منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإمام البخاري بين العلم والتعالم لفضيلة الدكتور عبد العلي مسؤول

الإمام البخاري بين العلم والتعالم لفضيلة الدكتور عبد العلي مسؤول / من إعداد الأستاذ عبد العزيز ثابت

0

الإمام البخاري بين العلم والتعالم لفضيلة الدكتور عبد العلي مسؤول  

من إعداد الأستاذ عبد العزيز ثابت

استضاف مركز الشهاب للبحوث والدراسات الإسلامية الدكتور عبد العلي مسؤول لمطارحة قضية هامة ألا وهي الذود عن حياض السنة النبوية الشريفة من خلال الرد على الشبهات التي تثار من حين لآخر حول كتاب صحيح البخاري وصاحبه، ونظرا لأهمية الموضوع ومكانة الضيف ارتأى موقع منار الإسلام تفريغ مخرجات اللقاء الذي كان مرئيا ومباشرا وإعادة نشر أهم مخرجاته مبوبة على شكل محاور تجيب عن شبهات أثيرت حول الجامع الصحيح للبخاري.

أولا: شبهة اشتمال صحيح البخاري لأحاديث ضعيفة.

الأحاديث الواردة في صحيح البخاري هي على ضربين:

المزيد من المشاركات
1 من 89
  • أحاديث متصلة السند مروية عن العدول الثقات الضابطين وليس فيها شذوذ ولا علة، وهؤلاء الرجال جازوا فعلا القنطرة.
  • أحاديث معلقة رجالها على غير شرطه ومع خرج لهم الإمام البخاري، أو ذكروا في الشواهد والمتابعات، وهؤلاء الرجال منهم من لم يجز القنطرة ومنهم من جاز القنطرة، مثال ذلك: البخاري في أول أبواب الغسل قال: وقال بهز بن حكيم، وهذه الصيغة تسمى بصيغة التعليق، الحافظ العراقي يقول:

وإن يكن أول الإسناد حذف *** مع صيغة الجزم فتعليقا عرف.

قال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: الله أحق أن يستحى منه. هذا تعليق ذكره عنوانا للباب، وبهز وأبوه ليسا من شرط البخاري ولذلك لم يورد الحديث الإمام الحميدي في جمعه بين الصحيح ولم يحتج بصحيفة بهز بن حكيم لأن أحاديثه هي حسنة. و هنا لابد بالمناسبة أن أشير إلى مسألة هي أن الإمام البخاري رحمه الله قد يعلق عددا من الأحاديث على شيوخه فهم على شرطه، و من ذلك حديث المعازف وحديث معروف مشهور ، فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم ينهى عن الحر و الحرير و المعازف، هذا الحديث ساقه الإمام البخاري بقوله: و قال هشام بن عمار، ثم جاء بالسند إلى النبي صلى الله عليه و سلم، هذا الحديث قال عنه الإمام بن حزم : إنه حديث منقطع، ونسي أن هشام بن عمار هو شيخ للبخاري، و الإمام البخاري حينما يعلق أحاديث على شيوخه فهو بمثابة التحديث، بمثابة قوله حدثنا أو عن، و لذلك رد عليه الحافظ العراقي بقوله:

وإن يكن أول الإسناد حذف *** مع صيغة الجزم فتعليقا عرف

ولو إلى آخره أما الـــــــذي *** لشيخه عزا ب ” قال ” فكذي

عنعنة كخبر المعـــــــــازف *** لا تصغ لابن حـــزم المخالف.

هنا لا بد أن أشير إلى أن المعلق ليس على شرط البخاري ولا يدخل ضمن الحديث الصحيح ولا رجاله رجال الصحيح، لكن الذي يوصف بالصحة من جامع البخاري هي مقاصد الكتاب وموضوعه ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعا.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 46

ولذلك نجد الإمام البخاري سمى كتابه الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، وهذا العنوان هو الذي يبين لنا شرط الإمام البخاري حينما يقول: الجامع المسند الصحيح من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبين لنا أن ما لم يكن مسندا وما كان فيه انقطاع في السند وما لم يكن رجاله من الثقات والعدول الضابطين فإنه خارج عن الجامع الصحيح.

فعنوانه يختصر لنا شرط البخاري، بعده جاء ناس وألفوا كتبا في شرط الإمام البخاري رحمه الله، ولذلك عنوانه يختصر لنا ما أراده الإمام البخاري. فحينما يأتي البخاري رحمه الله بمعلقات وتكون من قبيل الحسن أو من قبيل الضعيف كما سنرى إن شاء الله تعالى فهو لا يريد أن يقول إنها من موضوع الكتاب وإنما يأتي بها عرضا كعنوان فقط، ومن تم نخلص إلى أن

صحيح البخاري ليس فيه الضعيف إلا ما كان من قبيل المعلق والمعلق ليس من شرطه. عناوين الأبواب هذه عناوين يأتي فيها ببعض الأحاديث التي قد تكون حسنة … قال: قال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: الله أحق أن يستحى منه. هذا الحديث وإن أورده البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه أورده معلقا وهو حديث حسن، فلا يدخل ضمن الحديث الصحيح، بل قد يكون هذا المعلق من باب الضعيف كقوله في باب الزكاة، باب العرض في الزكاة: وقال طاووس، قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: إيتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير …، إلى آخر الحديث. الإسناد إلى طاووس صحيح، إلا أن طاووسا لم يسمع من معاذ، فهو حديث منقطع والمنقطع من قبيل الحديث الضعيف. لكن هل نقول إن في البخاري أحاديث ضعيفة؟

لا، لأن هذا الحديث جاء به الإمام البخاري معلقا، ذكره عنوانا للباب ولم يكن من موضوعاته، من لبه، ثم إن الأحاديث التي انتقدت على البخاري هي مئة وعشرة، انتقدت على الصحيحين مئة وعشرة حديثا، اتفق البخاري ومسلم على اثنين وثلاثين حديثا واختص البخاري منها بثمانية وسبعين.

