منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دور المؤسسات العلمية وأثرها في نشأة الفكر الإسلامي بالمغرب

0

يعد التعليم من أبرز العوامل المؤثرة في نشأة و تشكيل وتطور الفكر الإسلامي في المغرب إن لم يكن أهمها على الإطلاق، إذ أن سائر العوامل الأخرى الدينية المتجلية في العلماء والمساجد والزوايا أو العلمية والثقافية التي أنا بصدد دراستها في هذا المقال، أو السياسية والاجتماعية ترتبط به ارتباطا وثيقا.

و قبل تناول دور أهم المؤسسات العلمية والثقافية لابد من الإشارة إلى أن وظائفهما بدأت قبل تأسيسهما بكثير، وذلك تم على يد الوفود الأولى التي رافقت الفتح الإسلامي للمغرب مستثمرة في ذلك المساجد التي تعتبر المركز الأساسي لتجمع المسلمين.

 

  1. دور الوفود التي رافقت الفتح الإسلامي للمغرب في التعليم و نشر الثقافة الإسلامية:

أسهمت الوفود الأولى التي رافقت الفتح الإسلامي للمغرب لتعليم الأمازيغ المغاربة اللغة العربية والقرآن الكريم وتعاليم الدين الإسلامي إسهاما كبيرا في نشر الثقافة الإسلامية وأظهرت الاهتمام البالغ بتعليم الأمازيغ اللغة العربية والقرآن الكريم وتعاليم الدين الإسلامي، وبذلت مجهودات كبيرة لنقل الثقافة الإسلامية  من طرف الفقهاء  “ورغم هذه المجهودات التي بذلها الفاتحون الأوائل في نشر الإسلام ، تظل البعثة الفقهية التي بعث بها عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية صاحبة الفضل الأكبر في نشر الثقافة الإسلامية في القارة الإفريقية كلها”[1]، وإذا كانت هذه البعثة اتخذت من القيروان مقرا لاستقرارها، إلا أنها كانت تتصل بأهل المغرب الأقصى بالرسائل التي كانت تصل من الشرق إلى الولاة بالمغرب وتحثهم على نشر تعاليم الدين الإسلامي وتعليم القرآن الكريم للسكان المحليين بالمغرب، حيث يذكر عبد العزيز سالم “أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن أعضاء هذه البعثة قد خصوا أهل طنجة برسالة توضح لهم قواعد الدين الجديد ، وترسم لهم سبل الطريق المستقيم”[2] كما أن وصية موسى بن نصير لطارق بن زياد بعد التمركز في المغرب الأقصى تشير إلى الاهتمام بتعليم القرآن الكريم حيث “أوصى موسى بن نصير طارق بن زياد بعد أن نصبه على رأس جيش كبير ، بتعليم القرآن للمغاربة وتفقيههم في الدين، فكان المسجد مدرسة المعرفة والتعليم ، تحقيقا لقوله تعالى (اقرأ)وقوله سبحانه(علم بالقلم)[3].

استمر اهتمام  الخلفاء في المشرق بنشر اللغة والدين وتعليم المغاربة القرآن الكريم والفقه الإسلامي وذلك بإرسال البعثات إلى الولاة بالمغرب للقيام بهذه المهام وتذكيرهم المستمر بذلك، يذكر ابن عذارى أنه “لما توفي سليمان بن عبد الملك سنة 99ه، استعمل الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز تابعيا جليلا وإماما زاهدا هو اسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر دينار على إفريقية في محرم سنة 100ه وكان اسماعيل هذا مصلحا من أعظم ولاة بني أمية على المغرب، فقد ورث عن جده صفاة الحزم والحكمة وحسن التدبير، وكان يجمع إلى جانب كياسته وحكمته ورعا وتقوى، ولذلك نراه يتفانى في نشر الإسلام بين قبائل البربر، ويعمل جهده على تعليم البربر وتثقيفهم بالتعليم والثقافة الإسلامية”[4]

المزيد من المشاركات
1 من 70

و يؤكد عبد العزيز سالم على هذا الأمر بقوله “ويذكر المؤرخون أن الخليفة عمر بن عبد العزيز بعث معه عشرة من التابعين أهل علم وفضل، وأمرهم بأن يبذلوا جهدهم لتفقيه البربر في علوم الدين حتى يقوم إسلامهم على أساس متين”[5].

