منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نوازل الجوار في الغرب الإسلامي من خلال المعيار المعرب للإمام الونشريسي

الدكتورة نزهة بطشي

0

نوازل الجوار في الغرب الإسلامي

من خلال المعيار المعرب للإمام الونشريسي

الدكتورة نزهة بطشي

الدكتوراه من مختبر الدراسات الشرعية والبناء الحضاري

بجامعة العلوم والآداب الانسانية ابن طفيل

 

 

ملخص

يعالج هذا المقال النوازل التي وقعت في مسائل الجوار في الغرب الإسلامي وعرضت على أنظار الفقهاء وتفاعلوا معها انطلاقا من مقاصد الشريعة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وبعض القواعد الفقهية كقاعدة لا ضرر ولا ضرار. وقاعدة درء المفسدة وجلب المصلحة، واعتمدت في ذلك على كتاب المعيار المعرب للإمام الونشريسي باعتباره أهم مرجع فقهي في النوازل اعتمد لعدة عصور.

الكلمات المفتاح                                                                                                        

جوار، نوازل، المعيار، الونشريسي

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد

فإن نوازل الجوار من المشكلات التي تتجدد في كل العصور، بسبب تطور الحياة الإجتماعية وتوسع العمران البشري، فلا يخلوا عصر من العصور من حدوث نزاعات بين أفراد متجاورين، وفي عدة قضايا إما صحية أو بيئية أو غيرها من القضايا، وكانت هذه النزاعات تعرض على الفقهاء على شكل أسئلة إما كتابية أو شفوية فيتفاعلون مع هذه الوقائع ويجيبون عن اشكالاتها، وقد تعرض النازلة على أكثر من عالم لاستفاء النظر فيها اعتمادا على مقاصد الشريعة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وقاعدة لا ضرر ولا ضرار وقاعدة الضرر يزال شرعا. وقاعدة حماية المصلحة العامة ودرء المفسدة، وإن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال أني لم أجد من كتب في هذا الموضوع أو أفرده بالتأليف سوى ما نقل عن بعض العلماء في بعض مؤلفاتهم متفرقا على عدة أبوابا فقهية كلإمام القرافي في الذخيرة، وابن رشد في مسائله والإمام الونشريسي في المعيار المعرب، وفي هذا المقال سأعرض جانب من هذه النوازل التي وقعت مابين القرن الثالث الهجري والقرن التاسع بافريقيا والمغرب والأندلس، اعتمادا على كتاب المعيار المعرب للإمام الونشريسي، وذلك لبيان مدى أهمية فقه النوازل في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية وتحقيق الأمن والاستقرار، ومن جهة ثانية تسليط الضوء على منهجية الفقهاء و العلماء في حل المشكلات التي تقع بين الأفراد المتجاورين، وسأبين ذلك بالاعتماد على المنهجية التالية:

المحور الأول: مفهوم النوازل في اللغة والاصطلاح الشرعي

المطلب الأول: تعريف النوازل لغة

المطلب الثاني: تعريف النوازل في الاصطلاح الشرعي

المطلب الثالث: المصطلحات المرادفة للنوازل

المحور الثاني التعريف بالإمام الونشريسي ومكانته العلمية

المطلب الأول: ولادته ووفاته

المطلب الثاني: مكانته العلمية

المحور الثالث: التعريف بالجار وحد الجوار

المطلب الأول: التعريف بالجار

المطلب الثالث: حد الجوار

المحور الرابع: نمادج من نوازل الجوار التي وردت في كتاب المعيار المعرب.

المطلب الأول: نوازل متعلقة بأضرار الجوار على الصحة و البيئة

المطلب الثاني: نوازل متعلقة بأضرار الجوار على البنيان

المطلب الثالث: نوازل متعلقة بأضرار الجوار على الحياة الخاصة

 المحور الأول: مفهوم النوازل في اللغة والاصطلاح الشرعي

المطلب الأول: مفهوم النوازل في اللغة

النوازل على وزن فواعل من نزل ينزل نزولا فهي نازلة جاء في لسان العرب نزل ينزل نزولا فهي نازلة، وجاء في لسان العرب: نزل النزول الحلول، وقد نزلهم، ونزل عليهم، ونزل بهم، ينزل نزولا ومنزلا ومنزلا والنازلة: الشديدة تنزل بالقوم وجمعها النوازل. (ابن منظور صفحة 658 ج 11)

المطلب الثاني: مفهوم النوازل في الاصطلاح الشرعي

لا نجد في ثراتنا الفقهي تعريفا خاصا للنوازل إذ لم يكن فقه النوازل بابا من أبواب الفقه المعتمدة وإنما كان ضمن المباحث الفقهية المختلفة، ونذكر هنا بعض التعريفات التي وردت منها ما ورد في معجم لغة الفقهاء بأنه الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي. (محمد رواس قلعجي صفحة 471)

وعرفه الشيخ بكر أبو زيد في كتابه بأنه الوقائع والمسائل المستجدة والحادثة المستجدة بلسان العصر باسم النظريات والظواهر, (بكر بن عبد الله أبو زيد صفحة 8)

وإطلاق النازلة على الواقعة ربما لما يلاقيه الفقيه من شدة في استخراج حكم النازلة

المطلب الثالث: المصطلحات المرادفة لمصطلح النوازل

الفتاوى: وهي من أشهرت المصطلحات الفقهية التي وردت في النص القرآني والفقه الإسلامي

وقد عرفها القرافي: بأنها إخبار عن الله تعالى وبيان ذلك أن المفتي مع الله كالمترجم مع القاضي. (القرافي صفحة ج4 ص 89)

وعرفها الحطاب المالكي بأنها الإخبار بحكم شرعي لا على وجه الإلزام, (الحطاب الرُّعيني المالكي صفحة ج1 ص 32.)