ثانيا: شبهة نسبة الجامع الصحيح للإمام البخاري.

هذا أمر له أهميته الكبرى ذلك أن أناسا انتقدوا روايات البخاري. وهنا لابد من الإشارة إلى أن روايات الجامع الصحيح التي وصل بها إلينا صحيح البخاري، وصلت إلينا عن طريق أربعة من تلامذة الإمام البخاري المباشرين له:

  • أولا حماد بن شاكر النسفي، وثانيا إبراهيم بن معقل النسفي وهذه الرواية رواية البخاري من طريق إبراهيم بن معقل عن البخاري وهي التي اعتمدها أبو سليمان الخطابي في أعلام الحديث في شرحه على صحيح البخاري وهو مطبوع، لكن حمادا وإبراهيم سمعا صحيح البخاري وفاتهما من أواخر البخاري أشياء.
  • الراوي الثالث وهو أشهر راو للجامع الصحيح وهو الفربري، رواية الفربري هي أشهر رواية عن الإمام البخاري من بين الروايات الواصلة إلينا. سمع الجامع الصحيح من البخاري مرتين وروايته انتشرت في الأقطار وهي التي أخذها أبو ذر الهروي وأخذها بواسطة شيوخه الثلاثة الذين قرؤوا على الفربري.
  • الراوي الرابع هو ابن قرينة البزذوي وهو آخر من حدث عن الإمام البخاري بصحيحه كما جزم بذلك ابن ماكول في الإكمال. هناك تلميذ آخر هو الإمام المحامدي، عاش بعد ابن قرينة وسمع صحيح البخاري من الإمام محمد بن إسماعيل، ولكن لم يكن عنده الجامع الصحيح.

وعندنا طرق المغاربة في رواية الجامع الصحيح، معتمد المغاربة في رواية الجامع الصحيح هي طريق ابن سعادة، هذا الرجل قرأ صحيح البخاري على أبي علي الصدفي ستين مرة في خمس وعشرين سنة، ستين مرة قرأ صحيح البخاري على الصدفي وما أدراك ما الصدفي، الصدفي محدث وفقيه وعالم كبير. أخذها ابن سعادة عن أبي علي الصدفي عن أبي الوليد البازي عن أبي ذر الهروي، بينه وبين الإمام البخاري خمسة وسائط. ابن سعادة هذا نسخته هي التي اتخذها أهل المغرب والأندلس محراب تصحيحهم ويعسوب روايتهم كما يقول سيدي عبد الحي الكتاني. أما المشارقة فاعتمدوا رواية أبي الحسين اليونيني، وكان قد قرأها اليونيني وقابلها مع نسخ عديدة بحضرة جمال الدين بن مالك النحوي صاحب الألفية رحمه الله. أحضر أناسا وبيدهم نسخ ونسخة بيد اليونيني وبحضور ابن مالك الذي كان يرفع له إشكالات الجامع الصحيح اللغوية، وكانوا يعتمدون ضبطه للشكل وضبطه الكلمات الغامضة في صحيح البخاري. فإذن ابن مالك سمع الجامع الصحيح كاملا وباختلاف رواياته عن اليونيني وفي نفس الوقت ضبط هذه الرواية التي هي لليونيني وألف كتابا معروفا مطبوعا متداولا وهو شواهد تصحيح مشكلات الجامع الصحيح.

لكن هناك من يقول إن البخاري لم يكمل كتابه والدليل على ذلك أنه وضع فصولا دون أحاديث، وأبوابا دون أحاديث، وهما هنا يشيرونا إلى رواية عند المستملي، وهو أحد تلامذة الفربري، وقالوا لو أكمله ما كان أن يترك ورقة بيضاء في هذا الباب، والجواب أن الفربري هو أشهر تلامذة البخاري ونسخته هي التي اعتمدها الذي جاؤوا بعده بشكل كامل. نسخة الفربري كانت فيها إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب بعده ومنهم المستملي والسرخسي والمروزي وغيرهم ممن تتلمذ على الفربري، كان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظن أنه لاحق به، فمن تم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير.

ماذا قال المستملي: أن نسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند الفربري فرأيته لم يتم بعد وقد بقيت عليه مواضيع، في رأيه، والجواب أن هذه النسخة التي تركها الفربري فيها إلحاقات وفيها هوامش، الذين جاؤوا بعده اختلفوا في وضع هذه الإلحاقات، ومن تم وقع له تقديم وتأخير. ولكن جماع الكلام، هذا التقديم وهذا التأخير وهذا الإبدال في بعض الحروف هل يؤثر، يعني هل هناك رواية في الجامع الصحيح تحل شيئا ورواية أخرى تحرم شيئا؟ هذا لا يمكن أن يوجد قطعا.

القراءات القرآنية، القراءات العشر برواياتها العشرين فيها اختلافات، وهو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، لا يمكن أن نجد قراءة تبيح وقراءة أخرى تمنع.

