منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في مقدمات كتاب «الموافقات في أصول الشريعة» للإمام الشاطبي

د. محمد علواش / قراءة في مقدمات كتاب «الموافقات في أصول الشريعة» للإمام الشاطبي

0

 

قراءة في مقدمات كتاب «الموافقات في أصول الشريعة» للإمام الشاطبي

د. محمد علواش

 

 

تقديم: الشاطبي وعلم المنطق

المزيد من المشاركات
1 من 48

انطلاقا من مطالعة مقدمات “الموافقات”، وملاحظة شكلها، والطريقة التي عرضها الإمام الشاطبي في “كتابه الموافقات”، يتبين أنها مقدمات مخالفة لما صدر به الأصوليون قبله مصنفاتهم، فهي لا تخرج عن طابعها التقليدي المألوف إذ نجد عندهم مثلا مقدمة واحدة، أو تمهيد، أو خطبة الكتاب، بينما نجد الشاطبي خالف هؤلاء جميعا، وذلك بتقديمه الكتاب بثلاثة عشر مقدمة، جعلها عبارة عن الأسس النظرية التي اتخذها قاعدة لبناء مواد الكتاب.

فهذه المقدمات تؤسس لمنطلقات منهجية للعمل في المشروع المقاصدي لدى الشاطبي، وأهم ما تضمنته يتمثل في ما يلي:

بناء الحجة والدليل، وكيفية صياغتها في مجال أصول الفقه، ثم بيان كيفية فهم هذا الدليل، وعموما ترشد إلى اكتساب منهجية التعامل مع قضايا الشريعة مقاصديا.

فهذه مقدمات منطقية، لكن ليست بالمعنى الذي وظفه الغزالي مثلا في المستصفى، فالشاطبي استفاد من آلة اليونان، ووظفها في خدمة الأصول والدفاع عن الشريعة، بحكم انتمائه إلى حظيرة علماء الغرب الإسلامي الذين شذوا في عمومهم عن هذه الظاهرة لتشبعهم بالروح الفقهية، وتشبثهم بوحدة المذهب المالكي. وفي إطار التنظير لمشروعه الأصولي نجده يعرض عن إدخال بعض القضايا المنطقية في علم الأصول، ولعل ما ذكر في المقدمة الرابعة يجسد الأوليات الأساسية لهذا التصور، فقال:” إن كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية[1]“، ولذلك نراه يدافع عن هذا العلم باعتباره نموذجا لنمط التفكير الإسلامي المنظم، ومعبرا عن منهج أفرزته تفاعلات الثقافة الإسلامية، ومن تم نستطيع أن نقول بأن الشاطبي كان ملما بالتفكير المنطقي، حيث يوظفه بطريقة تستجيب لنوعية الموضوع.

هذه نظرة إجمالية عن أهم آراء الشاطبي فيما يتعلق بموقفه من القضايا المنطقية، والصورة التي أراد أن يكون عليها علم الأصول، وهي في الحقيقة جزء من تصوره العام لقضايا هذا العلم.

أما تفاصيل المحاور فنعرضها من خلال العناصر الآتية:

1-مسألة القطع والظن في أصول الفقه

2- تجديد الشاطبي لبعض المباحث الأصولية

3- من ثمرات تجديد المباحث الأصولية

4- خلاصة عامة

نبدأ بالمقدمة الأولى التي افتتح بها الشاطبي كتابه “الموافقات”، والتي تعالج إشكال القطع والظن في أصول الفقه، إذ يدور محور المقدمة الأولى حول إشكال لازال الاختلاف فيه بين العلماء إلى اليوم، وهو المتعلق بهذا السؤال: هل أصول الفقه قطعية أم ظنية؟

فالشاطبي ذهب إلى أن أصول الفقه قطعية لا ظنية، فالأصول عنده هي الأدلة الثابتة قطعا، المنصوص عليها، وهي تطلق على أدلة الكتاب والسنة، وهذه قطعية بلا نزاع، كما تطلق على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنة، التي توزن بها الأدلة الجزئية عند استنباط الأحكام الشرعية منها، وهذه منها ما هو قطعي باتفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنية والقطعية، وتفصيل ذلك كما يلي:

أولا: أنها راجعة إما إلى أصول عقلية، وهي قطعية، وإما إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة، وهذا قطعي أيضا، لأن الأدلة المستقرأة من جملة أدلة ظنية، إذا تضافرت على معنى واحد أفادت فيه القطع، فلم يعتمد في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص ولا على وجد مخصوص، بل حصل ذلك انطلاقا من استقراء أبوب الفقه.

ثانيا: أنها لو كانت ظنية لم تكن راجعة إلى أمر عقلي، إذ الظن لا يقبل في العقليات، ولا إلى كلي شرعي، ولو جاز تعلق الظن بكليات الشريعة جعل الظن، لجاز تعلقه بأصل الشريعة، فالظن إنما يتعلق بالجزءيات.

ثالثا: أنه لو جاز جعل الظن أصلا في أصول الفقه، لجاز جعله أصلا في أصول الدين، إذ الأصل لابد أن يكون مقطوعا به[2]“.

وبما أن الشاطبي بصدد معالجة كون أصول الفقه قطعية، أضاف إلى جانب الأدلة الثلاثة آراء لبعض العلماء في المسألة كما يلي:

فالجويني يرى أن الأصول هي الأدلة القطعية فقط، ولذلك لم يعد التفاصيل الأصولية من الأصول لظنيتها، واقتصر في العمل على ما كان قطعيا، بينما رأى المازري أن الأصول هي أصول العلم، بمعنى قواعده، وأدلته الإجرائية ومقاييسه، ولذلك قال:” لأن تلك الظنيات قوانين كليات، وضعت لا لأنفسها، لكن ليعرض عليها أمر غير معين مما لا ينحصر، فهي في هذا كالعموم والخصوص[3]“، فقواعد الترجيح مثلا –رغم ظنيتها “لا تخرج عن أصول الفقه، لأن المقصود بالأصول الأدوات المنهجية التي تعالج بها القضايا المعينة، بمعنى أنها صالحة للإعمال في كثير من النوازل العلمية، والمازري في هذا يخالف القاضي عياض الذي أخرج ما شابه هذا أن يكون من الأصول، رغم أنهما يتفقان في أن الأصول هي أصول العلم، لكن القاضي يقتصر على ما هو قطعي منها[4]“.

