منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهجرة الملطخة بالسواد (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

1

عاد عبد القادر الى بلده المغرب بعد انهيار نظام القذافي، ودخول ليبيا في فوضى، وقيام المعارك ببن الفصائل والقبائل.
رحل من ليبيا خوفا على سلامته الجسدية من طرف العصابات أو محاولة اختطاف زوجته من طرف المليشيات التي تمارس السلب والنهب.
فر هاربا بعدما قضى ثلاثين سنة بليبيا، وتزوج بمغربية من أصل عراقي، تعرف عليها بأحد الفنادق حيث كانت تشتغل، ولم يزر بلده إلا مرتيْن رفقة أسرته خلال تلك السنوات.
ولأن الأخبار الواردة من المحافظات بليبيا لم تعد تبشر بالخير ولا تبعث على الأمل في البقاء، حمل على وجه السرعة أهم ما لديه مما خفّ وزنه وغلا ثمنه، وقاد أسرته عبر سيارته، يجوب بهم الطرقات مغامرا.. مراوغا.. متخفيا.. مسرعا.. خوفا من الوقوع بين أيدي الميليشيات، بصعوبة استعاد الأمن والأمان عند تجاوزه حدود ليبيا.
في دولة تونس تخلص من السيارة ببيعها لمهربي النفط بين الحدود، وجهز أوراقه للسفر رفقة أسرته عبر الباخرة الى المغرب.
خَرّ عبد القادر ساجدا عند نزولهم من الباخرة مُقَبلا تراب بلده، فقد كان يحمل روحه وحياة أسرته على كفه وهو في ليبيا، ويعاني من الوحشة والغربة وهو لاجئ في تونس، عاد مفلسا بعد أن دفع نصف ما معه علاوات للمعابر وإتاوات لكل من ساعده للخروج من بؤرة المعارك بليبيا، والباقي تبعثر ما بين الفندق ومصاريف التنقل بتونس، فعاد مفلسا يحمل معه هما ومستقبلا مجهولا لأبنائه الثلاث، وهم قُصَيْ تسع سنين، وهَيْفاء إحدى عشر سنة، وهَانِيْبَال أربعة عشر سنة، وزوجة كلها أنوثة، وذات جاذبية أقوى حضورا من الجمال، رغم أنها تجاوزت الأربعين بعدة سنوات.
عبد القادر مواطن مغربي، قضى طفولته بالجزائر التي ولد بها، وما تبقى من شبابه عاشه بالمغرب بعد طردهم من الجزائر صباح يوم عيد الأضحى، هاجر إلى ليبيا بعد وفاة والده، وبالمهجر تزوج وأنجب أبناءه واستثمر أمواله، وعاش كما يحلو له، لم يكن له بُعْد نظر ولا ذاكرة وطنية ولا ولاء لأحد ولا عاطفة، حتى والدته نادرا ما كان يتصل بها.
المهاجر الذي لا يخطط للعودة إلى بلده، يوم يعود مُجبرا، يشعر بالغربة أكبر من غربته بأرض المهجر، والمغترب الذي لا يدخر في وطنه، يوم يعود مُكرها، يعيش فيه فقيرا، فالوطن حضن إن زرعت فيه وردا قطفته، وإن زرعت فيه شوكا جَرّحَكَ واكتويْتَ به، وعبد القادر لم يخطط للعودة، ولم يذخر لغَدِه وردا، فاستقبله الاهمال الذي أهمل به وطنه.
تنقل مع أسرته بين أفراد عائلته ضيوفا ثِقالا، ليستقر بهم المقام في غرفة قصديرية بأحد الأحياء العشوائية، وخرج يبحث عن عمل أجيرا في المعامل والمصانع وقد تجاوز الخمسين من عمره، متحسرا على نفسه، إذ كان صاحب محل ومشاريع وأملاك بليبيا.
عاد من الغربة الى غربة جديدة، وظل عاطلا عن العمل، التجأ في نهاية المطاف إلى مهنة حَمّال ينقل البضائع على كتفه إلى الشاحنات من المتاجر التجارية، لإنقاذ نفسه وأسرته من الجوع والحاجة، وكلما خلا الى نفسه صار يبكي بحرقة كطفل ضاعت منه لعبته أو صبي تاهت عنه والدته في الزحام، فتكالبت عليه الهموم والأمراض، لم يصمد طويلا أمام مضاعفات مرضَيْ السكري والضغط، ولم يستحمل جسده النحيل، وصحته العليلة كل تلك الأمراض، فمات وفي قلبه حرقة من وضعه المزري وحسرة على ما آل إليه مقامه، لأنه لم يأخذ العبرة من حياة والده الذي عاش سبعة وثلاثين سنة في الجزائر مهاجرا ومقيما، وفي سنة 1975 تم طرده رفقة أبنائه دون متاع ودون تعويض عن أملاكه، ودون رفيقة دربه، فعاش وحيدا دون زوجته الجزائرية، منكمشا..منعزلا..صامتا.. كنبتة في غير أرضها، وكأن التاريخ يعيد نفسه، ظل يستعيد في ذاكرته شريط والده ومعاناته ويقارنه بشريطه، كلما انفرد بنفسه الى أن فارق الحياة.
قٌصَيْ أصغر أبنائه والوحيد الذي تمكن من الالتحاق بالمدرسة، لكنه تعرض لسخرية زملائه في المدرسة من لباسه ولهجته واسمه الغريب، وكلما سأله زملاؤه عن معنى اسم قُصَيْ؟
أجابهم بلكنته التي تجمع بين اللهجتين:
” سمتني أمي قُصَيْ ومعناها صاحب التفكير العميق، وهو اسم قديم يعود الى العصر الجاهلي، كان يحمله الجد الرابع لرسول الله هو قصي بن كلاب سيد قريش في عصره، الذي اتخذ داره دارا للندوة “.
وباستغراب أكبر يسألونه عن سبب اختيار والدته هذا الاسم، وهم حوله ينتظرون الجواب، يجيبهم وكله حسرة:
” من سوء حظي ولدت يوم قُتِل قُصَيْ ابن صدام حسين، ظهيرة يوم 22 يوليوز 2003 بمنزل في مدينة الموصل شمال العراق بعد حصار واشتباك مع القوات الامريكية، وهي اللحظة التي ولدت فيها، فاختارت لي أمي هذا الاسم بعد انتشار خبر مقتله في أرجاء ليبيا “.