هناك مسألة لابد من الإشارة إليها، هذا قول للمستملي يتحدث فيه عن نسخة الفربري، والعلماء لم يعتمدوا فقط على نسخة الفربري، الحافظ ابن حجر اعتمد على رواية الفربري وعلى رواية حماد بن شاكر وعلى رواية إبراهيم بن معقل وعلى رواية ابن قرينة. إذن ما اعتمدوا على رواية الفربري التي يقول عنها هذا الكلام الإمام المستملي وهو من تلامذة الفربري، ثانيا الاختلاف بين النسخ راجع إلى الهوامش و … التي كانت على النسخة المعتمدة وتقدير العلماء في مكان إلحاقها بالأصل. وأؤكد أن الإمام البخاري رحمه الله صرح أنه أكمل كتابه في ست عشرة سنة ونقحه وصححه وعرضه على شيوخه، وإنما تلامذته اجتهدوا فيما كان من قبيل الملحقات والهوامش فقط. وهذا النقل المتعدد عن البخاري بأسانيد متصلة يدل على أن الكتاب كتابه وهو من ألفه، والذين يسألون عن النسخة الأصلية، كثير من الناس يقولون أين هي النسخة الأصلية للبخاري؟ يقال لهم، أغلب نسخ القرنين الثاني والثالث الهجريين لم تصلنا نسخ مؤلفيها الأصلية، ومع هذا سارت بها الركبان ولم يطعن الناس في نسبتها. أين هي نسخة كتاب سيبويه؟ سيبويه طريقنا إليه هو أبو الحسن الأخفش، هو تلميذ مباشر لسيبويه. أين هي نسخة أبي الحسن الأخفش؟ الرسالة للشافعي، محمد بن إدريس الشافعي متوفى سنة 204 للهجرة، أين هي النسخة الأصلية للشافعي، هل توجد؟ غير موجودة. فإذن أغلب النسخ الأصلية للقرنين الثاني والثالث غير موجودة ومع ذلك ما طعن العلماء في ذلك.

لابد أن نقول للناس يجدر بالعلماء والمجامع العلمية الآن أن تجمع نسخ البخاري، النسخ المخطوطة والنسخ المطبوعة وأن يخرجوا بنسخة منقحة مهذبة وأن يذكروا الفروق الموجودة مع النسخ الأخرى. وهذا العمل قامت به وزرة الأوقاف المغربية مع موطأ الإمام مالك، اعتمدوا على ثماني نسخ وخرجوا نسخة تعد هي أصح نسخة لموطإ الإمام مالك بن أنس. فنقول لا يزال الجامع الصحيح بحاجة إلى عمل وإلى تنقيح.

ثالثا: شبهة الاختلاف في تقييم صحيح البخاري

فعلا اعتبر الإمام الشافعي أن موطأ الإمام مالك أصح من الجامع الصحيح للبخاري حين قال : ما تحت أديم السماء من كتاب أصح بعد القرآن الكريم من الموطأ، لكن هذا القول إنما قيل  قبل أن يجمع الإمام البخاري صحيحه، و لو عاش الشافعي حتى ألف الإمام البخاري صحيحه لعدل عنه، فالبخاري توفي سنة 256 للهجرة، و الإمام الشافعي سنة 204 فبينهما اثنان و خمسون سنة، فإذن لو حضر الإمام الشافعي تأليف الجامع الصحيح لغير قوله، و لذلك قال الحافظ العراقي:

أول من صف في الصحيح *** محمد وخص بالترجيح

ومسلم بعده، وبعض الغرب معْ *** أبي علي فضَّلوا إذ لو نفع.

فأبو علي نيسابوري يفضل مسلما، هذا نقاش. تحدث العلماء عن سبب تفضيلهم وتقديمهم لصحيح البخاري على مسلم وعلى الموطأ.

كما أن هناك من الأقدمين من النقاد والمحدثين الذين انتقدوا البخاري علما و … من أشهرهم الدارقطني واستدراكاته.

والإمام الدارقطني هو إمام ومحدث وعالم بالعلل وقد ألف الإلزامات والتتبع لكن أغلب ما استدركه على البخاري، جاء من بعده وردوا على الإمام الدارقطني، وبالمناسبة هل كل انتقاداته هي متهافتة وينبغي ردها؟ لا، في بعض آرائه الصواب وبخاصة عند نقده للرجال. وقد تحدث بتفصيل عن هذا الأمر الإمام ابن حجر في هدي الساري، جاء بهذه الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وتحدث عنها حديثا حديثا، وكما يقولون الحي يغلب الميت. رحمه الله لما ألف ألفيته قال: “فاقت ألفية ابن معط”، فينما هو نائم في الليل رأى ابن معط في الرؤيا يقول له: “والحي قد يغلب ألف ميت”، فلما أصبح قال:

وهو بسبق حائز تفضيلا *** مستوجب ثنائي الجميلا

والله يقضي بهبات وافرة *** لي وله في درجات الآخرة.

فإذن من انتقادات العلماء للبخاري ما هو صواب ولكن أغلبها فيه نقاش، أغلب هذه الاستدراكات، أغلب هذه الانتقادات هي محل نقاش لا فيما يتعلق بالرجال أو غيرها.