ومنه يمكن استخلاص أن الفتح الإسلامي للمغرب استطاع أن ينقل سكانه من حضارة وثنية إلى حضارة إسلامية أصبحت ملكا للأمازيغ، يدافعون عنها وينشرونها ويفتخرون بها ويموتون من أجلها وقد أشار عثمان الكعاك إلى “أن الفتح العربي للمغرب يمتاز عن غيره من الفتوحات السابقة للمغرب كالفتح الفينيقي والروماني بأنه فتح ثقافي، فقد حمل الفاتحون معهم اللغة والدين ممثلين في القرآن الكريم الذي هو قوام دين، ودستور سياسة، وبحر أخلاق، وقاموس لغة، وديوان ثقافة، لذلك بنى الفتح على الثقافة في يوم الفتح نفسه”[6]،وبفضل هؤلاء الوفود من الفقهاء والتابعين واهتمام الخلفاء والولاة بسكان المغرب تحول الأمازيغ إلى أمة إسلامية أصبحت في حاجة ماسة إلى المدارس لتعليم أبنائها.

  1. دور المساجد في نشر الثقافة الإسلامية والعلوم الشرعية

يرجع الفضل في انتشار الإسلام واللغة العربية في المغرب الأقصى “إلى موسى بن نصير الذي أرسل المعلمين إلى السوس الأقصى وحول الكنائس فيها إلى مساجد، فجعلها مراكز لتحصيل العلوم الدينية، وأسس مسجدي تلمسان وأغمات هيلانة”[7].

وبهذا يتبين لنا أن الفاتحين استثمروا المساجد في نشر الثقافة الإسلامية ،بحيث “كانت المساجد الأولى التي بناها المسلمون مراكز علمية هامة، ومعاهد للدرس والتحصيل قبل أن تظهر الجامعات والمدارس، ففيه كان يأخذ التلاميذ على أساتذتهم في الفقه واللغة والحديث والقراءات والطب والفلك وغيرها من الدراسات العلمية دينية أو أدبية ولغوية”[8]، ومنه يبقى الدور التعليمي للمساجد بتأطير العلماء دور أساسي أثر بشكل كبير في تشكل الفكر الإسلامي، ويبرز لنا هذا الدور الهام للمسجد ابتداء من الفتوحات الإسلامية التي استثمرت هذه المؤسسة في تدريس أصول الدين الإسلامي خصوصا في غياب تام للمدارس التي لم تكن أسست بعد حيث أصبحت القرويين بفاس أول وأكبر جامعة بالمغرب، تخرج منها علماء كبار منهم ابن خلدون المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع، ولسان الدين بن الخطيب، وابن عربي الحكيم وابن مرزوق، وغيرهم كثير، والجامعة اليوسفية بمراكش ثاني أكبر جامعة بعد القرويين التي استقطبت كذلك علماء كبار للتدريس بها أمثال ابن رشد الجد وأبي عامر عثمان السلالجي الفاسي، واستمر المسجد يقوم بدور التدريس والتعليم طيلة العصور وإلى الآن لازالت المساجد بالمغرب تضم الكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة التي يتخرج منها أفواج من الطلبة كل سنة تفتح أمامهم باب الجامعات والمعاهد للإسهام في تطور الفكر الإسلامي من مستوى التعليم العالي والبحث العلمي.

3.دور المدارس في تطوير الفكر الإسلامي بالمغرب.

