منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسألة التصنيع وسؤال سعادة الإنسان

ذ. محسن الدكني

0

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

تنزيل وقراءة المقال بصيغة pdf

ملخص:

انخرط الفكر الإسلامي المعاصر في الجواب عن أسئلة السعادة الإنسانية وإشكالاتها وعن أسباب ضياعها، رغم السعي الحثيث للإنسان من أجل الظفر بها عبر تطوير التقانة وزيادة وتيرة التصنيع، وجاءت الاجتهادات الإسلامية في الجواب عن تلك الأسئلة متباينة تباين المرجعيات الفكرية المؤطرة، وأثناء الخوض في تلك الموضوعات ظهرت وبقوة مواقف فلسفية أوربية معاصرة، وعبر هذا الاستحضار المزدوج، وجدنا أنفسنا أمام اتجاهين فكريين معاصرين، الأول غربي يمثله كل من الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز، والفيلسوف الفرنسي المعاصر إدغار موران، أما الاتجاه الثاني فهو إسلامي ويتزعمه كل من العلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، والإمام عبد السلام ياسين.

لكلا الاتجاهين -الإسلامي والغربي- تصور حول خلاص البشرية الناجم عن أزمة التصنيع والتقانة، لكن أطروحتيهما لا تتقاطعان إلا في الغاية، أما الوسيلة فتكاد تصل حد التناقض.

المزيد من المشاركات
1 من 45

مما دفعنا إلى طرح الأسئلة الآتية: ما التصنيع؟ وما علاقته بالأزمة البشرية المعاصرة؟ وهل يمكن الحديث عن الخلاص من عبودية التقانة؟

الكلمات المفاتيح: السعادة، أزمة، التصنيع، الدين، الخلاص.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

Contemporary Islamic thought was involved in answering the questions of human happiness and the reasons that stand behind its loss despite the relentless pursuit of the human being to obtain it through the development of technology and increasing the frequency of industrialization. Islamic jurisprudence answers to these questions were totally dissimilar regarding intellectual references. While embarking upon these themes, we found ourselves in front of two contemporary intellectual trends: the western is represented by the German philosopher Herbert Marcuse, and contemporary French philosopher Edgar Morin. And the Islamic which is led by two scholars: Muhammad bin Al-Hassan Al-Hajwi Al-Thaalabi, and Imam Abdisalam Yassin.

Both trends have an approach about relieving humankind from industrialization and technology crisis. Their propositions intersect only in the objective, yet the means almost contradict.

The aforementioned trends raise the following questions: What is manufacturing, what is its relationship to human crisis, what are the ways to human relief?

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

Keywords: technology, industrialization, happiness, religion, Islam, west, crisis.

مقدمة:

تعتبر قضية سعادة الإنسان من القضايا، التي ناقشها العديد من رجال الدين والفلاسفة والمفكرين، واختلفت أطروحاتهم باختلاف مشاربهم وتوجهاتهم. فالليبراليون اعتبروا خلاص الإنسان من شقائه رهين بجعل الفرد يتمتع بأقصى حقوقه، فقدموا الولاء للفرد قبل أي شيء، وغايتهم وصوله إلى حالة الإشباع. والماركسيون حاولوا تقديم بديل أكثر إنسانية وقيمة من الناحية الاجتماعية، جاعلين من مبدأ المساواة الضامن الرئيسي للاستقرار والتماسك الاجتماعي. وكل الشرائع السماوية منذ آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم اهتمت بخلاص الإنسان الفردي والجماعي على حد سواء، خلاص يضمن له حريته وكرامته في الدنيا، وسعادة أبدية في الدار الآخرة.

ونحن اليوم، وفي ظل جائحة “كورونا”، نعيش والعالم أجمع وضعا لايمكن وصفه إلا بالمزري والمأساوي، ففي الوقت الذي كان يَنتظر فيه الجميع أن يتقدم الإنسان مع الزمن، خطوات نحو تحقيق السعادة التي لايفتأ يحلم بها، وجد نفسه أكثر شقاء من ذي قبل، فالموتى بالآلاف، والمصابون بالملايين، ونصف سكان العالم في حجر صحي لاعلم لأحد إلا الله متى يُرفع.

إن ما تعيشه البشرية اليوم، سبق وتحدث عنه رجل من رجالات الفكر المغاربة، العلامة محمد بن الحسن الحجوي رحمه الله ( 1874-1956م) ، حين بين أن العالم “يشاهد مشهداً لم يشهده جيل سابق قط، من التناحر وفساد الأخلاق واضطراب الأفكار، وتباغض الأقطار، وتباعد الأنظار، والتكالب على الإضرار، والتواثب على كل ما ليس بمشروع، ودك قانون سماوي أو وضعي، وانحطاط الهمم وخراب الذمم، وشيوع الفساد في الأرض، وخرق كل إجماع طبيعي، وإفساد كل إصلاح اجتماعي، وكشف قناع كل حياء، وتسلط الأقوياء على الضعفاء وانتزاع الرحمة من كل ضمير”([1]).

فما سبب الأزمة التي أضحى يكتوي بلظاها الإنسان المعاصر؟ وكيف يمكنه الخلاص منها؟ وهل لها علاقة بالدين؟

هذا ما سيحاول البحث الإجابة عنه عبر منهج وصفي تحليلي من خلال ما يلي:

مقدمة: تبين أهمية الموضوع وقيمته والجديد فيه والمنهج المتبع في إنجازه

  • التصنيع مفهومه وأنماطه: حيث سيعرض الباحث مفهوم التصنيع، مع ذكر أهم الأنماط التي عرفها عالمنا المعاصر، مستشهدا بآراء الناقدين للنموذجين.
  • آثاره على الفرد والأمة: حيث يعرض الباحث هنا آثار التصنيع على دين الفرد وعلى تنمية الأمة الإسلامية، مع وصف حال الأمة الإسلامية كما ورد على لسان رجالاتها.
  • سبل الخلاص: وهنا يبين الحلول المقترحة من أجل إنقاذ الوضع المتأزم الذي يعيشه الإنسان المعاصر بسبب التصنيع والتكنولوجيا الحديثة، من خلال عرض اتجاهين فكريين متقابلين، الأول غربي والثاني إسلامي.
  • سؤال تأخر المسلمين وتقدم غيرهم: أما هنا فيسائل الباحثُ الفكرَ الإسلامي عن جدوى التنظير في غياب الممارسة، وذلك بالحديث عن ضرورة إعداد القوة اللازمة للحاق بركب التقدم الحضاري.

خاتمة: تتضمن أهم النتائج المتوصل إليها.

