منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقل الجمعي..عقلٌ مُستبِد أم مُنظِم؟

أنور بلبهلول

0

“العقل الجمعي أقوى من حرية الفرد و يتنافى معها بل قد يتجاوزها أو ينفيها في بعض الحالات مما يجعل سلوك الناس في الحياة سلوك جبرياً” عالم الإجتماع إميل دوركايم.

غالباً ما نطرح أسئلة من قبيل من يحدد سلوكاتنا؟ و كيف نصبح قادرين على التفاعل في مواقف إجتماعية مع الآخر بشكل تلقائي دون الحاجة لأخذ دروس أو حصص توجِّهنا لإنتاج سلوكات محددة و متعددة تقع بشكل كثير في حياتنا. لعل هذا الأمر هو الذي دفع الباحثين في علم الإجتماع و الباحثين في علم النفس الاجتماعي بشكل خاص للإهتمام به من خلال دراسة محددات السلوك الفردي داخل الجماعة و الكشف عن المراجع التي تقوم بهذه الوظائف بشكل مضمر.

يعتبر مفهوم العقل الجمعي أحد المفاهيم الأساس عند دوركايم الذي من خلاله يقوم بتفسير مجموعة من الظواهر و المشكلات، فالعقل الجمعي بالنسبة له يوجد خارج عقول الأفراد إلا أنه يمارس نوع من الهيمنة و السلطة عليهم بتحديده العادات و أنماط العيش و التفاعل و التواصل، يتشكل العقل الجمعي وفق سيرورة مركبة و متداخلة في سياق خارج عن إرادة الأفراد.

فآثار روح الجماعة التي تمتد من جيل إلى جيل و تغلغل التلقائي أو الموضوعي الذي يميز طبيعة الحياة الإجتماعية بالإضافة إلى ما يطبع كل جماعة ثقافية من مميزات تاريخية و دينية عبر فترات التاريخ كلها عوامل و ظروف تؤسس لنا عقل جمعي قوي بسلطة قهرية على الأفراد تدفعهم لتحديد سلوكاتهم و كيفية تواصلهم و تفاعلهم دون أي إدراك مسبق لذالك و ربما هنا تكمن قوة هذا العقل الذي يرتبط و يؤثر في لاوعي الأفراد.
الكثير منا تراجع على سلوكات بعينها عندما كان في مواقف للتفاعل الإجتماعي سواء مع الآخر أو العائلة أو في العمل.. لماذا نحس بالخجل إزاء موقف ما؟ أو نتجاوز وضعيات بعينها ؟من الذي يدفعنا دون تفكير إلى العُدول على أشياء في سياق ما دون أي إدراك أو تفكير مسبق؟

تعد التنشئة الإجتماعية أحد المراحل التي يكون فيها العقل الجمعي أكثر نشاط و تأثير في تشكيل الهوية الثقافية للفرد.ذلك أنه يتشبع و يتخزن بالكثير من المحددات التي تنتج السلوكات و أنماط التفاعل التي تستمر معه إلى سن الرشد و في هذا الصدد يكون للكبار دور كبير في نقل قيم و أفكار و أنماط محددة إلى الجيل الصاعد حيث يقول إميل دوركايم عن التنشئة الإجتماعية “هي تلك العملية التي يمارسها الكبار على الصغار”، بعدها يصير الأفراد يحتكمون ل”الهابيتوس” (مفهوم أساسي عند بيير بورديو)حيث هنا تكتمل ظروف التنشئة التي يعمل فيها العقل الجمعي بشكل قوي و مفيد للأفراد ذلك أنه يزودهم و يعينهم على التفاعل و كيفية التصرف هذا من جانب و من جانب آخر يؤثر بشكل سلبي بعدما نكون أمام عملية إعادة الإنتاج العام لنفس العادات والتقاليد و أنماط العيش التي لاربما قد يكون التاريخ تجاوزها فهل يعمل العقل الجمعي على تنميط الحياة و إخضاع الأفراد لسلطة إعادة الإنتاج أكثر من الإنتاج؟

المزيد من المشاركات
1 من 71

تثبت التجربة الإجتماعية أن العقل الجمعي لأي جماعة حسب خصوصياتها قادر على أن يعيد إنتاج مجموعة من الظواهر و التقاليد التي يكون الراهن في غنى عنها و متجاوزاً لها بحكم سلطته و قهريته على الأفراد بيد أنه تتفاوت حدة القهر الذي يمارسه في جماعات المعرفة إلا أنه يبقى حاضراً بها.

لاريب في أن للعقل الجمعي في جانب كبير منه تأثير سلبي على الأفراد بل يتعارض مع فرص التطور و الإبداع في الكثير من الحالات خصوصاً في المجتمعات التقليدية التي يقل فيها منسوب الوعي المعرفي و العلمي و لهذا يطرح العديد من الباحثين في علم النفس الاجتماعي إمكانية تطور العقل الجمعي مع تطور الحياة حتى لا يبقى هناك تعارض بين حقيقتان طبيعيتان العقل الجمعي من جهة و التطور.

يقدم العقل الجمعي للفرد خدمات مهمة حيث يعمل على إندماجه إجتماعياً و أخلاقياً و دينياً و هذه كلها أمور مهمة جداً لكن عندما يسحب معه أشكالاً ماضوية تقليدية لا تهم في شيء بقدر ما قد تضر و تنمي التخلف يكون من الواجب القطع مع كل تلك القيم و إن كان الأمر يتعلق بعمليات غير مباشرة و هنا تبدو صعوبة الأمر، حينها لا يبقى من مخرج سوى حدوث التغير الإجتماعي باعتباره تغيير يمس البنيات الأساس للمجتمع فتمسي مسألة تغيير العقل الجمعي ممكنة لأن مناهله و مصادره (العقل الجمعي) تتوافق مع ما أفرزه التغير الإجتماعي و لاربما هذا ما يحدث مع الإنسان منذ القدم فكل تغير إجتماعي يعمل على زحزحة العقل الجمعي ليُعدِّل بناه على ما أفرزه رغم أنه يأخذ مدة كبيرة ليتجلى هذا التغير عند الأفراد بعد أن تترسخ نُظم و آليات جديدة للعقل الجمعي.


المراجع:
-جوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير.
-إميل دوركايم: في تقسيم العمل الإجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.