ونظرا لهذا الاختلاف بين العلماء، كان لابد من تحليل هذا النص الذي تنبني عليه سائر النصوص الآتية بعدُ في هذا المعنى ” فقوله-يعني الشاطبي- أصول الفقه يعني الأدلة الكلية الذاتية والمعنوية، ورجوعها إلى كليات الشريعة يعني أنها مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات، كما ذكر في النص، وبما أن هذه الكليات قطعية، فإن ما يرجع إليها كذلك، لأن رجوعها إليها هو أيضا بالمعنى الكلي، ومن هنا قال:” بيان الأول أي رجوع أصول الفقه إلى كليات الشريعة ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع، وهذا واضح، لأن غاية الأدلة في كلياتها المنتظمة لسائر الجزئيات الظنية، هي إقامة المراتب الثلاث، ولذلك جعل هذا هو القصد الابتدائي من مقاصد الشرع.

وأما قوله: “وبيان الثاني” فيعني بيان الاستنتاج المترتب على ذلك، أي قوله “وما كان كذلك فهو قطعي”، لأن الكليات المذكورة ترجع إما إلى أصول عقلية، أي إلى مقتضيات الوجوب والاستحالة العقليين وهي قطعية، وإما إلى الاستقراء الكلي لأدلة الشريعة جزئية كانت أو كلية، وهو مفيد للقطع. والغالب أنها ترجع إليهما معا، خاصة قسم الضروريات الذي هو أصلها جميعا، ولذلك قال: “والمؤلف من القطعيات قطعي”،

أما قوله: “وذلك أصول الفقه”، فيعني أن أصول الفقه هي هذه المعاني، أي الكليات، وإن بدت في صور مختلفة، فإنها ترجع في النهاية إليها، لأن الأدلة الكلية إما أن تشتمل عليها كما هو الحال بالنسبة لدليل الكتاب، أو على كلي من كلياتها المعنوية كما هو الحال مثلا بالنسبة لقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” [5]“، وقد أشار عبد الله دراز في تعليقه إلى هذا المعنى، ومن هنا استوت عند الشاطبي أصول الفقه وأصول الدين، وفي أن كل واحدة منهما داخلة في حفظ الدين بمعناه الكلي، وهذا المعنى لا يمكن أن يكون إلا قطعيا، فيتحتم القول بقطعية أصول الفقه بناء على هذا الترتيب.

وانطلاقا من المقدمة، نستنتج أن الإشكال يتعلق بمسألتين أساسيتين وهما: “مفهوم القطع” و“مفهوم الأصول، فالشاطبي يجمع في أصول الفقه بين الأدلة على مذهب الجويني، وبين أصول العلم أو القوانين الكلية على مذهب القاضي والمازري، لكنه في هذه يتفق مع القاضي ويخالف الآخر، نظرا لأن القوانين عنده لا تكون إلا كلية، فلزم لذلك القول بقطعيتها[6] “.

قال الشاطبي في سياق الرد على المازري –إذ علق على القاضي-” وأما على مذهب القاضي، فإن إعمال الأدلة القطعية، أو الظنية إذا كان متوقفا على تلك التي هي أصول الفقه، فلا يمكن الاستدلال بها، إلا بعد عرضها عليها…ثم قال بعد ذلك معلقا: ” ولا حجة في كونها غير مرادة لأنفسها حتى يستعان بطلب القطع فيها، فإنها حاكمة على غيرها، فلا بد من الثقة بها في رتبتها، وحينئذ يصلح أن تجعل قوانين[7]“، إذ القوانين عنده هي الأصول الاستقرائية، ولذلك أفادت القطع، ومن هنا قال في النص السابق:” والقوانين الكلية لا فرق بينها وبين الأصول الكلية التي نص عليها ” أي إفادة القطع “فالأصول التي يبحث لها الشاطبي عن القطع، هي ذات صورتين:

إما أن تكون أدلة نصية، كالكتاب والسنة من حيث أنهما كليان، على شرط قطعية الدلالة والثبوت، وهذا نادر –كما قال-،

وإما أن تكون قوانين كلية، أي معاني مستقرأة من نصوص الشريعة، وآحادها الظنية الدلالة أو الثبوت، أو هما معا، استقراء يؤدي إلى القطع بثبوت ذلك المعنى وشموليته الحاكمة في الشرع، وهذا هو معنى القطع المعتمد لديه بالقصد الأول، أي القطع الاستقرائي المعنوي، لا قطعية اللفظ الثابت بنصه، فالنصوص هي أصول باعتبارها الكلي، لأنها متضمنة لجزئيات شتى هي آحادها من الآيات والأحاديث، كقوله تعالى:” ألا تزروا وازرة وزر أخرى”[النجم: 38]، إلا أن هذا الشاهد وأضرابه غالبا ما يحصل تواتره المعنوي، واستفاضته في الشريعة، فيتحول حينئذ إلى صورة قانون، ومنه أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: “لا ضرر ولا ضرار[8]“، فإنه داخل بالمعنى تحت أصل قطعي، فإن الضرر والضرار مبثوث في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات، وقواعد كليات[9]“، ولذلك كان مثل هذا عنده “أصلا” من أصول الفقه، وأما ما سواه مما ليس بقطعي فلا.

