثاني من معقول الخطاب: فحوى الخطاب، وهو ما يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلم بعرف اللغة”[46]. فهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له نفيا وإثباتا لاشتراكهما في علة الحكم المفهومة بطريق اللغة. والحنفية سموها “دلالة النص”، لأن الحكم بها ثابت من معنى النص لا من لفظه. وسماها ابن الفورك “مفهوم الخطاب”[47].

وكذلك الاستدلال بالحصر قال: ” القسم الثالث من أدلة المعقول: الاستدلال بالحصر، وبه قال عامة العلماء إلا من لا يعبأ بقوله، ويدل على بطلان قوله: عُرفُ التخاطُبِ، والمعروف من لسان العرب. وألفاظ الحصر تدل على نفي الحكم عن غير المنصوص عليه، وذلك نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)[48] وقوله صلى الله عليه وسلم:  ( إنما الولاء لمن أعتق)[49][50].

ومعنى الخطاب وهو القياس، وههنا يثير الباجي إشكالا آخر  في بناء الدليل:  فقد ترسخ  في الأذهان أن القياس هو الأصل الرابع بعد الكتاب والسنة والاجماع،  لكن الباجي لم يعتبره دليلا في الأصل؛ لم يجعله لا مع الكتاب ولا مع السنة، ولا مع الإجماع وإنما اعتبره وجها من وجوه دلالة الكتاب والسنة على الأحكام. قال: “والقسم الرابع من معنى الخطاب، وهو القياس، وإن كان اسم القياس يجري على أكثر أنواع الاستدلال من جهة المعنى إلا أن العرف قد جرى بين أهل الجدل بإطلاق القياس على نوع مخصوص من الاستدلال: وهو ما حرر لفظه.

فأما القياس: فهو حمل أحد المعلومين على الآخر في إيجاب بعض الأحكام لهما وإسقاطه عنهما بأمر يجمع بينهما”[51].

فنخلص إلى أن معقول الخطاب أدرج ضمن الأصول من باب التجوز وليس أصلا إنما هو وجه من وجوه الدلالة.

ثالثا- الكلام في استصحاب الحال:

نقف في باب استصحاب الحال  على جملة اشكالات:

  • كيف ساغ للباجي أن يدرج الكلام عن الاستحسان، وسد الذرائع في هذا الباب؟  مع العلم أن مفهومها في المذهب المالكي ووظيفتهما مخالف للمقصود من الاستصحاب؟  هل هناك علاقة بينهما وبين الاستصحاب؟
  • هل يعتبر الباجي كل من الاستصحاب،  والاستحسان، وسد الذرائع دليلا بنفسه كالكتاب والسنة؟
  • هل الباجي يترجم لأصول المالكية؟ هل يقلدهم وهل يتابعهم أم أنه ينتقدهم ويخالفهم في التأصيل لمفهوم الدليل؟

إن الإمام الباجي يعيد النظر في تأصيل الأدلة، ولذلك ينتقد المالكية ويخالفهم في تصنيفها. فمن حيث التأصيل الكلي  للأدلة كأنه بعد أن أنهى الكلام عن الأصل ومعقول الأصل، عرض في القسم الثالث- استصحاب حال -للاستحسان وسد الذرائع،  الباجي بهذا الصنيع خالف المالكية وانتقدهم.

فأما الاستحسان فقد قال الإمام الباجي: ” ذكر محمد بين خويز منداد:  “أن معنى الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك رحمه الله: “القول بأقوى الدليلين مثل تخصيص بيع العرايا بالتمر للسنة الواردة في ذلك… “[52]، فالقول بأقوى الدليلين أي ترجيح أحد الدليلين وهو أقواهما على الآخر، ولذلك قال الإمام الباجي بعده:  ” فهذا إنما يكون القول بالاستحسان ضربا من الترجيح على من رأى الترجيح بكثرة الأصول”[53].  فإذا كان الاستحسان ضربا من الترجيح  فهو ليس دليلا وإنما هو نوع من الاجتهاد الترجيحي. والملاحظ أن وظيفة الاستحسان ومفهومه لا علاقة له بمفهوم ووظيفة استصحاب الحال.

بعد الحديث عن الاستحسان سينتقل مباشرة للحديث عن قاعدة سد الذرائع قال الإمام الباجي: “ذهب مالك رحمه الله إلى المنع من الذرائع وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور”.  وعرفه:  ما يتوصل” به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله”[54]. و لا ريب أن تعريف سد الذرائع لا علاقة له بالاستصحاب، ونفس الأمر بالنسبة للاستحسان فما الذي جعل الباجي يصنفهما ههنا؟

إن الإمام الباجي وهو يعرض لوجوه الأدلة لم يعتبر الاستحسان، وسد الذرائع ضمنها، وكأنه يريد أن يقول إن هذه القواعد ليست دليلا. وإنما هي نظر في الدليل.

وإذا انتقلنا إلى مفهوم الاستصحاب: سنجد الإمام الباجي يعتبره طريقا للنظر والجدل وليس دليلا:

قال الإمام الباجي: ” اعلم أن استصحاب حال العقل دليل صحيح، وهو القسم الثالث من الأدلة الشرعية، وذلك إنما يكون فيما يدعي فيه أحد الخصمين حكما شرعيا ويدعي المسؤول البقاء على حكم العقل”[55]. فهل نحن أمام قضية فقهية أم  قضية قضائية؟  فأحد الخصمين في النظر، في الجدل، في القضاء، يتنازعون فيكون الأمر دائر بين براءة الذمة، وإثبات شغل الذمة أو الالتزام.

إذًا هذا مفهوم الاستصحاب فهو ليس اجتهاداً في إثبات الحكم، وإنما اجتهاد لنفي الحكم قال الباجي: ” مثل أن يسأل عن وجوب الوتر فيقول المالكي:  ليس بواجب، فيطالب بالدليل، فيقول: الأصل براءة الذمة وطريق الوجوب الشرع، وقد طلبت في الشرع فلم أجد موجبا”[56].  فالباجي يؤكد أن طريق إثبات الوجوب هو الشرع وليس العقل ولا استصحاب الحال، ومن ههنا صار الاستصحاب طريقا للنظر والجدل. تماما كما هو عند أبي حامد الغزالي.

فلم يعد الاستصحاب دليلا شرعيا يثبت الأحكام الشرعية وإنما طريق من طرق اثبات براءة الذمة من أي تكليف، أو شغلها. أما إدراك الحكم الشرعي فيكون بالشرع ولا دخل للعقل فيه.

نخلص مما سبق إلى أن مفهوم الدليل عند الإمام الباجي ينحصر في الكتاب والسنة، وما بقي فهو نظر في الدليل  بنفي الاحتمال ونفي النسخ عنه، أو طريق من طرق نقله، أو نظر اجتهادي بالترجيح أو من القواعد المساعدة في الفهم والنظر، أو هو منهج في الاستدلال.

المبحث الثاني: مفهوم الدليل عند الإمام الغزالي:

المطلب الأول- أثر التجديد في بناء مفهوم أصول الفقه عند الإمام الغزالي:

سلك الإمام الغزالي في ترتيب مباحث أصول الفقه مسلكاً بديعاً لم يُعهد في زمانه ولا قبل زمانه؛ وذلك لما منحه الله تعالى من جودة الذهن ودقة الفهم وتعمق في العلوم العقلية والمنطقية، فجاء ترتيبه في صورة حسية ظاهرة تجعل طالب العلم فضلاً عن المتخصص يدرك جوانب هذا العلم من أول وهلة فقد شبه أصول الفقه بشجرة مثمرة  بالثمار اليانعة تمد صاحبها المحترف بآلة القطف بالطرق الصحيحة، وهو ما بينه بقوله:  ” اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية لم يخف عليك أن المقصود كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة فوجب النظر في الأحكام ثم في الأدلة وأقسامها ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة ثم في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام فإن الأحكام ثمرات وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار”[57].  وحتى تؤتي أكلها لابد من تحقق أربعة أمور:

١- الشجرة (المُثمر):  هي الأدلة: الكتاب والسنة والإجماع.