أما المنهج المتبع في هذا البحث، فهو منهج يقوم على الوصف والتحليل، حيث يصف الباحث القضايا كما هي سواء عند الفلاسفة الغربيين أو الإسلاميين، ثم يحللها ويفسرها، ويبحث عن العلاقة الموجودة بينها.

المبحث الأول: التصنيع مفهومه وأنماطه

يهدف هذا المبحث إلى تحديد الآفة المتسببة في أزمة الإنسان المعاصر، والمتمثلة في التصنيع أساسا، مع بيان مفهوم التصنيع، وأهم الأنماط التي سادت في عصرنا الحاضر.

1- آفة التصنيع:

يعتبر محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، أحد رجالات الفكر والتربية الذين خبروا التحولات السياسية  التي عاشها المغرب في مرحلة الاستعمار، سواء من اشتغاله بالتجارة أو الإدارة أو الوزارة، حاول المساهمة  في إصلاح أوضاع البلاد ما استطاع، لكنه رحمه الله قبل ذلك كله، كان إنسانا بمعنى الأخلاق الإنسانية، إذ لم يبحث عن خلاص بلاده فحسب، بل سعى لخلاص الإنسانية جمعاء من شقائها، فتحرى الأسباب الكامنة وراء خراب العمران وشقاء الإنسان، ووجدها متعددة، لكن “لو أجال الإنسان نظره في ما هو السبب الأقوى لتنوع هذه الأنواع لما وجد لذلك سببا أقوى من هذه المخترعات ، وما نشأ عنها من المنافسات في هدم أركان المدنية والإنسانية”([2]). إن الهدف من التصنيع والتقانة هو تقدم الإنسان وتمكنه من الطبيعة وتحقيق السعادة وتوسيع هامش الحريات، لكن الواقع يظهر عكس ذلك، هكذا يراه الحجوي إذ ما لبث أن أصبح طوفانا يجرف الأخضر واليابس، ويعصف بالإنسان اليقظ والناعس، فلم تعد للإنسان إنسانيته، ولا للآدمي آدميته، التي تميزه عن غيره من المخلوقات، بل تحول بدوره إلى آلة، يمكن الاستغناء عنه عند الضرورة أو بعد تمام المهمة، هذه النظرة القاتمة للوضع البشري، يشاركه فيها الفيلسوف الفرنسي المعاصر”إدغار موران (ولد بباريس عام 1921م)، حيث يرى بأن هذه “الأزمة” -كما وصفها- لم تستثن مجتمعا من المجتمعات، سواء المتحضرة منها أو المتخلفة، “لأنه ليس الغرب وحده الذي دخل في أزمة اقتصادية وثقافية، ولكن قاعدة هذا المجتمع وذاك انحرفت وتشققت، وإن الكوكب يعيش أهوالا بركانية”([3])، وبنفس النبرة وبنفس الحسرة يخلص إلى ما خلص إليه الحجوي، بأن التصنيع والتقانة هما سببا خذلان البشرية، ففي الوقت الذي كان يُعتقد أنها “تحت رقابة وتوجيه تنظيم سلطات الدول والامبراطوريات، تكون في الأساس في خدمة الاستعباد والموت، وهي بإمكانها من الآن إبادة الإنسانية، في حين أن وعودها الجميلة والمحررة تتلاشى وتنمحي في الأفق”([4])، هكذا يرى رجلان ثقافتهما مختلفة إلى حد التضارب، أن الإنسان في شقاء، وهو إلى هلاك، والسبب ما جنته يداه.

2- التصنيع وأنماطه:

التصنيع عبارة عن نشاط بشري، يعمل على إنتاج سلع من مواد أولية بهدف تلبية وإشباع حاجيات الإنسان، ونظرا لما له من تأثير على الحياة الاقتصادية والفكرية والثقافية والتعليمية بل والسياسية أيضا، سعى الإنسان جاهدا إلى تطويره، طمعا في مزيد من السيطرة والتقدم في هذه المجالات، وذلك ببناء مزيد من المعامل مع تحديث ما تحتاجه من آلات وتكنولوجيا حديثة، لأن التصنيع يعتمد عليهما بشكل كبير، فهو قرينهما وشريكهما. هذا ظاهر التصنيع، أما باطنه وحقيقته، فقد انعكس سلبا على الإنسان، وبدلا من أن يكون مصدرا للسعادة صار موردا للتعاسة، وأضحى نقمة لا نعمة ومحنة لا منحة، بل ما هو في الحقيقة إلا “مدن تعج بالحركة واستعباد للانسان ونظام وزحام ودخان وركام…التصنيع سيادة الآلة ورأس المال والتكنولوجيا الماسكة بالزمام، على موارد الطبيعة، وعلى وقت الإنسان، وخياله وعقله ورغباته وكله”([5])، وأصبح أداة سيطرة على دول وقارات، وشعوب وحضارات، سيطرة سياسية واقتصادية وثقافية للبدان الأقل تصنيعا وتطورا، بسبب التفاوت في التصنيع بينها.

ولقد عرف العالم المعاصر نمطان من التصنيع: تصنيع اشتراكي وتصنيع رأسمالي.

فأما النموذج الاشتراكي فهو نظام اقتصادي اجتماعي يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الأساسية، من أجل تلبية حاجات المجتمع على الوجه الأمثل. والقاعدة الاقتصادية الأساسية في هذا النظام هي إلغاء التقسيم الطبقي في المجتمع وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، بهدف تحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع. لذلك “رؤية الاشتراكية للإنسان رؤية جماعية، فالبشر مخلوقات اجتماعية قادرة على التغلب على المصاعب الاقتصادية والاجتماعية بالاعتماد على قوة الجماعة بدلا من المجهود الفردي البسيط”([6])، الهدف منه كان تجاوز أخطاء الرأسمالية، لأن الرأسماليون كانوا يقيمون فروقا واضحة بين الفرد والمجتمع، أما الاشتراكيون فيؤمنون بأن الفرد لا يقبل الانفصال عن المجتمع، كما أن النظر إلى البشر كأفراد منفصلين أو على هيئة ذرات مجرد لغو.” فطالما أن البشر حيوانات اجتماعية فقد آمن الاشتراكيون أن العلاقات الطبيعية بينهم ستقوم على أساس التعاون بدلا من التنافس، لأن التنافس يسلط الأفراد على بعضهم البعض ويشجعهم على إنكار أو تجاهل طبيعتهم الاجتماعية بدلا من التمسك بها”([7]). لكن هذا النمط، كان طامة على الإنسان والبيئة معا، ارتطم في تناقضاته وفشل وهوى.