المحور الثاني التعريف بالإمام الونشريسي ومكانته العلمية

المطلب الأول: ولادته ووفاته

هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي التلمساني الأصل والمنشأ، الفاسي الدار والمدفن، (الكثاني صفحة 1122ج2) العالم العلامة حامل لواء المذهب على رأس المائة التاسعة،

(التنبكتي صفحة 135) والونشريسي نسبة إلى ونشريس جبل يقع بين مليانة وتلمسان من نواحي

المغرب. (الحموي صفحة 355ج5)

أما عن وفاته فلم تحدد المصادر التي ترجمت للإمام الونشريسي سنة ولادته، واكتفت جميعها بذكر سنة وفاته رحمه الله سنة 914ه، هذه السنة التي استولى فيها الفرنج على مدينة وهران،كان عمره أنداك ثمانين سنة (التنبكتي صفحة 136)، فيكون التقدير أنه ولد سنة 834ه والله أعلم.

المطلب الثاني: مكانته العلمية

شهد كبار العلماء للإمام الونشريسي بمكانته العلمية والريادة في الفقه والفتوى بين علماء عصره، واتفق كل من ترجم له أنه كان حجة في المذهب المالكي وعلامة عصره في القرن التاسع الهجري، وآخر كبار العلماء الراسخين في الفقه والفتوى، ولا أدل على مكانته العلمية أكبر من اعتلائه كراسي التدريس، إذ لما قدم فاس أكب على تدريس الفقه بتقديم من السلطان المريني، قال عنه معاصره ابن غازي: لو أن رجلاً حلف بالطلاق أنه أحاط بمذهب مالك أصوله وفروعه لم تطلق عليه زوجته لكثرة حفظه وتبحره (الكثاني صفحة 1122ج2).

وقال أحمد المنجوِر في فهرسته: وأكب على تدريس المدونة وفرعي ابن الحاجب، وكان مشاركًا في فنون العلم إلا أنه لما لازم تدريس الفقه يقول من لا يعرفه أنه لا يعرف غيره، وكان فصيح اللسان والقلم حتى كان بعض من يحضره يقول: لو حضر سيبويه لأخذ النحو من فيه

(التنبكتي صفحة 135)

وقال عنه معاصره ابن عسكر (العلامة المصنف الأبرع، الفقيه الأكمل الأرفع، البحر الزاخر، والكوكب الباهر، حجة المغاربة على أهل الأقاليم، وفخرهم الذي لا يجحده جاهل ولا عالم….كان من كبار العلماء الراسخين والأئمة المحققين )

وقال أحمد المنجوِر في فهرسته: وأكب على تدريس المدونة وفرعي ابن الحاجب، وكان مشاركًا في فنون العلم إلا أنه لما لازم تدريس الفقه يقول من لا يعرفه أنه لا يعرف غيره، وكان فصيح اللسان

والقلم حتى كان بعض من يحضره يقول: لو حضر سيبويه لأخذ النحو من فيه

(التنبكتي صفحة 135)، وقال عنه معاصره ابن عسكر (العلامة المصنف الأبرع، الفقيه الأكمل الأرفع، البحر الزاخر، والكوكب الباهر، حجة المغاربة على أهل الأقاليم، وفخرهم الذي لا يجحده جاهل ولا عالم….كان من كبار العلماء الراسخين والأئمة المحققين (الشفشاوني صفحة 47))

المحور الثاني: التعريف بالجار وحد الجوار.

المطلب الأول: التعريف بالجار

الْجَارُ في اللغة: الْمجاورُ فِي السكن وَالْجمع جيرانٌ وجاورهُ مُجَاورَة وَجِوَارًا

والِاسم الْجُوَارُ بِالضم إذا لَاصقه فِي السكن وحكى ثعلب عن ابن الأعرابِيِّ الْجار الّذي يُجاوركَ بَيْتَ بَيْتَ وَالْجار الشرِيك فِي العقار مقاسما كان أو غير مقاسم والْجار الْخَفِير والْجار الذي يُجير غيره أي يؤمنه مِما يخاف وَالْجار الْمُستجيرُ أَيضا وهو الّذي يطلب الْأَمان والْجار الْحليف والْجار الناصر والْجار الزَّوج وَالْجار أَيْضا الزّوجةُ وَيقال فيها أَيْضا جارَة وَالْجَارَة الضّرَّة قِيل لَهَا جارَة استكراها للَفظ الضرَّةِ، وَكان ابن عبّاس ينام بين جارتيه أي زوجتيْه، قال الْأزهرِيّ ولَما كان الْجار فِي اللغَة مُحتملا لمَعان مُختلِفة وجب طلب دلِيل لقوْله – علَيْه الصّلَاةُ وَالسَّلَامُ – «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِه» (محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري صفحة رقم 6967) فإِنه يَدل عَلى أَن الْمرَاد الْجار الْملاصق (الحموي صفحة ج1ص14)

والْجار يَشمل الْمسلم والْكافِر والْعابد والْفاسق وَالصديق والْعدو والْغرِيب والْبلديّ وَالنافِع وَالضار والْقَرِيب وَالْأجنبِي والْأَقْرب دارا وَالْأَبعد وله مراتِب بعْضها أعلَى من بعض فأعلَاها من اجتَمعت فيه الصفات الْأول كلّها ثم أكثَرها وهلُمّ جرا إِلَى الْواحد وعكسه. (ابن رجب الحنبلي صفحة 441ج10)

المطلب الثالث: حد الجوار

اختلف أهل الْعلم فِي الْمقدار الّذي يصدق عليه مسمى الْجوار ويثبت لصاحبه الْحق.