اختلف  في التأريخ لبداية تأسيس المدرسة بالمغرب، فمنهم من يرى أن المدرسة هي مؤسسة مرينية كما يقول أحمد شوقي نقلا عن ابن مرزوق” قد قدمنا أن إنشاء المدارس كان في المغرب غير معروف حتى أنشأ مولانا المجاهد الملك العابد مدرسة الحلفائيين بمدينة فاس وبعدوة القرويين منها”[9]

إلا أن هناك من يرى أن المدارس وجدت بالمغرب قبل ذلك في عهد المرابطين “فقد بنى المرابطون في فاس ” مدرسة الصابرين” التي أسسها يوسف ابن تاشفين أثناء سفره إلى هاته المدينة في سنة 462ه”[10]،و يؤكد أحمد شوقي على انه تم تأسيس مدارس أخرى على عهد المرابطين والموحدين مستدلا بقول صاحب الحلل والقرطاس “أن الخليفة الموحدي يعقوب كان قد بنى المدارس في المغرب وفي تونس وفي الأندلس”[11]ويخلص إلى انه لم يبق هناك شك في أن المدارس قد وجدت في المغرب قبل حدوث دولة بني مرين، و أن هؤلاء الملوك تنافسوا بحماس من أجل إرفاق المدن المغربية بهاته المآثر الفخمة التي مازالت إلى الآن تحظى بالتقدير، ولم تتوقف الدول الأخرى كما لم يتوقف الأغنياء عن توسيع هاته المدارس أو تأسيس مدارس جديدة ،وتبقى أقدم مدرسة أسسها العاهل المريني يعقوب بن عبد الحق هي مدرسة الصفارين  بفاس كما تم تأسيس مدارس أخرى كمدرسة العطارين والمدرسة البوعنانية والمدرسة المصباحية …

هذا الاهتمام بتأسيس المدارس وتجديدها وتنافس الملوك في ذلك أسهم في تطوير التعليم بالمغرب إضافة إلى تطوير البحث العلمي عند المفكرين المغاربة.

4.دور الخزانات والمكتبات في نشر الفكر الإسلامي بالمغرب.

ارتبطت الخزانات والمكتبات بالمغرب بالوضعية السياسية والظروف الثقافية للدول التي تعاقبت على حكمه وكيفما كانت تقلباتها بين الامتداد والتطور أو الأفول والتراجع إلا أنها أسهمت بشكل كبير في تطور الفكر الإسلامي المغربي وانتشاره وترسيخه، وتنقسم إلى عدة أنواع منها الخزانات العامة والخزانات الخاصة وخزانات الملوك وخزانات المساجد والمدارس والزوايا وغيرها، وسأركز في هذا المحور على الخزانات العامة لما لها من تأثير فعال في نشر الفكر الإسلامي في المجتمع المغربي مع الإشارة إلى الأنواع الأخرى لبيان مدى اهتمام الملوك والخلفاء والعلماء بجمع الكتب وتأسيس خزانات خاصة بهم وأثر ذلك على نشر الفكر الإسلامي وتطوره .

أولا: خزانة الكتب العمومية:

