منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإمام مولاي الطاهر (قصة قصيرة)

نور الدين النبهاني

0

(إهداء.. إلى روح الفقيد الأستاذ محمد نبوسي الذي اختطفه كوفيد 19 من المستشفى خطفا و غصبا..في غفلة منا )
رافق المؤذن علاّل جثمان الإمام مولاي الطاهرالى مثواه الاخير..مع قلة قليلة جدا لا تتعدى سبعة أشخاص..وودعه بدموع غزيرة من شدة القهر..لأن الجائحة لم تكتف بقتله في غرفة الانعاش بعد أسبوعين من المعاناة بل حرمته من جنازة مهيبة تليق به..يشارك فيها المصلون و الفقهاء و مريدوه وكل مَنْ تَعَلم على يديْهِ.
وقف قرب قبره يرثيه قائلا:
-” أشهد أن قلبك كان متعلقا بالمساجد ..حتى حين أغلقوا المساجد بسبب كورونا كنت تحضر الى المسجد قبيل الآذان ..تطوف حوله باكيا داعيا أن يرفع الله هذا الوباء لتعود المساجد الى سابق عهدها بيوت عبادة و مكان للراحة النفسية ..وبعد الآذان تصلي قريبا من عتبة المسجد وترحل الى حال سبيلك ..وكنت تقول لي يوم تُفْتَح المساجد..سأحضر مهرولا في مشيتي حتى لو كنت في أقصى المدينة.. سأدخل إلى رحاب مسجدنا مسرعا..وأسجد شكرا لله بأن عادت بيوته تضمنا إلى حضنها من جديد ..لكنك رحلْتَ قبل أن يتحقق حلمك ..وأنت الذي قضيت أغلب حياتك بين بيوت الله..كما أشهد ان رحيلك خسارة ..”
غالب دموعه فغلبته و توقف عن الكلام باكيا ..كانت رغبته في البكاء أقوى من رغبته في التعبير عما في صدره فتوقف عن الكلام ..
مولاي الطاهر كان طاهرا سرا وعلانية ..ثوبا و جسدا ..فتح عينيه في عائلة محافظة ..مجاورة لضريح يُنْتسب لأحد الأولياء الصالحين..شب مولاي الطاهر في تلك الزاوْيَة على ذكر الله ..وحفظ كتاب الله منذ صباه.. و تفقه في علوم الدين وتبحر في أصول الشريعة في مطلع حياته..كما مارس التدريس في الكتاكتيب القرآنية أيام شبابه..
مولاي الطاهر من الاشخاص الذين اذا تذكرْتَه ابتسمْتَ لفصاحته في اللغة ..و إذا حاورْتَه استفدْتَ منه لغزارة علمه و لدقته في التعبير.. وإذا جالسْتَه استمتعْتَ بروحه المرحة وبالمستملحات الذي يُغذي بها مجالسه..
كان إماما ورعا ..يغسل الموتى مجانا .. ويشارك في الجنازات مُساهما ..و يعطي الدروس الدينية بين صلاتي المغرب والعشاء ..ويؤم بالمصلين ..و اليوم يدفن كأي غريب مجهول الهوية ..حتى تقديم العزاء تَم أغلبه عبر الهاتف .. لأفراد أسرته التي تعيش في حيرة من امرها ..في حجر صحي مفروض عليها ..ولا أحد في الحي بادر بإقامة مأتم للإمام أو عبّر عن رغبته في ذلك..
لقد تسببت كورونا في هبوط حاد لأسهم القيم داخل بورصة الإنسانية ..وزرعت الرعب في الجميع ..وقتلت أجمل ما في الإنسان ..إنسانيته ..فلا عناق اليوم..ولا سلام بالأيدي ..ولا تبادل الزيارات ولا صلة الرحم ..خوفا من العدوى..
مولاي الطاهر كغيره من المواطنين ..كان يحترم البروتوكول الصحي من التباعد و الكمامة و التعقيم ..ويتخد الحيطة و الحذر في التدابير الاحتياطية ..ولم يكن يتساهل في ذلك ..ولكن لا مرد لقضاء الله ..ما حصل له لم يكن في الحسبان..
اعتاد مولاي الطاهر كلما حصّل على راتبه ..يزور استاذه وشيخه الذي اصبح مقعدا بحكم السن..ولأن شهر أبريل 2020 صادف يوم الخميس..فقد قرر زيارته في ذلك اليوم..