قال ابن عبد البر: واختلف النَّاس في حدّ الجوار: فقيل في ذلك: أربعون دارًا، وليس في ذلك حديث يعول عليه. (ابن عبد البر القرطبي صفحة 394ج11)

فروي عن الْأوزاعِي والْحسن: أنه إلى حد أَربعِين دارا من كل ناحيَة، وروي عن الزّهرِيِّ نَحوه وقيل: من سمع إِقامة الصلاة وقيل: إِذا جمعتهما مَحلَّةٌ وقيل: من سمع النّداء. والْأولى أن يرجع فِي معنَى الْجار إِلى الشرْع، فإن وجد فِيه ما يقْتضي بيانه وأنه يكون جارا إِلَى حد كذا من الدور، أو من مسافة الْأرض، كان الْعمل عليه متعَيّنا، وَإِن لَم يوجد رجع إِلَى معناه لغة أَو عرْفا. وَلَم يأت فِي الشرْعِ ما يفِيد أَن الْجار هوَ الّذي بينه وَبيْن جاره مقدار كذا، ولَا ورد فِي لغة الْعرب أيضا ما يفيد ذلِك، بَل الْمرَاد بِالْجار في اللّغة: الْمجاور، ويطْلِق على معان. قال فِي الْقاموس: والْجار: الْمجاور، والذي أجرته من أَن يظلم، والْمجير، وَالْمستجير، والشرِيك فِي التجارةِ، وزوج الْمرأة، وهي جارَته، وفرْج الْمرْأَةِ، وَمَا قَرب مِن الْمَنَازِلِ، وَالِاسْتُ، كَالْجَارَةِ، وَالْقَاسِمُ، وَالْحلِيف، وَالناصر. انتهى.الْمجاوِر له. وقرَأ الْأعمش، والْمفضل: والْجار الْجنب بفَتح الْجيم وسكون النون، أي: ذي الْجنب، وهو الناحيةُ (الشوكاني صفحة 536ج1)

المحور الرابع: نماذج من نوازل الجوار التي وردت في كتاب المعيار المعرب.

إن رفع الضرر عن المسلم من المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، إذ لا يمكن أن ينعم المجتمع الإسلامي بالاستقرار والأمن إلا بحماية الفرد من الظلم، وضمان حقه في أن يحظى في مسكنه بالهدوء والسكينة، وحمايته ماله وصحته من أن يطالها أي ضرر، وهذه المقاصد حققها الفقهاء من خلال النوازل الفقهية التي عرضت على أنظارهم في الغرب الإسلامي وتفاعلوا معها انطلاقا من قاعدة الضرر يزال شرعا وقاعدة جلب المصلحة ودرء المفسدة، وبالنظر إلى هذه المشكلات فهي إما تتعلق بالصحة أو بالبناء والعمران أو لها علاقة بالبيئة وبحماية الحياة الخاصة للأفراد.

المطلب الأول: نوازل متعلقة بأضرار الجوار على الصحة والبيئة

إن الحفاظ على صحة الفرد من أساسيات الشريعة الإسلامية،إذ أن المشرع يمنع كل ضرر يمس بالسلامة الصحية للأفراد من رائحة كريهة أو دخان، أو أوساخ تتحول إلى قادورات تهدد البيئة والصحة العامة للأفراد، فلم يسمح المشرع للفرد بأن يؤذي من يجاوره في السكن بحجة أن من حقه أن يفعل كل ما يرغب به مادام أنه يتصرف في حدود ما يملكه، لأن حرية الفرد في التصرف تمنع إذا أضرت بالغير،

ففي النازلة الأولى سئل الفقيه الإمام أبومحمد بن عبدالنور بن محمد الشريف العمراني عن رجل كانت له كوشة فيها بيتُ نار واحد، فأراد صاحب الكوشة أن يحدث بيت نار آخر في الكوشة، وأراد أن يخرج دخانها في المدخنة التي ليست النار الأول، فمنعه الجيران وقالوا: أحدثت علينا دخاناً غير الذي كان قديماً.فأجاب بأنه يُسَدُّ عليه بيت النار المحدث لزيادة الضرر، وبذلك حَكَمَ القاضي أبوزيد بن القطان. قال ابن الرامي: وكذلك ضرر دخان السفّاج، وكذلك الطواجين التي استُنْبِطَت لقلى الشعير في الأسواق والدور فإنها ضرر. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص5ج9)

وكذلك في النازلة الثانية سئل ابن عتاب عمن أحدث درجاً في داره يلاصق حائط جاره وأدخل فيه خشباً ومطبخاً يؤذيه دخانه. فأجاب قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجت طيه. وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت ولم يثبت عندك ما أظهره من أَعْذَرْتَ إليه مما ذكر في عقد الاسترعاء الذي شهد فيه عندك شاهداه وعرفت أحدهما ولم تعرف الآخر، فالقضاء بتغير ما أحدثوا واجب، وإزالته وإعادة الحال على ما كانت عليه أولاً لازم، واليمين يضعف على يحيى وهند، فأنفذ ذلك من نظرك موفقاً للصواب إن شاء الله. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص27ج9)

ففي النازلتين منع الفقهاء إحداث أفران يصل دخانها إلى المباني المجاورة لها ما دامت تضر بصحتهم

وفي النوازل التي ستأتي معنا يتبين حرص الفقهاء في أجوبتهم على الحفاظ على حقوق الفرد المسلم في أن ينعم في وسط نظيف خال من الأزبال فمنعوا كل ضرر يمس بالنظافة العامة، أو يهدد البيئة ويدخل في ذلك كل ضرر يلحق بالأشجار سواء كانت في طريق عام أو داخل الملكية الخاصة للفرد المسلم

فقد سئل سحنون عن خربة لرجل وسط دور يلقى فيها الزبل يلقيه أهل الحارة غير أنه لا يعرف الذي يلقيه بعينه خاصة، فقال له جار الخربة التي إليها حائطه لصاحب الخربة الزبل الذي في الخربة أضرّ بحائطي فقال له صاحب الخربة ليس من حارتي وأنا أشتكى من أذاه لي في قاعتي مثل ما تشتكي أنت في حائطك من الأذى.