وهذا هو الذي يُشعر فيه الشاطبي بالتفرد “وهو معنى مخالف للمعنى الذي قصده الأصوليون”، أي معنى القطع الذي ينبني عليه تفرد آخر خالف فيه غيره في معنى الأصل، وهو ما أشار إليه في المقدمة الثالثة، حيث يقول:” الأدلة المعتبرة هنا: المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع، فكذلك الأمر في مآخذ الأصول[10]“، وقد مثل لذلك بقوله تعالى: “أقيموا الصلاة..”[البقرة: 43]، قال رحمه الله تعالى: “فلو استدل مستدل على وجوب الصلاة بهذه الآية أو ما شابه ذلك لكان في الاستدلال بمجرده نظر من أوجه، لكن حف بذلك من الأدلة الخارجية والأحكام المترتبة ما صار به فرض الصلاة ضروريا في الدين، لا يشك فيه إلا شاك في أصل الدين[11]، ثم قال بعد ذلك في السياق ذاته “وهكذا سائر الأدلة في قواعد الشريعة، وبهذا امتازت الأصول من الفروع، إذ كانت الفروع مستندة إلى آحاد الأدلة وإلى مآخذ معينة، فبقيت على أصلها من الاستناد إلى الظن، بخلاف الأصول فإنها مأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق، لا من آحادها على الخصوص[12]“، ثم رتب الشاطبي على هذه المقدمة معاني أخرى بناء عليها، وهي: “أن كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذا معناه من أدلته، فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه، إذا كان الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به [13]“، ويدخل تحت هذا الضرب الاستدلال المرسل – أي المصالح المرسلة التي لم يشهد لها نص شرعي من نص أو إجماع لا بالاعتبار ولا بالإلغاء كجمع المصحف وكتابته -وقد أدى عدم الالتفات إلى هذا الأصل وما قبله –أي مفهوم القطع الاستقرائي- إلى أن ذهب بعض الأصوليين إلى أن كون الإجماع حجة ظني لا قطعي، إذ لم يجد في آحاد الأدلة بانفرادها ما يفيده القطع، فأداه ذلك إلى مخالفة مَن قبله ومَن بعده، فاتضح من كل ذلك أن الأصول عند الشاطبي إنما هي الأدلة الكلية المأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة الظنية في ثبوتها، أو في دلالتها، أو هما معا، استقراء يكون به ” ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به”، وما عداها فليس من الأصول في شيء، ففَهم مراد الشاطبي من قطعية أصول الفقه إنما يعلم من خلال حمل مقدماته بعضها على بعض، لا بالاقتصار على المقدمة الأولى، بل لقد صاغ أبواب الكتاب وفصوله انطلاقا من قواعد كلية، هي أصول في نفسها، يجمع لها من الأدلة الاستقرائية ما يجعلها تستقر في النفس أصلا مقطوعا به، حتى كان الاستقراء المعنوي دليله الذي لا يتخلف عند أي تأصيل.

بعد هذا العرض المنهجي من الإمام الشاطبي في دفاعه المستميت عمن قطعية أصول الفقه، وتقديم مختلف الأدلة والبراهين لإقناع الخصم بذلك، يبقى للآخر حق الاختلاف في الرأي، خاصة إذا ما تم استحضار سؤال الغاية من هذه القطعية، وهنا نقدم اتجاهين على الأقل في تقريب الجواب عن هذا السؤال الإشكالي:

  • يطرح حميد الوافي وجهة نظره بمن خلال بيانه لمفهوم القطع والظن عند الشاطبي متسائلا: كيف نبحث عن قطعية أصول الفقه من دليل سمعي نادر أن يجمع قطعية الثبوت والدلالة، وبين أن الحديث عن إشكالية قطعية أصول الفقه، ليس هدفها التأكيد على قطعيتها من خلال بيان المستندات القطعية التي بنيت عليها، ولكن من أجل النظر في حقيقة دعوى “تجديد أصول الفقه”، فإذا كانت أصول الفقه قطعية باستنادها إلى القطعيات، فهل سؤال تجديد أصول الفقه يكتسي جدية علمية أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ترفا فكريا[14].
  • رأي الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الذي قدم نقدا لاذعا للإمام الشاطبي وكل من زعم أن القواعد الأساسية لعلم أصول الفقه قطعية، إذ وصف محاولة الشاطبي بأنها لم تأت بطائل[15]، وفي نفس الوقت دعا إلى تطوير فكرة المقاصد باعتبارها علما منفصلا ومستقلا عن علم أصول الفقه، كما دعا إلى تأسيس علم تجمع فيه “أشرف معادن مدارك الفقه والنظر”، تتميز مباحثه بالقطعية ليكون مرجع المختلفين و الحكم بين المشتجرين في الفروع الفقهية، لكنه لم يبين الجانب الإجرائي في كيفية تنزيل ذلك عمليا، واكتفى بقوله: ” أصول الفقه يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدونوا إلا ما هو قطعي بالضرورة، أو بالنظر القوي”، ثم انتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من غير بيان لكيفية ذلك.

والواقع –كما أشار نعمان جغيم- ابن عاشور كان مصيبا في جزء من انتقاده لعلم أصول الفقه بكون معظم مسائله لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكن علاج هذا القصور ليس في وصف علم أصول الفقه بالعقم، ووصف مباحث المقاصد بالقطعية، والدعوة إلى تأسيس علم مستقل بها، فكل ذلك لن يأتي بنتائج وفوائد كبيرة. كما أن تكلف الاستدلال لكون مباحث أصول الفقه قطعية أمر لا يأتي بكبير نتيجة، وهو تكلف غير مطلوب أصلا. أما عن جعل قواعد المقاصد ملجأ المشتجرين بتعبير الطاهر بن عاشور فإنه أمل عريض، صعب المنال، ذلك أن منحى رفع الخلاف في الفروع إنما يرجى فيه تضييق دائرة الخلاف بالسعي إلى القضاء على التعصب المذهبي والاعتداد بالرأي ولو كان دليله ضعيفا، والاتجاه إلى تحقيق المسائل العلمية وفق منهج يعتمد قوة الدليل وموافقة مقاصد الشرع، بغض النظر عن موافقة أهواء النفوس وضغط الواقع[16].

وبالجملة، يبين حميد الوافي أنه ليس من شأن القواطع أن تمنع كل خلاف وتنفي كل نزاع، سواء في الأصول أو في المقاصد، لأنها إن منعته على مستوى التأصيل، فمن غير اللازم عمليا ومنهجيا أن تمنعه عند التنزيل، لأنه محل اجتهاد[17].