٢الثمرة: هي الأحكام: الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة والحسن والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد وغيرها.

٣- طرق الاستثمار: هي دلالات الألفاظ ووجوه دلالة الأدلة وهي أربعة: إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنظومها، أو بفحواها ومفهومها، أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها.

٤المستثمر: هو المجتهد، ولا بد من معرفة صفاته وشروطه وأحكامه.

فالصورة الحسية لما عناه الإمام الغزالي في هذا التشبيه أن الرجل(المستثمر) الذي هو المجتهد يستخدم الآلة (طرق الاستثمار) كي يقطف الثمرة (الحكم الشرعي) من الشجرة(المثمرة) التي هي الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع حتى ينال بتناولها حياة السعادة والكرامة في الدارين.

ثم بين رحمه الله مزيدَ تفصيلٍ لهذا التقسيم فقال: فإذن جملة الأصول تدور على أربعة أقطاب:

  • القطب الأول: في الأحكام، والبداءة بها أولى لأنها الثمرة المطلوبة.
  • القطب الثاني: في الأدلة وهي الكتاب والسنة والإجماع، وبها التثنية؛ إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر.
  • القطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهو وجوه دلالة الأدلة وهي أربعة: دلالة بالمنظوم، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالضرورة والاقتضاء، ودلالة بالمعنى المعقول.
  • القطب الرابع: في المُستثمِر وهو المجتهد الذي يحكم بظنه، ويقابله المقلد الذي يلزمه اتباعه؛ فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما.

بيان كيفية اندراج الشعب الكثيرة من أصول الفقه تحت هذه الأقطاب الأربعة:

لعلك تقول أصول الفقه تشتمل على أبواب كثيرة وفصول منتشرة فكيف يندرج جملتها تحت هذه الأقطاب الأربعة؟ فنقول:

القطب الأول: هو الحكم، وللحكم حقيقة في نفسه وانقسام وله تعلق بالحاكم: وهو الشارع.

والمحكوم عليه: وهو المكلف.

وبالمحكوم فيه: وهو فعل المكلف، وبالمظهر له وهو السبب والعلة.

ففي البحث عن حقيقة الحكم: في نفسه يتبين أنه عبارة عن خطاب الشرع، وليس وصفا للفعل ولا حسن ولا قبح، ولا مدخل للعقل فيه، ولا حكم قبل ورود الشرع.

وفي البحث عن أقسام الحكم: يتبين حد الواجب، والمحظور والمندوب والمباح والمكروه والقضاء والأداء والصحة والفساد والعزيمة والرخصة، وغير ذلك من أقسام الأحكام.

وفي البحث عن الحاكم: يتبين أن لا حكم إلا لله، وأنه لا حكم للرسول، ولا للسيد على العبد، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه لا حكم لغيره.

وفي البحث عن المحكوم عليه: يتبين خطاب الناسي والمكره والصبي، وخطاب الكافر بفروع الشرع، وخطاب السكران، ومن يجوز تكليفه، ومن لا يجوز.

وفي البحث عن المحكوم فيه: يتبين أن الخطاب يتعلق بالأفعال لا بالأعيان، وأنه ليس وصفا للأفعال في ذواتها.

وفي البحث عن مظهر الحكم: يتبين حقيقة السبب والعلة والشرط والمحل والعلامة.

فيتناول هذا القطب جملة من تفاريق فصول الأصول أوردها الأصوليون مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ولا تجمعها رابطة، فلا يهتدي الطالب إلى مقاصدها، ووجه الحاجة إلى معرفتها وكيفية تعلقها بأصول الفقه.

القطب الثاني: في المثمر وهو الكتاب والسنة والإجماع.

وفي البحث عن أصل الكتاب: يتبين حد الكتاب وما هو منه، وما ليس منه، وطريق إثبات الكتاب، وأنه التواتر فقط، وبيان ما يجوز أن يشتمل عليه الكتاب من حقيقة ومجاز، وعربية وعجمية.

وفي البحث عن السنة: يتبين حكم الأقوال والأفعال من الرسول، وطرق ثبوتها من تواتر وآحاد، وطرق روايتها من مسند ومرسل، وصفات رواتها من عدالة وتكذيب، إلى تمام كتاب الأخبار ويتصل بالكتاب والسنة كتاب النسخ؛ فإنه لا يرد إلا عليهما.

وأما الإجماع فلا يتطرق النسخ إليه، وفي البحث عن أصل الإجماع: تتبين حقيقته، ودليله، وأقسامه، وإجماع الصحابة، وإجماع من بعدهم، إلى جميع مسائل الإجماع.

القطب الثالث: في طرق الاستثمار؛ وهي أربعة:

  • الأولى دلالة اللفظ من حيث صيغته، وبه يتعلق النظر في صيغة الأمر والنهي والعموم والخصوص والظاهر والمؤول والنص، والنظر في كتاب الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والنظر في مقتضى الصيغ اللغوية.
  • وأما الدلالة من حيث الفحوى والمفهوم، فيشتمل عليه كتاب المفهوم ودليل الخطاب.
  • وأما الدلالة من حيث ضرورة اللفظ واقتضاؤه، فيتضمن جملة من إشارات الألفاظ كقول القائل: أعتق عبدك عني، فتقول أعتقت فإنه يتضمن حصول الملك للملتمس ولم يتلفظا به لكنه من ضرورة ملفوظهما ومقتضاه.
  • وأما الدلالة من حيث معقول اللفظ: فهو كقوله (لا يقضي القاضي وهو غضبان) فإنه يدل على الجائع والمريض والحاقن بمعقول معناه، ومنه ينشأ القياس وينجر إلى بيان جميع أحكام القياس وأقسامه.

القطب الرابع: في المستثمر وهو المجتهد وفي مقابلته المقلد.

وفيه يتبين صفات المجتهد وصفات المقلد والمواضع الذي يجري فيه الاجتهاد، دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه، والقول في تصويب المجتهدين، وجملة أحكام الاجتهاد.

فهذه جملة ما ذكر في علم الأصول، وقد عرفت كيفية انشعابها من هذه الأقطاب الأربعة؛ بيان المقدمة ووجه تعلق الأصول بها.[58]

لقد كانَ أثرُ أبي حامدٍ على الدّرس الأصُولي عميقًا جدًّا؛  ولا غرابةَ في ذلك فإن الرَّجل قد دَخَلَ مرحلة من حياته في تجربة تأمُّلية أفضت بهِ إلى مُراجعات فكرية كان لها بالغُ الأثر بلا شك على خَلْفيته المعرفية،  وهذا مَا يُؤكّده ابنُ عساكر بقوله ـ بعد أن تحدث عن خلوته ـ:  “ثم حكى أنه راجَعَ العُلوم وخاض في الفُنون وعاودَ الجدَّ والاجتهاد في كُتب العلومِ الدَّقيقة والتقى بأربابها حتَّى انفتح له أبوابها”. [59]

لم يكُن للأصوليين قبل الغزالي منهج متناسقٌ في ترتيب مباحثِ كُتُبهم في الغالب،  فقد كان يَشُوب تَرتيبَها كثيرٌ من الخلل، وهذا ما يُعبّر عَنه الغَزَالي نفسُه في سِيَاقِ تَبريرِهِ لترتيبِه المُختَرَعِ فقال:  “فيتَنَاولُ هذَا القُطبُ جُملةً من تَفَاريقِ فُصُول الأُصُول،  أورَدَهَا الأُصُوليُّون مُبَدَّدة في مواضِعَ شَتَّى لا تَتَنَاسَبُ ولا تَجمَعُها رَابِطَة”[60].