فأجاب بأن قال هي مثل الحائط يسقط للرجل فيسد على الرجل مدخله ومخرجه، وزعم في آخر الكلام أنه على صاحب الخربة أن يدفع الزبل الذي في خربته الذي أضرّ بجاره وإن قام صاحب الخربة على الجيران الذين حولها أخذهم بكنسها قال أبوبكر كلام سحنون في الجيران استحسان لأنه قد يرمى فيها غير الجيران.

وسئل عنها القاضي على الجماعة بتلمسان أحمد بن سعيد المديوني.

فأجاب بأن قال على جميع من جاور الخربة رمى زبلها على عدد ديارهم أو على عدد الساكنين في الدار على الخلاف في كنس المراحيض ولا يضرّ سكوت صاحبها. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص37ج9)

وسئل أبوعبدالله الحفار عن غارس زيتونة في فدانه غرس جاره بحذائه توتة انتهت فروعها إلى الزيتونة فأضرت بها.

فأجاب: الذي غرس التوتة في فدانه حين غرس جاره زيتونة في فدانه بحذاء الزيتونة فحين كبرت الشجرتان وصلت أغصان إحدى الشجرتين للشجرة الأخرى فأضرت بها فيؤمر من وصلت أذنأغصان شجرته للشجرة الأخرى حتى أضر بها أن يقطع من أغصان شجرته ما دخل في مِلك جاره حتى أضر بشجرته فإنما يبقي الشجرة أعني من أغصانها ما هو بحذاء ملكه وما خرج من حذاء ملكه من الأغصان فيؤمر بقطعه كل واحد منهما حتى لا يضر بجاره قاله محمد الحفار. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص445ج8)

وسئل بعضهم عن الذي يغرس شجرة في داره فتطول حتى تشرف على دار جاره. فأجاب: بقطع من ذلك ما يضر بجاره فوق الأرض وتحت الأرض إذا انتشرت وأضرت بجاره.

وسئل أبوعبدالله الحفار عن غارس زيتونة في فدانه غرس جاره بحذائه توتة انتهت فروعها إلى الزيتونة فأضرت بها.

فأجاب: الذي غرس التوتة في فدانه حين غرس جاره زيتونة في فدانه بحذاء الزيتونة فحين كبرت الشجرتان وصلت أغصان إحدى الشجرتين للشجرة الأخرى فأضرت بها فيؤمر من وصلت أذنأغصان شجرته للشجرة الأخرى حتى أضر بها أن يقطع من أغصان شجرته ما دخل في مِلك جاره حتى أضر بشجرته فإنما يبقي الشجرة أعني من أغصانها ما هو بحذاء ملكه وما خرج من حذاء ملكه من الأغصان فيؤمر بقطعه كل واحد منهما حتى لا يضر بجاره قاله محمد الحفار. (أبو العباس الونشريسي صفحة 445ج8)

وسئل بعضهم عن الذي يغرس شجرة في داره فتطول حتى تشرف على دار جاره. فأجاب: بقطع من ذلك ما يضر بجاره فوق الأرض وتحت الأرض إذا انتشرت وأضرت بجاره.

المطلب الثاني: نوازل متعلقة بأضرار الجوار على البنيان

حرص الشارع في تشريعه على حماية كل ما في ملكية الفرد من بنايات من أي ضرر يصيبها، ولم يسمح بأن يحقق الفرد مصلحة تضر بملكية غيره، كأن يتسبب في إحداث شقوق بحيطان جيرانه، أو يهدم شيئا من بيته فيتسبب في مقابل ذلك بهدم بناء غيره، أو يؤدي إلى قطع طريق عام، وكذلك لم يسمح الفقهاء بأن يمنع أحد بأن يصلح حائطا يلاصق ملك غيره وكان مضطرا أن يفعل ذلك بالدخول إلى بيت من يجاوره، وهو ما نلمسه من خلال النوازل التالية:

فقد سئل ابن عرفة عمن أذن لجاره في غرز خشبة في جداره فبعد غرز المأذون له سقط جدار الآذن وأقامه فطلبه جاره أن يرد خشبه على ما كانت في الإذن الأول فأبى عليه الآذن أولاً فهل له الانتفاع أم لا؟ فأجاب: إن كان سقوط الحائط لتوهله لا بسبب زيد فيه اختياراً لم يقض عليه بعود الغرز وإلا قضي عليه بعود الغرز إن كان غير مؤجل أولاً. (أبو العباس الونشريسي صفحة 464ج8)

ولعل أصل هذه المسألة ماورد عن عن أبي هريرة رضيَ الله عنه أنَّ رسولَ – صلى الله عليه وسلم – قالَ:”لا يَمْنَعْ جارٌ جارَهُ أنْ يَغرِزَ خَشَبَةً وفي طريق: خُشُبَهُ في جدارِه”. ثم يقولُ أبو هريرة: ما لي أراكُم عنها مُعْرِضينَ؟! واللهِ لأرمِيَنَّ بها بين أكتافِكُم. (ناصر الدين الأباني ، 1422 هـ – 2002 م)

وقيل لابن أبي زمنين فالرجل تكون له شجرة جوز فيحفر أصولها وهي ملاصقة بجنب جدار جاره أو جنانه، وأصولها كثيرة في الدار وفي الجنان، ويحب حفر ذلك

فقال: ليس ذلك له، يحب أن يهدم دار غيره، هذا من الضرر. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص167ج6)

وسئل السيوري عمن يدق النوى ببيته لبقره ويبيتهم في الشتاء في بيته فأراد الجار منعه من ذلك.

