منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكتامي ( قصة قصيرة)

مجيد فلوح

0

المشهد الثاني
على وجهي أضع اللثام، وكان لي فيه مآرب كثيرة، كعصى موسى..
أضعه وأَلُفه لفتين، أحمي به رئتي وعيني، لا تكفي طبقات البلاستيك لمنع غبار العشبة أن تتسرب إلى مسامي، هكذا أرمي نفسي إلى تهلكة محتمة..
ولا يكفي أيضا حصاد هذه السنة حاجياتنا الأساسية..
حين أشاهد على الصندوق القديم الذي يسمى التلفاز، أفلام العصابات المكسيكية التي تعيش في قصور لا تعد مسابحها كما لا تعد حساباتهم البنكية، ويشهد على ثرائهم تحف فنية تصبغ أصولهم البدوية بأصباغ النخبة المثقفة المترفة، وتحب نساؤهم مشاهدة أفلام الدراما التي تحكي عن بؤسنا نحن، أُأَمل نفسي أن يوما ما سأحظى بفرصة ذهبية تنقلني إلى عالم موازي لعالمي المظلم..
عالم تجار المخدرات في الأفلام، ولعله في الواقع أيضا، مخالف تماما لعالمي أنا، وإن كنا نتشارك في الحرفة، أنا أصنع المخدرات، وهم يبيعونها..
ترك لي والدي في جبال كتامة المغربية، قطعة أرضية تقاسمتها مع إخواني، حصلت على مساحة لا تتعدى أربعمائة متر مربع، لا ينبت عليها إلا القنب الهندي..
أحرثها، أزرعها، أحصدها، ثم أعمل على دقها حتى تصبح غبارا، تعلمت من والدي أصول الصنعة..
لا يمكنني مغادرة تلك الجبال إلا ملثما وللضرورة القصوى، لأنني أنتمي إلى قبيلة المبحوث عنهم، هكذا نسمى..
كل حياتي تدور على هذه العشبة المشؤومة، لا يُذهِب شؤمها إلا شربها، إلا تلك الرشفات التي نذخنها لكي تذهب مع عقولنا هموما لا تطيقها تلك الجبال التي تأبى أن تكافئنا بغير ما نستحق..
حتى لساننا بدأ يفقد قدرته على الكلام، إذا ما التقى بعضنا ببعض، تغني النظرات البائسة عن العبارات اليائسة، والوجوه العابسة عن الكلمات اليابسة، وقد يلجئنا حدث اعتقال قريب، ومصادرة حصيد، أو افتعال حريق إلى الحديث، ولا حديث لدينا هذه الأيام إلا عن تقنين القنب الهندي..
بين أصابعي لفيفة جمعتها بلساني، وأتكفف شعالة تحرقها كما تحترق أيامي التعيسة، وأنتظر على جادة الطريق سيارة من سيارات العالم الموازي الذي أحلم أن أنتقل إليه، عسى أحظى منهم بصفقة معتبرة تكفيني نقير المرأة التي تسمى زوجتي..
المشهد الأول
في المسجد وعلى إيقاع الضرب الذي يلازم تصنيع العشبة يخطب الفقيه على منبر الجمعة، يؤم صفا واحدا من المصلين، كلهم ممن يصل الرحم مع بعض أقاربه في فصل الصيف، ويتوعدهم بالويل والتبور إذا تركوا الصلاة أو حلقوا اللحية، ولا حديث له عن العشبة المقدسة في تلك الأماكن النائية، ألجمته المكافآت المضاعفة التي يحصل عليها مقارنة بما يحصل عليه أقرانه ممن يشارط في البوادي الأخرى..
أبت أذني أن تسمع لتلك المواعظ المنفصمة، وأخذ عقلي يصور لي مستقبل ذلك الطفل الذي تركه والده صبيا لا يتعدى أربع سنوات..
تركنا ثلاثة ذكور، ولم تكن أمي تقدر على تنشئتنا ولا رعايتنا، ذهب أخواي الكبيران مع أعمامي لرعي الأغنام والاعتناء بالأبقار، وذهبت مع جدتي إلى المدينة..
كنت محظوظا جدا لأنني كنت أنا الصغير الذي لا يصلح للأعمال الشاقة، ولأنني كنت من نصيب جدتي المدنية..
تفرقنا نحن الثلاثة ولم نلتق إلا حين بلغت من العمر ثمانية عشر سنة، كانت أمي تمنعني من رؤية والدي، وكنت أكره هذا منها، حتى بلغت من العمر ما لم تعد تقدر على حبسي، انطلقت للتعرف على ذلك العالم المظلم..
رجع أخواي إلى حضن الجبال المشؤومة واشتغلوا مع والدي حتى قضى نحبه..
ورجعت أحمد الله على ماض أصلحه الله..
في المشهد الثاني عَاقِبة الطفل الذي كنت أود أن أكون؛ الطفل الذي لم يفارق والدُه أمَّه، الطفل الذي يلاعبه والده..
وأنا قصة الطفل الذي أراده الله أن يكون..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.