منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المفتش وبائع الأكباش | قصة قصيرة

المفتش وبائع الأكباش | قصة قصيرة بقلم: لحسن شعيب

3

المفتش وبائع الأكباش

قصة قصيرة

بقلم: لحسن شعيب

لم يكن أمام بوشتى العياشي من خيار غيرُ العودة بكبشٍ أقرن أملح، وإلا ستقوم القيامة في البيت، فالسيدةُ خْدُّوج أقسمت بأغلظ الأيمان أن تريه وجهها الآخر إن عاد من السوق خاوي الوفاض هذه المرة. مضى أكثرُ من أسبوعين على قدوم ابنه يحيى لهذه الدنيا التي ما يفتأ يلعنها، ويلعن ذلك اليوم البعيد الذي طرق فيه باب والد خدوج طالبا يدها. ظن أنه استراح من حليب وحفاضات وصراخ الأطفال للأبد، لكن “البعلوك” الجديد كما يناديه جاء من غير ميعاد مكذبا ظنه.

تجول في السوق بحثا عن خروفٍ من أجل نسيكة يحيى، وقد أجَّلَها لليوم الواحد والعشرين لأسباب مادية صِرْفة أعقبت تقاعده وانتظار تسوية وضعيته المالية. دخل إلى السوق في ذلك الأحد من يناير، وكان البرد قارسا. كان بوشتى يريد أيَّ خروفٍ، لكن خدوج تريد خروفا من أجل عيون الجارات المتطفلات على كل شيء؛ لا تفهم ظروف زوجها المادية ولا تريد أن تفهم، وكانت تفخر بكون زوجها مفتشا للتعليم أمام جارات أغلب أزواجهن عمال مياومون.

كان السوق مزدحما ذلك الصباح، وكان العرض وفيرا؛ تجول بوشتى لأزيد من ساعتين، عَدَّ خلالها أسنان العديد من الخراف ليتعرف على سِنِّها، وأمسكها من أذيالها ليتبين سِمَنَها، لكنه لم يظفر بشيء؛ إن كان الثمن في متناوله، كان الخروف أبعد عن انتظارات خدوج، وإن كان بالمواصفات المطلوبة كان ثمنه فوق طاقته. قرر أن يعود من دون كبش، ولْيَرَ وجه زوجِه الآخر..

وحين هَمَّ بالمغادرة، رأى رجلا مرحاً يبيع أكباشا سمينة، وقد تحلق حوله جمع من المشترين انضم إليهم؛ أجال نظره على الخرفان، فأعجبه واحد منها، وكان مليحا أقرن أبيض مثل اللبن، وفي رأسه وقوائمه نقط سوداء فاحمة زادته جمالا.

– كم ثمن هذا الكبش؟

رفع البائع رأسه، وتفرس في الرجل السائل عن الثمن، ثم قال له:

– ثمنه للعموم أربعة آلاف وخمسمائة درهم، ولك أنت أستاذي بثلاثة آلاف فقط، وبالتقسيط المريح؛

لم ينبس ببنت شفة ولم يعرف ما إذا كان الرجل جادا أم أنه يمزح؛ لكن لماذا يا تُرى يبيعه بثمن أقل وإلى أجل؟ لم تدم حِيرته طويلا، إذ أضاف البائع يقول:

– والله لَيَكُونَنَّ لك وبالثمن الذي ذكرتُ، فخيرُك سابقٌ على كل حال، وإن كنتَ لا تذكرني فأنا لا يمكن أن أنساك، ألستَ سي بوشتى العياشي؟

– بلى بلى أنا هو بشحمه ولحمه، لكن اعذرني فقد تقدم بي العمر، وضعف بصري كما ترى، ولا أستطيع أن أتذكر كل الذين تعاقبوا على المدارس الابتدائية الفرعية والمركزية التي درَّسْتُ بها لسنوات قبل أن أصبح مفتشا.

– لا عليك أستاذي!

– لم تخبرني عن اسمك..