2- تجديد الشاطبي لبعض المباحث الأصولية

بعد تأكيد الشاطبي على قطعية أصول الفقه- كما بينا- انتقل إلى مسألة أخرى تتجلى في دعوته إلى استقلال المباحث الأصولية عن غيرها من المباحث المنطقية. من هنا نادى في المقدمة الرابعة بضرورة المحافظة على مباحث علم أصول الفقه بالاحتراز من خلطه ببعض العلوم التي يجب أن تؤخذ مسلمة من مظانها، قال” ّ وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون، وأدخلوها فيها[18]“، ومثل لذلك بمسألة ابتداء الوضع، أي الحديث عن أصل وضع اللغات، هل هي توفيقية أم أنها أمر اصطلاحي من وضع الناس واتفاقهم، ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا، ومسألة أمر المعدوم، وقد اختلف علماء الكلام في هذه المسائل، والمتتبع لطريقة معالجة الأصوليين لها يجدهم يعترفون ابتداء بأنها من أغمض المسائل في أصول الفقه -كما قال القرافي- وأن الخلاف فيها من قبيل ما لا ينبني عليه عمل، ولا ترجى منه فائدة عملية، لذلك نادى الشاطبي بضرورة إبعادها عن أصول الفقه، والرجوع إليها في مظانها المعتبرة، لأن الإغراق في بحث هذه المسائل ذات الطابع الكلامي، قد يخرج الدرس الأصولي عن مجاله، فالشاطبي أعرب عن موقفه منها من منطلق شمولي، استمد معطياته من ضرورة تخليص علم الأصول من بعض المباحث التي جرت العادة على عدها منه، ولعل ما أودعه في المقدمة الرابعة يجسد الأوليات الأساسية لهذا التصور، فقال: “كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية[19]“، وهذا لا يعني أنه لم يكن ملما بالعلوم العقلية، بل لقد اطلع على مؤلفات منها، ولعل طريقة كتابته ومنهجيته دالة على ذلك، إلا أن هناك فرقا بين التزام مصطلح معين وتوظيفه في مجال دلالي يناسب ما تدعو الحاجة إليه من تقرير الأدلة، وبين أخذه على شرط واضعيه، وإعماله في مجالات خاصة، مثال ذلك ما ذكره الشاطبي:” كفصول كثيرة في النحو نحو معاني الحروف، وتقاسم الأسم والفعل والحرف، والكلام على الحقيقة والمجاز…[20]“، إذ نجد الأصوليين يهتمون بهذه المعاني، ويتصور ذلك الفقيه الذي يبني فقهه على مسألة نحوية مثلا، فيرجع إلى تقريرها مسألة كما يقررها النحوي لا مقدمة مسلمة، ثم يرد المسألة الفقهية إليها، وهو إذ يفعل هذا يدخل في متاهات تصحيحها وضبطها والاستدلال عليها، حتى يصير بذلك مشتغلا بقضية نحوية لا فقهية، وبهذا يتبين أن الضابط لقبول هذا العلم في مجال أصول الفقه أن يكون خادما ومفيدا له ” فإذا لم يفد ذلك، فليس بأصل له”، وهذا لا يعني أن كل علم خادم لأصول هو من مجاله، “وإلا أدى ذلك أن يكون سائر العلوم من أصول الفقه”، والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، فالأصول بمعناه المضاف إلى الفقه مفهوم منهجي رئيس، فانطلاقا من تحديده تم للشاطبي بيان المفاهيم العلمية الرائجة في علم أصول الفقه، فهو المجال المحدد للميدان عامة، من حيث حدوده الكلية المعرفة ما هو منه، وما ليس منه، ثم نقد المفاهيم والقضايا، وبيان ماهو من صوره العلمية وما ليس كذلك.

وهذه النتيجة تحيل على إشكال يتعلق بتعريف أصول الفقه، فقد اختلف الأصوليون عند تعريفهم للمفهوم على فرقتين كما ذكر الزركشي: الأولى جعلت أصول الفقه مقصورا على مقتضى المركب الإضافي، أي مصادر الفقه، أو أدلته الكلية، والثانية قصدت به [علم] أصول الفقه، أي المعنى اللقبي لأصول الفقه باعتباره عَلما على علم معين معروف المباحث، وقد انبنى على هذا الخلاف اختلاف الأحكام الصادرة من الأصوليين على مصطلح أصول الفقه، ونقتصر على ما ذكره الزركشي في “البحر المحيط”، باعتباره جمع أقوال كثير من المتقدمين، قال:

“أصول الفقه: لغة ما استند إليه الفقه، ولم يتم إلا به.

وفي الاصطلاح: مجموع طرق الفقه من حيث إنها على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال، وحالة المستدل بها، فقولنا: [مجموع] ليعمها، فإذن بعضها بعض أصول الفقه لا كلها. وقولنا: [طرق] ليعم الدليل والأمارة على اصطلاح الأصوليين، وخرج [بالإجمال] أدلة الفقه من حيث التفصيل، إذ هو أقرب إلى الفقه، ولأنه يوافق قولنا: هذا الحديث أصل لهذا الحكم ولهذا الباب، وحينئذ فاتخاذ الأدلة في آحاد مسائل الفروع من أصول الفقه[21]“.

وفي إشارة الشاطبي إلى علاقة مجالات اللغة بالأصول، نبه في آخر المقدمة الرابعة على مسألة مهمة ” وهي أن القرآن نزل بلغة العرب، لا بمعنى أن فيه ألفاظا أعجمية، فوقع التعريب عليها، وهذا من علم النحو، وهو غير مقصود هنا، وإنما المقصود أنه في ألفاظه ومعانيه وأساليبه عربي، فمن أراد تفهمه، فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى طلب فهمه من غير هذه الجهة، وقد ذكر هذا المعنى مفصلا في المسألة الأولى من النوع الثاني في كتاب المقاصد، مما يدل على الارتباط الوثيق بين هذه المقدمات المؤسسة ونظرية المقاصد.

وإذا كان الشاطبي قد أخرج من أصول الفقه كثيرا من المسائل التي لا يحتاج إليها، فإنه في المقدمة الخامسة نجده أكد على هذا المعنى بما لا يحتاج إلى مزيد بيان، حيث أبعد عن مجال أصول الفقه كل المسائل التي لا تثمر حكما شرعيا، ولا ينبني عليها عمل، سواء كان هذا العمل يتعلق بالجوارح أو بالقلب، فقال: “كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي[22]“، وأكد دعواه بأدلة كثيرة منها: استقراء أدلة الشريعة الذي يفيد القطع في أن الشلرع يعرض عما لا يفيد عملا مكلفا به، ونقتصر على أمثلة واضحة في ذلك هي: قوله تعالى:” يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فيم أنت من ذكراها” أي إن السؤال عن هذا هو سؤال عما لا يعني، إذ يكفي من علمها أنه لابد منها، ولذلك لما سئل عليه السلام عن الساعة، قال للسائل: ماذا أعددت لها[23]“، إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها مما فيه فائدة، ولم يجبه عما سأل، وقد سأل ابن الكواء علي بن أبي طالب عن “الذاريات ذروا فالحاملات وقرا” فقال له علي: ويلك؟ سل تفقها ولا تسأل تعنتا”، ولكي يزيد الشاطبي المعنى وضوحا، حاول أن يبين عدم الاستحسان في هذا المجال من أوجه متعددة، منها:” أن الاشتغال به شغل عما يعني من أمر التكليف الذي تبنى عليه فائدة في الدنيا والآخرة، وأما هذا فلا فائدة مرجوة من ورائه، وإن فرض أن فيه فائدة، فلابد من شهادة الشرع لها بذلك.

