منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في انبناء الظاهرة الإيقاعية

ذ. علي عرايبي - تونس

0

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

ملخص:

لقد حرصنا في هذه الدّراسة على تسليط الضّوء على واحدة من أعقد من المسائل النّقديّة والأكثر تَشعُّبًا وانزياحًا ومُغالبةً لكلّ تحديد أو ضبط، فكان الإيقاع مُنطلقنا وغايتنا من خلال استهلالات تحليليّة ودلاليّة في الإيقاع ومضاربه وأَغْيارِهِ وتَشَقُّقاتِه.

لم يكن هدفنا من طرق مبحث الإيقاع تأريخِيٌّ وتَجميعيّ لمختلف الآراء والتّصوّرات والاتّجاهات الفكريّة والأدبيّة والعلميّة الّتي درست الإيقاع وحلّلت مَشاربه، بل كان دافعنا محاولة الخروج عن السّديم الاصطلاحي والدّلالي الّذي طبع الدّراسات الإيقاعيّة، فاهتمَمنا بالإيقاع بوصفه مُنتِجًا للمَعنى ودافعًا للحدث ومُؤسِّسًا للفعل من خلال ما يُنتجه من تصاوير وألوان وإيحاءات وعوالم سَمعيًّا وبصريًّا وذهنيّا وجماليًّا وسيميولوجيًا.

وعليه حاولنا تقسيم هذه الدّراسة إلى لواحات عدّة. خصّصناها لتتبّع مفهوم الإيقاع وضبط تمثُّلاته وأبعاده البنائيّة والنّفسيّة والسّميائيّة، فانطلقنا ممّا هو حسّيٌّ وانطباعيٌّ وأسلوبيٌّ لنصل إلى ربط الإيقاع بالمعرفيّ والثّقافيّ والانطولوجيّ والزّمني وغيره.

المزيد من المشاركات
1 من 28

الكلمات المفاتيح: الإيقاع. الوزن. النّغم. الظّاهرة الإيقاعيّة. الهوية الإيقاعيّة.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

In this study, we have been keen to shed light on the most complex and most shifting critical issues that overcomes every determination of control, so the rhythm was our starting point and our goal through analytical and indicative introductions of the rhythm, its speculations, and its rupture. Our objective from dealing with rhythm research methods was not historical and collective of different opinions, perceptions, intellectual, literary, and scientific trends that studied the rhythm and analyzed its paths. Rather, our motive was to try to break out with the terminological and semantic nebula that printed rhythmic studies. So, we occupied ourselves of the rhythm as a meaning constructor, event incentive and action developer through colors, animations, and audiovisual worlds such as mental, aesthetic and semi – physiological aspects. Accordingly, we tried to divide this study into several parts. We devoted it to tracing the concept of rhythm and controlling its representations and its structural, psychological, and semiotic dimensions.

Keywords: rhythm, weight, melody, rhythmic phenomenon, rhythmic identity, semiotics, semantics.

 

مقدمة:

ارتبط الإيقاع بأصل العناصر وحقائق الأشياء، فهو الجوهر المُتحرّك والحقيقة الثّابتة الّتي لا تَنْقال. اقترن بلحظة الوعي والإدراك والدّهشة، فهو الصّورة المرئيّة للعوالم. وهو التّجسيد الحركيّ للمشاهد، وهو المدى السّمعيّ للظّواهر والتّراكم المعنويّ والدّلاليّ للَّونِ وللضّوء وللظّلال.

يُعدُّ الإيقاع الضّامن السّياقيّ والأنطولوجي لمبدأ انتظام الموجودات والرّؤى نظرًا إلى استناده إلى شبكةٍ من العلاقات الذّهنيّة والنّفسيّة والفزيائية والدّلالية الّتي تتّسمُ ببنية مضبوطة تتعاود وتتكرّر في صورة متماثلة ومتقاربة.

يُعتبرُ الإيقاع من أكثر المباحث تعقيدًا وشساعة وارتيادا لمختلف المجالات الإناسية. ويتداخل مع جملة من الظّواهر الفزيائيّة والأفضية العلمية والحقول الإبداعيّة وغيرها. وهو ما فسَّره انْهِمَامُ الباحثين شرقًا وغربًا وقديمًا وحديثًا بقضايا الإيقاع وتمفصُّلاتها البنائيّة وامتداداتها التّاريخيّة والإجرائيّة والتّخييليّة.

مثَّلتْ الظّاهرة الإيقاعيّة إحدى المبادئ الأساسيّة التّي تأسّست عليها الشّعريّة العربية، فتَجَنَّدَ لذلك كوكبة من الدّارسين الّذين اختزلوا الإيقاع في جملة من التّشكيلات الوزنية والعَروضية. وحاولوا إجراء هذه التّشكيلات على العملية الإبداعيّة الشّعريّة، فصار لِزامًا على كلّ ذي حساسيّة شعريّة أن يلتزم بهذه النّواميس والقواعد الإيقاعيّة لضمان شرعية الوجود جماليًّا وشعريّا وتاريخيًّا.

عرفت الشّعريّة العربية تحوّلات عميقة شملت البُنَى والتّصوّرات والرّؤى والدّلالات.  انسحبت هذه التّغيّرات على تمثّل الدّارسين للممارسة الإيقاعيّة فنّيًّا وإبداعيًّا، فأعادوا البحث في مُشْكِلِية الإيقاع وفي طبيعة علاقته بالشّعريّة الحديثة وبأنماط الكتابة المُستحدثة، فتعالت الأصوات المنادية بضرورة الثّورة على مُحصّلات الذّاكرة الإبداعيّة والاستعاضة عن هذا الإرث بتصوّرات مغايّرة تواكب تطلّعات الذّوات وتُساير مختلف التّحوّلات الجماليّة والدّلاليّة والابستيمية والاجتماعيّة والسّياسيّة وغيرها..

ولَمَّا كان الإيقاع مؤسِّسًا لكينونة الموجودات وناحِتًا لمعالم الذّوات، وَلَّيْنَا وَجهنا شَطْرَ أبعاد الإيقاع الثّقافيّة منها والمعرفيّة والأنطولوجيّة، فحاولنا الوقوف عند هذه الظّواهر المَرْصُودةِ بالاحتكام إلى مجموعة من المعايير الوظيفية والنّصّانيّة والسّميائيّة والتّأويليّة. سعينا إلى استجلاء هذه المعالم جميعها في هذه الدّراسة الّتي آثرنا تبويبها إلى مقدِّمة تلاها مَتنٌ فَرعناهُ إلى مجموعة من الوحدات. أُولاها اهتّمت بتقصّي مفهوم الإيقاع وحدوده. في حين عُنيت ثاني الوحدات بالتّفكير في انْبِناء الإيقاع بوصفه بناءً كرونولوجيا وأعقبناها بما وسمناه بالإيقاع بناءً معرفّيًا. ثمّ أَردفنا بالإيقاع بناءً أنطولوجيا. وتَخلصنا إلى الإيقاع بناءً ثقافيًّا. واختتمنا بما عنونّاه بالإيقاع بناءً عَروضيًّا.

1_مفهوم الإيقاع:

يُعدُّ الإيقاع مُعطًى مَركزيًّا في الكون، فهو سابق للوُجود وللتّكوين والنّشأة. وهو حركة عابرةٌ للزّمان وللتّاريخ وللثّقافات. وهو نشاط طبيعيّ حينًا وفزيائي حينا آخر وذهنيّ أحيانا. وعليه فالإيقاع إيقاعات حسّيّة ونفسيّة وعقليّة وبصريّة، تتغلغل في كُنهِ العناصر فَتُكسِبها معناها ومداها وَحيويتها كينونتها.

يُعتبرُ الإيقاع عماد الوجود وأساسه، فهو يقترنُ بالإنسان وبالمصير وبالأرض وبالسّماء وبالنّار والهواء والماء والذّات والسّؤال، فهو” قوّة يخضعُ لناموسها الكون بأسره ولولاه لاختلّت حركته ولتبعثرت الكواكبُ والكائنات والأفلاك (..) وهو المبدأ الأزلي الّذي أقرّته الإلهية”[1]. ويعبّر الإيقاع عن كُنْهِ العناصر وعن نشاطاتها وتفاعلها مع بعضها بعضا، “ما دام الإيقاع تنظيما لكلّ من المعنى والذّات عبر حركتهما في الخطاب”[2].