– اسمي سعيد تيجاني أستاذي؛

أخرج بوشتى أوراقا نقدية وَعَدَّهَا، ثم سلمها للبائع، الذي أقسم بأغلظ الأيمان ألا يأخذ فلسا، ومنحه مهلة مريحة للسداد، ودله على المكان الذي يمكن أن يجده فيه لاحقا، كما دله على مَحَلِّ بِقالة معروف في المدينة، وقال له بأنه يمكنه ترك النقود عند صاحبه.

دخل العياشي البيت منتشيا، فقد رجع بخروف لم يكن يحلم بمثله، ربطه في المرآب، وقدم له تبنا وشعيرا اشتراهما من السوق، ثم دخلت خدوج وما إن وقع بصرها على الخروف حتى أطلقت زغرودة طويلة عريضة لم تطلق مثلها من قبل، وقالت: “هذا هو الخروف وإلا فلا..”. وكانت تلك واحدة من المرات القليلة التي تبدي فيها خدوج رضاها عن شيء فعله العياشي.

جلس العياشي متكئا على أريكته في الصالون بعد أن أنجز المهمة الشاقة، وكانت بين يديه جريدة يقلب صفحاتها، لم يُغْرِهِ أي خبر ولم يرقه أي عمود، حتى الصفحة الهزلية لم تنجح في انتزاع نصف ابتسامة منه. أصبح مزاجه سيئا منذ أن تقاعد من عمله، ولم يصبه في مقتلٍ غيرُ الورقة التي بعثتها وزارته تقول فيها بأنه تم شطب اسمه من سجلات الوزارة. هكذا بجرة قلم شُطِبت أربعون سنة من الجهود المضنية التي قدم فيها الكثير لمدرسة عمومية تنكرت له، حتى عبارة إنهاء خدمته لم يتم انتقاؤها بعناية؛ وكان يعتبر تلك الورقة إساءة ونكرانا للجميل، بل كان يراها رصاصة غادرة…

هاجمه طيف ذكريات قديمة: وصوله أول مرة على سيارته البيضاء من نوع رونو أربعة للمدرسة المركزية، والاستقبال الكبير الذي خُصِّص لسيادته، دوراته البيداغوجية لفائدة المعلمين، تعنيفه أستاذة تتخذ نصف حجرة درسِها سكنا لها، عرض أستاذ على المجلس التأديبي بسبب تقرير حرره يتهمه فيه بالتقاعس، أوامره ونواهيه وصوته الجهوري… كل ذلك تبخر في رمشةِ عين. وراءه سيل الذكريات ذاك وأمامه طلبات خدوج التي لا تنتهي، وصراخ يحيى في منتصف الليل، وصحة في تدهور، وورقة رسمية تعلن شطب اسمه من أسلاك الوظيفة.

ذكرى واحدةٌ أليمة وبعيدة فقط هي ما يؤلمه أكثر، بل كانت سبب كوابيس كثيرة بقيت ملازمة له لسنوات، زار مرة أستاذا في مدرسة في قرية نائية، وكانت الحصة التي حضرها كارثية بكل المقاييس، وكانت الملاحظات التي دونها أكبر من أن تضمها صفحة واحدة. لم يكتف بتعنيف الأستاذ لفظيا، لكنه حرر تقريرا، جعلته الإدارة مطية لعزل الأستاذ وطرده من الوظيفة لاحقا. علم فيما بعد أن الأستاذ كان يمر بظروف عصيبة، وأخبره غير واحد من آباء التلاميذ عن دماثة خلق ذلك الأستاذ، وعن مساعدته المادية لأبناء الدوار. لكن فيم يفيد العلم الآن؟ لقد تسبب في حرمان أسرة من دخل قار، وفي تشريد أستاذ في بداية مشواره، كان بالإمكان أن يساعده ويأخذ بيده، لكنه رماه في جُبٍّ مظلمة، بهذا كان يحدث نفسه دائما، وكان يعتبر تقريره الذي أدى لعزل الأستاذ حميد رزقي أكبر خطأ ارتكبه في حياته المهنية، وكان تَذَكُّرُ تلك الحادثة كافيا ليبدد أي سرور صغير يدخل إلى قلبه. “انظر للحظ العاثر الذي أوقع ذلك الأستاذ المسكين بين يدي جلاد مثلي، هل كنتُ حريصا على تًعًلُّمِ الأطفال بشكل جيد حقا؟ هل كنتُ مدافعا عن الجودة في المدرسة العمومية؟ أم كنت أجرب قدرتي على التأثير منتشيا بمنصبي ومكانتي؟..” كان بوشتى يحدث نفسه دائما كلما تذكر تلك الحادثة.