قال الإمام أحمد شاكر في قضية البخاري يقول: “الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين و ممن اهتدى بهديهم و تبعهم على بصيرة من الأمر أن أحاديث الصحيحين كلها ليس في واحد منها مطعن ضعف و إنما انتقد الدارقطني و غيره من الحفاظ بعض الأحاديث على أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل وحد منهما في كتابه، و أما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين و زعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة، فتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها و انقد على القواعد التي سار عليها أهل العلم و احكم على بينة و السلام على من اتبع الهدى”

فالذين جاؤوا بعد الإمام البخاري، الإمام الدارقطني كان في القرن الرابع الهجري، يعني حكموا على الإمام البخاري انطلاقا من عدد من القواعد التي أثلها علماء الحديث، لكن الإمام البخاري رحمه الله له نظره وله شروطه علمها من علم وجهلها من جهل، وفي بعض الأحيان حكم الذين جاؤوا بعد البخاري، حكموا على الصحيح انطلاقا من قواعد حديثية مختلف فيها، فإذن هنا وقع الاضطراب ولذلك لا يسلم لهم بجميع ما استدركوه، لكن يقال إن بعضا مما استدركوه عليه هو صواب، والخلاصة أن للعلماء أن يتكلموا في صحيح البخاري و لكن ليس لمن لا علم لهم أن يتحدثوا، وعلى كل من أراد أن ينتقد أن يكون أهلا لذلك و قد استكمل الأداة، و ينبغي أن يعرف ما مقصود الإمام البخاري، و أن يعرف أن النقد ينبغي أن يتجه إلى المضامين، أي إلى موضوع الصحيح لا إلى معلقاته و شواهده.

رابعا: شبهة تقديس الإمام البخاري

الإمام البخاري عندنا غير مقدس ويحق لأهل العلم أن ينتقدوه كباقي البشر وهذه مسألة مسلمة، الإمام مالك رحمه الله ماذا كان يقول: كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الجميع بشر بمن فيهم الإمام البخاري. نحن لا ننزهه ولذلك في أبوابه وفي فقهه انتقده كثيرون: الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه النظر الفسيح عنده تعليقات رائعة على صحيح البخاري وعلى أبوابه. أتى بالحديث الذي يتحدث فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الذي ينظر إلى بيت دون أن يطرق بابه بأن يفقأ الواحد عينيه واعترض على الإمام البخاري في ترجمته، وقال: هذا بعيد عن الفقه، انتقد عنوان الباب، وقال هذا بعيد، هذا تفقه بعيد، وهذا ينبئ على أن علماءنا لا يقدسون الأشخاص ولكن يبحثون في الفكر وينقدون الآراء العلمية، ولا يقدسون شخصا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

 خامسا: شبهة مخالفة بعض أحاديث صحيح البخاري للقرآن الكريم

هذه المسألة يطول فيها الكلام لكن لابد من الإشارة إلى مسألة هي أن السنة مقترنة بالكتاب وينبغي عدم التفريق بينهما. في سنن الإمام أبي داود عن المقدام بن معدي كرب عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، بمعنى أوتي النبي صلى الله عليه وسلم السنة وهي وحي، وهي مقيدة للكتاب ومخصصة لعمومه ومبينة لمجمله، ثم يقول: ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بالقرآن، وهذا شأن عدد من الناس يقول لك لا، علينا بالقرآن فقط. وفي حديث آخر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. يعني وكأنهم يكتفون بكتاب الله تعالى ولا حاجة لهم بالسنة، مع أن السنة هي الموضحة للمجمل والمقيدة للمطلق والمخصصة للعموم، وهي التي تخرج كثيرا من الصيغ القرآنية عن ظاهر مفهومها في أصل اللغة. رحم الله الإمام الشاطبي في موافقاته بعدما تحدث عن دور السنة وعن علاقتها بالقرآن وقال: وتعلم بذلك أن بيان السنة هو مراد الله تعالى من تلك الصيغ القرآنية. وتعلم بذلك أن بيان السنة يعني هذا التقييد وهذا التخصيص وهذا التوضيح هو مراد الله تعالى من هذه الصيغ. ولذلك علماؤنا قالوا: ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله، غير موجودة وإنما السنة سنة موافقة للكتاب، شاهدة عليه وهي سنن مؤكدة وإما سنة مبينة وإما سنة مؤسسة لحكم مستقل يعود إلى القرآن. الإمام الطبراني في معجمه جاء بحديث عن عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال له رجل: يا أبا نجيد حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أرأيت أنت وأصحابك تقرؤون القرآن أكنتم محدثي كم الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال، هل تكلم القرآن الكريم عن نصاب الذهب ونصاب الإبل والبقر في الزكاة؟ لكن هذه الأنصبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم عنها ونحن نقلناها لكم.