وأما الرأسمالي، فهو نظام “يقوم على التصنيع والسوق ويتحرر من تدخل الحكومة ويُسمح فيه للمشروعات الخاصة بالسعي وراء الربح وتُشجع فيه الأمم على التجارة بحرية مع بعضها البعض”([8])، وهو لايزال للأسف ينخر في الكيان النفسي والعقلي والجسمي للإنسان، ويزداد  تخريبه لهذا الإنسان على قدر نجاح إنجازاته واختراعاته، لأنه يعتبر المجتمع مجموعة من الأفراد يسعى كل منهم لإشباع احتياجاته ومصالحه، نظرته التجزيئية أفرزت إنسانا مشوها أخلاقيا، متنكرا للقيم الإنسانية لايسمع إلا طنين الدرهم والدولار، ولا يؤمن إلا بقوة الأسهم والأرقام، إنسان ناكر لجميل  أخيه الإنسان.

كان سعي النمطين إلى التفوق، دافعا نحو المزيد من التصنيع والإنتاج وتطوير الآلات والتكنولوجيا، مما صير الإنسان العامل على تحقيق هذا الأمل، مجرد أداة من أدوات التصنيع ورقما على الهامش، وأضحى التصنيع وسيلة خنق حرية الإنسان، وطمر سعادته في وحل البؤس والضنك، وهذه شهادة صاحب الدار “هربرت ماركوز”  (1898- 1979Herbert Marcuse) فيلسوف معاصر وأحد ركائز مدرسة فرانكفورت النقدية، قام بانتقاد كلا النمطين بقوله: “إن إمكانيات المجتمع الصناعي المتقدم والقوى الإنتاجية العليا التي يتمتع بها بفضل التقدم التكنولوجي الهائل، يجعلنا نقول أن ذلك سيسمح لنا بتحقيق تغيير جذري في مضمون  الغايات والقيم  بل وفي نمط الحياة المختلفة عما هو سائد في الحضارة السابقة”([9])، فكل القيم النبيلة والغايات السمحة التي كان يعيش تحت كنفها الانسان، وبها تميز عن الحيوان، أصبحت سرابا، وتحطمت أشلاء، تحت شدة وطأة التصنيع والتقانة، فتغير الإنسان وتغير معه نمط الحياة، لذلك اعتبره هيدجر مشروعا ارتبط بالسيطرة، سيطرة تامة على الإنسان في أدق تفاصيله وعلى خصوصيات خصوصياته. هوسه بالسيطرة انقلب عليه وحول قوته ضعفا، وعزته ذلا، وغناه فقرا.

إن وباء “كورونا” ما هو إلا ورقة التوت التي سقطت لتكشف عورة النمطين: النمط الرأسمالي يربط سعادة الإنسان بحاجات الفرد، يتصورها مزيدا من المتعة واللذة، والنمط الاشتراكي يسعى لنفس السعادة المادية رغم تقديمه حقوق الجماعة على حقوق الفرد، في كلا النمطين ولع شديد بل انحباس تام باللذة المادية والقوة الحسية. وثقافة تدور حول ذلك وفن يصوره واقتصاد يخدمه وحكم يدبره. أية سعادة هاته؟ بل أية غفلة هاته؟ تاه الإنسان وغاب عنه معنى حقيقة وجوده على الأرض.

المبحث الثاني: أثر التصنيع على دين الفرد وتنمية الأمة

يحاول هذا المبحث توضيح آثار التصنيع على دين الفرد المسلم من جهة، وعلى تنمية الأمة الإسلامية من جهة ثانية، وبأن فيروس كورونا كشف بأن تقدم الحضارة الإنسانية مجرد ادعاء بل ومحض افتراء من جهة ثالثة.

1- أثر التصنيع على دين الفرد:

لقد سال مداد كثير حول آثار التقانة والتصنيع على الإنسان من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية وغيرها، لكن قلما نجد من تطرق إلى أثره على الدين والأمة. إن إثارة مثل هذا الموضوع أصبحت له راهنيته أمام تعدد أشكال التصنيع التي رفعت في وجه الدين، وأمام ظهور فيروس مجهري أبان عن ضعف الأمة الإسلامية وقلة حيلتها وإلى حاجتها وافتقارها لمن يصنع لها. فما أثر التصنيع على الدين وعلى التنمية؟

المقصود بالفرد هنا، المسلم المؤمن، الذي يؤمن بأنه إلى زوال، وبأن الآخرة هي المآل.

والمقصود بالدين، مطلق الدين من عقيدة وعبادات ومعاملات، سلوكا وأخلاقا.

يرى الحجوي أن “الأديان هي التي أنضجت العقول فالعالم مدين للأديان ومضطر إلى الدين أكثر من اضطراره إلى العلم، فلو أن العلم كان له دين ولم يكن له هذه العلوم الطبيعية والميكانيكية التي فتنت البشر، وأوصلتهم إلى هذه الأسلحة الفتاكة التي لارحمة فيها ولاهوادة … لكان حاله أحسن مما هو عليه الآن، وما وصل إليه بعد الحرب العظمى من القلق والاضطراب والجشع”([10])، إن الدين بالنسبة للحجوي هو صمام أمان البشرية، دونه تعم الفوضى ويحل الخراب، وتنقطع الصلات وتنحل العلاقات، والتسارع نحو تحديث التقانة من أجل مزيد من التصنيع أفسد الدين برمته. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بدعاء لنفسه ولأصحابه، وعلمه أمته رحمة بهم وشفقة عليهم، ومما جاء فيه، “وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا([11])، إن مصيبة الدين أشد بأسا على الفرد من غيرها، لأنها تفسد عليه دنياه وآخرته، لذلك جاءت الشريعة الاسلامية بجملة من المقاصد العامة ترتبط كلها بالإنسان، وحفظ دينه على رأسها، وقد قرَّر الإمام الشاطبي رحمه الله، أنَّ حفظ الدين يقوم على قضيتين:

الأولى: حفظ الدين من جانب الوجود، وذلك بالمحافظة على ما يقيم أركانه ويثبت قواعده.
الثانية: حفظ الدين من جانب العدم، وذلك برفع الفساد الواقع أو دفع الفساد المتوقع”([12])

والبادي أن القضيتين معا تحتاجان لحفظ، وبل صارتا محط طلب الآن، لأن التصنيع اليوم أضحى “يبعثر وقت الإنسان ويخضعه لإيقاعه ويفسد عليه نظام الزمن الإسلامي المنضبط في نهار المومن وليلته، الموقوت بالصلوات الخمس”([13])، حيث استولت عليه الآلة وأضافته إلى ممتلكاتها وصيرته عضوا من جسمها، فينتظر صفارة نوبة العمال بدل انتظار الآذان، ويغيب عن الجمعة والجماعات، ويجعل من “الويكاند” زمنا للترفيه والعبث بدل صلة الأرحام وتوثيق عرى أواصر القرابة مع الأهل والجيران. فاللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.