ارتبط الإيقاع بالممارسة الشّعرية قديمها وحديثها، فهو رَدِيفُ جملة من التّصوّرات المعرفيّة والمُسلّمات الجماليّة التّي سَلّمت بانْبِناءِ الظّاهرة الإبداعيّة على معايير إيقاعيّة مضبوطة تُحدَّدُ بموجبها مَقبوليّة الخطاب الشّعريّ من عدمه. وهو ما نجد صداه في كتابات القُدامى تنظيرًا وتَقعيدًا وتقويمًا. يبدو”أنّ الوعي الشّعريّ منذ القديم هو وعي إيقاعيّ بامتياز. إذ انحصر مفهوم الشّعريّة في مقولتين رئيسيتين: هما التّخييل والإيقاع. وإذا كانت المقولة الأولى ممكنة الحضور والغياب في النّصّ الشّعريّ، فإنّ حضور المقولة الثّانية ضروريّ ليستقيم أمر وسم الخطاب بالشّعر. وعلى هذا فيمكن أن نجد خطابًا، الطّاقة التّخييلية فيه كبيرة، لكنّه غير موقّع فلا يُعتبرُ شعرًا، بينما النّقيض صحيح. فقد نعثر على خطاب، الطّاقة التّخييلية فيه ضامرة إلّا أنّه موقّعٌ نحوًا من التّوقيع فيعتبرُ شعرًا”[3].

هكذا يَتَحوّل الإيقاع إلى ما نصطلح عليه بالهوِيةِ الإيقاعيّة، فهو المُحدّد لطبيعة الخطاب الشّعريّ قديما. وهو ما يُكسبه سمته ووجوده وخاصياته الجماليّة والتّخييلية والتّأثيريّة، فالإيقاع هو المسافة الفاصلة بين الحقيقة والعدم، وبين التّصّور والممارسة، وبين الدّال والمدلول. و” لربّما كان الإيقاع هو الدّال الأكبر”[4].  تسعى الذّات من خلال ممارستها الإيقاعيّة إلى خلق عالمها وتأسيس كنهها من خلال المُواءمة بين الإنشاءِ والإنشاد، وبين المعنى واللّامعنى، فهو محاولة النّفاذ إلى الإدراك والوعي واللّامعقول، وهو” محاولة الذّات خلق “محميّات دلالية” تُريحها من عبء المُتسيِّب واللّامحدود واللّاقار من خلال الرّسوّ على موقف دلاليّ بعينه”[5].

ننتهي ممّا تقدّم إلى صعوبة وضع تعريف جامعٍ ومانعٍ للإيقاع، فنحن إزاء مفهوم زئبقيّ متحوّل ومتمرّدٍ، يأْبَى التّقنين، ويرفض التّقعيد. ويمكن أنْ نُرجِئَ هذه الصّعوبات إلى أمرين اثنين أوّلهما شموليّة المفهوم وثانيهما تعدّد دلالاته وتنوّعها.

يَعدّ مفهوم الإيقاع من أكثر المفاهيم تمنّعًا وصعوبة في التّحديد والضّبط نظرا إلى تشعّبه وتسرّبه إلى أكثر من مجال علميّ وجماليّ ونفسّيّ، فالإيقاع في الشّعر ليس هُوَ هُوَ في الرّواية أو في السّرد. والإيقاع الّذي ينبعثُ من الآلات الموسيقيّة ليس هو ذاته في العلوم الطّبيّة أو الفزيائيّة. والإيقاع في المسرح ليس هو عينه في السّينما. وإيقاع الألوان والخطوط في اللّوحات التّشكيليّة مختلف عن نظيره في النّحت…

وهكذا فدلالة الإيقاع تتغيّر بحسب مجال اشتغاله. تتقاطع الظّواهر الإيقاعيّة مع عناصر الكون وتتداخل مع مكوّنات العالم الثّابتة والمتحرّكة، فلِخريرُ المياه ولحفيف الأوراق ولشدو البلابل إيقاعات مختلفة. وكذلك لدويّ الرّعد ولحركة الأَجرام السّماوية ولتعاقب الأمواج في البحار والمحيطات ألوان إيقاعيّة مُتبايّنة، فقد اسْتُرْفِدَ معنى الإيقاع ” من الحركات المنتظمة للأمواج (..) وقد ولّدت حركة الأمواج في ذهنه فكرة الإيقاع، وهذا الاكتشاف مثبت في المصطلح ذاته”[6]. بل إنّ ” لتتالي الفصول وتناوب اللّيل والنّهار بل ولفعل الجنس إيقاعات، بل يبدو أنّه ضرورة إناسيّة لها تعلّق بعميق علل الحركة في الإنسان، لا سبيل إلى تجاوزها”[7].

وأمام هذا التّعدّد والتّبايّن تنوّعت مفاهيم الإيقاع واختلفت بحسب اختلاف الدّارسين ومجالات اشتغالهم الفكريّة والعلميّة والجماليّة. وفي مجال الدّراسات الأدبيّة اختلف النّقّاد في توصيفهم للتّصوّر الإيقاعيّ تعريفًا واستعمالًا، فبعض الباحثين “وهو السّواد الأعظم، يُماهُون بين الإيقاع والعروض. والبعض الثّاني يرى الإيقاع حدثًا مُبهجًا يطرأ على العروض. والبعض الرّابع يرى الإيقاع قادرًا على تجاوز المسموع من النّصوص ليلحق به مجال البصر والبعض الخامس يرى للمفهوم قدرة على الاتّساع ليشمل إضافة إلى المسموع والمرئيّ، مجال التّخييل فيتحدّث عن إيقاع المعاني”[8].

أعادت هذه الإشكاليات جميعها الإيقاعَ إلى واجهة الدّرس النّقديّ والجدل الفكريّ. وهو ما برّرَ القول بأنّه من ” أكثر المفاهيم غموضًا قديمًا وحديثًا إلى حدّ أنّنا لا نجد تعريفًا واضحًا له”[9].

تقودنا هذه الضّبابية المفهوميّة إلى البحث في أصل التّسمية في المعاجم العربية الّتي حاولت ضبط فهوم الإيقاع وأبعاده الإستيتقيّة والاجرائيّة.  ومن ذلك قول ابن منظور في تحديده للإيقاع بأنّه: “من إيقاع اللّحن والغناء، وهو أن يُوقِّع الألحان ويَبْنيها، وسمَّى الخليل رحمه الله كتابًا من كتبه في ذلك المعنى كتاب الإيقاع”[10]. ولا يكاد يختلف تصوّر الفيروز أبادي عمّا ذهب إليه ابن منظور، إذ عرّف الإيقاع بأنّه: ” من إيقاع ألحان الغناء، وهو أن يوقّع الألحان ويبنيها”[11].

حرصت المعاجم والقواميس الحديثة على ضبط مفهوم الإيقاع وتحديد خصائصه وسماته وألوانه. ومن ذلك قاموس موريه Morier الذّي عرّف الإيقاع بوصفه “تردّد مؤشّر ثابت عبر مجالات حسّية متساوية”. ويمكن لهذا المؤشّر الّذي اجترحه موريه “أن يكون ذا طبيعة فيزيائية (حركة الماشي أو الراقص أو المجدف) أو سمعيّة (قافية، ضرب ناقوس) أو مرئيّة (إضاءة متناوبة لمنارة) ..إلخ. وهناك إيقاعات طبيعية (..) وإيقاعات فزيولوجية (..) وإيقاعات اصطناعية (الموسيقى، الشّعر) ويبدو أنّ الإيقاعات الشّعريّة مثلا لها علاقة وثيقة بالإيقاعات الفيولوجية، فقد لوحظ بالنّسبة للأطفال أنّ دقّات قلوبهم أسرع من الكبار عندما ينشدون الشّعر”[12].

وإلى جانب معجم “موريه” سعت بعض المعاجم اللّسانية والفلسفيّة إلى الخوض في مُشكِليّة الإيقاع، فتعاطت مع الإيقاع بوصفه “الرّجوع المنتظم في السّلسلة الكلامية للإحساسات السّمعيّة المتشابهة الّتي تولّدها العناصر النّغميّة المتنوّعة”[13].

نلخص من هذه التّعريفات إلى الرّبط بين الإيقاع والغناء واللّحن، فالإيقاع هو ما يُكسب الألحان جوهرها وكيانها ووجودها النّغميّ والسّمعي بوصفه توقيعًا لها. وتقترن مقولة الإيقاع في الشّعريّة القديمة بمقولات الزّمن باعتبار الإيقاع مجموعة من التّنغيمات والمقاطع الّتي زمانيّا في انتظام وتواتر.