أن عددا من الاصطلاحات الأصولية لم تكن معروفة قبل أبي حامد بتلك الأسماء حتى كان الغزالي،  فتابعه الناس عليها كلهم، وأصبحت هي المعتمدة بالأساس. فلو نظرنا إلى مصطلح “تحقيق المناط”، لوجدنا أنه لم يكن معروفا قبل الغزالي: فلم نجده لا في المعتمد، ولا العدة، ولا البرهان، ولا القواطع، ولا اللمع،  ولا غيرها من كتب الأصول حتى كان الغزالي فذكره بهذا اللفظ في المستصفى[61]، فتابعه كل من جاء بعده كالرازي والآمدي وغيرهم. ومثله مصطلح “تنقيح المناط” فإنه خاص بالغزالي، ولذلك نسبه الرازي للغزالي إذ يقول: “واعلم أن الجمع بين الأصل والفرع تارة يكون بإلغاء الفارق والغزالي يسميه تنقيح المناط[62] وكذلك مصطلح “تخريج المناط[63].

وكذلك التفريق بين مفهوم المفتي والمجتهد، ولئن كان في كلام السمعاني ما يدل على التفريق، فإن الغزالي هو من قرر المسألة حين يقول: “…وهذا [أي العدالة] يشترط لجواز الاعتماد على فتواه،  فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه. أما هو في نفسه فلا” [64]وقد تابع الغزالي على هذا التفريق كثير من أهل الأصول إما من جهة كلامهم على أبواب الاجتهاد،  ثم الافتاء كما حصل مع الرازي[65]، أو من جهة اشتراط العدالة في المفتي فقط كما وقع للشاطبي[66].

ثم إن إقحام مفهوم المقاصد في النظر الاجتهادي لم يكن عند أحد قبل الغزالي بالشكل الذي طرحه في كتاب المستصفى، فالرجل قد جعل الإحاطة بمدارك الشرع من مفهوم الاجتهاد، والإحاطة بهذه المدارك إنما تعني الإشراف على مقاصد الشريعة، لأن الاجتهاد إنما يكون “التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر”[67] (،  ويزيد هذا الأمر وضوحا حين يشترط من العلم باللغة قدرا يوصل المجتهد إلى إدراك حقائق المقاصد، وهذا نظر عميق، يقول”:  بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد[68]، و إن كان في كلام الجويني في كتاب الاجتهاد لما تكلم على شروط المفتي ما يدل على هذا المعنى.  كما أن حصر الغزالي للاجتهاد في مجاري العلل في باب القياس، حيث يقول”:  والاجتهاد في العلة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم أو في تنقيح مناط الحكم أو في تخريج مناط الحكم واستنباطه[69]، اجتهاد خاص بالغزالي وحده، وإن لهذا النظر أهمية عُظمى لا تظهر بالنظر إلى هذه الإصطلاحات مجردة عن سياقها الكبير، أو حصرها في سياق أبواب القياس، بل إن عظمة فائدتها تظهر عند الشاطبي وحده، وتأمُّلُ الشاطبي في مستصفى الغزالي، أدى به إلى أن يذكر هذه الاصطلاحات في كتاب الاجتهاد،  وتكلم عن تحقيق المناط وما يتعلق به رابطا بينه وبين قواعد المآل والذرائع ومراعاة السياقات وأحوال المكلفين[70]، بما يدهش الناظر حقا من عظمة المتأمل الأول ( الغزالي)؛  وبراعة المتأمل الثاني( الشاطبي)؛  والرجلان متأملان:  الأول في خلوته الروحية، والثاني في عزلته التي فرضها عليه الناس…وإذا قدر الله لعباده أمرا هيأ لهم أسبابا.

كما أن مفهوم الاستقراء كجهة من جهات الاجتهاد، إنما استفادها الشاطبي من الغزالي، لكن لا ننكر أن السابقين قد تكلموا على الاستقراء،  كابن حزم والجويني وغيرهما،  لكن لم يسبق لأحد أن طور مدلوله الاصطلاحي حتى يصبح جهة رئيسية في مباحث الاشتغال الاجتهادي.

المطلب الثاني: مفهوم الدليل عند الغزالي:

لقد وضح الغزالي تصوره لمفهوم الدليل عنده، عندما قسم الأدلة الشرعية إلى أدلة معتبرة، وأدلة موهومة. وتبدأ المراجعة النقدية عند الغزالي في بناء مفهوم الدليل من هذا التصنيف، وبعد التصنيف نظر إلى الحجاج لإثبات تلك الأدلة والاعتراض على حجيتها وشرعيتها.

أولا- الأدلة المعتبرة:

حينما حصر الإمام الغزالي الأدلة الشرعية المعتبرة وصفها بكونها مثمرة، قال:  ” والثمرة هي الأحكام أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة والحسن والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد وغيرها، والمثمر هي الأدلة وهي ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فقط”[71].  واعتبر هذا الدليل المثمر أصلا؛ قال:

” فبهذا تفارق أصول الفقه فروعه وقد عرفت من هذا أن أدلة الأحكام الكتاب والسنة والإجماع فالعلم بطرق ثبوت هذه الأصول الثلاثة وشروط صحتها ووجوه دلالتها على الأحكام هو العلم الذي يعبر عنه بأصول الفقه”[72].

وقال:  “وأما الأصول فلا يتعرض فيها لإحدى المسائل ولا على طريق ضرب المثال بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة والإجماع ولشرائط صحتها وثوبتها ثم لوجوه دلالتها الجميلة إما من حيث صيغتها أو مفهوم لفظها أو مجرى لفظها أو معقول لفظها وهو القياس “[73].

لكن الإمام الغزالي في القطب الثاني سيتحدث عن أربعة أدلة حيث سيضيف إلى الأدلة الثلاثة دليل العقل المقرر على النفي الأصلي، بمعنى نفي ثبوت الحكم إلى أن يرد الدليل الشرعي المثبت للحكم قال:

” القطب الثاني في أدلة الأحكام وهي أربعة الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي “[74].  غير أنه سيؤكد على أن كونه دليلا تجوز لأنه قاصر على درك الأحكام الشرعية، قال: وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية بل يدل على نفي الأحكام عند انتفاء السمع فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز”[75]. فظل العقل  عند الغزالي ذا وظيفة منهجية،   أي أنه لا يعتبر دليلا.

وسيبدأ الامام الغزالي في تفصيل الكلام حول الأدلة المعتبرة كما وعد بذلك في مقدمة المستصفى قال:

” في المثمر وهو الكتاب والسنة والإجماع وفي البحث عن أصل الكتاب يتبين حد الكتاب وما هو منه وما ليس منه وطريق إثبات الكتاب وأنه التواتر فقط وبيان ما يجوز أن يشتمل عليه الكتاب من حقيقة ومجاز وعربية وعجمية وفي البحث عن السنة يتبين حكم الأقوال والأفعال من الرسول وطرق ثبوتها من تواتر وآحاد وطرق روايتها من مسند ومرسل وصفات رواتها من عدالة وتكذيب إلى تمام كتاب الأخبار ويتصل بالكتاب والسنة كتاب النسخ فإنه لا يرد إلا عليهما وأما الإجماع فلا يتطرق النسخ إليه وفي البحث عن أصل الإجماع تتبين حقيقته ودليله وأقسامه وإجماع الصحابة وإجماع من بعدهم إلى جميع مسائل الإجماع”[76].