إن التصنيع سلب الولاية لله من قلب الإنسان ووهبها للمادة، بل وحرم الفرد من أجل حقوقه وهو الحق في معرفة الله تعالى والاستعداد للقائه، فأغرق سبيله بمنتوجات استهلاكية مغرية، لا حد لها، فأصبح:

  • تافها لاهيا عن دينه:

وسائل الرفاهية التي وفرها التصنيع، ساهمت في سطحية الإنسان وتفاهته وميله للمتع والشهوات والخمول والاتكالية، أصبح تنميط الإنسان مجرد رقم من الأرقام لا يعرف مآله وآخرته، نفسه قاعدة، تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر، مسلوبة الإرادة، لاتدين إلا بدبين الأغلبية حقا كان أم باطلا، منهجها إن أساء الناس أساءت وإن أحسنوا أحسنت، تنتظر أن تنزل المائدة من السماء وقلبها خواء، إلا من حب الدنيا ومتاعها.

  • مقهورا خاضعا لغير الله:

والسبب تأثير وسائل الإعلام والدعاية خادما التصنيع ورفيقاه، تقدمان له في أوقات فراغه لعلها تؤنس وحشته، وتكشف كربته، وتزيح غربته، لكن هيهات، حلوى مسمومة تسرب سمها إلى مضغة القلب فشُلت إرادته، وقُتلت همته، وهُدرت كرامته، ولاسؤال عن الآخرة، التهمته الدنيا بزخرفها وأتت عليه بخيلها ورجلها، لايلتفت عنها قيد أنملة، رضوخ تام وعبادة لغير الله خالصة، لا تشوبها شائبة، تلك كرة خاسرة.

  • أنانيا مستعليا عن عبادة ربه:

تمتعه بالدنيا أنساه الآخرة، فاستكبر واستعلى، ظلم نفسه وغيره، يحب لنفسه ما لا يحب للناس، لايقبل صحبة النصيح ويعشق الشهرة والمديح، ويوطن نفسه على حب المال والجاه والسيادة، والسبق إلى الظهور والريادة. أما سؤال المصير المحتوم، فتقهقر ورجعية بل تخلف وظلامية، أما الحديث عن الموت فمنبوذ في المجامع، ممنوع في النوادي والشوارع.

فهل يستطيع فيروس “كورونا” أن يفعل ما لم تفعله النظريات الفلسفية، والكشوفات العلمية، فيعود الإنسان إلى رشده ويبحث عن حقيقة وجوده؟ أم سيتماهى في غيه ويستمر في جبروته؟

أستغفر الله بل هي إرادة الله الغالبة لا يقع أمر في هذا الكون إلا بعلمه وتحت إرادته.

2- أثر التصنيع على تنمية الأمة:

إن كان للتصنيع آثار سلبية على الفرد فتأثيره على الأمة أشد، لأنه أنتج طبقتين متباعدتين متنافرتين، طبقة المترفين وطبقة المعدمين: المترفون الأغنياء يمتلكون كل شيء، ويسخرون حياتهم لإشباع شهواتهم منبطحين أمام إغراءات السوق الاستهلاكية، وطبقة المعدمين ينتظرون فتات موائد الأسياد، حياتهم البؤس والفقر، يملأ الغيظ قلوبهم وهم يتأملون ترف المترفين، ولا غرابة في هذا ونحن نصنف ضمن الدول المتخلفة.

لكن بأي معيار وبأي ميزان وُضعت الأمة الإسلامية في كفة التخلف؟

تُدعى كل دولة غير “مصنعة” بدولة “متخلفة”، فالتخلف والتقدم في الميزان الغربي مرتبط بالتصنيع وبالتمكن من التقانة في مجال العلوم التجريبية والتطبيقية وخصوصا في مجال تصنيع الأسلحة، بذلك فقط تكتسب صفة التقدم. وتنتشي دول الشمال بقوتها وبنفوذها على دول الجنوب المتخلفة المحكومة بالصراعات الدامية من أجل تحقيق زعامات سياسية أو أرباح مادية توضع في مصارف غربية. نعم، بهذا المعيار نستطيع تصنيف الأمة الإسلامية.

والطامة أن الفجوة تزداد اتساعا بين الدول المصنعة والأمة المغلوبة على أمرها. زحف هذه الأخيرة الحثيث للظفر بلقب “التقدم” لا يسعفها أمام هول العقبات ووهن الكفاءات وفخاخ الشركات العابرة للقارات، لأن مصلحة المصنعين أن تبقى دار لقمان على حالها، كي لا تضيع هيمنتها وتفقد سوقها، فمن يشتري الأسلحة الفاسدة والبضائع الكاسدة.

هل يمكن استيراد النموذج الغربي؟

محاولات استيراد التكنولوجيا الصناعية رغبة في اللحاق بالركب، كلها باءت بالفشل، ادعاءات الغرب بتصدير التقانة ما هو إلا فخ وضع لابتزاز مقصود، ينم عن طابع أناني مستكبر، وخبث استعماري مقيت، ففي نهاية المطاف كل ما تم استيراده لا يخدم إلا مصالحه رغم الأموال الطائلة التي أُنفقت عليه.

لقد أثبتت جائحة “كورونا” اليوم، وبالملموس بأن مركب التصنيع الغربي، لا يمكن اعتباره إلا مركب التبعية والجوع والهزيمة، كل من صعده ذاق مرارة الذل واصطلى بنار الفقر، ثمن التذكرة ألا استقرار إلا بعلمانية، ولا اقتصاد إلا باعتماد الربا والاحتكار، ولا مجتمع متحضر إلا وفق قيم النموذج الليبرالي والاشتراكي، هكذا هي شروط التنمية الصناعية.

المبحث الثالث: فما السبيل؟ وكيف الخلاص؟

يعتبر هذا المبحث المحصلة الرئيسية لهذا البحث، حيث به سيجيب الباحث عن إشكال سبل خلاص الإنسانية في نظر مفكرين معاصرين عايشوا أزمة الإنسان في أوجها، مقتصراً على اتجاهين رئيسيين: الفكر الغربي والفكر الإسلامي، محاولا الربط بين ما أنتجه فكرهم وبين واقع الإنسان العاجز أمام هذه الجائحة.