والإمام البيهقي أخرج حديثا عن عمران بن حصين عند ذكره للشفاعة فقال له رجل: يا أبا نجيد تحدثنا بأحاديث لم نجد لها أصلا في القرآن، فغضب عمران وقال للرجل: هل قرأت القرآن؟ قال نعم، قال هل وجدت فيه صلاة العشاء أربعا ووجدت المغرب ثلاثا والظهر أربعا والعصر أربعا وهكذا؟ قال لا، قال فعمن أخذتم ذلك؟ قال: ألستم عنا أخذتموه ونحن أخذنا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك هناك عدد من الأحكام ما ذكرها القرآن الكريم والأصل فيها هي السنة، استقلت السنة بهذا الحكم. مثلا زكاة الفطر، هل توجد في القرآن الكريم؟ لا، الشيخ خليل في مختصره يقول: يجب في السنة صاع. حد الزاني المحصن، تكلم عنها القرآن؟ ما تكلم عنها القرآن الكريم. تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، الله تعالى تحدث عن المحرمات: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت …} حتى قال الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم}، فعموم هذه الآية يقتضي جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، والسنة تمنع ذلك، والإجماع على العمل بالسنة. الحكم بالشاهد واليمين، أين نجد محله في القرآن؟ ميراث الجدة، النبي صلى الله عليه وسلم ورث الجدة، لا نجد ذلك في القرآن الكريم. لكن هناك مسألة أشار إليها أبو الحكم بن برجان في كتابه الإرشاد قال: لم يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، إما تعريضا أو تصريحا، لقول الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}. لكن من جهة التفصيل هذا أمر… وأما الحديث الذي يذكره الناس وهو: ما وجدت من سنة تعارض الكتاب، قضية معارضة القرآن الكريم للسنة فهذا حديث موضوع وتحدث عنه علماء كثيرون. فالخلاصة إذن: لا يوجد حديث صحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارض القرآن. ابن حزم يقول: ليس في الحديث الذي صح شيء يخالف القرآن الكريم، وهنا أضرب مثالا واحدا، هناك أمثلة متعددة التي يظهر من خلالها أن هناك أحاديث تعارض القرآن، من هذا الباب حديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، هذا حديث صحيح في صحيح البخاري وروي في كتب أخرى مع آيات أخرى تتحدث عن حرية الاعتقاد منها قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين}، ومنها قول الله تعالى: {فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر}. هذا الحديث رواه الإمام البخاري، وعن أيوب عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرَّق قوما فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لما أحرقتهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تعذبوا بعذاب الله) ولقاتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه). إذن فنحن أمام أمرين: (حديث من بدل دينه فاقتلوه)، رواه الإمام البخاري عن ابن عباس في قصة وأورده ابن أبي شيبة في مصنفه وعبد الرزاق في مصنفه والإمام الشافعي والطيالسي والحميدي وإسحاق بن راهويه كل أولئك في مسانيدهم، إذن هناك حديث يتعارض مع آيات مقطوع بثبوتها، والحديث الذي أمامنا وإن كان خبر واحد فإنه صحيح، فإذن نحن أمام أمرين متعارضين. الإمام السبكي رحمه الله في التعديل والترجيح في كتابه جمع الجوامع يقول: ” والأصح أن العمل بالمتعارضين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما، ولو سنة قابلها كتاب ولا يقدم الكتاب على السنة ولا السنة عليه “. فإذن المتعارضان ينبغي العمل بأحدهما ولو من وجه، أولى من إلغائهما، فإذن كيف نعمل أمام هذا الأمر؟ التعارض بالمناسبة ليس في النقل، الحديث صحيح والآيات مقطوع بثبوتها، التعارض في الدلالة بين الحديث والنصوص في حرية الاعتقاد، لذا حديث: (من بدل دينه فاقتلوه) يُحمل على الردة المشككة في الإسلام لصرف الناس عنه ويُعمل به على أنه حد أو عقوبة تأثيرية على هذا الوجه. ثم إن الذين ارتدوا على عهد أبي بكر رضي الله عنه هما صنفان منهم مانعوا الزكاة، وهؤلاء بصنيعهم كما يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: ” كانوا مفرقين لجماعة الإسلام “، والرجل الواحد إذا منع الزكاة لا يُقتل عند الجمهور، مالك وأبو حنيفة والشافعي عندهم إذا امتنع الواحد عن أداء الزكاة أُخذت منه ويُعزر ولكن لا يُقتل. الصنف الثاني: من تركوا الدين بالمرة كطيء وأسد فهؤلاء كما قال الشيخ الطاهر بن عاشور: ” صاروا إلى عادة الجاهلية حربا لكل أحد لم يعاهدوه “. ثم إن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول بالاستتابة والسجن، بالنسبة إليه يستتيب المرتد ويسجنه، قال أنس: ” فقدمت على عمر بن الخطاب فقال: ما فعل جحينة وأصحابه؟ قال فتغافلت عنه ثلاث مرات فقلت: يا أمير المؤمنين وهل كان سبيل إلا القتل، فقال عمر: لو أتيتم به، يعني على ناس منهم جحينة الكذاب، لو أتيت به لعرضت عليه الاسلام فإن تاب وإلا استودعته السجن. فتبين أن رأي عمر رضي الله عنه هو الاستنابة والسجن و ليس القتل. الإمام النخعي قال: ” يستتاب أبدا “ بمعنى لا يُقتل. طيب هذا رأي، لأن مسألة إهدار الدم هي مسألة ينبغي النظر إليها بمنظور كلي، فنحن نُعمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ولكن بهذا النظر الواسع وفي الوقت ذاته نقول: إن قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين} أي لم يُجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على الاختيار، ونحو هذه الآية قول الله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}. فلا يُكره الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام، كما أنهم لا يُكرهون على الخروج من الإسلام إلى دين آخر شرط ألا يعمدوا إلى تشكيك الناس في دينهم أو محاربته أو المجاهرة بردتهم.