أولا -الدليل الأول (الأصل الأول):

فأما الدليل الأول فهو كتاب الله تعالى وهو أصل الأدلة كلها كما قال الغزالي: ” واعلم أنا إذا حققنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد وهو قول الله تعالى”[77]. فقد اتفق العلماء أن دليل الكتاب هو المصدر الأول في التشريع الإسلامي. ولضبط دليل الكتاب فقد حاول الإمام الغزالي بيان حد الكتاب وما هو منه، وما ليس منه، وطريق إثبات الكتاب، وأنه التواتر فقط، وبيان ما يجوز أن يشتمل عليه الكتاب من حقيقة ومجاز، وعربية وعجمية”[78].

قال: ” وحد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا ونعني بالكتاب القرآن المنزل”. [79]

وقدم مثالا مما لا يعتبر دليل كتاب قال:  ” التتابع في صوم كفارة اليمين ليس بواجب على قول وإن قرأ ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات لأن هذه الزيادة لم تتواتر فليست من القرآن”[80].

“فدل أن الاجتهاد لا يتطرق إلى أصل القرآن أما ما هو من القرآن وهو مكتوب بخطه فالاجتهاد فيه يتطرق إلى تعيين موضعه”[81].

وبين الغزالي الضوابط التي تتعلق بدليل الكتاب حينما قال:

“يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن لأن الكل من عند الله عز وجل فما المانع منه”[82].

ثم قال: “الإجماع لا ينسخ به إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي وما نسخ فالإجماع بالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمان نزول الوحي من كتاب أو سنة أما السنة فينسخ المتواتر منها بالمتواتر والآحاد بالآحاد أما نسخ المتواتر منها بالآحاد فاختلفوا في وقوعه سمعا وجوازه عقلا”[83].

” لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد على اختلاف مراتبه جليا كان أو خفيا هذا ما قطع به الجمهور” [84].

الدليل الثاني- السنة النبوية:

في دليل السنة اعتمد الغزالي على معيارين اثنين هما:

  • المعجزة الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم.
  • شهادة الكتاب بحجية قوله صلى الله عليه وسلم.

قال الباجي: “الأصل الثاني من أصول الأدلة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه ولأنه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [85] لكن بعض الوحي يتلى فيسمى كتابا وبعضه لا يتلى وهو السنة”[86].

ثم بدأ النظر العلمي يحقق شيئا فشيئا في الإشكال المنهجي الذي سيظهر بسبب تعدد الوسائط الناقلة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم إذ المباشرون المعاصرون يتلقون السنة بدون وسائط لكن فيما بعد سوف تظهر الحاجة إلى حجية أخرى هذا الاستدلال هو المسمى عند العلماء بحجية الثبوت.

فالأصوليون قسموا السنة إلى قسمين: متواترة وآحاد لذلك سيتحدث عن أقسام الخبر: متواتر وآحاد، وهذا التقسيم مداره على القطع والظن في ثبوت الحديث. قال: “اشتمل الكلام في هذا الأصل على مقدمة وقسمين قسم في أخبار التواتر وقسم في أخبار الآحاد”[87].

ثم تحدث عن طرق التحمل والأداء للحديث. ثم الحديث عن صحة السند والمتن، لبيان أنه ليس كل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر حجة، بل لابد من قواعد نقد السند والمتن لكي يعمل بالحديث، وأما كيفية العمل فلابد من توفر دلالته وهي العام والخاص والمطلق والمقيد.. ثم لابد من النظر إلى مدلول ما ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث لا يكون معارضا لما هو أقوى منه كتابا أو سنة متواترة أو قواعد قطعية.

ثالثا- دليل الإجماع:

يعيد الغزالي النظر في دليل الإجماع من الزوايا الأربع التي تحدث عنها قائلا: ” الأصل الثالث من أصول الأدلة الإجماع وفيه أبواب الباب الأول في إثبات كونه حجة على منكريه ومن حاول إثبات كون الإجماع حجة افتقر إلى تفهيم لفظ الإجماع أولا وبيان تصوره ثانيا وبيان إمكان الاطلاع عليه ثالثا وبيان الدليل على كونه حجة رابعا”[88].

“أما تفهيم لفظ الإجماع فإنما نعني به اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية”[89].

” أما الثاني وهو تصوره فدليل تصوره وجوده فقد وجدنا الأمة مجمعة على أن الصلوات خمس وأن صوم رمضان واجب”[90].

” أما الثالث وهو تصور الاطلاع على الإجماع فقد قال قوم لو تصور إجماعهم فمن الذي يطلع عليهم مع تفرقهم في الأقطار فنقول يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم وإن لم يمكن عرف مذهب قوم بالمشافهة ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم”[91].

ويظهر مستوى النقد في الباب الرابع حيث قال: ” أما الرابع وهو إقامة الحجة على استحالة الخطأ على الأمة وفيه الشأن كله وكونه حجة إنما يعلم بكتاب أو سنة متواترة أو عقل أما الإجماع فلا يمكن إثبات الإجماع به وقد طمعوا في التلقي من الكتاب والسنة والعقل وأقواها السنة”[92].

فكان من الممكن أن يقلد الإمام الغزالي شيخه الشافعي في الحجاج ولقد فعل ظنا منه أن ذلك الدليل دليل قوي مسلكه لحجية الاجماع لكن بعد تطور فكره واستمرار نظره تبين له أن آية ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له لهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا )[93]. ليست نصا، ولا تدل على هذا المعنى في الحجية قال: “فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر وأقواها قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل لمؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا )[94]، فإن ذلك يوجب اتباع سبيل المؤمنين وهذا ما تمسك به الشافعي وقد أطنبنا في كتاب تهذيب الأصول في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض”.[95] فلم يرتض الغزالي استدلال الشافعي للإجماع بتلك الآية[96].

وحينما لم يف المسلك الأول [97] بالغرض؛ من حيث كانت الآية ظنية الدلالة وإن كانت قطعية الثبوت؛ ذهب للبحث عن حجية الإجماع  في المسلك  الثاني (أي في السنة النبوية  قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الخطأ) فوجده أقوى في دلالته، لكنه غير متواتر قال: ” المسلك الثاني وهو الأقوى التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الخطأ وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب والكتاب متواتر لكن ليس بنص  “[98].

ههنا يستعمل القواعد للاستدلال المنهجي، فإن هذه الأحاديث ليس بالمتواتر لكنها بدلالتها أقوى من القرآن والبقاء مع حديث واحد لا يفي بالغرض لكن تظافر مجموعة من الأحاديث على معنى عصمة الأمة وعلى حجية الإجماع، قال: ” فطريق تقرير الدليل أن نقول تظاهرت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكره من نحو قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة… وقوله صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم وروي لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لَأْواءٍ، ومن خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية ” [99]. فتكون هذه الآحاديث بمجموعها مفيدة للقطع ولئن كانت الألفاظ متفاوتة فالمعنى واحد، وهنا نبه الغزالي على منهج جديد وهو ما سماه التواتر المعنوي، وهو أن عصمة عن الخطأ معنى مشهور في الشريعة قال:  “قلنا في تقرير وجه الحجة طريقان أحدهما أن ندعي العلم الضروري بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عظم شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة وإن لم تتواتر آحادها وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة علي وسخاوة حاتم وفقه الشافعي وخطابة الحجاج وميل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عائشة من نسائه وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة”[100].