حاول بعد سنوات أن يبحث عن الأستاذ ليعتذر منه، لكن فيم يفيد الاعتذار؟ كان ذلك على الأقل سيخفف آلامه، لكن أخبار سعيد زقي انقطعت منذئذ، ومن يدري، لعله هاجر إلى الخارج،  ولعله أصبح في وضع أفضل، ولعله فقد عقله وانتحر… سيلٌ من الأسئلة لا ينتهي يهاجم بوشتى دائما، ثم أصبح تأثير الحادثة يتلاشى شيئا فشيئا حتى طواه النسيان، لكنه بقي كامنا مثلَ بركان مستعد للانطلاق في أي لحظة، وكانت كلمة “الشطب” التي في الورقة الرسمية للوزارة كافية وحدها لتفجير ذلك البركان.

مر أكثر من شهرين على ميلاد يحيى، وتمكن بوشتة من توفير مبلغ الكبش، وضعه في ظرف أصفر، وأحكم إغلاقه، ثم توجه لمحل البقالة الذي دله عليه بائع الأكباش ليودِع الظرف عنده. وقف أمام باب البقال وسأله إن كان يعرف بائع أكباش اسمه سعيد تيجاني، ابتسم البائع، وقال له: “نعم أعرفه حق المعرفة”. في تلك اللحظة توقفت سيارة سوداء من النوع الرفيع، وترجل منها رجل في بداية عقده الأربعين وتوجه لمحل البقالة، وكم كانت دهشة المفتش عظيمة… بائع الأكباش بلحمه وشحمه.

– سألتُ صاحب البقالة عنك، وأتيته بهذا الظرف كما طلبت..

– ولم العجلة يا عَم؟

– لقد فرجتَ عني كربة، ولن أنسى لك هذا الجميل ما حييت..

– خيرك سابق أستاذي، قلتها لك في السوق يومها، وأكررها الآن،

نجح بائع الأكباش أن يستدرج بوشتى لفضاء جميل خارج المدينة، وجلسا في مقهى تحيط به المروج من كل جانب.

– … والآن قل لي، في أي مدرسة دَرَّسْتُك؟

– في الحقيقة لم أكن تلميذَك في المدرسة، أخي الأكبر كان تلميذك، لكني التقيتك في مكان آخر..

– عجيب… أظنني مصابا بالخرف، لم أعد أذكر شيئا..

– هل تذكرُ المدرسة الفرعية “أهل الوسط” في قمة الجبل؟

– وكيف أنساها؟ لكني عملتُ بها مفتشا لا معلما.

– تماما، من تذْكرُ من معلميها؟

– كانوا ثلاثة (رشيدة ومراد وحميد) … لقد مضى وقت طويل… إذن أحد هؤلاء من أقاربك؟

– لا، بل أنا واحد منهم! أنا حميد رزقي الذي حررتَ بحقه تقريرا أدى لطرده من الوظيفة…

عاد البركان فجأة لينفجر من جديد، وعادت كل الذكريات السيئة البعيدة دفعة واحدة. أطرَق بوشتى برأسه، واحمرت وجنتاه، ولم يستطع النظر للرجل الجالس أمامه، وقال:

– هل تعرف أن الكوابيس رافقتني طويلا بسبب تلك الحادثة، وبأنني بحثت عنك كثيرا؟ لقد كنتُ في بداية مشواري غِرّاً، لكني لم أكن أتوقع أن يحصل ما حصل. كم أنا خجلٌ منك!