وهذا الكلام الذي قلته سبق أن قاله الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا والشيخ سليم العوا وعدد من العلماء والدكتور طه جابر العلواني، يعني نظروا إلى هذا الأمر بهذا النظر الكلي. يمكن أن أقول إن قول الله تعالى: {لا إكره في الدين} هذه صيغة من صيغ العموم، فالآية تنفي عموم الإكراه، فهي نهي عن كل إكراه للدخول في أي دين أو الخروج منه، لكن حديث: (من بدل دينه فاقتلوه) هو يخصص هذه الآية، إذا كان المرتد مخذلا للناس أو محاربا للدين، وبهذا نُعمل الآية ونعمل الحديث، لكن أن نقول إنهما متعارضان وينبغي تركهما هذا مما لا ينبغي.

سادسا: شبهة لماذا لم يشتمل كتاب البخاري على جميع الصحيح؟

الإمام البخاري رحمه الله ماذا قال؟ قال: جمعت ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركت من الصحيح شرط أن يطول، هو نفسه ما التزم أن يخرج جميع الصحيح وليس باستطاعته، هل باستطاعته أن يجمع جميع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة؟ هذا يعسر على مَجمع بَلْه أن يسهل على عضو واحد، هو ما التزم إخراج جميع الأحاديث الصحيحة لا، إطلاقا ولكن جاء عدد من العلماء فأضافوا، هناك صحيح ابن حبان، صحيح ابن خزيمة، المستدرك على الصحيحين للحاكم، جاء ناس وأضافوا وجمعوا، ومسلم وهو تلميذه، فهو إذن ما التزم بذلك، إذن لا يجوز أن نُلزم الرجل بما لم بلزم به نفسه.

وقريب من هذا من يقول: لماذا لم يرو البخاري خطب الرسول صلى الله عليه وسلم للجمعة؟ نحن الآن نريد أن نكلف الرجل أن يضمن جامعه الصحيح جميع ما وي عن النبي صلى الله عليه و سلم و خطبه و سيرته و…، هو التزم أن يجمع ما صح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم مما أخذه عن شيوخه و مما رواه عن الرواة و مما جمعه في مدة ست عشرة سنة، ما التزم أن يجمع الخطب و غير الخطب و لذلك جاء ناس بعد الإمام البخاري فتحدثوا في السير و في سيرة النبي صلى الله عليه و سلم و فصلوا القول في ذلك.

سابعا: شبهة عدم الإخراج عن أهل البيت والإخراج لمخالفيهم.

قضية أهل البيت هذا أمر يثيره الشيعة، يقولون إنه لم يرو عن جعفر الصادق وعن وعن وعن، دائما لابد ألا نحمل الناس ما لا يطيقون. الإمام البخاري رحمه الله روى عن كثيرين، بل إنه روى عمن رمي بالتشيع، ذكرت لكم خالد بن مخلد، هذا رمي بالتشيع، بل إن منهم من قال إنه كان غاليا في التشيع، من غلاة الشيعة، هذا خالد بن مخلد، ومع ذلك انتقى الإمام البخاري رحمه الله من أحاديثه ما صح فرواه. فبالنسبة إليه، فالمتشيع الذي لا يدعو إلى بدعته وإلى تشيعه، وهذا ما ذكره الإمام ابن حجر قال: خالد بن مخلد رغم أنه رُمي بالتشيع لكنه لم يكن داعيا إلى التشيع، داعيا إلى بدعته، والذي كان مبتدعا ولم يكن داعيا إلى بدعته يجوز الرواية عنه. ومن تم فالأمر راجع إلى الشروط التي اشترطها الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ويمكن أن يفوته أن يروي عن فلان وعن فلان، ربما لم يصله ذلك أو غفلة منه، الكمال لله سبحانه وتعالى، وهكذا وجدناه روى للخوارج، وانتقى من أحاديثهم لأن من عقيدتهم عدم الكذب، لأن الكذب يكفِّر ويدخل إلى النار، والإمام البخاري لا يمكن أن يروي عن الكذاب، لكن من خف ضبطه ومن رُمي بشيء ينتقي من أحاديثه ما صح ويضمنها كتابه.

ثامنا: شبهة مخالفة بعض أحاديث صحيح البخاري للعقيدة

يأتون بأحاديث يقولون إن فيها تجسيما للذات الإلهية، هذا فهمهم، من ذلك حديث الإسراء والمعراج، والأمر في عدد من الأحيان يرتبط بفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعربية واسعة وفيها الحقيقة وفيها المجاز، والذين قالوا بقضية التجسيم والذين قالوا إنه كان لا يحترم مقام النبوة، هؤلاء غابت عنهم بعض الأساليب العربية كما سنرى إن تيسر ذلك، وفي بعض الأحيان هذا فهمهم لبعض الأحاديث. مثلا، أعطيك مثالا: الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا إنه كان يباشر أزواجه في المحيض، صحيح البخاري رحمه الله، باب من سمى النفاس حيضا، وروى حديثا عن أم سلمة قالت: بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حِضتُ فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنَفِسْتِ؟ وهنا لماذا سمى البخاري: باب من سمى النفاس حيضا، أنفست أي أحضتِ، نفست بفتح النون وليس ضمها، ومعناه حضت. ثم قال البخاري بعدها: باب مباشرة الحائض، وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض. ما معنى قول البخاري: باب مباشرة الحائض؟ كم من الناس ظنوا أن المقصود بالمباشرة هو الجماع، المباشرة هي التقاء البشرة، ولذلك أم سلمة قالت: فيباشرني عليه السلام أي تلامس بشرته بشرتي، وليس المراد بالمباشرة هنا الجماع، إذ الجماع حرام.