1- في الفكر الغربي المعاصر:

أصبح وضع الإنسان المعاصر – وخصوصا الإنسان الغربي – جراء التسارع نحو التصنيع  مقلقا جدا، ولعل كثرة الوفيات بسبب الانتحار، لخير دليل على الضنك الذي يعيشه اليوم أكثر مما مضى، مما دفع بفلاسفتهم ومفكريهم المعاصرين إلى البحث عن حلول من أجل انتشاله من هذا المنزلق الذي وقع فيه، فالوضع أصبح كارثيا على حد تعبير “إدغار موران” الذي يتوقع تغييرا جذريا في نظام التصنيع، خصوصا بعد جائحة “كورونا”، والتي “يمكن أن تعجل بالعودة إلى الإنتاج المحلي والتخلي عن صناعة السلع القابلة للاستعمال مرة واحدة والتي نتخلص منها بعد ذلك industrie du jetable  وفي الوقت نفسه ربما سوف نعيد الاعتبار للصناع الحرفيين وتجار التقسيط”([14])

أما هربرت ماركوز فيرى بأنه “ليست هي التكنولوجيا ولا التقنية ولا الآلة هي التي تمارس السلطة، وإنما هي حضور سلطة الأسياد وحدها في الآلات الذي يحدد عددها ومدة وجودها وسلطانها ومعناها في حياة الإنسان”([15])، فماركوز لا يرفض لا التصنيع ولا التقانة، ولكنه ينتقد السلطة المتحكمة والأنظمة المستبدة التي تمارس سلطتها في السيطرة عليهما معا، فحولتهما إلى أداة سيطرة سياسية، أخضعت لها رقاب الأفراد والجماعات، وتغلغلت إلى عمق اقتصاد الدول والقارات، لتطوقها بسلاسل التبعية والخنوع. فتحرير الإنسان وسعادته يتوقفان على تحرير التكنولوجيا أولا، لذلك فأول ما يجب البدء به هو التخلص من هذه الأنظمة الفاسدة. وبما أنه ابن مدرسة فرانكفورت النقدية، فالثورة هي طوق النجاة، ثورة اجتماعية تعيد للإنسان قيمته وسعادته وترد إليه ثقته وهيبته.

بينما ابتعد الفيلسوف الفرنسي إدغار موران بعيدا عن الحل الثوري، حيث يعتقد أنه “من السهل أن تتآلف الإنسانية وأن تصبح وحدة دون أن تتوقف عن التنوع فكل جهاز عضوي من أجهزتنا يشكل جمهورية تتأسس من ثلاثين مليار خلية فلماذا لاتتمكن فدرالية مكونة من بعض مئات الأمم ومن ثلاثة إلى ستة مليارات من الكائنات العاقلة من تنظيم ذاتها؟”([16])، بكل تفاؤل يقترح إدغار موران حلا إنسانيا توافقيا بسيطا، لكن الإشكال يتجلى في بساطته، فالتشبيه الذي أورده باطل من أساسه، لأن خلايا الأعضاء المتحدة والمتكافلة لها صانع مبدع، حَدد لكل منها دورا محددا لا تتعداه، أما الكائنات “العاقلة” على حد تعبيره، فقد خانها العقل حين سيطر عليه الهوى، فانساقت نحو الحروب والصراعات، باحثة عن عروش واهية أو زعامات خاوية، أو أرصدة  في أبناك فانية.  فكيف يُنتظر منها ان تتآلف جهودها وتتوحد صفوفها؟

ومع تفاؤله هذا يشترط شرطا موضوعيا لتتجنب البشرية مرحلة “التحطيم الذاتي”، حيث يعتقد أنه “لو وصلت السياسة والعلم والتقنية والأيديولوجيا إلى درجة الوعي بذلك فبإمكانها أن تنقذنا من هذه الكارثة وتحول شروط المشكل”([17]) فوعي النخب السياسية والعلمية والأيديولوجية، شرط الخلاص. هذا “الوعي” في رأيه لا يزال قائما في المجتمعات الصناعية، لكن منسوبه ضعيف، لذلك يأمل أن يرتفع إلى الحد الذي تتحد فيه تصورات النخب ونتجنب الكارثة.

أما ماركوز، فله نفس الرؤية لكن من زاوية أخرى، حيث يعتقد “بأن تحرر الوعي يظل المهمة الأولى وبدونه يبقى كل تحرير وكل فعالية جذرية أعميين، مقضيا عليها بالفشل” ([18]) فماركوز لا يشترط “الوعي” لأنه مفقود، بل يدعو إلى تحريره لأنه مكبل مغلول.

إن كل من ماركوز وموران يعتبران الوعي شرطا أساسيا للخلاص الفردي والجماعي، لكن شرط “الوعي” عند موران، ليس نفسه بالنسبة لماركيز، هذا الأخير يطالب بتحريره من قبضة الاستبداد السياسي بثورة شعبية، أما الأول فيطالب بإحيائه وإنمائه لدى النخبة السياسية والعلمية والأيديولوجية.

2- في الفكر الإسلامي المعاصر:

إن كانت غاية الفلسفة الغربية هي سعادة الإنسان، فالفلسفة الإسلامية أيضا تصبو نحو نفس الغاية، لكن برؤية مغايرة، لأن الأرض التي استُنبتت فيها فلسفة موران وماركيز، أرض جرداء قاحلة، لا حديث فيها عن سؤال المآل، من أين أتيت؟ وإلى أين المصير؟ دينها المادة وغايتها سعادة زائلة، سعادة نكرة لا تَعرف ولا تُعرف. لذلك فالإشكال المطروح في الفلسفة الإسلامية هو كيف نجمع بين ضرورة التصنيع وواجب الدين؟

يعترف الحجوي “بأن العالم لو تمسك كله بالدين وحده دون أن يلتفت للعلم لكان جامدا، ولخالف سنة الله الملحوظة من حركة الفلك، ولخالف ما أمر به الدين نفسه من العلم”([19]). لأن الدين الإسلامي، يأمر بإعداد القوة، والقوة العلمية من أهم ركائز التقدم، وباعثة على التفوق والازدهار، لكن هل إعداد القوة العلمية كاف لنهضة الأمة من كبوتها؟

يرى كل متتبع فطن، أن هناك عاملين وراء تقهقر الأمة : عامل خارجي يتمثل في الاستكبار العالمي ولا خلاص منه إلا بفضح خطته والتحرر من تبعيته، وعامل داخلي، وهو الداء العضال الذي ابتليت به الأمة، يقف خلفه حكام الجبر المستبدون، وهم أحد وجوه الاستعمار الخفية بين ظهرانينا، الذي  لم ينسحب منه إلا الجسد، بينما روحه لاتزال تسري بيننا، واستمرت في الاشتغال من بعده وتحت وصايته عن بعد، وما يفيد في رأي الأستاذ عبد السلام ياسين (1928- 2012م) إلا “تغير شامل في موقفنا، قومة عامة بها نستعيد زمام أمرنا ونوجه مصيرنا الاقتصادي والعسكري والتاريخي وفق إرادة مستقلة، واعية ، منظمة، يساندها الشعب ويلبي نداءها”([20])، إن القومة التي ينادي بها الأستاذ ياسين رحمه الله تعالى ليست هي ثورة “ماركوز”، ذلك أن القومة في فكر الإمام لها دلالات القوة والثبات والثقة بينما الثورة تحمل معاني العنف، وتوحي بالعجلة والاضطراب وتدل على الخروج العنيف بغير حق.