   2_ الإيقاع  بناءً كرونولوجيا

يستدعي البحث في الظّاهرة الإيقاعيّة مقولات متعدّدة ومجالات متحوّلة، مثل مقولة الزّمان الّتي تَعبُرُ الإيقاع وتلتحمُ بالكائن الّذي يُصارع الزّمان في حلّه وترحاله. إذ يسعى هذا الكائن إلى التّرنّم والغناء مُوظّفًا نماذج إيقاعيّة مُختلفة في حالات الفرح والأسى والحرب والسّلم وغيره. “وتترتّبُ على ذلك مستتبعات أنطولوجية عظيمة (..) أي إنّ الكائن خرج عن وجوده الأصلي ليعيش تجربة عامّة، بل لعلّنا نكون بذلك قد خرجنا من مجرّد التلذّذ الجماليّ إلى حالة إدراكيّة أو معرفيّة عامّة”[14].

إنّ الإنسان مولعٌ منذ نشأته بفكرة الخلود، عبر مغالبة الموت ومقارعة الزّمان وما الإبداع بشتّى ألوانه إلّا إثباتٌ لهذه الفكرة، لذلك سعى الفرد إلى إحكام قبضته على الفضاء بالتنقّل فيه وتشييد العمران، إلى جانب حرصه على بسط نفوذه على الزّمان وتطويعه لخدمته، ذلك أنّنا ” نُسيطر على الزّمن بتوقيعنا حياتنا بكلّ أنواع الوسائل الّتي أغلبها غير واع”[15].

وليس أدلّ على العلاقة الحميمة بين الإيقاع والزّمن من أنّ جلّ التّعريفات قد حاولت إبراز الصّلات العميقة بينهما، ومن بين هذه المحاولات ما جاء به “الفارابي” في معرض تعريفه للشّعر حيث يقول: “الجمهور وكثير من الشّعراء إنّما يرون أنّ القول شعرٌ متى كان موزونًا مقسومًا بأجزاءِ ينطق بها في أزمنة متساوية وليس يبالون كانت مؤلّفة ممّا يحاكي الشّيء أو لا..”[16].

وأَجْمَلَ ابن سينا هذه التّعريفات بقوله: “الشّعر كلام مخيّل مؤلّفٌ من أقوال ذوات إيقاعات متّفقة متساوية متكرّرة على وزنها متشابهة بحروف الخواتيم، فالكلام جنس أوّل للشّعر (..) وقولنا من أقوال مخيّلة يصل بينه وبين الأقاويل العرفانية التّصديقية والتّصويريّة، وقولنا ذوات إيقاعات متّفقة ليكون فرقًا بينه وبين النّثر وقولنا متكرّرة ليكون فرقًا بين المصراع والبيت، وقولنا متساوية ليكون فرقا بين الشّعر وبين نظم يؤخذ جزآه من جزأين مختلفين، وقولنا متشابهة الخواتيم ليكون فرقًا بين المقفّى وغير المقفّى، فلا يكاد يُسمّى عندنا بالشّعر ما ليس مقفّى”[17].

يتحوّل الزّمان بفضل التّوقيع المتعاقب إلى صيرورة، إنّه “الصّيرورة المحدوسة”. وذلك يعني “المرور الّذي لا يُفكَّرُ فيه بل يَعرضُ نفسه على وتيرة واحدة في سلسلة الآنّات. وإذ قد تعيّنت ماهية الزّمان بوصفها “صيرورة محدوسة” فإنّه ينكشفُ بذلك أنّ الزّمان قد فُهمَ بديًّا انطلاقًا من الآن وذلك على نحو ما يمكن العثور عليه بالحدس المحض”[18].

هكذا يتأسّس لنا من جملة هذه الإشارات فهم العلاقة المتينة بين الإيقاع والزّمن، ولئن مثّلت هذه العلاقة نوعًا من الوحدة العضوية، والتّلاحم الرّمزيّ فإنّها تمثّل كذلك علاقة الانفلات والانعتاق من التّصوّرات النّظرية والممارسات الإجرائية، حيث تتضاءلُ الصّلة بين الإيقاع والزّمن في الشّعر الحرّ وقصيدة النّثر، ولأنّها كذلك فهي ” تأسيس للزّمن الفردي، وتأسيس يُلغي فاعلية الزّمن في العالم ليبني مكانها فاعلية الإنسان في العالم، من هنا يصبح النصّ خارجًا على الرّموز الأساسيّة لتعرّض الإنسان للزّمنية “[19].

صفوة القول ممّا تقدّم إنّ الإيقاع إيقاعات بعضها حسّيّ كالإيقاعات السّمعيّة والبصريّة، وبعضها ذهنيّ تتطلّبُ تدبّرًا وتبصّرا، كإيقاعات المعاني والأفكار، الأمر الّذي جعل من الإنسان كائنًا إيقاعيًّا يحاصره الإيقاع من كلّ جهة، ويعيش فيه دائمًا وأبدًا.

3_ الإيقاعُ بِناءً مَعْرِفــــيًّا

إنّ الإيقاعَ حُكْمٌ وموقفٌ وصورة مرئيّةٌ، فهو تعبيرٌ عن صرخة الوجود البكر حين انتفضت العناصر معلنةً عن وجودها المحض. وهو الإشارة الحيّة بالصّوت والحركة والسّكون. فالإيقاع ” لغةٌ بل هو سابق على اللّغة المصطلح على تسميتها كذلك، إنّه ما قبل الاصطلاحات، كان الإنسان القديم يُحدث أصواتًا متسارعة متصاعدة تُعبّرُ عن اقتراب الخطر، لغة معبّرة والإيقاع لا يقتصر على الصّوت، إنّه النّظام الّذي يتوالى أو يتناوب بموجبه مؤثّر ما (صوتي أو شكلي) أو جوّ ما (حسيّ، فكريّ، سحريّ، روحيّ) وهو كذلك صيغة العلاقات (التّناغم، التّعارض، التّوازي، التّداخلي) فهو إذن نظام أمواجٍ صوتيّة ومعنويّة وشكليّة”[20].

يتحوّل الإيقاع إلى ميثاقٍ تعبّدي بين الكائن والوجود، تنصهر فيه الذّوات وتلتحمُ فيه الأنوات بالعناصر المحيطة بها، فهو التّعبير عن القلق الدّؤوب والتّسْآل الدّائم. وهو صوت المَشاهدِ الخرساء، والصّرخة المدوّية في أفضية الرّوح، حيث ” توجد الرّوح باعتبارها إيقاعًا، ووجهة نحو هدف يمتدُّ إلى ما لا نهاية، وهذا الهدف هو الإنسان ذاته”[21].

هكذا يتولّد الإيقاع من الرّغبة الحارقة في تحقيق التّطابق بين الذّات والعالم تحقيقا نهائيًّا، تحكمه السّمات الحسّيّة والعلامات الرّمزيّة حتّى غدت هذه الرّغبة نظرية للمعرفة، فكلّ العلاقات الإنسانية تحكمها حركات وضوابط وكلّ “الأقوال الإنسانية تُحدِّدها أنظمة وعلامات يشترك فيها كلّ من ينتج الأقوال الإنسانية ويفهمها”[22].

يُمثّل الإيقاع لحظة القول واستنباط الأدلّة والوقوف عند عتبات العلامات والذّاكرة، من أجل خلق “محميّات معرفية” تُحصِّنُ الذّات وتبني الكينونة عبر هذه الاختلاجات الّتي يمنحها الكيان للعالم، ومن خلال تبنّي “جدلية الأنا وما ليس أنا-le non moi وهي من جدلية مشهورة في المثالية المطلقة لفيخته Fichte  تحدّد علاقة الأنا بالعالم الخارجي باعتباره مجرّد طريقة تتعرّف بها الذّات على ذاتها وقد انعكس هذا التّفكير الكوني cosmique  في  حديثه عن الشّاعر وإدراكه العالم”[23].

يرتكن مفهوم الإيقاع إلى مبدأين أساسيين هما النّفيّ والتّأسيس: نفيّ الواقع المحسوس وعناصره الماديّة وتأسيس “محميّات رمزيّة” تنفرُ إليها الذّات لتتخلّص من أدران التّعيين، ومن أعباء الماديّ. وليس النّفي هنا بمعنى الإلغاء أو الهدم وإنّما بمعنى التّجاوز: تجاوز الوجود البيولوجي للعالم، وخلخلة الأبعاد الإناسية للإيقاع من أجل إدراك النّظام الخالد للوجود. عند هذا الحدّ يتسنّى للذّات إدراك النّسغ الصّافي للأشياء والكشف عن السرّ الخالص للجزئيات الإيقاعيّة، الّتي تمثّل المتعةَ الميتافزيقية والمثالية الّتي تتغلغل في الرّوح الإنسانية لتكشف عن الصّور الخالدة في الطبيعة والذّهن والذاكرة. “هكذا يبدو العالم المحسوس متلاشيًا فلا يحتفظ خيالنا من الأشياء إلّا بأبعادها غير المتعيّنة “[24].