لم يستطع قُصَيْ مقاومة نظرات الناس وسخريتهم، فدخل في عزلة وانطوى على نفسه الى أن غادر المدرسة دون رجعة، واحتضنه الشارع بعد وفاة والده، حيث تعلم فيه العدوانية بكل فنونها، واتخذ له صديقَيْنِ أحدهما ابن أم عازبة والثاني هارب من الاصلاحية، فشكلوا عصابة من المراهقين، مزودة بأسلحة بيضاء، يتربصون بالمواطنين، فيعترضون طريقهم في جوف الليل او عند بزوغ أول خيوط الصباح، ويسلبون منهم كل ما في حوزتهم، أما أخوه هانِيْبَال عانى كثيرا من اسمه الغريب وشكله الدميم، وكل من يسمع اسمه يسأله: أهو اسم أم لقب أو كنية، تساؤلات مرفوقة بقهقهات، ويجد نفسه مضطرا في كل مرة أن يشرح لهم عن اسمه، وقد سماه والده هذا الاسم تيمنا باسم أحد أبناء معمر القذافي، كما يُطْلَقُ هذا الاسم عَلَى شَهْرِ غشت حَسَبَ الْيَوْمِيَّةِ اللِّيبِيَّةِ، ويرجع هذا الاسم تاريخيا إلى حاكم قرطاجة بتونس، حاصر روما لمدة خمسة عشر سنة دون اختراقها، في الحروب البونيقية.
ظل هانِيْبَال يشتغل حارسا ليليا بإحدى الشركات، ثم انضم إلى إحدى الجمعيات الإحسانية ومنها انتقل الى جماعة إسلامية، فتغير شكله ولباسه للمرة الثانية، وبعد مدة وجيزة اختفى دون ان يعلم أحد بمكان اختفائه أو الغاية من الاختفاء الى أن تناهى الى علمهم من طرف بعض الدعاة، أنه في سوريا يجاهد هناك.
اشتغلت هيفاء في معامل الملابس الجاهزة بأجر زهيد مدة طويل، ثم تحولت بعد قصة حب فاشلة إلى راقصة بالملاهي الليلية، وجعلتها الصدمة تتمرن على كل أساليب الدهاء، حتى جمعت مبلغا ماليا، يمَكنها من خوض مغامرة تخطط لها، بدعم وتشجيع من والدتها.
استغلت هيفاء الحجر الصحي الشامل الذي فرضته الدولة منتصف شهر مارس 2020 بجميع أرجاء المملكة، تسللت في ليلة ظلماء، والناس تغط في نوم عميق، والليل قد أرخى رداءه وسواده على المدينة، فخاضت مغامرة الهجرة السرية بمعية والدتها عبر قارب خشبي متهالك، أشبه بتابوت يحمل الموت بين دفتيه، رفقة قاصرين وأفارقة حاصرهم الحجر الصحي في زاوية مغلقة، ولا أحد يدري إن كانت هيفاء ووالدتها قد نجحتا في الوصول الى الضفة الاخرى أم استقرتا في قاع البحر.
لم يخطئ المهدي في اتخاد موطن الهجرة مقرا ومستقرا فقط، بل أخطأ حتى في اختيار أسماء أبنائه، حيث كانت تلك الأسماء عائقا لهم، لوكان مسلحا بوطنيته، واختار لهم اسماء موطنه، وكان يتكلم معهم في بيته بلهجة بلده، ويحكي لهم عن تاريخ وطنه، ما أحسوا بهذه الغربة، وبهذا الإقصاء عند عودتهم. أحيانا يختار الآباء أسماء غريبة لأبنائهم، لغرابتها تجعل حاملها يشعر بالغربة، وهكذا يدفع الأبناء ثمن أخطاء آبائهم، يدفعونها من راحتهم ومن حياتهم وهم يعانون التمزق النفسي.
لقد حوّل الربيع العربي أسرة عبد القادر الى خريف، بعثر أوراق الأسرة، وشتت شملها، وأرغمهم على الخروج من هجرة الى هجرة ومن غربة إلى غربة ومن ضياع الى ضياع، وكأن القدر لهم بالمرصاد في كل خطوة، حكم عليهم بالهجرة والهجرة المضادة وما عاد تفكيرهم يستقيم إلا بالهجرة.

تعليق 1
  1. عوض يقول

    رائع و عميق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.