منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أثر الإسلام في نصارى ويهود الأندلس

0

         كان لاختلاط وتفاعل الثقافات المختلفة في الأندلس مصدر الثراء الحضاري ورقيها، ونلمس ذلك من خلال الإنتاج الفكري لليهود والنصارى في جميع المجالات ، وإسهامات علمائهم في مختلف فروع المعرفة . فقد وجدوا الجو الملائم للامتزاج والنهل من الفكر الإسلامي والاشتراك مع المسلمين في بناء حضارة لم يعرف التاريخ لها مثيلا.

  • النصارى

       بعد الفتح الإسلامي للأندلس امتزجت العربية باللغة المحلية فنتج عن ذلك لغة هجينا تجمع اللغتين، إلا أن اللغة التي سادت في المجتمع الأندلسي بعد ذلك والمشتركة بين عناصره كانت اللغة العربية[1]  . بل إن من النصارى من نسوا لغتهم ، فتجد القلة القليلة من تستطيع كتابة رسالة باللاتينية ، في حين أنهم عبروا عن أنفسهم بالعربية أحسن التعبيرات ، فنظموا الشعر وأجادوه[2]  ، وقد أورد ابن سعيد الغرناطي أبياتا لابن المرعزي النصراني قالها في وصف كلبة صيد :

المزيد من المشاركات
1 من 8

لم أر ملهى لذي اقتناص     ومقنع المكتسب الحريص

كمثل خصلاء ذات جيد      أغيد تبرية القميص[3]

        ويرجع هذا إلى شغفهم بالعربية وما ألفوه فيها من علوم ومعارف شتى ، فكانوا يتدارسون كتب العرب وينفقون أموالا جمة في سبيلها ويتغنون بها[4]  . وقد بلغ من ذيوع العربية وقتذاك عند النصارى أنها استخدمت في الكنائس ، حتى أنهم أوردوا شروحا في عدد من الكتب الدينية المكتوبة باللاتينية[5]  .لكن هذا لم يمنعهم من الاحتفاظ بتراثهم وتقاليدهم، بل مارسوا طقوس عباداتهم وتمتعوا بحرية كبيرة في ذلك كفلها لهم حكام المسلمين الذين تعاقبوا على الأندلس .

      كما اهتم النصارى بالترجمة كثيرا ، فترجموا مؤلفات عديدة من اللاتينية إلى العربية منها “كتب التواريخ السبعة في الرد على الوثنيين” الذي ألفه الراهب الروماني الإسباني باولوس أروسيوس ، وترجم الكتاب بأمر من عبد الرحمن الناصر[6]  . ونجد عددا من النصارى شغفوا بالتأليف والكتابة منهم اليهودي المتنصر بتروس ألفونسي صاحب كتاب “التربية الكنسية “ الذي ألف بادئ الأمر بالعربية ثم ترجم إلى اللاتينية[7]  ، وكتاب “الشروح” وهو معجم لاتيني عربي محفوظ بمكتبة جامعة ليدن[8]  . ويقول الدكتور عبادة كحيلة أن ابن حزم اطلع على نسخة من العهد القديم استعان بها في كتابه طوق الحمامة[9] ، كما وجدت نسخة عربية للعهد الجديد في مدينة قرطبة من عمل اسحاق بن بلشك ويظهر الأثر العربي واضحا فيها[10] .

       ولم تنحصر إسهامات النصارى في الترجمة فقط ، بل شملت عدة مجالات وعلوم كالطب ، وتجدر بنا الإشارة هنا إلى ابن يزيد النصراني وكذا ابن إسحاق الذي أسلم وألف في الطب كثيرا[11] . وعلم التنجيم مع سفير عبد الرحمن الناصر ربيع بن زيد القرطبي مؤلف كتاب “تقويم قرطبة [12]

  • اليهود

        عاش اليهود بالأندلس حياة ملائمة ساعدت على قيام حركة علمية شملت مجالات العلوم المختلفة ، فقد أقبل اليهود على العلم والتعلم وأسهموا بذلك في بناء الحضارة . يقول حاييم الزعفراني أن اليهودية عرفت إشعاعا في كبريات المدن الإيبيرية ، فتطور الشعر والنحو وعلم تفسير التوراة والشروح التلموذية والفكر التشريعي ، فكانت غرناطة وإشبيلية وبرشلونة وغيرها من الحواضر مراتع الثقافة اليهودية التي لعبت دورا هاما في الحياة الثقافية لشبه الجزيرة[13] .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

      وقد حافظ اليهود على تقاليدهم وأعرافهم ، كما هو الشأن بالنسبة للنصارى ، فكانوا يرسلون أبناءهم لمدارسهم الخاصة فيتعلمون القراءة والتوراة والتلموذ والنحو العبري ، وعند بلوغ الأطفال مرحلة الشباب ينصرفون إلى العلوم والمعارف الأخرى كالطب عند موسى ابن ميمون وابن سينا وجالينوس، ويدرسون الفلسفة على ابن عزرا وابن الهيثم والخوارزمي وابن رشد[14] .

      وأثرت العربية في اليهود كثيرا فصاروا يتحدثونها بطلاقة ، فكتبوا بها الرسائل والمؤلفات  وكانت لغة التجارة بينهم وبين المسلمين ، وبين اليهود أنفسهم[15] .

        ومن أهم اليهود الذين امتزجوا في الحياة العلمية الأندلسية نذكر الطبيب حسدائي بن شبروط ويهودا بن أيون ويوسف بن يعقوب ويهودا اللاوي ، والنحوي مروان بن جناح صاحب كتاب ” اللمع “ ، وموسى بن عزرا صاحب ” المحاضرة والمذاكرة “ ، ويهودا بن قريش الذي كان ضليعا في العبرية والعربية والآرامية والبربرية والفارسية[16]  وغيرهم كثير.

خاتمة

      كان لهذا التفاعل آثار كبيرة ومخرجات أقل ما يمكن وصفها أنها أسست حضارة بكل ما في الكلمة من معان . حضارة لم تشهد البشرية لها نظيرا قبل تلك الفترة . حضارة إسلامية الإطار، متنوعة الشرائع والمعتقدات والإثنيات ، ضرب تنوعها مثلا في الانسجام الثقافي والمعرفي والأخوة الإنسانية . حضارة أنارت ظلمة شبه الجزيرة الإيبيرية وأنقذتها من غياهب العصر الوسيط . إنها الحضارة الأندلسية وكفى .


[1] عبادة كحيلة ، تاريخ النصارى في الأندلس ص115

[2] نفس المرجع ، ص116

[3] ابن سعيد الغرناطي ، المغرب في حلى المغرب ، ج1 ص195

[4] عبادة كحيلة ، تاريخ النصارى في الأندلس ، ص 116

[5] نفس المرجع ، ص116

[6] أحمد مختار العبادي ، التأثير المتبادل في الرواية التاريخية العربية الإسبانية ، صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية ، مدريد ، العدد 24  

سنة1987\90 ، ص33

[7] عبادة كحيلة ، المرجع السابق ، ص120

[8] نفس المرجع ، ص123

[9] نفس المرجع ، ص123

[10] نفس المرجع ، ص124

[11] نفس المرجع ، ص127\128 

[12] نفس المرجع ، ص 133 

[13] حاييم الزعفراني ، يهود الأندلس والمغرب ، ج1 ص 107 

[14] نفس المرجع ، ج1 ص 116\117 

[15] نفس المرجع ج1 ص38 

[16] مسعود كولاتي ، اليهود في المغرب والأندلس ، ص159 فما فوق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.