تتحوّل اللّحظة الإيقاعيّة إلى طقس تعبُّدي ومرتكنٍ ثقافيّ، يضطلع بدور التّطهير: تطهير الأرواح والعالم. وتتحوّل لحظة الانتشاء الإيقاعيّ إلى عمليّة تمثُّلٍ رمزيّ للعناصر وإدراك صوفيّ للعلاقات والصّفات. وهو ما يجعل من الإنسان المشتغل بالإيقاع إنسانًا رائيًا، هذا “الإنسان الّذي اختار أن يحيا متوحّدا بالله بعيدًا عن الشّكوك والآلام، فالأمر لا يتعلّق فقط بالرّعشة المتعالية للرّوح الّتي سريعًا ما تتيه وسط الكون الشفّاف للأفكار الخالصة”[25].

تقوم الجمالية الإيقاعيّة على جملة من الأسس النّظرية، ” وثمّة فكرة أساسيّة لهذه الجمالية مؤدّاها أنّ التّوق والنّشدان (L’aspiration) وهما نتيجة الرّغبات العنيفة والإشباعات المباشرة موجود لدى الإنسان الجاف، وهذا التّوق يكون مطمحه الحبّ والفرحة والتّناغم والحقيقة. يعتبر التّوق الشّكل الأرقى لهذا الإيقاع الحيوي وهو قاعدة الأنا ويختلف عن الرّغبة وهي شكل أدنى لهذا الإيقاع نفسه ويكون الهدف الأقصى لهذا هو المثال (L’Idéal) “[26].

4_ الإيقاعُ بناءً أنطولوجيّا

إنّ الإيقاع تكريسٌ حقيقيّ لانتماء الإنسان إلى العالم، وإلى اللّغة والتّاريخ والزّمان، ففي “جوهره مبدأٌ أزليّ إلهي يضمن استمرار حركة الظّاهرات المادّية بما يوفّر لها من التّوازن والتّناسب والنّظام”[27]. هكذا يتحوّل الإيقاع إلى وجهة وجوديّة، ووحدة أنطولوجيّة تقرنُ الإنسان بالعالم وتربط الإيقاع بالذّات، الأمر الّذي يجعل من الفرد كائنًا إيقاعيّا لا يفهم العالم ولا ينخرط فيه إلّا بواسطة العبقرية الإيقاعيّة والمدى النّغمي الّذي يُدركه ويُحدِثهُ من حوله.

ارتبط الإيقاع بالحيّزين الزّماني والمكاني في علاقة بلحظة الوجود ولحظة الوعي بهذا الوجود، فوجود الإيقاع سابق للحظة الوعي به. وفي مستوى الكتابة الشّعريّة جرى الإيقاع ووُجِدَ استعمالا وإجراءً قبل أن يتشكّلَ بعد ذلك الوعي هذه الإيقاعات وتتبلور في بُحور شعريّة. وعليه يتحوّل الإيقاع إلى مقولة زمانية في علاقة بمجالين أحدهما قَبليٌّ يقابلهُ زمن الحُضور الحسيّ وثانيهما بَعْدِيٌّ ويُقابله زمن الإدراك. وفي هذا الصّدد يمكن العودة إلى تمييز هوسرل Edmund Husserl بين نوعين من الزّمن: “أحدهما موضوعي وثانيهما مثالي أو مُحايث. ولِفَهمهما نَعود إلى المثال الآتي: فعندما نتحدّث عن مكعّب مثلا، نقول إنّ الزّمان يقترن بوجود المُكعّب مثلما يقترن بإدراك المُكعّب”[28].

هكذا يغدو الزّمان مُنشِئًا للوعي الإيقاعي، فنحن إزاء زمن قَصْديٍ يحملُ بين طيّاتها أدوارًا اتّصاليّة ومعرفية. إنّ الوعي بالإيقاع هو وعي بالزّمان. لذلك يقول برغسون Henri Bergson: “إنّ الزّمان هو بمنزلة وعي مباشر”[29]. يُكرّسُ الإيقاع أصالة العلاقة بين الذّات والوجود والزّمان، فيَفرضُ علاقات داخلية بين الكائن ومُحيطه وعناصر هذا المُحيط، لذلك يتسنّى علينا إدراك طبيعة هذه العلاقات والوعي بها. “نحن مَدعوون إلى إدراك الزمان والذات معًا لأنّ بينهما اتّصالا داخليا”[30].

تنفي مقولة الإيقاع مبدأ الإنسان المتعالي أو ” الذات المتعالية” حسب التّصوّر الهوسرلي، هذه الذات الّتي تُضحّي بالتّاريخ الإنساني لتؤسّسَ منطلقات معرفية صلبة، تُفسّرُ الظّواهر وتتعامل مع العناصر عبر الحدس التّجريبيّ والوعي الخبريّ.وهو ما يتحقّق من خلال المشاهد الحسّية والرّمزية والذّهنيّة للإيقاع في أشكال وألوان نغمية مختلفة سواء كانت طبيعية المنشأ أو عقلية. وهو ما يضمن وجود الإنسان داخل العالم عبر الوعي بالظّاهرة الإيقاعيّة وإدراكها، عندها فقط تُحقّق الكينونةُ كينونتها، فوحدهُ “الإنسان يوجد”، أي إنّ “الإنسان هو هذا الكائن الّذي كينونته معلنةٌ في الكينونة، انطلاقًا من الكينونة وذلك من خلال الوقفة الّتي تلحُّ على أن تظلّ مفتوحة أمام انكشاف الكينونة”[31].

عند هذا الحدّ يعلن الإيقاع عن ميلاد الإنسان داخل الوجود، وتُعلن الكينونة عن تحقّقها، عبر الصّرخة المدوّية الّتي يطلقها الكيان في وجه العالم قائلا: ” ها أنا ذا ” être le-là بالتّعبير الهيدغيري، إنّها لحظة الوجود ولحظة الإدراك ولحظة المعرفة، إنّها الفجوة الّتي تخلقها الذات داخل العناصر لترفع الحجاب عن الوجود. “وبعبارة واحدة هو “الدازين” Dasein، هو نمط وجود و”نمط كينونة”، والدازين يختصّ بكونه الكائن الّذي يفهم كينونته ” الخاصّة”. ولذلك فالدازين يوجد دائما في ضمير المتكلّم “أنا” الأنا الّذي يخصّه بماهو كائن”[32].

يُعبّرُ الإيقاع عن أصالة العلاقة بين الكائن الإنسانيّ والعالم. حيث لا يمكن لهذا الكائن أن يفهم ذاته ولا أن يلج فيها إلّا عبر الظّواهر الإيقاعيّة، وبواسطة العلاقات الّتي يعقدها مع سائر العناصر. ومن أجل ذلك يحرص الإنسان على تحصيل الحقائق والعبور إلى الذّات في أوج انخراطها في الإيقاع واستقلالها منه، و”وهذا الاستقلال الظّاهر ليس استقلال “الوعي الاستطيقي” المتجرّد والمنعزل، بل هو اتحاد المعرفة بالوسيط الحسّيّ اتحادًا تامّا، هو توسّط المعرفة بالمعنى الأعمق للكلمة”[33].

ينخرط الإنسان في الوجود ويتعامل معه بواسطة التمثّلات الصّوتيّة والظّواهر البصريّة والحركيّة. وليس الإيقاع هنا موضوع معرفة بل مَوْضِعَ معرفة، كما أنّه سابق على أيّ معرفة وعلى أيّ موضوع للمعرفة. وعليه فالعالم “ليس موضوع معرفة بل مقام، ولذلك فإنّ الكينونة – في- العالم هي ظاهرة أصليّة سابقة على أيّ معرفة وعلى أيّ موضوع معرفة “[34].

هكذا فإنّ الذّات الإيقاعية ذات مسكونةٌ بالتّاريخ واللّغة والتوهّج، ذات تتّحد بالموضوع فتتّصفُ بصفاته ويتلوّنُ بسماها. فالإيقاع يتراوح بين أن يكون “الذات”[35]، وبين أن يكون “معنى الذات”[36].