هي كل خزانة تسهم في فعل القراءة العامة، ووظيفتها الأساسية علمية، أي أنها تتيح لأبناء المجتمع وسائل متنوعة للتعليم، والتثقيف، سواء كانت هذه الخزانة مستقلة بمرافقها أو كانت جزء من مرافق المساجد أو المدارس أو الزوايا، و “إن أول خزانة عرفت بالعامة في المغرب هي تلك التي ذكرت في مقطع مقتبس من كتاب اختصار الأخبار لكاتب من القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، وهذا نصه :”وكان منها في زماننا سبع عشر خزانة، تسع بدور الفقهاء والصدور، كبني القاضي الحضرمي، وبني ابن أبي حجة، وأشباههم، وثمان موقفة على طلاب العلم” فأقدم خزانة كانت هي خزانة أبي الحسن الشاري التي كانت توجد في المدرسة التي شيدها بنفسه فكانت رهن إشارة طلبة العلم في شمال المغرب. وقد تم التركيز على خاصية العمومية لهاته الخزانة أيضا في مصادر أخرى من القرن الرابع عشر الميلادي”[12]،ومن أسباب ظهور هذا النوع من المكتبات في هذا العصر ما بذله المرابطون و الموحدون من مجهودات مستمرة في مجال خزانات الكتب أتت أكلها على عهد الدول الموالية وخاصة دولة المرينيين،” فالتراث الوافر والإرث العلمي والأدبي الذي انتقل إلى بني مرين عبر الدول السابقة هي العوامل الحقيقية التي أدت إلى الازدهار الكبير للخزانة المغربية انطلاقا من القرن 14م”[13]. لقد اهتم المرينيون ببناء الخزانات كمرفق أساسي من مرافق المساجد والمدارس والزوايا “بعدما آنسوا عقلية جديدة مثيرة لرغبة جامحة في القراءة والتثقيف لدى كل الطبقات الاجتماعية انهمك المرينيون في بناء المدارس المرفقة بخزانات الكتب وبعد ذلك انهمكوا في تشييد المكتبات في وسط المساجد الكبيرة في المدن، وأخيرا باشروا تأسيس الزوايا للطلبة والفقراء، فقد كانت خزانات الكتب الملتحمة بهاته المؤسسات تمون في جزء كبير منها من طرف الخلفاء”[14].

ومنه يمكن أن نستخلص أن الخزانة أصبحت مؤسسة للدولة مثلها مثل المدارس يهتم ببناء مرافقها في جميع محاضن التربية والتعليم ،ويزيد من تأكيد هذا الأمر “المجهودات التي بذلتها الدولتان الأخيرتان ونعني بهما السعديين والعلويين في تأسيس خزانات كتب أخرى في وسط مدارس أخرى وزوايا أخرى تؤكد هاته الأوضاع “[15].

وهكذا يمكن أن نؤكد على أن خزانات الكتب العامة في المساجد كانت توجد تقريبا في أي مكان من المغرب منها ما أسسته دولة من الدول المتعاقبة على حكم المغرب من الأدارسة إلى العلويين ومنها ما تم إصلاحه وترميمه في عصر من العصور، وهذه المكتبات تحتوي بالإضافة إلى القرآن الكريم وكتب الحديث النبوي عدة مؤلفات خاصة بالعلوم الشرعية والمعاجم والتصوف وغير ذلك. وبعض هذه المساجد أصبح جامعة كان يتم التعليم فيها على مستوى عال كجامعة القرويين والأندلس بفاس وابن يوسف بمراكش فهذه الجوامع كانت مرفقة بخزانات جامعية لها تاريخ مجيد سواء من خلال شهرة علمائها وطلبتها أو من خلال نوعية المخطوطات التي تحتوي عليها.

أما المدارس المرفقة بالمكتبات العامة” فقد تزامن تأسيسها مع مرحلة تطور الحضارة والثقافة العربية في المغرب. وكانت هاته المؤسسات العلمية التي أنشئت في المغرب في نهاية القرن 13م وخاصة خلال القرن 14م تستعمل في نفس الآن مدارس وإقامات للطلبة، وعلى هذا النحو فهي بمثابة المؤسسات الخيرية التي يجب أن تؤدي مهمة ثقافية واجتماعية في نفس الآن”[16]، و من خلال ما ذكر يمكن القول أن المدارس أسهمت إلى جانب المساجد والجوامع في تطوير التعليم للشعب المغربي.

أما خزانات كتب الزوايا أسهمت كذلك بدور أساسي في تطوير المعرفة العلمية و حفظ التراث، “فقد عرف المغرب انطلاقا من القرن 15م ظهور الزوايا في كل مكان بالمغرب، وأرفقت هذه المؤسسات بالمدارس وتتوفر على خزانات من الأهمية بمكان”[17].