– ارفع رأسك أستاذي، فلم تخطئ بحقي أبدا كما تظن، ارفع رأسك لأنك أنت من رفعتَ رأسي. لقد صرتُ معلما إرضاء لوالدَيَّ، لكني لم أرَ نفسي هناك يوما، أنا لم أُخْلَقْ لأكون معلما، بل لأكون تاجرا، وأنت كنتَ هدية السماء لي. لولاك لكنتُ إلى الآن معلما في نفس الفرعية، أو في المركزية في أحسن الأحوال. لكني الآن بخير كما ترى. لولاك أنت كنتُ دمرتُ مستقبل الكثيرين. لقد وَضَعْتني في مكاني الصحيح، لذلك فخيرك سابق، ولن أستطيع أن أوفيك حقك أبدا.

– لكنك قلت لي بأن اسمك سعيد تيجاني؟

– نعم، ولم أكذب، قلت “سعيد” لأنني فعلا سعيد، ولأن سعادتي زادت يوم رأيتكَ في السوق تبتاع كبشا، و”تيجاني” لأن والدي من فقراء الزاوية التيجانية، ولم أشأ أن أخبرك باسمي حتى لا أحرجك، وكنتُ سأخبرك، وها قد فعلت… أنا حميد رزقي الذي غيرتَ أنت قدره…

لم يدْرِ بوشتى هل يتكلم أم يصمت؟ هل يبكي أم يضحك؟ هل كان تقريره سوء تقدير أم حسن تدبير؟

– المهم أنا أعتذر منك رغم كل شيء، وأرجو أن تقبل اعتذاري، وأرجو أن تأخذ ثمن خروفك..

– أما الخروف فهو هدية صغيرة مني لك. وأقسم أنك كنتَ سببا في كل خير أنا فيه الآن، أنا أفضلُ حالا مما كنتُ سأكون عليه لولاك… لقد أصبحتْ لي أملاك كثيرة وأصبحتُ في رغدٍ من العيش والحمد لله، ومحلُّ البقالة حيث التقيتك مِلكي وصاحبُه واحد من عمالي، فعَلامَ تعذب نفسك؟

– هل تعرف أنني وبعد أربعين سنة من الجد والاجتهاد، أخبروني بكل صفاقة وفي ورقة رسمية أنه تم التشطيب علي، كأنني كنتُ حشرة صغيرة وتم رشها بالمبيد والسلام.

– وتلوم نفسك على أن أنقذتني باكرا؟ واللهِ ما نسيتُ معروفَك، ولن أنساه ما حييتُ، وأرجوك ألا تتردد في الاتصال بي متى احتجت لأي خدمة.

أوصل بائع الأكباش مفتشه السابقَ إلى حيثُ ركن سيارته دوستر الحمراء، وتواعدا على اللقاء مرة أخرى. مضى حميدٌ لأعماله، وعاد بوشتى إلى بيته وفي قلبه الكثير من الرضا والفرح، وفي عقله الكثير من الأفكار المتزاحمة، وفي جيبه ظرف أصفر به ثلاثة آلاف درهم قرر إخفاءه عن خدوج.

3 تعليقات
  1. أحمد يقول

    قصة ذات عبرة رائعة
    قصة تحاكي الواقع المعيش

  2. عبد الله الجوهري يقول

    نص يشبه صاحبه كثيرا .. جميل .. هادئ .. عميق .. حكيم .. ويدعو للتأمل … أزكى تحية سيدي شعيب

  3. بوبكر مستعين يقول

    قصة رائعة ومعبرة

    المرجو التصحيح: حميد رزقي بدل سعيد زقي في الفقرة التالية :
    حاول بعد سنوات أن يبحث عن الأستاذ ليعتذر منه، لكن فيم يفيد الاعتذار؟ كان ذلك على الأقل سيخفف آلامه، لكن أخبار سعيد زقي انقطعت منذئذ، ومن يدري، لعله هاجر إلى الخارج، ولعله أصبح في وضع أفضل، ولعله فقد عقله وانتحر… سيلٌ من الأسئلة لا ينتهي يهاجم بوشتى دائما، ثم أصبح تأثير الحادثة يتلاشى شيئا فشيئا حتى طواه النسيان، لكنه بقي كامنا مثلَ بركان مستعد للانطلاق في أي لحظة، وكانت كلمة “الشطب” التي في الورقة الرسمية للوزارة كافية وحدها لتفجير ذلك البركان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.