ومنها أن الشرع قد جاء لبيان ما تصلح به أحوال الإنسان في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، إذ إن المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تكون نتيجته الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر، وسبب هذا ترك الاقتصار على ما يعني، والخروج إلى ما لا يعني. ودائما حسب طريقته المنهجية في الحجاج والإقناع أورد بعض الشبهات من مثل: أن هذا الأمر من جملة العلم، وأن العلم مطلوب على الإطلاق، ومن جملة العلوم ما يتعلق به عمل، وما لا يتعلق به عمل، فتخصيص أحد النوعين بالاستحسان دون الآخر فيه نوع من التقييد والتحكم، والجواب على ذلك “أن عموم الطلب مخصوص بما تقدم، ويوضحه أمران: أن السلف الصالح لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل، مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب، والثاني ما ذكر في كتاب المقاصد أن هذه الشريعة أمية، وأما شبهة أن علم التفسير من جملة العلوم المطلوبة، وقد لا ينبني عليه عمل، وجوابها أن المطلوب في التفسير يتوقف على فهم المراد من الخطاب، فإذا كان معلوما فالزيادة عليه تكلف، وبين ذلك في مسألة عمر، وذلك أنه لما قرأ “وفاكهة وأبا” توقف في الأب، وهو معنى إفرادي لا يتوقف عليه فهم المعنى الكلي للآية فلا على الإنسان أن يعرفه، وكذلك القول في كل علم يعزى إلى الشريعة لا يؤدي فائدة عمل، ولا هو مما تعرفه العرب من أنواع العلوم المختلفة التي استدل أصحابها على صحة الأخذ بها بآيات من القرآن، وإنما هي في الحقيقة تكلف لا تليق بلسان العرب ومعهودها، ثم نبه على قضية مفادها أنه لا ينبغي أن يفهم بأن سائر العلوم التي ليس تحتها عمل غير مطلوبة كليا، فقال موضحا:” فلا إشكال أن يتوقف عليه المطلوب مطلوب، إما شرعا، وإما عقلا[24]“، لكن المقصود هنا معنى آخر جديد لابد من الانتباه إليه وهو ما تجلى في المقدمة السادسة، حيث بين الشاطبي فيها طرق معرفة العلم المطلوب، وذلك من خلال طريق تقريبي يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور. فأما الأول –أي الطريق التقريبي- فقد قال الشاطبي فيه، أنه هو المطلوب والمهم، لأنه على منواله وقع البيان في الشريعة، ومثّل لذلك بتعريفه للملَك بأنه خلق من خلق الله، يتصرف في أمره، وقوله صلى الله عليه وسلم:” الكبر بطر الحق وغمط الناس[25]“، حيث فسره بلازمه الظاهر لكل أحد “وقد بين صلى الله عليه وسلم كذلك الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور، وهي عادة العرب، والشريعة عربية، فإذن التصورات المستعملة في الشرع إنما هي تقريبات بالألفاظ المترادفة[26]“، أي إن الشريعة تروم منحى البساطة والبيان في أمورها على ما يليق بالناس، لا تعقيد في ذلك، ولا تفصيلا مملا للأمور التي لا ينبني عليها. وأما الثاني- وهو ما لا يليق بالجمهور- فبسبب عدم مناسبته لم أٌخرج عن اعتبار الشرع له، لأن مسالكه صعبة المرام، كتعريف الملك بأنه “ماهية مجردة عن المادة أصلا” وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب، ولا يتوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به، ومثل هذا لا يجعل من العلوم الشرعية التي يستعان بها فيها، وعلى هذا الاتجاه كان طريق السلف الصالح في نشر الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن اطلع على طرق استدلالهم في إثبات الأحكام الشرعية تبين له أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين، إذ إن هذه العقول مختلفة في إدارك فنون العلم، ولا هي جارية على التساوي في كل مطلب إلا في الضروريات وما قاربها، ثم ختم حديثه بقوله ” فلو وضعت الأدلة على غير ذلك لتعذر هذا المطلب، ولكان التكليف خاصا لا عاما، أو أدى إلى تكليف ما لا يطاق، أو ما فيه حرج، وكلاهما منتف عن الشريعة[27]“.

وعلى الجملة، لقد أكد الشاطبي دعوته إلى أن الشريعة وُضعت على طريق يليق بالجمهور، يروم منحى البساطة والبيان، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن نفهم بأن الشريعة جاءت تخاطب الأميين من العرب، إذ لا يليق بها من البيان إلا الأمي، بل إن القرآن جاء للناس العرب وغيرهم، وهو يحمل أسرارا وإشارات عظيمة بين ثناياه، والمقصود هو الاعتدال في المسألة.

3- من ثمرات تجديد المباحث الأصولية

أما المقدمة السابعة، فقد أشار فيها الشاطبي إلى ثمرة ما سبق ذكره، ومؤداها أن “كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول[28]“، وهنا تظهر عظمة الشريعة وتفردها، حيث تجمع بين ركيزتين، وتقوم على ركنين، يكمل بعضهما الآخر، لا غنى للمكلف عنهما وهما: طلب العلم –وسيلة- لعبادة الله تعالى به، وتلك نتيجته، وقد استدل لتأكيد هذا المعنى بأمور:

أحدهما: ما تقدم في المسألة قبل، أن كل كل علم لا يفيد عملا، فليس في الشرع ما يدل على استحسانه، وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين هذه المقدمة وسابقتها.

والثاني: أن الشرع إنما غايته وقصده الأصلي من بعثة الأنبياء هو تحقيق التعبد للمكلفين، كقوله تعالى:” يا أيها الناس اتقوا ربكم”، إلى غير ذلك من الآيات التي لا تكاد تحصى.