عند هذا الحدّ تسقط: كلّ الفواصل بين الذّات وبين الإيقاع بوصفه خلخلة للفراغ وهدم لأسطورة العدم عبر الإطلالة على مدارات الخلود والبقاء، فالإيقاع مؤسِّسٌ للدّيمومة والبقاءِ وللوجود. وهو “مبدأٌ أقرّتهُ العبقريّة الفنيّة والخيال الخلّاق لنُظم الحركة الفنيّة طبْقَ مثال من الحركة ونموذج من الحسن يلبسها حسنًا وجمالا ويكسبها روعةً وجلالا”[37].

يُعبّر الإيقاع عن العلاقة الرّمزية بين الذّات والعالم، فهو الشّاهد والدّليل على الارتداد العميق إلى أبنية الوعي المُتجسّدة في المكان والزّمان والذّاكرة. وهو العلامة الضّامنة لمبدأ الصّيرورة التأويليّةِ في إطار سلسلة من المظاهر الواعية، وتعتَبَرُ هذه الصّيرورة “الضّمانة الوحيدة لتأسيس نسق سميولوجي يوضّحُ نفسه بنفسه من خلال إمكاناته الذّاتيّة ومن خلال أنساق قلب متتالية يشرحُ بعضها بعضًا”[38].

يُعتبرُ الإيقاع لحظةً تأسيسيّة ولحظة الخروج عن “مدارات التّيه”, والولوج في مسارات الوعي، عبر استعارة الكوجيتو الدّيكارتي حتّى غدا الإيقاع بهذا الشّكل منطلقًا من منطلقات الوعي والدّليل على الانعتاق من العدم، وقد لخّص “ماوس” هذا البعد الأنطولوجي بقوله: ” أنا أوقّع إذن أنا موجود”[39].

5_ الإيقاع بناءً ثقافيًّا

يُعدُّ الإيقاع بناءً ثقافيًّا متميّزًا بوصفه خطابًا ودلالة، فهو انشغال دؤوب بالكلمات والأسلوب، وتجربة متفرّدة في اكتشاف المعنى. ويقوم على رصد الحركات الدّاخلية للتّراكيب المُجراة داخل النّسيج الذّهني والحسيّ للعناصر، “إنّه الفاعلية الّتي تنقل إلى المتلقّي ذي الحساسية المرهفة الشّعور بوجود حركة داخلية، ذات حيوية متنامية، تمنح التّتابع الحركيّ وحدة نغميّة عميقة عن طريق إضفاء خصائص معيّنة على عناصر الكتلة الحركية”[40].

يُحقّقُ الإيقاع للخطاب تفاعلات صوتية وبصرية عبر التّصوّرات الإبستميّة والرّؤى الجماليّة الّتي ينحتها من الرّصيد الفكريّ الإنسانيّ ومن العبقرية الفنيّة الذّاتية. وقد برزت هذه الخصيصة في جملة من المحاولات النّقديّة قام بها كوكبة من الدّارسين لإظهار التّعالق بين الإيقاع باعتباره معطًى قبليًّا، وبين الخطاب بوصفه مكتسبًا ثقافيًّا. ونذكر في هذا الإطار محاولة “كمال أبو ديب” الّذي اتَّخَذَ من “النّبر” محملًا معرفيًّا لدراسة الإيقاع وتحديد خصائصه داخل النّصّ الشّعريّ باعتباره حاويًا لجملة من التّشكيلات الصّوتية والتّوتّرات الدّاخلية.

ويعدُّ النّبرُ خاصية جماليّة وسمة نفسيّة بارزة، فله “جانبه الحيوي الّذي ينبع من التّجربة الشّعريّة على مستوى الحركة الدّاخلية للتّركيب الشّعريّ، ويُقصدُ بالحركة الدّاخلية هذا التّفاعل الخلّاق بين عناصر العمل الفنّيّ الّتي تنسج بنية القصيدة. والبنية كما تفهم هنا هي ما يسميّه عبد القاهر الجرجاني “صورة المعنى”[41].

أقام أبو ديب نظريته الإيقاعيّة على فاعلية النّبر باعتباره مفهومًا مركزيًّا اصطفاه ليكون بديلا من عروض الخليل ومحدّدًا أساسيًّا لملامح الشّعريّة العربية. ويقوم النَّبر على إظهار بعض العناصر الصّوتية داخل التّراكيب أو الأسطر الشّعريّة عبر ممارسة الضّغط الفزيولوجي على تلك العناصر.

ويتحوّل الإيقاع إلى بناء ثقافيّ باعتباره نسيجًا له ديناميته المتميّزة وتاريخيته الخاصّة، فهو جدلية المكتوب والمقروء، حيث ينضوي تحت منظومة من الديناميات المختلفة الّتي تصير بفعل التّواتر قوّة إنتاج استطيقية. و”تُعدُّ قوّة الإنتاج الاستطيقية قوّة العمل النّافع ولها الغائيّة نفسها، وما يجوز لنا أن نُسمّيه علاقة الإنتاج الاستطيقية كلّ ما تتركّز فيه قوّة الإنتاج وتعمل عليه. إنّما هي ترسّبات أو بصمات لعلاقات الإنتاج الاجتماعيّة، إنّ الطّابع المزدوج للفنّ بوصفه قائمًا بذاته وواقعة اجتماعيّة، ينبسط بلا انقطاع، على كامل منطقة قَيْمُومَتِه الذّاتيّة”[42].

هكذا يصير الإيقاع قوّة إنتاج اجتماعيّ وثقافيّ واستطيقيّ عبر انخراطه في جملة من العلاقات التّفاعلية بين عناصر العمل الفنيّ، هناك حيث يلتحمُ الإيقاع بمختلف التّشكيلات اللّسانية والمسـتويات الدّلالية والتّشقيقات اللّغوية، حتّى غدا الخطاب بهذا المنحى “الرّحم الإيقاعيّ”[43] الذّي تجتمع فيه الأجزاء الإيقاعيّة.

إنّ الإيقاع خطابٌ لكنّه خطابٌ مميّزٌ، فهو بمثابة نظام جامع يتراوح بين الخفاء والتجلّي، ويقوم على مجموعة من التأليفات المخصوصة الّتي تفيضُ عن اللّغة والأشكال، فنظريّة الإيقاع تساوي “نظرية الخطاب، ونظرية الخطاب هي ذاتها نظرية الإيقاع”[44].

ينفي هنري ميشونيك (Henri Meschonnic) أن يكون الإيقاع مجرّد مكوّن من مكوّنات الخطاب، بل إنّ نظرية الخطاب ونظرية الإيقاع صنوان، لذلك أكّد مكانته في اللّغة قائلا: “أُعرّف الإيقاع في اللّغة باعتباره تنظيم العلامات الّتي بواسطتها تنتج الدّوال اللّسانية (في وضع التواصل الشّفويّ) معنوية مخصوصة متميّزة عن المعنى المعجميّ، والّتي أسمّيها التّدلال أي القيم الخاصة بخطاب وخطاب واحد، ويمكن لهذه الوحدات أن تنوجد في كلّ المستويات اللّغة: النّبريّ والنغميّ والمعجميّ والتّركيبيّ. إنّها تكون معًا تبادلية وتراكنية تُحيّد بالضّبط مفهوم المستوى”[45].

يُسهمُ الإيقاع في خلق جملة من الأنساق التّواصليّة الّتي تقوده إلى ربط مواثيق اتّصاليّة بينه وبين ذاته، وبينه وبين الآخر، فالإيقاع مُنشِئٌ للّغة وخزّانٌ للدّلالات، فهو خطابٌ إبداعيٌّ ” مثقلٌ بالرّموز الّتي تتيحُ للدّوال أن تتخلّص من دلالتها المعجميّةِ، والامتلاء بدلالات تناسبُ التّجربة الإبداعيّة وما تتميّزُ به من عمقٍ وثراء”[46].

هكذا يتأسّسُ الخطاب على ترابط المعنى والإيقاع. وهو ما يجعل منه (الخطاب) “محميّة دلاليّة” وإيقاعيّة.