فأجاب: يمنع من دق النوى لأنه يضر بالبناء وحِسُّ سماع الضرب يضر بالساكن إلا في بعض الأوقات وإذا تكرر الأمر منع منه، وأمَّا تبييت البقرة في بيت المالك فلا مقال له وليس عليه في ذلك ضرر. (أبو العباس الونشريسي صفحة 453ج8)

وسئل الفقيه الإمام أبومحمد بن عبدالنور بن محمد الشريف العمراني، رحمه الله، عن نازلة زنقة غير نافذة كان يدخل عليها إلى مواضع، وصارت المواضع كلها لرجل واحد ما عدا عرصة واحدة مقابلة لوجه الداخل في الزنقة المذكورة فإنها لرجل آخر. وبأول الزنقة المذكورة صابة قديمة، فأراد الآن الرجل المذكور، الذي صارت له المواضع المذكورة، أن يزيد في الصابة إلى قرب باب العرصة المذكورة، ويجعل فوق بابها منقاصاً، فهل يصح له ذلك؟ أو يمنعه رب العرصة المذكورة؟

فأجاب: الحمد لله. أكرمكم الله تعالى. إذا كان الأمر كما ذكرتم فوقه فإن الذي يقتضيه ظاهر ما في نوازل سحنون في كتاب الأقضية الثاني على ما فسره ابن رشد، وما في تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي، رحمهم الله، أنه إذا رفع القناطير التي يبنى عليها ما يريده رفعاً بيِّناً، بحيث لا تصل إليه رؤوس المارين من الركبان تحتها، ولا يحدث ذلك ويبنى عليه ما شاء، وليس لجاره أن يمنعه من ذلك. وإن لم يكن كذلك وكان بناؤه المذكور يُحدث ضرراً على من يمر تحته من الركبان أو غيرهم، أو يُحدث ظلمة تضرّ بضوء الطريق التي تحت ذلك، فإنه يمنع من ذلك لحق الجار المذكور إن لم يرض ذلك ونازع فيه وقام بحقّه فيه. (أبو العباس الونشريسي صفحة 47ج8)

وهذا هو القول الصحيح الجاري على المشهور. وإن كان قد وقع لسحنون في أجوبته لحبيب وقاله يوسف بن يحيى، أن الروايغ والدروب التي لا تنفذ، كل ذلك مشترك منافِعُهُ بين سكانه، ليس لأحد منهم أن يحدث في ظاهر الزقاق ولا في باطنه حدثاً إلا باجتماع أهله ورضاهم، فجعل في هذا القول شركتهم فيه كشركتهم في دار، ليس لأحدهم أن يحدث فيها شيئاً ينتفع به دون شركائه إلا برضاهم، وإن كان ذلك لا يضر بهم. قال محمد بن يونس: وهذا خلاف المدونة.

قال وما في المدونة أصوب، وهو قول مالك وابن القاسم وابن وهب وأشهب. وللشركة في الرايغة ما يطول ذكره. وحاصله أن الدار مشترك في زنقتها، فلأحد الشركاء مقال فيما يحدث غيره فيها لنفسه، أحدث به ضرارً أم لا. والرايغة المشتركة بينهم في منفعتها، فمتى أحدث أحدهم فيها ما ينتفع به ولا يضر جاره، فلا كلام لجاره. ولهذا الذي ذكره ابن يونس من تصويب ما في المدونة الذي هو مذهب لسحنون ويوسف بن يحيى، قلنا في القول الأول هو الصحيح الجاري على المشهور، وذلك بيّن واضح، والله تعالى الموفق، لا رب سواه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب عبدالنور بن محمد العمراني وفقه الله وأصلح حاله انتهى، ومن خطه نقلت. ويعقبه بخط الفقيه سيدي موسى العبدوسي ما نصه: الحمد لله وحده، الجواب فوقه صحيح، وبه نقول، وكتب موسى بن محمد بن معطي لَطَفَ الله به. (أبو العباس الونشريسي صفحة 47ج8)

وسئل القاضي ابن القطان التونسي عن رجل كان له خراب، كان له من قديم الزمان فُرن، وأراد ورثَةُ مالكيه أن يعيدوه فرناً كما كان فمنعه الجار الملاصق له وزعم أنه لا يعلم به وأن حكمه الآن بَطُل وأنه مهما أعاده فرناً أضره بجدرانه وأراد أن يبنى له حائطاً بداخل الفرن ملاصقاً لداره ليكون له

ذلك قوة لجدرانه. هل يكون لهذا الجار مقالٌ في بناء هذا الحائط وفي منعهم بناءها وكيف إن وجد بيت الفرن على صفة ووجه معلوم، هل لمالكيه أن يوسعوا ذلك البيت لفرن آخر أكثر مما كان عليه؟ وهل لهم أن ينقلوا موضع الفرن القديم إلى موضع ثانٍ من الفرن أم لا؟

فأجاب: إن كان خراب هذا الفرن له زمان طويل وقد عفا ودرس وترك على التعطيل حتى طال الزمان ثم أحدث الجار داراً ملاصق الفرن، ثم أراد ورثة مالك الفرن إحياء ذلك الفرن، وهو يضر بجدران الدار فله أن يمنعهم إلا أن يبنوا له حائطاً كما ذكرت. وإن كان خراب الفرن لم يطل زمانه ولم يترك على التعطيل فلا حجة للجار وإن لم يعلم. وكذلك إن كانت الدار موجودة في زمان عمارة الفرن. وما ذكر أنَّ صاحب الفرن أراد أن يوسع أكثر مما كان عليه إن كان الموضع ماله ولم يضر الجيران فلا يمنع، وكذلك إن أرادوا نَقْلَ الفرن إلى موضع آخر إن كان لم يضر من بالجيران ملكهم. (أبو العباس الونشريسي صفحة 47ج8)

وسئل عمن فتح باب داره في آخر خرابة فنازعه الجيران فالتزم عدم فتحه في الموضع المذكور ثم اشتراها آخر وأراد فتح الباب المذكور فمنعه الجيران واحتجوا عليه بتسليم البائع لهم في ذلك.