وقد أثار الغزالي إشكالا آخر حينما تحدث عن مستند الإجماع،  قال: لوجه الثاني أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة ويستحيل في العادة التسليم لخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة..”[101]. فالمراد بالمستند هو الدليل الذي يقع الاتفاق عليه اذ لابد من وجود أمر تجتمع عليه الأمة فيقولون لابد للإجماع من مستند ومستند الإجماع إما معنى في الكتاب أو السنة أو معنى وقع قياسه على الكتاب والسنة الشيء الذي يدعو للسؤال: هل الدليل في الإجماع أو مستند الإجماع؟  فسيتفق الأصوليون على أن الدليل الحقيقي هو مستند الإجماع،  إذا كان كذلك فلم الاجماع ما الغاية منه؟ ستكون الغاية هي نفي احتمال التأويل ونفي احتمال النسخ أي أن المعنى المجمع عليه صار معنى قطعيا أنه غير منسوخ. ومن هنا تجد الشريف التلمساني يخرج الإجماع من الدليل بنفسه ويصنفه ضمن متضمن الدليل أي أن الإجماع يتضمن الدليل وهذا معنى النظر إلى مستند الإجماع فإن الدليل ليس في الإجماع وإنما في متضمن الدليل إما في الكتاب أو في السنة المجمع عليهما.

  • دليل العقل (الاستصحاب) عند الغزالي:

سبق البيان أن الإمام الغزالي في مقدمة المستصفى ذكر أن أصول الأدلة ثلاثة الكتاب والسنة والاجماع فقط، لكن في القطب أضاف دليلا رابعا هو العقل، أي أنه اعتبر استصحاب حال العقل دليلا، فهل العقل قادر على إدراك الأحكام الشرعية؟ هل تستقل العقول بإدراك الأحكام الشرعية التي فيها الثواب والعقاب؟ قال الغزالي: “الأصل الرابع دليل العقل والاستصحاب: اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام وتأييدهم بالمعجزات وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع”[102].

الإمام الغزالي يعتبر العقل قاصرا عن إدراك الأحكام،  وقد بين وظيفة العقل بأنها وظيفة منهجية وليست مرجعية, فالعقل ليس مرجعا من مراجع مدارك الأحكام،  إذاً العقل لا يثبت حكما قال: ” فإذا النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه وأما النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على أحد الشطرين وهو النفي”[103].

إن مآل النظر في مفهوم الدليل عند الغزالي يعود إلى الكتاب والسنة.

الكتاب والسنة هو الدليل الذي تستمد منه الأحكام الشرعية، أما الاجماع إنما هو مُستنِد إلى الكتاب أو السنة، وأما العقل فلا دخل له في التشريع لأنه قاصر عن إدراك وجوب الثواب والعقاب، وقاصر عن إدراك وجه الصلاح والفساد إنما يكون له مدخل منهجي في اثبات الدليل وبيان دلالته. فقد صنفه الغزالي ضمن الأصول بوظيفته المنهجية، فهو طريق من طرق نفي اثبات السمع أو الحكم.

المطلب الثاني- الأدلة الموهومة:

قال: “خاتمة لهذا القطب ببيان أن ثم ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها وهو أيضا أربعة شرع من قبلنا وقول الصحابي والاستحسان والاستصلاح”[104].

وكونها موهومة، أي ليست حقيقية لأنها تتضمن الدليل، لا يعني أنها ليست من أصول الفقه بل هي من أصول الفقه، لكنها ليست بأدلة. إذ أسند إليها الغزالي معاني ووظائف منهجية.

  • أولا – شرع من قبلنا:

فهو عند الغزالي ليس شرعا لنا،  وقد بين الإمام الغزالي بطلان كونه دليلا، إذ لم يكن النبي صلى الله عليه سلم مأمورا باتباع ملة من الملل لا إبراهيم ولا عيسى… بل إنهم مأمورون باتباعه صلى الله عليه سلم. وما ثبت من الأدلة على كونه متعبد بذلك لم يتواتر بنقل مقطوع به، ” أن شيئا من ذلك لم يتواتر بنقل مقطوع به ولا سبيل إلى إثباته بالظن”[105].

وعلى أن شريعتنا ناسخة لشرائعهم فهل يكون لشرائعهم بقية حجة علينا؟

  • ثانيا – مذهب الصحابي:

قال: “الأصل الثاني من الأصول الموهومة قول الصحابي وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله صلى الله عليه و سلم اقتدوا باللذين من بعدي وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا والكل باطل عندنا”[106]. وإنما اعتبر الغزالي مذهب الصحابي من الأدلة الموهومة، لأنه لم يثبت بطرق قطعية، وإنما بأخبار آحاد والأصول تثبت بالقطعيات قال:  ” ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد بطرق قاطعة لا بخبر الواحد وجعل قول الصحابي حجة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره إثبات أصل من أصول الأحكام ومداركه فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول”[107].

فقول الصحابي إما أن يدرك بالرأي أو لا يدرك بالرأي فإن كان بالرأي فهو اجتهاد وليس دليلا، وإن كان لا يدرك بالرأي فهو دليل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه سلم.

  • ثالثا- الاستحسان:

اعتمد الغزالي خطوات منهجية فقد حاول أن يدقق في مفهوم الاستحسان قبل الحكم عليه(الحكم على الشيء فرع عن تصوره)،  قال: “الأصل الثالث من الأصول الموهومة الاستحسان وقد قال به أبو حنيفة وقال الشافعي من استحسن فقد شرع ورد الشيء قبل فهمه محال فلا بد أولا من فهم الاستحسان وله ثلاثة معان “[108].

فالغزالي حاول أن يدقق في المفهوم ولذلك يخالف شيخه الشافعي وجعل الخلاف في المفهوم أو اللفظ،  إذ كيف ترد الاستحسان دون أن تعرف معناه فهذا أمر يأباه المسلك،  فلابد أولا من تفهيم المعنى، ثم أعطى الغزالي ثلاث تأويلات للاستحسان،  واعتبر الأول والثاني مردودان لأنه ليس هناك دليل علمي على حجيتها والمعنى الثالث معتبر،  إنما اختلف معهم في لفظ الاستحسان، ” وهذا مما لا ينكر وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحسانا من بين سائر الأدلة والله أعلم “[109].

الغزالي إذًا يعتبر الاستحسان قاعدة في الاستدلال وليسا دليلا  مادام لم يثبت بدليل قطعي قال ” فإن جعل الاستحسان مدركا من مدارك أحكام الله تعالى ينزل منزلة الكتاب والسنة والإجماع وأصلا من الأصول لا يثبت بخبر الواحد ومهما انتفى الدليل وجب النفي”[110].

فهو مسلك في الاجتهاد يقوم به المجتهد لرفع الحرج ودفع الضرر عن الناس.

  • رابعا- الاستصلاح(المصلحة المرسلة):

” المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام قسم شهد الشرع لاعتبارها وقسم شهد لبطلانها وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها  “[111].

فالغزالي يجعل المصلحة المعتبرة حجة وترجع إلى القياس، “أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة، ويرجع حاصلها إلى القياس وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع”. [112]

والمصلحة الباطلة ملغاة لأنها تصادم قطعا نصوص الشريعة وأحكامها.

أما المصلحة المرسلة فهي محل النظر، ولذلك يحتاج الكلام فيها إلى تقسيم المصلحة إلى ثلاث:  مصلحة في مرتبة الضرورات، ومصلحة في مرتبة الحاجيات، ومصلحة في مرتبة التحسينات. و يعيد الغزالي تفهيم معنى المصلحة بربطها بحفظ مقصود الشرع الذي ثبت بمجموع أدلة[113]، واشترط أن تكون ضرورة قطعية كلية[114].

ويبين الغزالي سبب جعله الاستصلاح ضمن الأدلة الموهومة: ” قلنا هذا من الأصول الموهومة إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجا من هذه الأصول لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة” [115]. إلى أن يحسم القول:  “وتبين أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع” [116]. الغزالي يجعل الاستحسان والمصلحة قواعد في التشريع معتبرة، لها وظيفة منهجية،  لكنها ليست دليلا.