6_ الإيقاعُ بِناءً عَروضيًّا

من الأخطاء الّتي وقع فيها بعض الدّارسين: استعمال لفظتي الإيقاع والعَروض الاستعمال نفسه منطلقين في ذلك من إبستمية عربية تقرن الإيقاع بالممارسة العَروضية. وهو ما جعل هذه المقاربة تُلقي بظلالها على جوهر الإيقاع تعيينًا وتحديدًا، فلم تكد تخلو محاولات تعريف الشّعر من التّنصيص على مكانة الخصائص العروضية باعتبارها علامة أساسية على الشّعريّة. وما عزّز هذه النّظرة أنّ التّراثُ النّقديّ لم يفهم الشّعر إلّا ضمن علاقته بعموده (عمود الشّعر) الذّي عُهِد إليه تعريف الشّعر وضبط خصائصه وتحديد مكوناته، ومن ذلك التّعريف الأصولي للشّعر بأنّه ” كلامٌ موزونٌ مُقفَّى ذو معنى”.

تعجزُ المقاربة العروضيّة عن تفسير الظّواهر الإيقاعيّة قاطبة، وذلك في إطار علاقة الذّات بالّدلالة والخطاب، “فمن الزّاوية النّظرية يرجع أوّل المطاعن في علاقة العروض بالذّات المبدعة ومعنى الخطاب. إذ لمّا كان العروض قياسًا للأزمان الّتي لا تنتمي إلى أيّ شخص، فإنّ الدّراسة العروضية لا تفضي إلى الحديث لا عن أزمان الذّوات ولا عن أزمان المعنى، لذا لم يكن للعَروض في النّظرية التّقليدية للإيقاع معنى، وهو لا يقول شيئًا ولا يفضي إليه، لأنّ لا معنى للبحر وهو مستقلٌّ عنه جوهريّا”[47].

تتمُّ الدّراسة العروضية عبر رصد جملة من الظّواهر الصّوتيّة منطلقةً في ذلك من نسيج اجتماعيّ وسياق حضاريّ يحتفي بالمشافهة. وهو ما أكسب الشّعريّة في بداياتها بعدًا شفويًّا لا كتابيًّا وطابعًا جماعيًّا لا فرديّا. في حين يُعنى الإيقاع بتتبّع “كلّ الظّواهر الصّوتيّة والتّركيبيّة والعروضيّة الّتي تتعاود في انتظام تامّ حينًا وفي غير انتظام وتقايس أحيانًا”[48].

ليس الإيقاع عَروضًا فحسب، وليس العروض إلا جزءًا من منظومة أشمل هي الإيقاع. ويتجلّى هذا التّباين في المستويين اللّغويّ والدّلاليّ، ” فلفظ عَروض وردت اسمًا لمكانٍ في مكّة، بل لأماكن عدّة في الجزيرة العربية، فقيل إنّ الخليل لمّا كان َبعروض مكّة اكتشف علمه فسمّاه به تيمّنًا”[49]. وقد قيل عن “العَروض التّفعيلة الأخيرة من الشّطر الأوّل من البيت الشّعري”[50]. وأمّا علم العَروض ف”هي التّسمية التّقنية الّتي تُحدّدُ صناعة النّظم في الشّعر الكلاسيكيّ، وفي المعنى الأوسع للمفردة، يُغطّي “علم العروض” كلّا من علم الوزن الشعريّ و”علم القوافي”[51].

ساد الإيمان بالعَروض _لقرون عدّة_ باعتباره قوّة معرفيّة يُميِّزُ به القارئ جيّد الشّعر من رديئهِ. وهو ما يقودنا إلى الإقرار بأنّ الدّراسة العَروضية دراسة تقنية وغائيّة في آن، إذْ تُعنى بمعاينة جملة من التّقنيات الّتي يستند إليه النّصّ الشّعريّ، فتكسبه شرعيّة الوجود وشعريّة التّصوّر والفهم. ويُعتمدُ علم العَروض للاهتداء  إلى ما أُحسن سَبكه من الشّعر ممّا هو دون ذلك. في حين أنّ الإيقاع فَوْرَةٌ من الطّاقات الحيويّة المختلفة، يَعبُرُ جسد الخطاب دون أن يذوب فيه ودون أن ينسلخ عنه، فهو ” أوسع من العَروض ومشتملٌ عليه، وبذلك يكون الإيقاع نسقًا للخطاب وبنية لدلاليته”[52].

يكتسي الإيقاع من خلال ذلك قيمة شموليةً جامعةً تتجاوز العَروض وتحتويه. وفي إطار ذلك تسعى الذّات إلى الإعلاء من منزلته بإحكام بناء العلاقات السّياقيّة بين العناصر جميعها إلا أنّها مغامرة غير مضمونة النّتائج نظرا إلى تشعّب الإيقاع واتّساع مجالاته، حيث يبقى مجالا “مجهولا من قبل الذّات الكاتبة، وهذه ليست هي المتحكّمة فيه ولهذا يتجاوز الإيقاع البحر الشّعريَّ”[53].

إنّ الإيقاع أوسع من العَروض وأشمل منه، فهو “أعمُّ من الوزن، والأحرى أنّ نقول إنّ الوزن هو أحد عناصر الإيقاع، أو إنّ الأوزان هي قوالب عروضية يستعان بها في تنظيم الإيقاع وتوجيهه، إيقاع الشّعر هو علاقات خاصّة بين مستويات كثيرة، المستوى النّحوي والمستوى البلاغي والمستوى العروضي..”[54].

إنّ الإيقاع طاقات متفجّرة، مسكونةٌ بالتوهّج والزّمان وبتلوينات العروض وطبائعه، “فعندما ينقسم الإيقاع إلى أقسام متساوية يعطينا الوزن الّذي يخضع لتتابع وتكرار بشكل منظّم وثابت، أمّا إذا اختلف الكمّ والكيف فيتشكّل الإيقاع. أمّا الفرق الجوهريّ فيظهر في أنّ العَروض يركّز على البيت الشّعريّ في منظومة احتفت بوحدة البيت، أمّا الإيقاع فهو النّسق لكلّية النّصّ الشّعريّ في منظومة تحتفي بوحدة القصيدة، ولا يمكن معها النّظر إلى البيت خارج بناء النّصّ الشّعريّ ككل”[55].

يعدُّ البيت ركيزةً أساسية من ركائز الشّعريّة القديمة، باعتباره الحاوي لكلّ إمكانات الظّاهرة الإيقاعيّة، واللّبنة الّتي تنبني عليها كامل القصيدة، والنّواة المشكّلة للعمليّة الشّعريّة برمّتها. وقد تمّت دراسة كلّ بيت بمعزل عن غيره من الأبيات، وعليه فقد جُرِّدَ النّصّ من وحدته العضويّة نتيجة الاهتمام بالجزء (البيت) بدل الكلّ (القصيدة)، وهو ما أوقع جلّ الدّراسات في شَرَكِ التّفكّك والتّشظّي.

قامت التّنظيرات الشّعريّة الحديثة على إعادة العلاقات بين أجزاء النّصّ وتغيير فهم الكلّ والجزء، فتحوّل القصيد إلى وحدة عضويّة “لأنّ البيت في الوعيّ الشّعريّ المعاصر لا يوجد خارج الصّلة بباقي الأبيات”[56].

عُــدَّ هذا التّحوّل قلبًا جوهريّا في المدوّنة الحديثة، فوقع إعادة ربط الصّلات بين أركان القصيدة: “ذلك أنّ الإيقاع في النّصّ يقوم على الكثرة والتّنوع بينما لا يعترف العَروضيّ إلّا بالواحد المتناهيّ، والدّليل على رؤيته الأحاديّة التّفقيريّة أنّه متى وجد اختلافًا أرجعه عبر مقولة العُدُول عن النّمط إلى الواحد. وفي مقابل ذلك فإنّه يمكّننا أن نعبّر عن ذات البنية الزّمنية موزّعة بذات الكيفيّة في عدد من الأبيات، لكن معنى كلّ بيت مختلف عن الآخر لأنّ شكل التّنظيم الإيقاعي ومواضع الوقوف والعلامات بين الوحدات الجزئيّة المكوّنة للبيت مختلفة من بيت إلى آخر، إلّا أنّ العروض عاجزة عن النّفاذ إلى تلك الاختلافات وتحديد ماهيتها، فالوظيفة أو الوظائف الّتي نهضت بأدائها”[57].

قامت الدّراسات الشّعريّة المعاصرة على أساس المناداة بالنّظريّة الإيقاعيّة المفتوحة، وإطلاق العنان للذّات وللنّصّ في شكل شحنات إيقاعيّة حيوية قطعت مع المنظومة النقديّة القديمة الّتي تُفسّرُ الشّعرَ بالعَروضِ، فخلقت مُمكنات موسيقيّة جديدة تتماهى مع الرّؤى الفرديّة والمغامرات الرّوحيّة، الأمر الّذي فتح القصيدة الحديثة على مدارات تجريبيّة كانت غائبة قديما. أعاد هذا التّصوّر رسم معالم الخارطة  الابستمية الجديدة على اعتبار الوزن جزءا من الإيقاع أكبر، وأنّ “البحور أجزاءٌ من الإيقاعات”[58].