فأجاب: إذا أسقط البائع حقه في المحجة والتزم بمخاصميه ما ذكرت فهو حق من حقوقهم لا مقال لمشتر ولا

غيره فيه لتنزلهم منزلته، فإن باع ولم يبين كان للمشترى الرجوع عليه بما ينوب ذلك من الثمن. (أبو العباس الونشريسي صفحة 67ج9)

وسئل أبوعلي حسان عن بيت عليه مطبق لجاره وبابه إليه وطوله خمسة أشبار وفوقه حائط لصاحب البيت السفلي فأراد أن يخرج سهماً في الحائط الأعلى ليبني عليه سترة الدار عمن يكشفه من الجيران فمنعه صاحب المطبق فالتزم له إن ضره السهم بشيء أصلحه له ولأن الأسفل والأعلى ملكه.

فأجاب: لصاحب المطبق منعه إلا أن يكون حقاً قديماً إذا كان يضر به ويوهنه ثقله وإن التزم إصلاحه. وما ذكر من كشفه الجيران فينظر في ذلك أهل البصر ويرفع أمره إلى الحاكم فيغلب أخف الضررين ويعلم ذلك بقدر ما يخبر ويمكن صاحب البيت من الستر إذا كان ما يستره إلا هذا إن كان ضرر الاطلاع أشد. قيل هذه طريقة المازري وشيخه الصائغ من مراعاة أخف الضررين مطلقاً. (أبو العباس الونشريسي صفحة 464ج8)

وسئل(القاضي ابن عبدالرفيع) عمَّن عمل في داره رحى، فاشتكى جاره الضرر مما لحق بحيطان داره من هذا الرحى. فأي صورة يعلو بها هذا الحائط؟ وأين تعمل هذه الصورة التي يعمل بها الهز؟ هل في الأرض أو في الحائط؟

فأجاب بأن قال: يؤخذ طبق من كاغد وتربط أركانه بأربعة خيوط، في كل ركن خيط، وتُجمع أطرافُ الخيوطِ وتُعلَّقُ من السقف الذي على الحائط الفاصل بين الدار وبين الرحى من جهة الدار، وتُعمل على الكاغد حبات من كزبر يابس، ويقال لصاحب الرحى هز رحاك؛ فإن اهتزَّ الكزبر عن الكاغد قيل لصاحب الرحى اقلع رحاك لأنها تضرُّ بالجار، وإن كان لا يهتز الكزبر عن الكاغد قيل لصاحب الدار اترك صاحب الرحى يخدم لأنها لا تضر بك.

قيل له: فإن كان الحائط الساتر بين الرحى والدار ليس فيه خشب وإنما هو سترة لا خشب فيه، فأين يُعَلَّقُ الكاغد؟ قال: تؤخذ قصبة غليظة وتجعل على الحائط الفاصل بين الرحى والدار قدر نصف شبر، وتدخل طرف القصبة على الحائط، وتعمل الكسبر على الحائط وتقول لصاحب الرحى هُزَّ رحاك! فإن اهتزّ الكسبر منع صاحب الرحى من عمل الرحى، وإن لم يهتز الكسبر لم يمنع. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص3ج9)

وسئل أحد الفقهاء عمَّن أحدث خلف بيت جاره رواء لدابة صغيرة، فاشتكى صاحب الدار ضرر الدابّة.

فأجاب بوجوب زواله وإخراج الدابّة منه، فصاح صاحب الدابّة وقال له ليس لي غِنى عن الدابّة، لأن عليها معاشي ولا بدّ منها، فاستفهم لي أهل المعرفة فيما يرفع الضرر عن جارى، فارتفع عرفاء البنيان عن أمره فقالوا يحفر أساساً وينزل فيه قدر القامة خلف الحائط الذي هو صدر البيت، ويرفع في حفره حائطاً من تحت وجه الأرض بخمسة أشبار إلى منتهى السقوف، وعرفوا القاضي بما أمروا به صاحب الدابة. فلما فعل ذلك انقطع الضرر عن صاحب البيت بذلك، فقال القاضي رحمه الله يشهد على صاحب الدابّة بذلك لئلا يطول الزمان وينتزع ذلك الحائط ويستحق المربط بالقدم. (أبو العباس الونشريسي صفحة 3ج9)

وسئل ابن الغماز عن رجلٍ أراد أن يعمل في داره رحىً، كم يبعد من حائط الجار في الرحى؟

فأجاب: ليس في ذلك حدٌ، وأهل المعرفة يعرفون ذلك كم يبعد الرحى من الحائط، وهنا لا يعلم فيه حد. قال ابن الرامي: الذي عندي في ذلك الذي يريد أن يعمل في داره الرحى يتباعد من حائط الجار بثمانية أشبار من حدٍّ دَوَرانِ البهيمة إلى حائط الجار، ويشغل ذلك بالبنيان بين دوران البهيمة وحائط الجار، إما ببيت أو بمخزن أو بمجاز، فلابدّ لذلك من حائلٍ لأن البناء يحول بين مضرة البهيمة وحائط الجار. (أبو العباس الونشريسي صفحة 4ج9)

وسئل عن زقاق مسكوك عليه ضيِّق أراد بعض أهله أن يفتح فيه باباً يقابل باب جاره.