  • مسألة – أين يندرج القياس؟

إن الناظر إلى التقسيم الكلي للأدلة عند الغزالي يلحظ أنه لم يدرج القياس لا ضمن الأدلة المعتبرة ولا الأدلة الموهومة، وإنما تحدث عنه في القطب الثالث: في كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول، عند الحديث عن دلالة اللفظ على المعنى قال:  ” واللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته ومنظومه أو بفحواه ومفهومه أو بمعناه ومعقوله وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا”[117].

ولذلك لم يعتبره دليلا وإنما هو وجه من وجوه الدلالة  أي دلالة الكتاب والسنة إما أن تكون بمنطوقه أو مفهومه أو معقوله والمعقول هو القياس، فله وظيفة منهجية.

نخلص مما سبق أن الامام الغزالي في هذه المحاولة في القرن الخامس الهجري كانت محاولته هي إعادة نظم منهج التشريع، وإعادة ترتيب قواعد التشريع وأول قضية في منهج التشريع هي قضية بناء الدليل، ما هو الدليل الحاكم على جميع المسلمين؟ ما هو الدليل المعتمد الذي يجب أن يرجع إليه كل المسلمين؟  فاعتبر إذن أن الدليل يجب أن يؤول إلى الكتاب والسنة بالمعنى الكلي والإجماع يلحق بهما بالوظيفة المنهجية التي يتميز بها (ينفي عن الحكم احتمال التأويل واحتمال النسخ) والأدلة الأخرى فقد صنفها ضمن أدلة موهومة، ليبين أن لها وظيفة منهجية وليست مرجعية، فقد اعتبرها قواعد في التشريع ينظر إليها في أصول الفقه بوظيفتها المنهجية. والله أعلم

الخاتمة:

فتلك محاولة متواضعة للوقوف على مفهوم الدليل عند الأصوليين المتكلمين في حدود القرن الخامس الهجري، وقد توصل البحث إلى أن مفهومه يؤول إلى الكتاب والسنة, وغير ذلك لا يعتبر دليلا.

وقد خلصنا مع تجربة الإمام الباجي المالكي، وتجربة الإمام الغزالي إلى بعض تجليات التجديد في بناء مفهوم الدليل. وإن كان بينهما اختلاف في المنهج الذي ناقش به كل واحد منهما بناء مفهوم الدليل إلا أنهما يلتقيان في مجموعة من النقط:

  • اتفقا على أن مفهوم الدليل ينحصر في الكتاب والسنة.
  • اتفقا على أن الإجماع طريق إلى تحقيق العلم بالدليل أو القطع بالدليل حيث إن الإجماع ينفي عن الدليل احتمال التأويل واحتمال النسخ. وهكذا يكون الإجماع دليلا لا بنفسه وإنما دليل في متضمنه أو في مستنده.
  • كل منهما لم يذكر القياس ضمن الأدلة، و إنما جعله ضمن وجوه الدلالة في معنى الخطاب (القياس)، وبذلك اعتبروه طريقا من طرق الدلالة وليس دليلا.

-لم يعتبر كل منهما الاستصحاب دليلا شرعيا يثبت الأحكام الشرعية وإنما طريق من طرق اثبات براءة الذمة من أي تكليف, أو شغلها. أما إدراك الحكم الشرعي فيكون بالشرع ولا دخل للعقل فيه.

مفهوم الاستصحاب ليس اجتهاداً في إثبات الحكم، وإنما اجتهاد لنفي الحكم، فصار طريقا للنظر والجدل.

وقد تجلت آثار التجديد والنقد عند كل من الباجي والغزالي في المسائل التالية:

  • فقد بين البحث أن الباجي لا يعتبر عمل أهل المدينة إجماعا ولا أصلا ولا دليلا، وإنما طريق من طرق نقل السنة، وقد قدم له أمثلة، كمسألة الآذان ومسألة الصاع، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة. ورأينا كيف قام بتصحيح مفهوم عمل أهل المدينة من جهتين: الأولى متعلقة بنقد المالكية أنفسهم خاصة أولئك الذين اعتبروا عمل أهل المدينة إجماعا، والثانية: رد على من خالفهم في التمييز بين ما وقع نقله متواترا فهو معتبر حجة وأهل المدينة مقدمون فيه على غيرهم، وما كان من الآحاد والرأي والاجتهاد فأهل المدينة وغيرهم سواء.
  • في حين رأينا النظر الحجاجي مع الغزالي وهو شافعي المذهب أبى أن يقلد الإمام الشافعي، في استدلال على حجية الإجماع؛ حيث يريد أن يكون الدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة وهو ما لم يتوفر فيما استدل به الشافعي. وقد نبه على منهج جديد هو ما سماه بالتواتر المعنوي في إقامة الدليل على عصمة الأمة في اجتماعها عن الخطأ.

ورأينا مع الإمام الباجي التجديد في تصنيف الأدلة، بعد الحديث عن الأصل ومعقول الأصل، أتى بالاستحسان وسد الذرائع في باب استصحاب الحال. وهو يريد أن يقول أن هاتين القاعدتين ليستا دليلا. وإنما نظر في الدليل.  وأما الغزالي فاعتبرهما وغيرهما ضمن الأدلة الموهومة كشرع من قبلنا، وقول الصحابي والاستصلاح. وهي وإن كانت أدلة موهومة فهي من أصول الفقه، لكنها ليست بأدلة. إذ أسند إليها الغزالي معاني ووظائف منهجية.

  • في هذه المرحلة من تاريخ أصول الفقه (القرن الخامس الهجري) كان فيها نظر نقدي قوي لمفهوم التأصيل ومفهوم الدليل ومن جاء بعدهم مقلدة.

فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه والصلاة والسلام على سيدنا محمد.


المصادر المراجع

  • الأدلة المختلف فيها عند الإمام الباجي (474ه) من خلال كتابه إحكام الفصول في أحكام الأصول –نماذج تطبيقية من المنتقى- عبد النور زروالي. مذكرة مؤطرة من طرف مخبر الشريعة 1438ه-2017م.
  • إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، تحقيق عبد المجيد تركي، طبعة دار الغرب الإسلامي ط 2/1415هـ.
  • إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، تحقيق ودراسة د. عمران علي أحمد العربي منشورات جامعة المراقب، ط 1:  سنة 2005.
  • إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي،  تحقيق ودراسة د. محمد الجبوري، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة 1409- 1989.
  • الإمام أبو الوليد الباجي وآراؤه الأصولية، مكتبة ابن رشد الرياض ط1: 1426ه- 2005م.

–  الامام الباجي وجهوده في خدمة المذهب المالكي أصولا وفروعا، د. العمري بلاعدة جامعة المسيلة. العدد 28 شتنبر 2017 السنة التاسعة.

  • الأم للشافعي، دار المعرفة، ط2- 1393ه، بيروت.
  • الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل –لأبي الوليد الباجي (ت474ه) دراسة وتحقيق وتعليق محمد علي فركوس، الجزائر –  دار الرغائب والنفائس، ط2، 1422ه2002م.
  • – أبو الوليد الباجي (ت474ه) دراسة وتحقيق محمد علي فركوس أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين جامعة الجزائر – المكتبة المكية دار البشائر الإسلامية.
  • البداية والنهاية لابن كثير تحقيق عبد الله المحسن التركي مصر دار هجر ط1- 1419ج 15/755.
  • البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم الديب للجويني أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله (ت478ه) دار الأنصار القاهرة الطبعة الثانية: 1400ه.
  • تاريخ مدينة دمشق (تاريخ دمشق)، المؤلف: ابن عساكر،  الناشر: دار الفكر.

– ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض بن موسى، تحقيق عدد من الباحثين، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1403ه، الرباط.