قامت الشّعرية الحديثة على إعادة بناء العَروض بوصفه مُعطًى قبليًّا حتّى يستجيب لتقلّبات التّصوّرات الجديدة، لذلك عُدَّ عنصرًا “من عناصر الإيقاع وهذا معناه أنّ العَروض دال يتفاعل مع دوال أخرى لبناء الإيقاع في نسق ينتج دلاليّة الخطاب، ولكن العَروض يعود للمقيس ولمّا يقبل العدّ، وهو كمعطى قبلي يماثل وضعية النّحو بالنّسبة للغة (..) ولكن حداثة الشّعر المعاصر أصبحت ترمي لإعادة بناء هذا المعطى القبلي فيما هي تتوجّه نحو إعادة بناء الإيقاع برمّته في الخطاب وبالخطاب بالخروج على العروض أيضا”[59].

الخاتمة:

ننتهي من كلِّ ما تَقَدّم إلى الاعتبار الإيقاع أحد المبادئ الخالدة التّي تأسّس عليها الوجود بَدءًا بكلّ ماهو حسّيٌّ وسماعيٌّ وصوتيٌّ كالأصوت التّي تُصدرُ عن مختلف العناصر ولها مقاييس تُقاس بها ولها امتداد كمّيٌّ وفزيائيٌّ، ومرورا بكلّ ما هو متحرّك في حَيّزٍ معلوم أو غير معلوم كحركة الكواكب والأمواج والزّمن، ووصولًا إلى إيقاعات الألوان والظّلال والخطوط والرّسوم.

إنّ الإيقاع مُنتجٌ للمعنى وحاضنٌ للدّلالة. وهو رَديفٌ للجوهر والمُحدّد لِكُنهِ الأشياء والمُحدّد لكينونتها وحضورها تاريخيًّا ومعرفيًّا وجماليًّا وأنطولوجيًا.

إن مسألة الإيقاع من أكثر المسائل حُظوة في مستوى الاهتمام والدّراسة قديما وحديثًا شَرْقًا وغربًا. ومَردُّ ذلك تداخل مبحث الإيقاع مع عديد المجالات والعلوم كالعروض والموسيقى والطّبيعة والطّب والحركة واللّغة وغيرها…  وهو ما يُفسّر صعوبة وضع مفهومًا نهائيّا للإيقاع، فهو من أكثر المفاهيم تمرُّدا عن كلّ تعريف وضبط ووحدٍّ. ورغم ذلك سعت جملة من المعاجم العربية والغربية إلى الوصول من تعيين مفهومٍ للإيقاع. وانتهت إلى مجموعة من المُحصّلات من قبيل التّعالق والتّواشج بين الإيقاع واللّحن والغناء. مثّلت هذه المُحصّلات منطلقات بنائيّة للبحث في مُتصوّرات الإيقاع وانزياحاته وراهنيته في التّشكيل الجماليّ والنّفسيّ والذّهنيّ.

يتقاطع مبحث الإيقاع مع كل ماهو كُرونولوجي ومعرفيّ وثقافيٌّ وأنطولوجيّ وشعريّ باعتباره أسًّا من الأساسات القَبْلِية والسّياقيّة الّتي انْبَنتْ عليها هذه المحامل. وفي ذلك إثبات لتعالق الإيقاع بمسألة الزّمن بوصفة مجموعة من الحركات أو الأصوات أو المقاطع الّتي تتعاود بانتظام وتواتر داخل بنية مُعيّنة مثال الإيقاع داخل البيت الشّعري. ويعتبر الإيقاع مُؤسّسًا لما هو معرفيّ ثقافيّ نظرا إلى انتسابه إلى الخطاب. لكنّهُ في المقابل خطاب من نوع خاص له سماته المُتفرّدة ومعالمه المميّزة الّتي تُبوِّئهُ منزلةً عليَّةً

يُعدُّ الإيقاع جوهر العناصر والعلامة على وجودها، فهو والحقيقة صنوان. وهو إعلانٌ حسّيٌّ ورمزيٌّ عن انتماء الكائنات والموجودات إلى عالمها وكيانها وذاتها.

اكتسبت الممارسة الشّعرية الجديدة مرونةً وحركية في علاقتها بالقضايا الإيقاعية الّتي أثارتها الدّراسات الحديثة، فتوصّلت إلى شمولية مفهوم الإيقاع، واستيعابه لمختلف البدائل الإيقاعية والوزنية والعروضية التّي استندت إليها الشّعريّة الجديدة. وهو ما ساهم في ميلاد عديد النّماذج التّعبيريّة التي تتّخذُ من الانزياحات والمجازفة والمغامرة ضرورة للتّعبير عن مكامن الرّوح وتطلّعات الذّات وغربة الذّاكرة وحيرة السّؤال.

 

قائمة المراجع:

  • مراجع عربية:
  • ابن سينا، جوامع علم الموسيقى، تحقيق، زكريا يوسف، نشر وزارة التربية، القاهرة، دط، 1956
  • ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، دط، دت، المجلد8.
  • أبو ديب (كمال):

_ الرؤى المقنّعة، نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي، مطابع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، دط، 1986.

_ في البنية الإيقاعية للشعر العربي، نحو بديل جذري لعروض الخليل ومقدمة في علم الإيقاع المقارن، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1974.

  • بن عياد (محمد)، مسالك التأويل السيميائي، التسفير الفني، صفاقس، تونس، ط1، 2009
  • بنكراد (سعيد)، السميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها، المغرب، الرباط، سلسلة شرفات، منشورات الزمن، 2003.
  • بنيس (محمد)، الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاته، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب،ط2، 2001.
  • الجوة (أحمد):

_ من مسارات الشعر العربي المعاصر، مطبعة التسفير الفني، صفاقس، تونس، ط1، 2005.

_ المطوّلة في الشعر العربي الحديث، مطبعة التّسفير الفنّي، صفاقس، ط1، 2011.

  • خير بك (كمال)، حركية الحداثة في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط2.
  • الزيدي (توفيق)، مفهوم الأدبية في التراث النقدي، سراس للنشر، تونس، دط، 1988.
  • سعيد (خالدة)، حركية الإبداع، دار العودة، بيروت، ط2، 1982.
  • عبد المطلب (محمد)، قراءات أسلوبية في الشعر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، القاهرة، دط، 1995.
  • العياشي (محمد)، نظرية إيقاع الشعر العربي، المطبعة العصرية، دط، تونس، 1976.
  • الفارابي، جوامع الشّعر، تحقيق، محمد سالم، ضمن تلخيص أرسطو طاليس في الشعر لابن رشد، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، دط، 1971.
  • فخر الدين (جودت)، الإيقاع والزّمان، كتابات في نقد الشّعر، دار الحرف العربي ودار المناهل، بيروت، ط1، 1995.
  • الفيروز أبادي (محي الدين)، القاموس المحيط، شركة فن الطباعة، مصر، ط5، دت، ج3، المجلد 4.
  • الكعبي (ربيعة)، العروض والإيقاع في النظريات الحديثة للشعر العربي، مركز النشر الجامعي، ط1، 2006.
  • مصطفى (عادل)، فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، منشورات رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، دت.
  • الورتاني (خميس)، الشعر العربي الحديث، خليل حاوي نموذجًا، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، اللاذقية، ط1، 2005.
  • يعقوب (إميل)، قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية، عربي، إنجليزي، فرنسي، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، شباط، 1987.
  • رسائل جامعية:
  • يحياوي (راوية)، شعر أدونيس من القصيدة إلى الكتابة، الكتاب III_II_I نماذج، (أطروحة دكتوراه)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولدي معمري_ تيزي وزو، الجزائر، دت.
  • مراجع معربة:
  • أدورنو (تيودور)، نظرية استطيقية، ترجمة وتقديم وتعليق، ناجي العونلي، منشورات دار الجمل، بغداد، بيروت، ط1، 2017.
  • شولز (روبرت)، السمياء والتأويل، تر، سعيد الغانمي، لبنان، بيروت/ الأردن، عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1994.
  • هيدغر (مارتن)، الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم وتعليق، فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديدة المتحدة،ط1، سبتمبر، 2012.
  • مراجع الأجنبية:
  • Ben Veniste (Emille), Problèmes de Linguistique générale, TI, COL, TEL, Gallimard, 1986.
  • Bergson (Henri), Essai sur les données immédiates de la cnscience, 9émé édition, quadrige, grandes textes (Paris: Presses universitaires de France, 2007).
  • Dubois (Jean), Dictionnaire de linguistique, Paris, 1984.
  • Heidegger (Martin), Qu’est-ce que la métaphysique? in Questions I et II , Paris, Gallimard, 1968.
  • Husserl (Edmund), Méditations cartésiennes: Introduction à la phénoménlogie, Traduit par Emmanuel Lévinas et Gabrielle Pfeiffer, Paris, Vrin, 1953.
  • Juszezak (Joseph), Les sources du symbolisme, Sedes, Paris, 1985.
  • Merlau- Ponty (Maurice), La phénoménlgie de la presption,

Paris, Gallimard, 1945.