فأجاب: الرواية إذا كان الزقاق سالكاً نافذاً أن يفتح ما شاء من الأبواب، وإن كان الزقاق ضيِّقاً، وبهذا الفتوى، وقد قيل: إن الزقاق إذا كان ضيّقاً لم يكن له أن يفتح قبالة جاره، وكان بعض الشيوخ يفتى بالتنكيب عن باب جاره واستحسن أن له أن يفتح، وفي سماع أصبغ قال من كانت له دار في درب أراد أن يحول بابها إلى موضع ثانٍ، فإنه إن كان الموضع الذي يحول الباب إليه أقرب إلى باب الدار كان له ذلك، وإن كان أبعد فليس له ذلك لأنه يدخل من باب الدرب إلى موضع ليس كان يدخله. (أبو العباس الونشريسي صفحة 18ج9)

وسئل ابن لبابة: عمن صبَّ ماء جداره على حائط جاره.

فأجاب: الذي يجب أن يمنع المشتري من صب ماء حائطه في هذه الجنان حتى يثبت أن ذلك حقٌّ له واجب تشهد به البيِّنة، وذلك بعد أن يثبت توكيل نسائهما لهما على المخاصمة عنهما فيه. (أبو العباس الونشريسي صفحة ص28ج9)

وسئل عن الرجل يريد أن ينظر حائطه من دار جاره فمنعه جاره من الدخول إلى حائطه.

فأجاب: ليس لجاره أن يمنعه يدخل داره ينظر حائطه ويجبر على ذلك. وكذلك لو أن ريحاً قلعت ثوب رجل عن ظهره فألقته في دار رجل أكان له أن يمنعه أن يدخل يأخذ ثوبه؟ ليس له أن يمنعه ولا يخرج إليه ثوبه ويمنعه من الدخول ليس له ذلك. قال يحيى بن عمر: هذا صواب حسن، وله أن يدخل الحجارة والطوب والطين على دار جاره مما يحتاج إليه في بنيانه ولابد له من ذلك. (أبو العباس الونشريسي صفحة 40ج9)

وسئل ابن رشد عن رجل له دار وجميع حيطانها لها تجاورها عرصة لغيره أراد صاحب العرصة أن يبنيها داراً وأن يضم حيطانها إلى حائط هذه الدار يلصقه إليه أو يسند إليه شيء من حيطانه بيّن لنا الجواب في ذلك إن شاء الله.

فأجاب: إذا لم يكن له في الحيطان شيء فليس له الانتفاع بأن يسند إليها بنيانه أو يقرر فيها خشبة أو ما شابه ذلك إلا أن يؤذن من له الحيطان وما ضم مياه حيطانه إليها إذا لم يضر بها فذلك له إن شاء الله. (أبو العباس الونشريسي صفحة 48ج9)

وسئل (أبو سعيد بن لب) عن رجل اشترى دارا وشرط عليه البائع أن على الدار مجرى ماء المطر من دار جاره وذهب المشتري إلى منع جاره من الوضوء بالمجرى المذكور ومجراها لماء المطر.

فأجاب: أما مجرى الدار فالذي أراه أن للمشتري أن يمنع جاره من إجراء ماء الوضوء في المجرى المذكور، لأن ماء المطر ليس بعام في جميع الأوقات، وماء الوضوء عام وليس لأحد أن يزيد ضررا إلى ضرر آخر لقوله عليه السلام: لا ضرر ولا ضرار. (مالك صفحة 745ج2) فهذا ما عندي في المسألة. (أبو العباس الونشريسي صفحة 431ج6)

المطلب الثالث: نوازل متعلقة بأضرار الجوار على الحياة الخاصة

لقد حرص الإسلام في تشريعه على احترام الناس واحترام خصوصياتهم واعتبر حياة الناس الخاصة منطقة محرمة لا يحق لأحد اختراقها من دون إذن صاحبها، أو هتك ستره، إذ يعتبر احترام خلوة الناس من المبادئ الأساسية في الإسلام لذلك لم يسمح بالتنصت على الناس في موطن سكناهم أو التكشف عليهم تحت أي عذر، وهو ما يتبين في النوازل التالية فقد سئل اللخمي عمن أراد جَعْلَ ستارة على سطح لستره وستر أهله وهي تمنع من الريح والشمس هل له ذلك أم لا؟ والنفقة عليه بخلاف الحائط بين الدارين فالنفقة عليهما إذا كانت المنفعة فيه لهما. وأما إذا قال أحدهما ولا نصعد أنا ولا أنت على سطح إلا أن تجعل ساتراً فوق السطح بيننا وامتنع الآخر.

فأجاب: إن الأمر على ما ذكر إن كان الانتفاع لهما فإن لم يفعل أدى إلى التكشف على بعضهما بعضاً فمن دعا إلى البناء فالقول قوله وإلا فله منع جاره من الطلوع للسطح. (أبو العباس الونشريسي صفحة 444ج8)

وسئل ابن الغماز عن رجل أحدث غرفة وأحدث فيها كوة يرى منها ما في سقيفة جاره إذ فتح بابه، فهل بصاحب الدار منع هذا مِمَّا فتح عليه من ذلك وبينهما سكة نافذة للمارين واسعة كبيرة؟

فأجاب: يمنع الرجل أن يحدث على جاره كوة يطلع منها على ما في سقيفة جاره وليس الكوة والباب سواء لأن الباب إنما يعمل للدخول والخروج لمن يدخل ويخرج وليس من ذلك بُدٌّ والكوى لا يتحرز منها، وينظرك ولا تنظره، وكذلك المار يتحرز منه ولجوازه وسيره لا يتمكن من النظر، والكوة للقعود فهي مضرة كبيرة قال ابن الرامي وبهذا أجابني كل من سألته من علمائنا وما رأيت من القضاة أحداً حكم بغير ذلك. (أبو العباس الونشريسي صفحة 459ج8)

وسئل ابن الحاج عمن فتح حانوتاً قبالة باب دار لرجل آخر وأنه يطلع منه على أسطوان الدار.