  • تذكرة الحفاظ تأليف: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبى دراسة وتحقيق: زكريا عميرات الناشر: دار الكتب العلمية بيروت-لبنان الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م
  • الروض المعطار في خبر الأقطار، المؤلف: محمد بن عبد المنعم الحِميري،  المحقق:  إحسان عباس،  مؤسسة ناصر للثقافة – بيروت – طبع على مطابع دار السراج  الطبعة:  2 – 1980 م
  • سير أعلام النبلاء لشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ). دار الحديث- القاهرة، الطبعة: 1427هـ-2006م.
  • شرح تنقيح الفصول، القرافي، تحقيق طه سعد، دار الفكر، الطبعة الأولى 1393ه.
  • طبقات المفسرين المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الناشر:  مكتبة وهبة – القاهرة الطبعة الأولى،  1396م.
  • طبقات الشافعية الكبرى ـ: الإمام العلامة / تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي – هجر للطباعة والنشر والتوزيع – 1413هـ  الطبعة:  الثانية تحقيق:  د. محمود محمد الطناحي،  د.عبد الفتاح محمد الحلو.
  • الغزالي ذلك المجهول بين تأثره وتأثيره بين أنصاره وخصومه ندوات أكاديمية المملكة المغربية حلقة وصل بين الشرق والغرب أبو حامد وموسى بن ميمون – اكادير ربيع الأول 1406ه- نونبر 1985م.عبد الرحمن الفاسي.

– معجم قبائل العرب القديمة والحديثة المؤلف: عمر رضا كحالة  مؤسسة الرسالة – الطبعة 08 1418هـ / 1997م.

  • معجم البلدان:  ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله الناشر:  دار الفكر – بيروت.
  • معالم الفكر الأصولي المالكي من خلال فكر الباجي الأصولي، عالم الكتب الحديث ط1، 1432، 2001م.
  • الفكر الأصولي دراسة تحليلية نقدية د. عبد الوهاب ابراهيم أبو سليمان – دار الشروق – جدة، ط1: 1402- 1982.
  • المحصول المحصول في أصول الفقه – المؤلف: القاضي أبو بكر بن العربي المعافري المالكي الناشر:  دار البيارق – الأردن الطبعة الأولى،  1420هـ-1999م – تحقيق:  حسين علي اليدري.
  • مخالفات الإمام الغزالي الأصولية للإمام الشافعي من خلال كتابه المستصفى- رسالة ماجستير إشراف د. عزيز محمد ناجي السعودية – 2003م.
  • مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة البقاع المؤلف: عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي صفي الدين المحقق: علي محمد البجاوي  الناشر: الحلبي – تصوير دار المعرفة سنة النشر: 1373 – 1954 رقم الطبعة: 1.
  • المستصفى من علم الأصول، أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)، تحقيق محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1997.
  • مقدمة ابن خلدون بيروت دار إحياء التراث العربي، ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد (ت808). بيروت دار إحياء التراث العربي.
  • المنهج الأصولي عند الإمام الغزالي من خلال كتابه المستصفى من علم الأصول رسالة دكتوراه، خير الدين سيب. جامعة وهران كلية العلوم الانسانية والحضارة الاسلامية، سنة 1434ه- 2013م.
  • المنهاج في ترتيب الحجاج – أبو الوليد الباجي – تحقيق عبد المجيد تركي، بيروت، – دار الغرب الإسلامي.ط2: 1987م.
  • منهج الغزالي من خلال مؤلفاته مجلة الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة تلمسان العدد 9- سنة 2005م.
  • منهح الإمام أبي الوليد الباجي في الاستدلال بإجماع أهل المدينة دراسة نظرية وتطبيقية، ذ. ربيع لعور. وهو مقال بمجلة الشريعة والاقتصادVolume 1, Numéro 1.
  • الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي (ت 790هـ)، تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي، المكتبة العصرية، بيروت، 2003.
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، المؤلف: أحمد بن محمد المقري التلمساني الناشر:  دار صادر – بيروت،  1968 تحقيق:  د.إحسان عباس.
  • الوافي بالوفيات عنوان الكتاب: الوافي بالوفيات المؤلف: صلاح الدين الصفدي؛ خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، صلاح الدين: دار إحياء التراث العربي: 29: 14 / 10 / 2008.

[1] – انظر الفكر الأصولي –دراسة تحليلية نقدية، عبد الوهاب ابراهيم أبو سليمان- دار الشروق ط1: 1983. ص443.

[2] – إحكام الفصول في أحكام الأصول،  لأبي الوليد الباجي تحقيق د. عبد الله محمد الجبوري،  مؤسسة الرسالة ط1: 1989م، ص 69.

[3] – المستصفى 1/245.

[4] انظر: «معجم قبائل العرب» لكحالة (1/ 112).

[5] – ترتيب المدارك» للقاضي عياض (2/ 808).

[6]المَرِيَّةُ: مدينة كبيرة محدثة من أعمال الأندلس، أمر ببنائها أمير المؤمنين الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمَّد سنة (344 ه )، وهي أشهر مراسي الأندلس وأعمرها. [انظر: «معجم البلدان» لياقوت (5/ 119)، «الروض المعطار» للحميري (537)، «نفح الطيب» للمقري (/1 162)، «مراصد الاطلاع» للصفي البغدادي (3/ 1264)].

[7] – اختلفوا في تحديد اليوم والشهر لوفاة الباجي، فقيل: يوم الخميس تاسع رجب، وقيل: تاسع عشر صفر، وقيل: حادي عشر رجب، «نفح الطيب» للمقري (2/ 76)، وقيل: سابع عشر من رجب، «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (2/ 808)، «الديباج المذهب» لابن فرحون (122)، وقيل: في التاسع والعشرين من رجب، «البداية والنهاية» لابن كثير (12/ 123)، وقيل: التاسع عشر من رجب وهو مذهب الجمهور، «الصلة» لابن شكوال (1/ 202)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (2/ 409)، «سير أعلام النبلاء» (18/ 544)، «تذكرة الحفاظ» (3/ 1182) كلاهما للذهبي، «طبقات الحفاظ» (440)، «طبقات المفسرين» (54) كلاهما للسيوطي، «طبقات المفسرين» للداودي (/1 212).

[8] – إحكام الفصول لمحققه عبد المجيد تركي ص127.

[9] – طبع بدار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ، حقَّقه وقدَّم له ووضع فهارسه الدكتور عبد المجيد تركي الطبعة الأولى: (1407 ه ـ 1986 م)، وطبع ـ أيضًا ـ بمؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ بتحقيق ودراسة الدكتور عبد الله محمَّد الجبوري ـ الطبعة الأولى ـ: (1409 ه ـ 1989م).

[10] – وقد ذكره منسوبًا له: ابن عطية في «فهرسته» (105)، والقاضي عياض في «ترتيب المدارك» (2/ 806) وفي «الغنية في شيوخ القاضي عياض» (134)، وابن خيِّر الإشبيلي في «فهرسته» (255)، وعماد الدين الأصبهاني في «خريدة القصر وجريدة العصر» (3/ 472)، وياقوت الحموي في «معجم الأدباء» (11/ 249)، والإمام أبو عبد الله محمَّد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي في «ملء العيبة بما جُمع بطول الغيبة» (2/ 225)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (18/ 539) و«تذكرة الحفاظ» (3/ 1180)، والكتبي في «فوات الوفيات» (2/ 64)، وابن فرحون في «الديباج المذهب» (122)، والسيوطي في «طبقات المفسرين» (54)، والمقري في «نفح الطيب» (2/ 69)، والبغدادي في «هدية العارفين» (5/ 397)، ومحمد مخلوف في «شجرة النور الزكية» (121).

[11] – وهو كتاب مطبوع بتحقيق الدكتور نزيه حماد ـ الناشر مؤسسة الزعبي للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى: 1392 ه ـ 1973 م.