يمكننا أن نستخلص أن المكتبات المغربية عرفت انطلاقا من القرن الرابع عشر الميلادي ازدهارا لا مثيل له. وكان إحداث مراكز جديدة للتدريس مثل المدارس والزوايا، بالإضافة إلى المراكز القديمة المساجد والجوامع   واحتضانها كلها لمرافق الخزانات والمكتبات من الأمور التي أسهمت في ازدهار الفكر الإسلامي بالمغرب.

وإذا كان الملوك والخلفاء اهتموا بالخزانات العامة أهمية كبيرة ،بناء وتأسيسا أو إصلاحا وترميما فقد أعطوا كذلك لمكتباتهم الخاصة التي تسمى خزانة الكتب الملكية أهمية لا تقل نظيرا عنها ومن أشهرها   “خزانة الخليفة يحيى الرابع الذي احتضن العدد الكبير من النساخ والوراقين الذين كانوا يمتهنون مهنة الوراقة في رحاب قصره في فاس دفعه إلى تشييد مجموعة من القاعات التي استعملت في الأعمال المكتبية وفي الحفاظ على الكتب على حد سواء”[18]،أما في عهد المرابطين فقد اعتبر صاحب الحلل الموشية “أن يوسف بن تاشفين هو مؤسس هاته الخزانة التي تم إغناؤها بفضل مجهودات خلفائه وخاصة ابنه علي”[19]، وفي عهد الموحدين “اشتهر الخليفة عبد المومن بكونه مؤسس هاته الخزانة إلا أنها لم تزدهر إلا بوصول ابنه أبي يعقوب يوسف إلى الحكم” و في عهد المرينيين و الوطاسيين “على الرغم من أن الخليفتين الأولين يعقوب بن عبد الحق وابنه أبي يعقوب يوسف كانا مهتمين بإعادة بناء امبراطورية اسلافهم الموحدين ، فقد اشتهروا بوضع أسس مكتبة دولتهم التي زودها وأغناها ورتثهم. ووصلت الخزانة الملكية المرينية على عهد الخليفة أبي عنان أوجها. حيث كان الرجل المتفاني في خدمة الأدب وجمع الكتب يتوفر على مكتبتين كانت توجد أكبرهما في القصر الملكي في فاس، عاصمة المملكة، والأخرى هي مكتبته المتنقلة التي كان يحملها معه في رحلاته “[20].

أما خزانة الكتب الملكية في عهد السعديين “فتعود في أصلها إلى مؤسس الدولة نفسه محمد القيم الذي كان عالما وولوعا بالكتب، وتكونت هاته الخزانة في مجموعتها الأولى من المخطوطات التي حصل عليها الأميران السعديان أحمد الأعرج ومحمد أمغار لحظة إقامتهما في عاصمة الوطاسيين، فالخليفة أحمد الوطاسي وبملاحظته لثقافة هذين الأميرين العالية وذكائهما الثاقب عينهما معلمين لأبنائه، فكانت أبواب خزانة الملك مفتوحة لهما على مصراعيها، فلم يتردد الأميران في أخذ الكتب والأبحاث التي انتهى بها المطاف بطبيعة الحال إلى الخزانة السعدية، وقد ازدهرت الخزانة الملكية لهاته الدولة على عهد الخليفة الكبير المنصور الذهبي، فهذا الأخير كان محبا للعلوم جماعا للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله”[21]،وأخيرا على عهد الدولة العلوية “تعود الأصول الأولى لخزانة الكتب الملكية إلى مؤسس هاته الدولة الشريف مولاي رشيد. ففي عهد هذا الخليفة الذي كان عالما وراعيا للآداب أنعش النشاط الفكري في المغرب، وازدهر بوصول العلماء والأدباء الذين تتلمذوا في مراكز دراسية وفي زوايا منعزلة. وقد صنع العلويون خزانة البلاط مما غنموه من كتب الزوايا وكتب الدول السابقة. وعلى هذا النحو نقل مولاي رشيد عددا كبيرا من كتب الزاوية الدلائية إلى قصره في فاس لتشكيل نواة للخزانة الملكية عند العلويين. وستغتني هاته الأخيرة كثيرا بما كان قد تبقى من الخزانات الملكية والأميرية عند السعديين من جهة، ومن الاقتناءات والنساخة والهدايا النفيسة التي كان يتوصل بها مولاي رشيد من جهة أخرى، ومع موت مولاي رشيد نقلت هاته المكتبة إلى مكناس التي أصبحت عاصمة المغرب على عهد الملك مولاي إسماعيل، وقد شيد هذا الأخير بناية خاصة تسمى دويرة الكتب لحفظ الكتب الملكية التي وصلت على عهد خلافته الطويلة إلى اثني عشرة ألف مخطوط. وفي القرن 18 ستقام المكتبة الملكية في مراكش التي أصبحت من جديد عاصمة المغرب على عهد الملك محمد بن عبد الله، وسيتم نقلها أخيرا إلى الرباط التي تم اختيارها لأن تكون عاصمة للمملكة غداة استقرار الحماية الفرنسية سنة 1912م”[22].