وقضية كنا نضطجع في لحاف واحد، الاضطجاع هو النوم على جنب ولا يراد به الجماع. ولذلك هذا أمر متفق عليه، لا يجوز أن يجامع الزوج زوجه في حال حيضها على خلاف بينهم في بعض الأمور، مالك وأبو حنيفة والشافعي يقولون له منها ما فوق الإزار ودون الركبة، على كل هناك تفصيل عند هؤلاء، فالأمر إذن يرجع إلى ما المقصود بالمباشرة، ما المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم يباشر؟ بعضهم قال: إن الإمام البخاري يدعو إلى التحايل على الزكاة، ويسوقون حديث طلحة بن عبيد الله أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة حتى سأله عن الزكاة، فماذا قال له؟ قال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة فأخبره الرسول صلى الله عليه و سلم شرائع الإسلام قال: و الذي أكرمك لا أتطوع شيئا و لا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق. ثم قال البخاري: وقال بعض الناس في عشرين ومئة بعير حقتان فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فرارا من الزكاة فلا شيء عليه. وذكر الإمام البخاري قولا مثل هذا القول. كم من الناس قالوا: البخاري عندما قال هذا القول: و قال بعض الناس في عشرين و مئة بعير حقتان فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فرارا من الزكاة فلا شيء عليه، إذن هو يدعو إلى التحايل على الزكاة، لا ليس هذا هو المقصود إطلاقا، الإمام البخاري ذكر هذا الحديث في كتاب الحيل للرد على من يقول بجواز ذلك في ديننا، و ترجم الباب الأول من كتاب الحيل بقوله: باب في ترك الحيل و أن لكل امرئ ما نوى، ثم إنه ذكر هذا الحديث في باب الزكاة و أنه لا يُفرَّق بين مجتمع و لا يُجمَع بين متفرق خشية الصدقة و فيه دليل أنه لا يجوز الحيل في الزكاة و لا غير الزكاة، و من ذلك لا يمكن أن يقال إن الإمام البخاري رحمه الله بسوقه لهذه يدعو إلى التحايل على الزكاة. مالك رحمه الله يقول: إذا فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لازمته الزكاة عند الحول أخذا بقوله صلى الله عليه وسلم: خشية الصدقة. فإذن ها نحن نرى على أن عددا من الأمور التي تحدث عنها الناس وعددا من الأحاديث انتقدها الناس لفهمهم الضيق لما أراده البخاري، من هذا الباب كذلك وبها أختم هذه الأحاديث لأنها كثيرة، قالوا: إن البخاري يدعو إلى الغسل من الجماع دون إنزال احتياطا وساق حديثا لسيدنا عثمان بن عفان رضي الله قال: أرأيت، يسأله رجل، أريت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان رضي الله عنه يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم ساق حديثا آخر، والعلة عند البخاري: والغسل أحوط وذلك الآخر وإنما بينا لاختلافهم. هذا الكلام أخذه الناس، قالوا كيف إذا جامع الرجل زوجه ولم ينزل، الإمام البخاري يقول لك الغسل أحوط، معنى أحوط أي ليس واجب، مع أن جمهور العلماء ذهبوا إلى وجوب الغسل عند التقاء الختانين استدلالا بحديث عائشة وحديث أبي هريرة: إذا التقى الختانان وجب الغسل. لكن الإمام البخاري ما قصد بقوله الغسل أحوط هو الدعوة إلى الوضوء، لا، إنما أراد أن يبين اختلافهم بدليل قوله: والغسل أحوط وإنما بينا لاختلافهم.

ولذلك ابن حجر رحمه الله قال: لم يترجم البخاري بجواز ترك الغسل وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث في غير هذه المسألة. وعلى كل حال، الإمام القاضي أبو بكر في كتابه القبس قال: وهذا خطأ فاحش من الإمام البخاري، كيف ينتقل الغسل من الوجوب إلى الاحتياط؟ لكن ما قصد الإمام البخاري رحمه الله ما ذكرت، ورد على الإمام ابن العربي رد عليه الإمام ابن حجر، على كل حال، فأنا قلت الأحاديث كثيرة التي يذكرها المعترضون وهي في أغلبها الفهم أساسا ينصب إلى الدلالة، ما المقصود بهذا الحديث؟ ماذا أراد الإمام البخاري بسوقه؟ لكن مع كل هذا لا يمكن أن نبرئ ساحة الإمام البخاري، وقد ذكرت هذا، في بعض أبوابه وبعض تراجمه هناك إشكال، بل في صحيح مسلم الحديث: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن. هذا الحديث صحيح وهو في صحيح مسلم لكن فيه إشكال: حينما تقول: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن، هل نقرأ هذا نحن، سيكون هناك إشكال، تأويلات العلماء لهذا الحديث أغلبها تأويلات غير مقنعة، يقولون: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن، عند من لم يصله النسخ، أو قولها: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن، يعني من آخر ما نسخ من القرآن الكريم. رحم الله الإمام المازري، الإمام المازري في المُعْلم له قول رائع، يقول: هذا الحديث روي على أنه قرآن، وهذا خبر آحاد والقرآن لا يثبت بخبر الآحاد، ثانيا لا يمكن أن نقبله على أنه خبر الآحاد لأنه روي على أنه قرآن، فإذن هو حديث منتقد من جهات متعددة وهو يفتح الباب للطاعنين في القرآن الكريم على أن هناك قرآنا نُسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم. هذا إشكال، هذا فعلا إشكال، وبالتالي هذا ليس بقرآن و روته أمنا عائشة رضي الله عنها.