[12]– ذكره القاضي عياض في «ترتيب المدارك» (2/ 806)، وياقوت الحموي في «معجم الأدباء» (11/ 249)، والداودي في «طبقات المفسرين» (1/ 210)، وابن فرحون في «الديباج المذهب» (122)، وكحالة في «معجم المؤلفين» (4/ 261).

[13] –  الغزالي قيل نسبة إلى صنعة غزل الصوف التي كان يشتغل بها أبوه، وقيل نسبة إلى قرية غزالة ينظر سير أعلام النبلاء 19/343. الوافي بالوفيات 2/213.

[14] – نسبة إلى طوس مسقط رأسه بخراسان (ياقوت الحموي معجم البلدان بيروت دار الفكر، 4/49.

[15] – ينظر سير أعلام النبلاء 19/322.

[16] – ياقوت الحموي معجم البلدان بيروت دار الفكر، 4/3.

[17]– هو  أحمد بم محمد الطوسي أبو أحمد الراذكاني، وراذكان من قرى طوس،  أحد أشياخ الغزالي في الفقه، ينظر طبقات الشافعية للسبكي 4/91.

[18] – مدينة مشهورة بين طبرستان وخراسان انظر معجم البلدان 2/119.

[19] – هو اسماعيل بن مسعدة بن اسماعيل ابن الإمام أبي بكر الإسماعيلي، أبو القاسم، من أهل جرجان، كان فقيها ورعا وزاهدا توفي سنة 477ه، ينظر سير أعلام النبلاء 18/564.

[20] – نيسابور مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء ومنبع العلماء، وهي إحدى بلاد خراسان معجم البلدان 5/331-2/350.

[21] – ولد الغزالي في منتصف القرن الخامس الهجري وعاش في آخره والفترة التي تليها وهي ما يسميها المؤرخون العصر العباسي الثالث وقد اتسم بالضعف والاضطراب السياسي.  وتعدد الفرق المختلفة والنزاع بين أصحاب المذاهب والمعتقدات. ينظر البداية والنهاية لابن كثير تحقيق عبد الله المحسن التركي مصر دار هجر ط1- 1419ج 15/755.

[22] – انظر طبقات الشافعية الكبرى 6/197-199.

[23] – ينظر مقدمة ابن خلدون ص 361.

[24] –  ينظر الفكر الأصولي 326.

[25] –  انظر محمد شرحبيل،  تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي ص193.

[26] –  انظر الإمام الباجي وجهوده في خدمة المذهب المالكي أصولا وفروعا ص13.

[27] – انظر كتاب إحكام الفصول في أحكام الاصول ص 44.

[28] – مقارنة بين المنهاج للباجي(ص 20-21)، والمعونة في الجدل لأستاذه الشيرازي المعونة في الجدل – (1 / 26).

[29] – المعونة في الجدل – (1 / 27).

[30] – اللمع في أصول الفقه – (1 / 56).

[31] – اللمع في أصول الفقه – (1 / 67).

[32]

[33] – اختلاف مالك والشافعي مع الأم 7/231.

[34] – إحكام الفصول 1/174.

[35] – نفسه 1/486.

[36] – نفسه 1/491.

[37] – المنهاج ص142

[38] –  إحكام الفصول 1/486.

[39] – المقدمة ص447.

[40] –  إحكام الفصول 1/487، والمنهاج ص143.

[41] – إحكام الفصول 1/488.

[42] – انظر منهح الإمام أبي الوليد الباجي في الاستدلال بإجماع أهل المدينة ” ذ ربيع لعور ص 92.

[43] – إحكام  الفصول في  أحكام الأصول ص438.، الإشارة في أصول الفقه ص75.

[44] – إحكام  الفصول في  أحكام الأصول ص438.

[45] – شرح تنقيح الفصول ص 53، تحقيق طه سعد، دار الفكر، الطبعة الاولى 1393ه.

[46] – إحكام  الفصول في  أحكام الأصول ص438.

[47] – انظر البرهان للجويني 1/299.

[48] – [النساء:  171].

[49] – صحيح البخاري،  كتاب البيوع – باب البيع والشراء مع النساء(2048).

[50] – إحكام  الفصول في  أحكام الأصول ص438.

[51] – إحكام  الفصول في  أحكام الأصول ص438.

[52] – إحكام الفصول إحكام الأصول1 (تحقيق عمران علي أحمد العربي)/275

[53] – نفس المصدر.

[54] – إحكام الفصول 1/289، 2/940، الاشارة ص113، الحدود ص 68- 69.

[55] –  إحكام الفصول ص 613.

[56] –  نفسه.

[57] – المستصفى – 7.

[58] – المستصفى -9.

[59] – تاريخ دمشق (55 / 203).

[60]  – المستصفى:  18.

[61]  – المستصفى:  437.

[62] – المحصول:  5/29.

[63] – المستصفى 439.

[64] – السابق:  527.

[65] – المحصول:  5/29.

[66] – الموافقات:  5/48.

[67] – السابق:  176.

[68] – المستصفى:  344.

[69]–  المستصفى:  281.

[70] – الموافقات:  5/12 وما بعدها.

[71] – المستصفى:  7.

[72] – المصدر السابق 5-6).

[73] – المصدر السابق 5).

[74] – المستصفى 80.

[75] – المصدر السابق 80).

[76] – المصدر السابق81

[77] – المصدر السابق 80).

[78] – المصدر السابق 81).

[79] – المصدر السابق 80).

[80] – المصدر السابق 81).

[81] – المستصفى – 84).

[82] – المصدر السابق – 99).

[83] – المصدر السابق – 101).

[84] – المصدر السابق – 101).

[85] – ( النجم 3 ).

[86] – المستصفى – 103).

[87] – المستصفى – 104).

[88] – المصدر السابق – 137).

[89] – المصدر السابق – 137).

[90] – المصدر السابق – 137).

[91] – المصدر السابق – 137).

[92] – المصدر السابق – 138)

[93] – ( النساء 115 ).

[94] – ( النساء 115 ).

[95] – المستصفى  138).

[96] – الفكر الأصولي 346.

[97] – المسلك الأول التمسك بالكتاب وذلك قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ( البقرة 143 ) وقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس ( آل عمران 110 ) الآية وقوله تعالى وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( الأعراف 181 ) وقوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( آل عمران 103 ) وقوله تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ( الشورى 110 ) ومفهومه أن ما اتفقتم فيه فهو حق وقوله عز و جل فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( النساء 59 ) مفهومه إن اتفقتهم فهو حق فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر وأقواها قوله تعالى ومن يشاقق لرسول من بعد ما تبين له لهدى ويتبع غير سبيل لمؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا ( النساء 115 ) فإن ذلك يوجب اتباع سبيل المؤمنين وهذا ما تمسك به الشافعي وقد أطنبنا في كتاب تهذيب الأصول في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض”. المستصفى – 138).

[98] – المستصفى – 138).

[99] – المستصفى – 138).

[100] – المصدر السابق – 139).

[101] – المصدر السابق – 139).

[102] – المستصفى – 159).

[103] – المصدر السابق – 159).

[104] – المصدر السابق – 165),

[105] – المستصفى – 165)

[106] – المصدر السابق – 168)

[107] – المصدر السابق – 170).

[108] – المصدر السابق – 171).

[109] – المصدر السابق – 173).

[110] – المصدر السابق – 171).

[111]  – المصدر السابق – 173).

[112] – المصدر السابق – 173).

[113] –  قال الغزالي: “وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر”.  المستصفى – (1 / 176)

[114] – ” وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية”.  المستصفى – 176)

[115] – المستصفى – 179).

[116] – المصدر السابق – 180).

[117]– المصدر السابق – 180).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.