الثالث: ما جاء من الأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل، وإلا فالعلم عارية غير منتفع به، فقد قال تعالى:” إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء”، والأدلة كثيرة في هذا المعنى، وكل ذلك يحقق أن العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودا لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به. ثم ذكر أن العلم قد يكون فضيلة، وإن لم يقع العمل به على الجملة، كالعلم بفروع الشريعة والعوارض الطارئة[29] في التكليف، فإن العلم بها حسن ومثاب عليه، لكن من جهة ما هو مظنة الانتفاع عند وجود محله، ولم يخرجه ذلك عن كونه وسيلة، كتحصيل الطهارة للصلاة فضيلة، وإن لم يأت وقتها بعد[30]، وهذا يكشف لنا عن عظمة الشريعة، وكيف أنها سهلة المأخذ، ميسرة للخلق جميعا، تدعو الناس لعبادة الله وتوحيده “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”!.

بعد هذا، بين أن فضل العلم له قصدان: أصلي وتبعي، “فالقصد الأصلي ما تقدم ذكره، وأما التابع فهو الذي يذكره الجمهور من كون صاحبه شريفا، وأن العلم جمال ومال ورتبة لا توازيها رتبة… لكن هذا القصد التابع إما أن يكون خادما للقصد الأصلي أو لا، فإن كان خادما له فالقصد إليه ابتداء صحيح، كما إذا طلب الإنسان العلم من باب الثواب الجزيل في الآخرة، كقول بعض السلف: اللهم اجعلني من أئمة المتقين. وإن كان غير خادم له، فالقصد إليه غير صحيح، كتعلمه رياء، وما أشبه ذلك، فإن مثل هذا إذا تجقق له شيء مما طلب زهد في التعلم، ورغب في التقدم[31]“.

أما المقدمة الثامنة، فهي كالتكملة لهذه، حيث فصل فيها مراتب طلب العلم الثلاثة، واستدل على صحة المرتبة الأخيرة، ثم بين أحوال الطالبين له، بين الرسوخ في طلبه وعدم ذلك. وعلى الجملة، فإن طلب العلم إذا كان صاحبه مخلصا وصادقا، فإنه يجره إلى العمل، وهنا يكون طلب العلم وسيلة لعبادة الله تعالى.

فقد تحدث الشاطبي في هذه المقدمة الثامنة عما سماه “بالعلم المعتبر شرعا، وهو المقيد لصاحبه، الباعث على العمل، فهو لا يدع صاحبه جاريا مع هواه، وقد قسّم الشاطبي الناس في تحصيله إلى ثلاث مراتب:

-المرتبة الأولى: الطالبون للعلم في مرتبة التقليد بمقتضى الحث الترغيبي.

-المرتبة الثانية: الواقفون على براهينه ارتفاعا عن حضيض التقليد، ولم يصر كالوصف الثابت للإنسان، فهو من الأشياء المكتسبة التي تعتمد على العقل.

-المرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة، فهؤلاء لا تتحكم فيهم أهواؤهم إذا تبين لهم الحق. وهذه أفضل المراتب، والدليل على صحتها من الشريعة كثير كقوله تعالى: “أمّن هو قانت آناء الليل وأطراف النهار[32]“.

بعد ذلك أورد إشكالا مفاده أن الرسوخ في العلم إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة، فيكون معصوما، أو لا، فيستوي مع المراتب الأولى، ثم ما جاء من ذم علماء السوء، وهو كثير. والجواب أن الرسوخ في العلم يأبى للعالم أن يخالفه، فإذا تخلف فعلى أوجه ثلاثة: إما مجرد العناد، أو الفلتات الناشئة عن الغفلات، وإما أنه ليس من أهل هذه المرتبة، فلم يصر العلم له وصفا، ولذلك مَن مُنع من السقوط في هذه الأوجه الثلاثة فهو الداخل تحت حفظ العلم. وفي هذا المعنى من كلام السلف كثير، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ” ليس العلم بكثرة الحديث، إنما العلم خشية الله”.

وبناء على ما تقدم، إذا كان الشاطبي قد قسّم الناس في تحصيل العلم إلى ثلاث مراتب، فإنه في المقدمة التاسعة قسّم هذا العلم إلى ثلاثة أقسام:

-القسم الأول، وعليه مدار الطلب، وهو ما كان قطعيا أو راجعا إلى أصل قطعي، وذلك لأن الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصد الخلق في الدارين، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وما هو مكمل لها، وهذه أصول الشريعة التي قام البرهان القطعي على اعتبارها، كما أشار إلى أن الأدلة القطعية قد تفيد العلم القطعي، وعلم الشريعة من جملتها، إذ العلم مستفاد من الاستقراء التام لأفرادها، حتى تصير في العقل مجموعه في كليات مطردة، عامة ثابتة، غير زائلة ولا متبدلة، فإذن الأصول القطعية وفروعها لها ثلاث خاصيات:

1- العموم والاطراد، أي أن الشريعة جاءت عامة وحاكمة، وإن فرض في نصوصها أو معقولها خصوص، فهذه في الحقيقة قواعد كلية انبنت على أصول من مقاصد الشريعة الثلاث.

2- الثبات من غير زوال، ليس فيها بعد كمالها نسخ، لا بحسب عموم المكلفين أو الخصوص منهم.

3- كون العلم حاكما مفيدا من للعلم بما ترتب عليه، ويدخل هذا القسم الأول فيما سماه الشاطبي بصلب العلم[33].

أما القسم الثاني، وهو المعدود في ملح العلم لا في صلبه ما لم يكن قطعيا، ولا راجعا إليه، ب قد يكون راجعا إلى ظني أو قطعي، إلا أنه تخلفت عنه أحد الخاصيات الثلاث، فكل تعطيل لأحدها تكون نتيجته عدم الاعتبار، والخطأ في تقدير الأحكام وعدم حمل النفوس على العمل. كما أضاف الشاطبي بعض الأمثلة المترتبة على عدم اعتبار هذه الخاصيات الثلاث[34]، أحدها الحِكم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة وفي الأماكن المعروفة إلى غير ذلك مما لا تهتدي إليه العقول بوجه، وجميعها مبني على ظن وتخمين، ليس من ورائه تحصيل عمل، والتأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة، لا على قصد طلب تواتره، وإنما على جهة أخذه عن كثير من الشيوخ، فهذا واضح قد انتفت منه فائدة عمل، والاشتغال به من ملح العلم.

والقسم الثالث وهو ما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني، وإنما شأنه أن يعود عليهما بالإبطال لما صح كونه من العلوم المعتبرة والقواعد المرجوع إليها في الاعتقادات والأعمال، ومثل هذا ما انتحله الباطنية في كتاب الله، وأن المقصود منه -عندهم- وراء ظاهره، واستنادهم في جملة من دعاويهم إلى علم الحروف… وكل هذا ليس له أصل ينبني عليه، ولا ثمرة تجنى منه، وهذا القسم ليس من صلب العلم ولا من ملحه.