بينما اقتصر خلاص البشرية عند الحجوي في فهم الدين والعمل بما جاء به، لأن “القصد من النبوات هو سعادة العالم حالا ومآلا وانتشال الإنسانية المعذبة من سفالة الأخلاق، والفتك والتخريب والاستعباد وصيانة الدماء والأعراض والأموال التي جاءت هذه المخترعات لاستباحتها”، غايات نبيلة ومرامي جليلة، لكن كيف السبيل؟ فكل “الإسلاميين” يرفعون شعار “القرآن والسنة هما الحل”، لكن بأي فهم وبأية إرادة؟

كلا الرجلين نادى بضرورة الدين وبتحصيل العلم لتحقيق الغاية من الاستخلاف في الأرض: العبودية لله وحده، وعمارتها بالعمل الصالح. لكن الحجوي اكتفى بالعموميات ولم يوضح سبل تحقيق ذلك،كما لم يُنَظِّر لهذا الأمر ولم يرسم خطة عمل واضحة العالم، أما الأستاذ ياسين فخلف تراثا، وضح فيه منهجه في التغيير مستندا على كتاب الله ومنهاج رسوله صلى الله عليه وسلم، لب هذا  التغيير وعمقه الإنسان، ينصب على عقله وقلبه، يغير حاله من كائن ضعيف لاه إلى شخصية قوية، تتعاون مع الغير وتنبذ الأنانية،  تنبهه إلى تحمل مسؤوليته نحو نفسه وغيره، ويشترط أن يكون التغيير إراديا لا مكرها  ولا تابعا، مُستمدا من تعلقه بالله تعالى، ومن الولاية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فبتغيير الإنسان تعمر الأوطان. هذا هو الشق الأول من التغيير، أما الشق الثاني فيتعلق بالجانب السياسي، وهو في ذلك يلتقي مع “ماركوز”، لأن كليهما يريان أن مكمن الداء: “نظام الحكم الفردي”، فالحاكم المستبد، صاحب الأمر كله في جميع مناحي الحياة (السياسة، القضاء، الاقتصاد، الحكم…)، فهو إله يعبد من دون الله لايسأل ولا يحاسب، ومن يرى غير ما يراه يعتبر مفارقا للجماعة خارجا عن الطاعة.

كلا الاتجاهين – الغربي والإسلامي- حاولا التنظير لخلاص الإنسان من شقائه، وتحقيق سعادته، لكنهما اختلفا في التصورات لاختلافهما في المنطلقات، فماركوز وموران أسقطا “الدين” من حساباتهما، مما جعل نظريتاهما قاصرتين عن الهدف المنشود والغاية المأمولة، إذ زاد تعلق الإنسان بعد هذا الوباء بالدين، وصار أكثر إلحاحا على معرفة خالقه. أما تصور الأستاذ ياسين فكان أكثر وضوحا من الحجوي، ففكرهما معا يعتمد على أصول التشريع الإسلامي، لكن هذا الأخير لم يصغ لنا خطة عمل واضحة تبرز سبل الخلاص، عكس الأستاذ ياسين الذي بين بالتفصيل بعدما شخص الداء، سبل الخلاص الفردي والجماعي.

لكن، إذا كان المشروع الإسلامي يمتلك القوة الاقتراحية والخطط المحكمة، فلماذا إذن لايزال حاملوه قابعين أسفل سلم التقدم الحضاري؟

المبحث الرابع: سؤال التقدم والتخلف

في هذا المبحث، نسائل الفكرَ الإسلامي المعاصر عن جدوى التنظير في غياب الممارسة، مستحضرين العقبة السياسية التي تحول دون تحقيق أمل الأمة المنشود.

إن ما تعيشه الإنسانية جمعاء اليوم من معاناة وألم، بسبب مخلوق مجهري، وما يواكب ذلك من أحداث وتسارع من أجل اكتشاف اللقاح، في مقابل انتظارية الدول المتخلفة، يعيد طرح سؤال سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم إلى الواجهة.  فلا خلاف حول المهانة التي أضحت تحياها الأمة، والجميع يدعو إلى ضرورة عودة الريادة، لكن تحويل ضعف الأمة إلى قوة وهزيمتها إلى نصر، مرتبط بإعداد العدة وبالأخذ بالأسباب، امتثالا للأمر الإلهي، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (الأنفال: 60). إن قانون “القوة” يفرض ذاته في الساحة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية بل وحتى السياسية، لذلك حين ابتعد المسلمون عن الأخذ بأسباب الإعداد، نفر منهم الإمداد، وغرقوا في وحل الركود والاستعباد.

فما “القوة” التي تتوقف عليها نهضة الأمة من كبوتها وعودتها إلى مصاف الأمم المتقدمة؟

بعد تصفح عدد لا بأس به من كتب التفسير واجتهادات العلماء، نحا معنى القوة في الآية الكريمة، إلى قوة السلاح وكل ماله علاقة بالحرب والقتال، فهل هذا هو المفهوم الحقيقي “للقوة”؟ وهل تستطيع الأمة مواجهة الاستكبار العالمي بأسلحة مستوردة؟ إن القوة الحقيقية التي تحتاجها الأمة هي القوة السياسية التي بها تستعيد زمام المبادرة، والقوة العلمية التي بها تستطيع مقارعة الخصوم، وقوة التربية النفسية لاسترجاع توازها ضمن هذا الاختلال العالمي.