ركن سيارته جانبا قرب “سويقة” وهي عبارة عن مساحة شاسعة خالية من البنايات.. بها باعة متجولون يجتمعون كل صباح لبيع الخضر والفواكه..
اشترى ما يلزم زيارة شيخه من فواكه..فجأة جاءته أزمة ربو..سقطت الفواكه من يديه..فقد توازنه..وسقط مرتطما رأسه بحافة الرصيف مخنوقا ..حاول جاهدا خلع الكمامة و استنشاق هواء نقي دون جدوى إذ يداه لم تُسعفاه..كل من حام حوله من الحاضرين لم يقترب منه ..ولم يتجرأ احد على تقديم المساعدة أو الاسعافات الاولية..إما خوفا من كورونا أو جهلا بطريقة تقديم الإسعافات ..فقط اتصلوا بسيارة الاسعاف الخاصة بكوفيد 19..التي جاءت بعد وقت وجيز و نقلته الى المستشفى..وبسبب اختناقه الحاد اعتقد الممرضون أنه مصاب بفيروس كورونا..فادخلوه الى جناح المصابين ..وقدموا له الاسعافات الأولية من اوكسيجين و محاليل في اليد تلتها تحليلات طبية وصور بجهاز الراديو..
في تلك الاجواء أصيب مولاي الطاهر بالفيروس .. و بدأت الاعراض تظهر تِبَاعا ..مع مشاكله الصحية و أمراضه المزمنة تضاعفت حالته وازداد اختناقا ..تَم نقله الى العناية المركزة والاستعانة بجهاز الاوكسجين الاصطناعي الاختراقي..ودخل في غيبوبة …لم يفق منها أبدا ..الى أن فارق الحياة و التحق بالرفيق الاعلى.
تمكن ابنه البكر من استعادة السيارة التي ظلت مركونة لاسابيع قرب ” السويقة” ولم تكن في احسن حال ..كما استطاع استرجاع كل متعلقات مولاي الطاهر من المستشفى بعد تعقيمها ..ضمنهم تقرير عن حالته الصحية والتحاليل الطبية التي تقول ان مولاي الطاهر لم يكن مصابا بالفيروس و لكن بمرض الربو و ضغط الدم ..وان سقوطه المفاجئ على الارض سبب له ارتجاج في المخ و نزيف داخلي ..مع إصابته بالفيروس كان يحتاج الى معجزة لنجاته ..
مولاي الطاهر كان دائما يقول في جلساته ..انتهى زمن المعجزات و حل زمن الجد الصادق و العمل الصالح..
كما وقف ابنه مليا امام ساعة يد لوالده التي اهداها اليه احد اثرياء الخليج عند نهاية درس من دروسه الدينية ..
يومها خلع الخليجي ساعته من يده و اهدها اياه قائلا له :
-” هذه هدية مني إليك يا شيخ.. حتى تدعو لي كلما نظرت الى الساعة ”
كان يقول مولاي الطاهر حين يتحدث عن الساعة و الأجل ..أحمل في يدي ساعة غالية جدا ..باهظة الثمن ..تساوي الملايين جاءتني هدية ..لكنها لن تستطيع ان تضيف الى عمري ساعة واحدة .. بل ولو دقائق أو ثواني إلى أجلي..إنها مجرد ساعة لا علاقة غلائها بتوقيت قيام الساعة..
جمع ابنه كل متعلقات والده بما فيهم ورقة التنقل الاستثنائية و ملابسه و محفظة جيبه.بالإضافة إلى التسبيح المفضل لذيه و الذي كان لا يفارق يده ..وقد ظل ممسكا به في يده وهو في غيبوبته حتى وفاته..كما جاء على لسان بعض الممرضين الذين كانوا يشرفون على علاجه..
لقد ساقه قدره بخطى متعثرة الى حتفه و انساق وراء قدره بخطوات ثابتة وايمان راسخ ..وترك خلفه زوجتين و خمسة أطفال .. وعدد كبير من اتباعه ومريديه الذين كانوا يتبعونه و يلتحقون باي مسجد استقر به.. للصلاة خلفه في الصلوات المفروضة..وأغلبهم في صلاة التراويح بشهر رمضان..لعلمه..ولعذوبة صوته..وحسن ترتيله لكتاب الله..لكن حين مات .. أغلب محبيه لم يعلموا بوفاته إلا بعد دفنه بأسبوع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.