بعد أن ذكر الشاطبي هذه الأقسام الثلاثة، بين مسألة هامة تتعلق بالخلط الذي قد يحصل بين هذه الأقسام، فكما سبقت الإشارة قد يعرض للقسم الأول أن يعد من الثاني، وذلك كالفقيه الذي يبني فقهه على مسألة نحوية، فعوض أن يرجع إلى تقريرها مسلُمة، ثم يرد مسألته الفقهية إليها، تراه أخذ يتكلم في تصحيحها وضبطها كما يفعله النحوي، وهذا لا يحتاج إليه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا المعنى في المقدمة الرابعة، والجديد هنا هو أن الاشتغال بها باعتبارها مسألة نحوية لا فقهية هو من ملح العلم لا صلبه، وليقس مل لم يقل، فالغرض هو إفصاح الشاطبي عن منهجيته في التعامل مع الأصول، وذلك كما يلي:

أولا: تنبيه الشاطبي إلى أن أصول الشريعة مبنية على أصول قطعية، ترجع إلى حفظ المقاصد الثلاث، وهذه المقاصد القطعية تثبت من خلال: الأدلة النصية القطعية، أو الأدلة العقلية الكلية المتسمة بالاطراد والثبات وإفادة العمل.

 ثانيا: إن تقسيم الشاطبي العلم إلى هذه المراتب، غرضه توجيه الاهتمام إلى القسم الأول المتعلق بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة.

ثالثا: توجيه جهود المربين وإرشادهم إلى كيفية التعامل مع المسائل العلمية وعرضها على الناس.

وبهذا يمكننا القول إن الشاطبي يريد أن يتجاوز بهذه الأصول والكليات حالة التشتت والتجزئة في النظر إلى نصوص الشريعة وأحكامها التي آل إليها أمر الفقهاء غفلة منهم عن المنطق العام الذي ينتظمها والمقاصد الكلية المنوطة بها.

وإذا كان الشاطبي أشار إلى أن هذه المقاصد طريقها الأدلة النصية والأدلة العقلية اعتمادا على الاستقراء في إثبات الخاصيات الثلاث بصفة مجملة، فإنه في المقدمة العاشرة قد وضح مسألة فقال:” إذا تعاضد العقل والنقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا..[35]“، واستدل على ذلك بأمور منها: أنه لو جاز للعقل أن يتخطى مأخذ النقل لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة، ثم إن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولو كان كذلك لجاز إبطال الشريعة بالعقل وهذا باطل. وواضح من هذا الرد حضور نزعته السنية وتشبثه بالمذهب المالكي، وإبطاله لمذهب المعتزلة، ثم دفع الشاطبي أوهاما قد يفهم منها أن هذا هو رأي الظاهرية الذين منعوا اعتبار العقل جملة، ونفوا إعمال القياس. فكان جوابه أن القياس ليس من تصرفات العقول محضا، وإنما تصرفت فيه من تحت نظر الأدلة[36].

أما مسألة العموم والخصوص، “فقد ذهب إلى إنكار التخصيص بالمعنى الذي قصده الأصوليون، سواء التخصيص بمتصل أو بمنفصل، فالشاطبي يرى أنه ليس فيما يسمى تخصيصا إخراج لأي شيء مما شمله اللفظ العام، فالتخصيص عنده بيان المقصود بالصيغ المذكورة، فإنه رفع لتوهم دخول المخصوص تحت عموم الصيغة في فهم السامع.

والخلاصة أن الفرق بين تفسير الشاطبي لما يسمى بالتخصيص، وتفسير جمهور الأصوليين، أن التخصيص في رأيه راجع إلى بيان وضع صيغ العموم في أصل الاستعمال العربي أو الشرعي، أما عند الجمهور فإنه يرجع إلى خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص[37]“، وقد كان دافع الشاطبي إلى هذا التفسير هو المحافظة على قوة الاحتجاج بكليات القرآن وعموماته، بالقطع بدلالاتها على ما تشمله، أما حديث “لا يقضي…” فالتخصيص بالغضب اليسير ليس من تحكيم العقل، بل من فهم معنى التشويش، ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوش، فجاز القضاء مع وجوده.

أما المقدمة الحادية عشرة، فقد أشار إليها في المقدمة الخامسة من أن العلم المعتبر هو ما انبنى عليه عمل، وبذلك فهو المحصور في الأدلة الشرعية. ثم ذكر في المقدمة الثانية عشرة أنفع الطرق الموصلة إلى العلم، وأهمها أخذه عن أهله المتحققين به، وبين أمارات العالم المتحقق، وحصرها في ثلاث خصال، نذكرها باختصار:

-العمل بما علم، أن يكون ممن رباه الشيوخ، ثم الاقتداء بمن أخذ عنه. ودائما في هذا الإطار العام أشار إلى أن طرق تحصيل العلم اثنان هما: المشافهة، ومطالعة كتب المتقدمين.

وأخيرا، ختم الشاطبي مقدماته ببيان أن كل أصل علمي يتخذ إماما في العمل، فلا يخلو إما أن تقع الأعمال على وفقه، وهذا صحيح، وإلا لم يكن بالنسبة إليه علما لتخلفه، ومن ثم فكل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري، أي تحقيق امتناع التخلف، وامتناع التكليف بما لا يطاق، فلم يطرد ولا استقام بحسبها في العادة فليس بأصل شرعي يعتمد عليه، ويقع هذا في الأقوال والدخول في الأعمال[38]، أما في الأقوال كقوله تعالى:” ولن يجعل الله على للكافرين على المومنين سبيلا”، فإن حملت الآية على أنها خبر، فإنها لا تحقق الاطراد لوقوع سبيل الكافر على المومن، ومن ثم يجب حمل المعنى على ما يصدقه الواقع من تقرير الحكم الشرعي. أما الدخول في الأعمال فهو العمدة في المسألة، وهو الأصل في القول بالاستحسان والمصالح المرسلة، لأن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه إلى الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعا أو عقلا فهو غير جار على استقامة ولا اطراد.