1- القوة السياسية:

تعتبر قراءة تاريخ المسلمين واحدة من أهم مفاتيح الفهم للإجابة على الإشكال المطروح، حين تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، يوم وثب الأمويون على الحكم وبقي المسلمون تابعين ببلادة، وذلك لسببين:

– موقف العلماء المسلمين الذين برروا ذلك بعدم جواز الحديث عن معاوية بن أبي سفيان لأنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستدلين بحديث “لا تَسُبُّوا أَصْحابي فَوَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُد ذَهَباً ما أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصيفَهُ”([21]) كما رأوا أن الحفاظ على وحدة الأمة وبيضتها أولى من الحديث عن مسألة الحكم، خصوصا وأن حكام بني أمية يحافظون على بعض الدين، بل ومن العلماء من دعا إلى التسليم للقضاء والقدر وبوجوب مبايعة الحاكم ولو بغى وظلم.

إنها الأمية السياسية التي سادت في تلك المرحلة من تاريخ المسلمين ولاتزال تسري بينهم للأسف.

–  والأمر الثاني أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، جاء بغلبة السيف من أجل مبايعة ابنه يزيد، ولايزال هذا السيف مُصلتا على رقاب المسلمين إلى اليوم. حيث توالى حكام مستبدون. أشعلوا المحارق في وجه كل من سولت له نفسه بالدعوة إلى العدل ونبذ الظلم.

إن مكمن الداء ونقطة ضعف الأمة: “نظام الحكم الفردي”، فالحاكم المستبد صاحب الأمر كله في جميع مناحي الحياة (السياسة، القضاء، الاقتصاد، الحكم…)، فهو إله يعبد من دون الله لايُسأل ولا يُحاسب، ومن يرى غير ما يراه يعتبر مفارقا للجماعة خارجا عن الطاعة. وليعزز سطوته ويحمي أركان سلطته يحيط به صنف من الناس يختارهم من بين أجود المتملقين والوصوليين الأنانيين الذين باعوا دينهم وآدميتهم بحظ قليل من الدنيا، من رجال السياسة والدين والفن والعلم… إلى أسفل هرم الذل من حراس لمواقف السيارات وغيرهم كثير ابتليت بهم الأمة، وجميعهم شركاء في جريمة الاستبداد. هذا الداء العضال له أعراض تسببت في أورام شلت جسم الأمة فضعف إنتاجها العلمي وقل زادها الاقتصادي، وتحلل نسيجها الاجتماعي، ونخر هيكلها السياسي، لذلك فالقوة السياسية أصبحت مطلبا ضروريا، وكل محاولات الترقيع والإصلاح في غياب هذه القوة لن يكون إلا سرابا، يحسبه الظمآن ماء، لكن هيهات.

2- القوة العلمية:

أمر الله تعالى عباده بأداء فروض عينية فردية، مما يلزم الفرد المسلم القيام به وجوبا إلزاميا، كالصلاة والصوم وغيرهما، كما فرض سبحانه فروض كفاية خاصة بفئة دون غيرها، إذا أدوها سقطت عن الآخرين، وإذا تركوها أثم الجميع، لكن فهم البعض حصر الكفاية في بعض العبادات والمعاملات، كصلاة الجنازة ورد السلام وجهاد السيف ضد الكفار، ونسوا الغرض والقصد منه وهو تحصيل المنفعة للنفس والغير. لذلك، ألسنا اليوم أكثر مما مضى، بحاجة ماسة إلى تحصيل العلوم الطبيعية كالبيولوجيا والكيمياء وإلى تعلم التقانة والميكانيكا؟ أليست فروض كفاية؟ ألا يأثم الجميع بتركها؟ هل يجيرنا الاكتفاء بفنون الأدب والفقه واللغة عن تعلمها؟

هذا ما يراه الحجوي رحمه الله، بأن تعلم هذه العلوم المكتشفة في العالم الحديث أصبح فرضا كفائيا “لأن حياتنا أصبحت متوقفة عليه هذا بالإضافة إلى أن الدين الإسلامي كان ولايزال منشطا لكل ما اهتدى إليه العقل البشري من الاختراعات والاكتشافات ولا يناهض شيئا من ذلك إلا ماكان فيه ضرر على الأفراد والمجتمع”([22])، فليعلم صاحب هذه العلوم الكفائية، أن له من الأجر والثواب أكثر مما لصاحب فرض العين، شرط أن يؤدي فروضه العينية. لأن حياتنا اليوم أصبحت أكثر مما مضى متوقفة على هذا النوع من علوم الكفاية. فالمصلي المخترع والمسلم الصانع لهما من الأجر أكثر مما للعابد ربه ليل نهار، لأن نفعهما يتعداهما إلى عامة الناس بل وقد ينفعان الإنسانية جمعاء. أما العابد فلا ينفع إلا نفسه. رغم أن للجميع قوة، قوة العابد الدعاء، ونحن لا ننكره ونحتاجه لكننا لقوة المؤمن الصانع البارع أحوج.

إن القوة العلمية من أهم ركائز التقدم، وباعثة على التفوق والازدهار، وليس عجبا أن تكون أول آية قرآنية نزلت بصيغة الأمر، أي وجوب طلب العلم والمعرفة بل والاستزادة منه {وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماَ} (طه:114)، بمعنى الاستمرار في الطلب وعدم القناعة مما في اليد الواحدة، لأن القناعة قد تصبح حرمانا.

3- قوة التربية النفسية:

إن كان الإحساس بالضعف وعدم الثقة في النفس يورث الهزيمة للفرد فإن وقعه على الجماعة أشد، فما أحوجنا إلى شحذ الهمم والرفع من معنويات الأمة لمواجهة التحديات والخروج من الشعور بالهزيمة والانكفاء على الذات إلى نشوة العزة والتمكين. لكن كيف السبيل والمثبطات تثني العزائم، فقرون الهزيمة والركود أثرت سلبا على نفسيات الشعوب وولدت لديها إحساسا باستحالة اللحاق بركب الغرب بالأحرى السبق، هذه المثبطات كثيرة ومتنوعة منها ماهو نفسي ومنها ماهو اجتماعي وهي لا تعدو أن تكون ضمن الثلاثة:

–  النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر، ذهنية القطيع المطيع، مسلوبة الإرادة، لاتدين إلا بدبين الأغلبية حقا كان أم باطلا.

– الأنانية المستعلية أو المتمتعة: قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس، يحبون لأنفسهم ما لا يحبون لغيرهم، لايقبلون صحبة النصيح ويحبون الشهرة والمديح، ويوطنون نفوسهم على حب المال والجاه والسيادة، والسبق إلى الظهور والريادة.

– العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد، تجرف الناس كما يجرف الطوفان القش والزبد، وهي نوع من تبذير الطاقات في سفاسف الأمور، وتشكل عقبة أمام كل تغيير جاد ومسؤول.