فأجاب: تأملت السؤال، والواجب أن ويؤمر باني الحانوت أن ينكب عن قبالة باب جاره لأن ضرر الحانوت أشد وقد نهى الرسول عليه السلام عن الضرار. قيل وهذا حكم القاضي ابن عبدالرفيع في رجل أحدث حانوتاً ففتح بابه للقبلة في شارع يمر فيه من مشرق إلى مغرب وقبالة الحانوت زقاق غير نافذ يفصل بينهما الشارع وفي الزقاق دار تفتح للشرق على يمين الداخل فشهدت عنده بيِّنة أن الجالس في الحانوت لا يرى ما يكون في السقيفة وإنما يرى من يكون بين أبواب الدار إذا مر خارجاً. فحكم بينهما بإنفاذ الحانوت. (أبو العباس الونشريسي صفحة 463ج8)

وسئل عن الرجل يكون له جار سوء، وهو من أهل الغصب، وذو سلطان، ولا تومن ناحيته، فيدعوه لصنيع يصنعه أو الكرامة يريدها، وهو يخاف على نفسه إن هو امتنع من طعامه أن يعاقبه في بدنه أو ماله، ولا يأمن شره إن امتنع عليه.

فقال يحيى لا أرى عليه أن يجيبه إلى الطعام ولا أحب له أن يقريه بل يحتسب في ذلك ما أصابه، فذلك خير له. وإن كان ذلك مرة بعد مرة في الغب والدهر الطويل، وهو يخاف إن لم يأته طعامه أن يعاقبه فلا بأس أن يأكل عنده أكل خائف منقبض غير منبسط في الأكل ولا متسع فإذا انصرف استقاء وإلا غرم طعامه. وتصدق به. (أبو العباس الونشريسي صفحة 168ج6)

قال العبد الفقير إلى رحمة ربه وغفرانه أبوعمر بن محمد بن أبي عمر بن منظور القيسي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، نزلت بمالقة في العشر الأول من عام اثنين وسبعمائة نازلة في مؤذن يصعد للأذان على منار يطلع منه على جار له بتلك الجهة ويعاينُ منه من بمنزله من حرمه حتى ساء ذلك حاله وحال أهله وأضر بهم ومنعهم من التصرف والحركة في منزلهم ذلك حتى اضطرهم إلى ملازمة ساتر وحاجز بينهم وبين المؤذن وربما زال الحاجز لأمر أوجب ذلك فامتنعوا في ناحية من المنزل ساعة الأذان وربما أخطأوا ساعة (أبو العباس الونشريسي صفحة 483ج8)

خاتمة:

بالنظر إلى المشكلات التي تفاعل معها الفقهاء يتبين أن المقصد العام في أجوبتهم هو رفع الضرر عن كل ما يمس بالسلامة الصحية للأفراد بحكم الجوار أو ما يلحق ممتلكاتهم من أضرار ناتجة عن تحقيق المصلحة الفردية في مقابل المصلحة العامة، وهي مشكلات تتكرر في كل الأزمنة فقد تغلب على الفرد النزعة الفردية، فيتدخل الشرع لكبح هذه النزعات لتحقيق الأمن والاستقرار للحياة الاجتماعية.


مراجع

– حامد صادق قنيبي محمد رواس قلعجي. 1408 هـ – 1988 م. معجم لغة الفقهاء. مكان غير معروف: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 1408 هـ – 1988 م. المجلد الثانية.

ابن رجب الحنبلي. 1417 هـ – 1996 م. فتح الباري شرح صحيح البخاري. المدينة النبوية: مكتبة الغرباء الأثرية، 1417 هـ – 1996 م. المجلد الأولى.

ابن عبد البر القرطبي تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض. 1421 – 2000. الاستذكار. بيروت: دار الكتب العلمية، 1421 – 2000. المجلد الأولى.

ابن منظور. 1414. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1414. المجلد الثالثة.

أبو العباس الونشريسي. 1401-1981. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل افريقيا والأندلس والمغرب. [المحرر] تحقيق مجموعة من الفقهاء تحت إشراف د محمد حجي. مكان غير معروف: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية، 1401-1981. المجلد الأولى.

أحمد التنبكتي. 2000م. نيل الابتهاج بتطريز الديباج. [المحرر] عناية وتقديم: الدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة. دار طرابلس: دار الكاتب، 2000م. المجلد الثانية.

الإمام الشوكاني. فتح القدير. دمشق وبيروت: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب.

الإمام القرافي. 1994م. الذخيرة. [المحرر] تحقيق ٍجزء 1، 8، 13: محمد حجي. بيروت: دار الغرب الإسلامي-، 1994م. المجلد الأولى.

الإمام مالك. موطأ الإمام مالك. [المحرر] تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

الإمام مالك. الموطأ. [المحرر] تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

الحطاب الرُّعيني المالكي. 1412هـ – 1992م. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل. مكان غير معروف: دار الفكر، 1412هـ – 1992م. المجلد الثالثة.

الحموي. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. بيروت: المكتبة العلمية.

بكر بن عبد الله أبو زيد. 1416 هـ، 1996 م. فقه النوازل. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1416 هـ، 1996 م. المجلد الأولى.

بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي القرافي. أنوار البروق في أنواء الفروق. مكان غير معروف: عالم الكتب.

تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري. 1422هـ. صحيح البخاري. مكان غير معروف: دار طوق النجاة، 1422هـ. المجلد الأولى.

شهاب الدين الحموي. 1995. معجم البلدان. بيروت: دار صادر، 1995. المجلد الثانية.

عبد الحي الكثاني. 1982. فهرس الفهارس. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1982. المجلد الثانية.

محمد ابن عسكر الحسني الشفشاوني. دوحة الناشر. مكان غير معروف: دار المغرب للتأليف.

ناصر الدين الأباني. 1422 هـ – 2002 م. مختصر صحيح الإمام البخاري. الرياض: مكتَبة المَعارف للنَّشْر والتوزيع،، 1422 هـ – 2002 م. المجلد الأولى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.