فالحديث قد يكون صحيحا ويطاله النسخ، فقد يكون الحديث صحيحا ويكون منسوخا. ولهذا العلماء يقولون هذا الحديث صحيح الإسناد، ففيه إشكال، ثم ما معنى قضية النسخ، لأن هناك مسألة تحدث عنها العلماء الذين اهتموا بالتفسير وبعلوم القرآن، قضية نسخ التلاوة مع بقاء الحكم أو مع ذهابه، هذا إشكال، ولا يرون هذا الأمر، عدد من العلماء، أبو بكر بن العربي انتقد هذا الأمر، هم لا يقولون إطلاقا بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم، كالآية قالوا: كانت آية في القرآن الكريم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله. انتقدوا هذا الأمر، ورحم الله الإمام سيدي عبد الله بن الصديق الغماري ألف كتابا سماه ” ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة “، كتاب رائع يمكن الرجوع إليه، هو ينكر قضية نسخ التلاوة، لأنه لا معنى لأن تُنسخ التلاوة ويبقى الحكم، ما معنى هذا؟ لا معنى له. و لذلك التقسيم الثلاثي للعلماء: ما بقيت تلاوته و نُسخ حكمه، هذا يقولون به، لأن فائدة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم هو الإعجاز، مثل آية المتوفى عنها زوجها، في القرآن الكريم، سورة البقرة، عدتها حول كامل: { و الذين يُتوفون و يذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج }، و قبلها قال الله تعالى: { و الذين يُتوفون منكم و يذرون أزواج يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا }، فإذن هذه ناسخة لتلك، فإذن لم بقيت؟ بقيت لإعجازها اللفظي والبياني …، ولكن نُسخ حكمها، هذا باتفاق، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. لكن لا معنى لأن تُنسخ التلاوة و يبقى الحكم أو يُنسخ الحكم كذلك، أن يبقى الحكم ك: {و الشيخ و الشيخة إذا زنيا}، و إن يُنسخ الحكم كذلك: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن)، ما معنى هذا؟ ليس لها أي معنى، فيه إشكالات ولذلك انتقده عدد من العلماء منهم ابن العربي، منهم صبحي الصالح في كتابه مباحث في علوم القرآن، مصطفى صادق الرافعي في كتابه إعجاز القرآن، سيدي عبد الله بن الصديق ألف كتابا في هذا الباب. فهذه إشكالات. وبالتالي نقول على أن الناس يمكن أن يختلفوا في فهمهم لعدد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الفهم ينبغي أن ينبني على قواعد اللغة العربية وقواعد الاستنباط وإن كان الفهم صحيحا يمكن الأخذ به والعمل به.

تاسعا: تصحيح القصد عند النقد مع حفظ الود

لا ينبغي أن نجد في صدورنا مشكلة مع من سبقنا بالعلم والإيمان، هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا وأئمتنا، نعم استفرغوا وسعا، اجتهدوا رحمهم الله، جمعوا ونقحوا وهذبوا، ولكن نقول يمكن أن يخطئوا وينبغي الاستدراك عليهم وأن ننتقد ما أتوا به ولكن مع محبتنا لهم والدعاء لهم لأنهم سبقونا بعلم وبإيمان. ما غرض الإمام البخاري من هذا الجمع؟ هو محبته لدين الله تعالى ومحبته لله تعالى ولسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبه الكبير لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسنته وإرادته إحياء السنة ودفع الكذب عنها هو الذي دفعه إلى هذا الأمر. فغيرته على الدين هي التي جعلته يقوم بهذا الأمر. إذن لماذا نجد في صدورنا حرجا من هذا الرجل ومن غيره؟ لا، ليس عندنا مشكل، ننتقده ونحبه وندعو الله تعالى له بظهر الغيب.

أولئك الآباء فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع.

عاشرا: خلاصات جامعة.

  • الجامع الصحيح ما ورد فيه من أحاديث التي هي من صلب موضوعه هي صحيحة، جازت القنطرة، وفيها كما قال ابن الصلاح: إلا مواضع يسيرة تتعلق بهذه المعلقات التي ليست على شرط البخاري، هذه هي التي تستثنى من قضية الصحة ومما تلقته الأمة بالقبول.
  • دين المحدثين علينا كبير لأنهم خدموا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدموا رجال الأسانيد وقاموا بأعمال جليلة فينبغي أن ندعو الله تعالى لهم وألا نتوقف عن البحث وعن الاستدراك وعن الإضافة. فهؤلاء خدموا الحديث في زمانهم وفي مكانهم وبإمكاناتهم فينبغي نحن كذلك أن نخدم هذا العلم الشريف بشرحه وتبليغه للناس وإشاعته للناس، فالناس لا يعرفون رحمة هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ولا يعرفون ما يوجد في مكنون هذه الأحاديث الشريفة من رحمة ومن حرية ومن كرامة ومن سلام.
  • واجب الأمة أن تعرف صحيح البخاري و أن تعرف أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و أن تعرف الجناب الشريف حتى تقترب من هذا الدين الحنيف و الحمد لله رب العالمين و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.