  • Meschonnic (Henri):

_ Critique du rythme, éd, Verdier, 1982.

_ Les états de la poétique. P.U.F. 1985.

_ Pour la poétique ll, Le chemin, N, R, F Gallimard, Paris, 1973.

  • Mockel (Albert), Esthétique du symbolisme, Palais des académies, Bruxelles, 1962.
  • Lotman (Iouri), La stucture de texte Artistique.
  • Pineau (joseph), Le mouvement rythmique en Français: Principes et méthode d’analyse, Klinchsieck, Paris, 1979.
  • Umberto Eco, La structure absente, introduction à la recherche sémiotique, Paris, éd, Mercure de France, 1972.

 

 

[1] العياشي، محمد، نظرية إيقاع الشعر العربي، المطبعة العصرية، دط، تونس،1976، ص96.

[2] بنيس، محمد، الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاته، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2001، ج3، ص106.

  [3]الورتاني، خميس، الإيقاع في الشعر العربي الحديث، خليل حاوي نموذجًا، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، اللاذقية، ط1،2005، ج1، ص9.

[4] Meschonnic, Henri, Pour la poétique ll, Le chemin, N. R. F Gallimard, Paris, 1973, p17.

[5]  بنكراد، سعيد، السميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها، المغرب، الرباط، سلسلة شرفات، منشورات الزمن، 2003، ص، 71.

[6] Ben Veniste, Emille, Problemes de Linguistique générale, TI, COL, TEL, Gallimard, 1986, p 327.

[7] الإيقاع في الشعر العربي الحديث، م س، ج1، ص 24.

[8]  نفسه، ص 30.

[9]  الزيدي، توفيق، مفهوم الأدبية في التراث النقدي، سراس للنشر، تونس، د ط، 1988، ص 137.

[10]  ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، دط، دت، المجلد8، مادة “وقع” ص 408.

[11]  الفيروز أبادي، محي الدين، القاموس المحيط، شركة فن الطباعة، مصر، ط5، دت، ج3، مادة “وقع” المجلد 4، ص10

[12]  الكعبي، ربيعة، العروض والإيقاع في النظريات الحديثة للشعر العربي، مركز النشر الجامعي، ط1، 2006، ص ص 335- 336.

[13] Dubois, Jean, Dictionnaire de linguistique, Paris, 1984, p 424.

[14]  بن عياد، محمد، مسالك التأويل السيميائي، التسفير الفني، صفاقس، تونس، ط1، 2009، ص 51.

[15] Pineau, Joseph, Le mouvement rythmique en Français: Principes et méthode d’analyse, Klinchsieck, Paris, 1979, p 11.

[16]  الفارابي، جوامع الشّعر، تحقيق، محمد سالم، ضمن تلخيص أرسطو طاليس في الشعر لابن رشد، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، دط، 1971، ص 172.

[17]  ابن سينا، جوامع علم الموسيقى، تحقيق، زكريا يوسف، نشر وزارة التربية، القاهرة، دط، 1956، ص ص 122-123.

[18]  هيدغر، مارتن، الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم وتعليق، فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، سبتمبر، 2012، ص ص 730-731.

[19]  أبو ديب، كمال، الرؤى المقنّعة، نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي، مطابع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، دط، 1986، ص 581.

[20]  سعيد، خالدة، حركية الإبداع، دار العودة، بيروت، ط2، 1982، ص 111.

[21] Mockel, Albert, Esthétique du symbolisme, Palais des académies, Bruxelles, 1962, P7.

[22]  شولز، روبرت، السمياء والتأويل، تر، سعيد الغانمي، لبنان، بيروت/ الأردن، عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1994، ص ص،14-15.

[23]  الجوة، أحمد، من مسارات الشعر العربي المعاصر، مطبعة التسفير الفني، صفاقس، تونس، ـط1،2005، ص40.

[24] Juszezak, Joseph, Les sources du symbolisme, Sedes, Paris, 1985, p 54.

[25] Ibid, p105.

[26]  من مسارات الشعر العربي، م س، ص 41.

[27]  نظرية إيقاع الشعر العربي، م س، ص 42.

[28] Husserl, Edmund, Méditations cartésiennes: Introduction à la phénoménlogie, Traduit par Emmanuel Lévinas et Gabrielle Pfeiffer, Paris, Vrin, 1953, P36.

[29] Bergson, Henri, Essai sur les données immédiates de la cnscience, 9émé édition, quadrige, grandes textes (Paris, Presses universitaires de France, 2007), p 36.

[30] Merlau- Ponty, Maurice, La phénoménlgie de la presption, Paris, Gallimard, 1945, P 469.

[31] Heidegger, Martin, Qu’est ce que la métaphysique? in Questions I et II, Paris, Gallimard, 1968, p35.

[32]  الكينونة والزمان، م س، ص 803.

[33]  مصطفى، عادل، فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، منشورات رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، دت، ص 287.

[34]  الكينونة والزمان، م س، ص 784.

[35] Meschonnic, Henri, Critique du rythme, éd, Verdier, 1982, p 93.

[36] Ibid, p 90.

[37]  نظرية إيقاع الشعر العربي، م س، ص 42.

[38] Eco, Umberto, La structure absente, introduction à la recherche sémiotique, Paris, éd, Mercure de France, 1972, p 66.

[39] Critique du rythme, Ibid, p 689.

[40]  أبو ديب، كمال، في البنية الإيقاعية للشعر العربي، نحو بديل جذري لعروض الخليل ومقدمة في علم الإيقاع المقارن، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1974، ص ص 230-231.

[41]  م ن، ص 353.

[42]  أدورنو، تيودور ف.، نظرية استطيقية، ترجمة وتقديم وتعليق، ناجي العونلي، منشورات دار الجمل، بغداد، بيروت، ط1، 2017، ص ص 29-30.

[43] Messadi, Mahmoud, Essai sur le rythme dans la prose rimée en arabe, éd, Abdelkrim Ben Abdallah, Tunis, 1981, p142.

[44] Meschonnic, Henri, Les états de la poétique, P.U.F, 1985, p 87.

[45] Critique du rythme, Ibid, p 216.

[46] عبد المطلب، محمد، قراءات أسلوبية في الشعر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، القاهرة، دط، 1995، ص14.

[47]  الإيقاع في الشعر العربي الحديث، م س، ج1، ص 169.

[48]  الجوّة، أحمد، المطوّلة في الشعر العربي الحديث، مطبعة التّسفير الفنّي، صفاقس، ط1، 2011، ص 236.

[49]  العروض والإيقاع، م س، ص 41.

[50]  يعقوب، إميل، قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية، عربي، إنجليزي، فرنسي، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، شباط، 1987، ص 270.

[51]  خير بك، كمال، حركية الحداثة في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط2، ص 208.

[52]  الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتهُ، م س، ج3، ص 107.

[53] Crutique du rythme, Ibid, p 225.

[54]  فخر الدين، جودت، الإيقاع والزّمان، كتابات في نقد الشّعر، دار الحرف العربي ودار المناهل، بيروت، ط1، 1995، ص 29.

[55]  يحياوي، راوية، شعر أدونيس من القصيدة إلى الكتابة، الكتاب III_II_I نماذج، (أطروحة دكتوراه)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولدي معمري_ تيزي وزو، الجزائر، دت، ص 182.

[56] Lotman, Iouri, La structure de texte Artistique, Op.Cit. p 273.

[57]   الإيقاع في الشعر العربي الحديث، م س، ج1، ص 172.

[58] Critique du rythme, Ibid, p184.

[59]   الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاته، م س، ج3، ص109.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.