4- خلاصة عامة

وفي المحصلة نذكر خلاصات[39] تتعلق بالمنهج التجديدي لدى الشاطبي من خلال المقدمات التي صدر بها كتابه “الموافقات”، وذلك كما يلي:

  • نلمس حضور المنزع السلفي، وهذا من أظهر الخصائص لديه، وأشدها تمكنا من نفسه، فقد تبين استدلاله بأقوال السلف ومسلكهم في الفهم والنظر وبناء قواعده على ما قرروه.
  • بناء تأصيلاته على الاستقراء، وهذه من ألزم خصائص المنهج الأصولي عند الشاطبي، فإنه بين في المقدمات أنه اعتمد على الاستقراءات الكلية، خاصة أنه أبدع فيه، إذ إن منهاج البحث الأصولي في أمس الحاجة إليه، ويعرف الشاطبي الاستقراء بأنه تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من جهتها حكما عاما، إما قطعيا، وإما ظنيا، وهو أمر مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حكم به مطلقا في كل فرد يُقدر. والاستقراء الذي غلب على الشاطبي هو ما سماه “الاستقراء المعنوي”، وصفته أنه لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه الأدلة. وهذا النوع من الاستقراء يفيد القطع عند الشاطبي، وإن كانت جزئياته في ذاتها ظنية، لأنها تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع.
  • صياغة منهجية دقيقة في الاستدلال، تدل على نبوغ وبصيرة وحسن تدبير لمسالك الفهم والنظر، وهذا المنهج صاغه الشاطبي على مستوى النظري والتطبيق، إذا كان متبعا للحجة، وقافا مع الدليل، داعيا إلى اتباعه، ويتصف منهجه عموما بقوة الاستدلال واستقصاء الحجج نقلية وعقلية، ودقة الاستنباط، مع حماية الدليل بدرء الشبهات ودفع الاعتراضات، وهذا ملاحظ بقوة في المقدمات.
  • الاقتصار من البحث على ما فيه منفعة، فالشاطبي لمس مواضع النقص في هذا العلم، وأدرك بدقة نظره أن كثيرا من التراث الأصولي لا يحقق لمن يحصله ملكة فهم النصوص واستنباط الحكام فجرد همته لذلك، وقد نبه الشاطبي على ذلك في المقدمات [الرابعة، الخامسة، إلى الحادية عشرة]
  • نقد مساك الأصوليين وتصحيح مسار الدراسة الأصولية، ويتضح عمل الشاطبي هنا في وضع هذه المقدمات التي تبين الدعائم الصحيحة التي يجب أن يقوم عليها هذا العلم، فقد تضمنت المهاد العلمي والأخلاقي الكلي الذي يقوم عليه العلم الشرعي عموما وأصول الفقه خصوصا مما بينه الكتاب والسنة واحتذاه السلف الصالح

فالشاطبي من خلال هذه المقدمات يتبين أنه نظر في التراث الفقهي والأصولي المتراكم بين يديه فهالته جزئياته الطافحة وفروعه المتكاثرة فرام البحث عن علم راسخ الأساس ثابت الأركان، تستند إليه الفروع وتنتظم على أساسه الجزئيات.

وبالجملة، كانت غاية الشاطبي الوصول إلى “كليات مقتبسة من الشريعة تضاهي الكليات المقتبسة من الوجود، وتستوي معها في العموم والاطراد، والثبوت من غير زوال”، وكأنه يريد بذلك أن يتجاوز التشتت الذي انتهى إليه النظر الجزئي للعلماء في عصره، مما غيب من عقل المسلم الصورة الكلية للشريعة موارد وقواعد ومقاصد، فالمقدمات التي بنى عليها الشاطبي كلامه وما تضمنته من مفاهيم إجرائية تعتبر ذات صلة وثيقة بمشكلة طرق الفهم والمعرفة، وبمشكلة المنهج بوجه عام.

 


[1] – الإمام الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/ 1997م، ج1، ص37

[2] – الإمام الشاطبي، نفس المرجع، ج1، 19-20.

[3] – الإمام الشاطبي، نفس المرجع، ج1، ص21

[4] -فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، نشر معهد الدراسات المصطلحية، ط1424-2004، ص237.

[5] – فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، نفس المرجع، ص 234-235.

[6] – فريد الأنصاري،نفس المرجع، ص 237

[7] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص22.

[8] – أخرجه الدارقطني في كتاب الأقضية،، حديث رقم 86، ج4، ص 228

[9] – فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي، م. س، ص 238

[10] – فريد الأنصاري، م. س، ج1، ص29-25

[11] – فريد الأنصاري، م. س، ج1، ص24-25

[12] – فريد الأنصاري،م. س، ج1، ص26.

[13] – فريد الأنصاري، م. س، ج1، ص27.

[14] – حميد الوافي، مفهوم القطع والظن وأثره في الخلاف الأصولي، دار السلام، ط1، 1432-2011، ص 267.

[15] – محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، البصائر للإنتاج العلمي، ط1، 1418-1998، ص110

[16] – نعمان جغيم، طرق الطشف عن مقاصد الشريعة، دار النفائس،ط1، 1422-2002، ص 40-41 بتصرف.

[17] – حميد الوافي، مفهوم القطع والظن وأثره في الخلاف الأصولي، م، س، ص 43

[18] – فريد الأنصاري، م. س، ج1، ص29.

[19]– فريد الأنصاري، م. س، ج1، ص29.

[20] – فريد الأنصاري، م. س، ج1، ص30.

[21] -فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي، م. س، ص238

[22] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص38.

[23] – الإمام البخاري، صحيح البخاري، باب ما جاء في قول الرجل ويلك، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، ص38

[24] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص 39.

[25] – رواه مسلم، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، باب تحريم الكبر وبيانه، ج1، ص93

[26] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص39.

[27] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص41.

[28] الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص 41.

[29] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص41.

[30] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص’45.

[31] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1

[32] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص 47.

[33] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص 53-57.

[34]– الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص55.

[35] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص61

[36] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س، ج1، ص62.

[37] – نعمان جغيم، طرق الكشف عن مقاصد الشارع، دار النفائس، ط2، 1422-2002، ص 149.

[38] – الإمام الشاطبي، الموافقات، م. س،ج1، ص70.

[39] – أبو الفضل عبد السلام عبد الكريم، الإمام الشاطبي ومنهجه التجديدي في أصول الفقه، المكتبة الإسلامية، ط1، 1422-2001، ص16-42، بتصرف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.