وتنضاف إلى المكتبات العامة والخزانة الملكية المكتبات الخاصة التي لا حصر لها،بحيث لم يكن العلماء وحدهم الذين تمكنوا من جمع الكتب في خزانات بيوتهم إما من تأليفهم أو مما يحصلون عليه في أسفارهم، بل كانت الفرصة متاحة على مر العصور لجل فئات المجتمع من جمع الكتب بمكان خاص داخل البيوت وتسميته بالخزانة الخاصة، وعرفت مدا وجزرا بازدهار الفكر وانتشار الكتاب في عهد الدول التي حكمت المغرب.

ويتبين من خلال هذا كله أنه لا يمكن دراسة تاريخ الخزانات بالمغرب بعيدا عن الظروف السياسية، كما يمكن أن نؤكد أن أية خزانة أو مكتبة سواء عامة أو ملكية أو خاصة وسواء وجدت مستقلة أو داخل المساجد أو المدارس أو الزوايا أو القصور فإنها أسهمت بشكل كبير في نشر الفكر الإسلامي وتطوره.

وهكذا عرف المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة العلوية  نشاطا فكريا كبيرا  تجلى في بروز علماء كبار وجامعات عالمية ومدارس عريقة، وخزانات ومكتبات  كثيرة وكل هذا يوحي لنا بوفرة الكتاب والطباعة والتأليف، فمن الطبيعي أن يترجم نشاط الحركة الفكرية في مجتمع معين بوفرة في تأليف الكتب، وبتوفر الوراقة والورق.

[1] د عبد العزيز سالم،تاريخ المغرب في العصر الإسلامي،ص:158

[2] ابن عذارى،البيان المغرب ، الجزء الأول،نشر وتحقيق ج.س كولان وليفي بروفنسال،لندن،1948،ص:158

[3] ابن عذارى،ج1،ص:158

 ابن عذارى،ج1،ص:45[4]

دعبد العزيز سالم،تاريخ المغرب في العصر الإسلامي،ص:203[5]

عثمان الكعاك،مراكز الثقافة في المغرب، مطبوعات مهعد الدراسات العربية العالمية،القاهرة،1985،ص:12[6]

دعبد العزيز سالم،تاريخ المغرب في العصر الإسلامي،ص:206[7]

[8]دعبد العزيز سالم،تاريخ المغرب في العصر الإسلامي،ص:206_207.

 أحمد شوقي بنبين،تاريخ خزائن الكتب بالمغرب،ص:129[9]

[10] نفس المصدر.

 نفس المصدر، ص:130[11]

[12] نفس المصدر،ص:68

 نفس المصدر،ص:85[13]

[14] نفس المصدر،ص:86

[15] نفس المصدر.

[16] نفس المصدر،ص:128

[17] نفس المصدر،ص:135

 نفس المصدر،ص:34[18]

[19] نفس المصدر،ص:50

 نفس المصدر،ص:87[20]

 نفس المصدر،ص:90[21]

 نفس المصدر،ص:95[22]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.