ثلاث مثبطات لابد من وضعها في الحسبان من باب فقه واقع الأمة، حتى لا يكون العمل خبط العشواء، لأن القوة والنصر حليف الجد والمثابرة، والقرآن الكريم ما فتيء يحذر،” وَلاتهِنوا وَلا تَحْزَنوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مومِنينَ” (آل عمران: 139).  لأن الوَهَن والحزَن مقدمات الهزيمة.

إن قوة التربية النفسية مرتبطة ببث روح الطمأنينة في النفوس مع اليقين بأن الله ناصر عباده المؤمنين العاملين، “وَعَدَ اللهُ الذينَ آمَنوا مِنْكُمْ وَعَمِلوا الصَّالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الذينَ مِنْ قَبْلهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لهُمْ دينَهُمْ الذي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْناً يَعْبُدونَني لا يُشْركونَ بي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأولئِكَ هُمُ الفاسِقونَ” النور 55 وعد غير مكذوب.

لكن سؤال المرحلة يتعلق بمن سيتولى تحقيق هذه المطالب، ألسنا في حاجة إلى قوة تنظيمية تتكتل فيها جهود القوى الحية في شكل جبهة موحدة تتولى هذا الأمر؟ أم ننزوي مع بلادة المنتظرين مكتفين بلزوم الدعاء، راضين بهذا البلاء على أنه من القدر والقضاء؟

خاتمة:

تتضمن هذه الخاتمة أهم نتائج البحث وبعض التوصيات، كما يلي:

  • لقد تبين من خلال هذا البحث أن موضوع أزمة الإنسان في علاقتها بالتصنيع، حظيت باهتمام الفلاسفة والمفكرين غربيين وإسلاميين على السواء.
  • تبين أن وباء “كورونا” عبارة عن سقوط ورقة التوت التي كانت تغطي عورة الحضارة الغربية، التي تخلت عن الخالق وتشبتت بالمخلوق. كما أعاد طرح سؤال سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم.
  • يأخذ الغرب بالأسباب ويعتبرها قوانين ولا يسألون عن واضعها وخالقها وانشغلوا بإعداد القوة وتطويع الطبيعة وتدمير البيئة والمسلمون يشتركون معهم في الوسائل ويختلفون في الغايات.
  • تهميش الجانب الديني في حل المفكرين الغربيين زاد من حدة أزمة الإنسان بدل خلاصه مما فيه.
  • لا خلاص فردي ولا جماعي دون خطة عمل واضحة المعالم، لأن الطريق وعرة مظلمة، والمسالك متشعبة مقفرة، تحتاج إلى منهاج سار على هداه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده.

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع:

البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، صحيح البخاري، تحقيق محمد تامر، دار سوماكرام، الدار البيضاء، د ط، 2003.

الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الكبير، تحقيق د بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1996.

الثعالبي، محمد بن الحسن الحجوي الفاسي، التعاضد المتين بين العقل والعلم والدين، تحقيق محمد بن عزوز، دار ابن حزم، مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء، ط1، 1425ه/2005م.

الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان، دار ابن عفان، القاهرة، ط1، 1997.

موران، إدغار، حوار: أتوقع أحداثا كارثية ويجب أن نتعلم العيش في حالة من عدم اليقين، موقع lakome.com، ترجمة أحمد ابن الصديق، بتاريخ السبت 11 أبريل 2020، اطلعت عليه بتاريخ 28 أبريل 2020.

موران، إدغار، إلى أين يسير العالم؟، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2009.

ماركوز، هربرت، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، منشورات دار الآداب، بيروت، ط3، 1988م.

ماركوز، هربرت، الحب والحضارة، ترجمة مطاع صفدي، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2007م.

ماركوز، هربرت، نحو ثورة جديدة، ترجمة عبد اللطيف شرارة، دار العودة، بيروت، ط1، 1971م.

هيود، أندرو، مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، ترجمة محمد الصفار، المركز القومي للترجمة، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، القاهرة، العدد: 1830، ط1، 2012.

ياسين، عبد السلام، تنوير المومنات، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، ط1، 1996.

ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1995.

 

 

[1]  الثعالبي، محمد بن الحسن الحجوي الفاسي، التعاضد المتين بين العقل والعلم والدين، تحقيق محمد بن عزوز، دار ابن حزم، مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء، ط1، 1425ه/2005م، ص: 106

[2]  التعاضد المتين، م س، ص:106.

[3]  موران، إدغار، إلى أين يسير العالم؟، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2009، ص:20.

[4]   إلى أين يسير العالم؟، م س، ص:35

[5]  ياسين، عبد السلام، تنوير المومنات، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، مصر، ط1، 1996، 1/89.

[6] هيود، أندرو، مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، ترجمة محمد الصفار، المركز القومي للترجمة، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، القاهرة، مصر، العدد: 1830، ط1، 2012، ص:131.

[7]  مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، م س، ص:133.

[8]  م ن، ص:41.

[9]  ماركوز، هربرت، الحب والحضارة، ترجمة مطاع صفدي، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 2007، ص:10.

[10]  التعاضد المتين، م س، ص:40

[11]  الترمذي، الترمذي محمد بن عيسى، الجامع الكبير، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1996، باب:83، فضائل القرآن والدعوات، رقم الحديث:3502، 5/481.

[12]  الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان، دار ابن عفان، القاهرة، ط1، 1417ه/1997م، 2/18.

[13]  تنوير المومنات، م س، 1/88.

[14] موران، إدغار، (حوار) أتوقع أحداثا كارثية ويجب أن نتعلم العيش في حالة من عدم اليقين، موقع lakome.com، ترجمة أحمد ابن الصديق، بتاريخ السبت 11 أبريل 2020، اطلعت عليه بتاريخ 28 أبريل 2020.

[15]  ماركوز، هربرت، نحو ثورة جديدة، ترجمة عبد اللطيف شرارة، دار العودة، بيروت، ط1، 1971، ص:32.

[16]  إلى أين يسير العالم؟، م س، ص:46.

[17]  م ن، ص:38.

[18]   ماركوز، هربرت، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، منشورات دار الأداب، بيروت، ط3، 1988، ص:40.

[19]  التعاضد المتين، م س، ص:40.

[20]  ياسين، عبد السلام، في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1995، ص:18.

[21]  البخاري، صحيح البخاري، تحقيق محمد تامر، دار سوماكرام، الدار البيضاء، د ط، 2003، كتاب: المناقب، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا خليلا، رقم الحديث:3673، 2/186.

[22] التعاضد المتين، م س، ص:5.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.