منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إهانة المرأة باسم الدين، فرصة لاستغلالها بدعوى التحرير..(خطبة)

بن سالم باهشام

0

عباد الله، لقد عاشت المرأة في الجاهلية الأولى قبل الإسلام ردحا من الزمان تحت الظلم والسيطرة والقهر والإهانة، فجاء الإسلام وحررها، واعترف بآدميتها، فكانت نعم البنت، ونعم الزوجة، ونعم الأم، ومن صور تكريم الإسلام للمرأة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، طرد قبيلة كاملة من أرضها بسبب التعدي على

امرأة من المسلمين؛ قدمت إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها، ورفضت المرأة المسلمة ذلك، فجاء أحد اليهود من خلفها وربط طرف ثوبها برأسها دون أن تشعر، وعندما وقفت انكشفت المرأة فصرخت، فجاء أحد المسلمين وقتل اليهوديَ الذي فعل ذلك، فاجتمع اليهود على المسلم فقتلوه. ولما بلغ الرسولَ صلى الله عليه وسلم الخبر، أخرج هذه القبيلةَ اليهوديةَ بكاملها، لسبب قد نراه اليوم بسيطا، لكنه عند الرسول صلى الله عليه وسلم عظيم، وهو التطاول على المرأة المسلمة، والتعدي على كرامتها.

وبانتقاض عروة الحكم، روى أحمد وإسناده صحيح،عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ) أخرجه أحمد 6/ 251 ، وافتراق السلطان عن القرآن، والدولة عن الدعوة، روى الطبراني وغيره عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (… أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ…)، [أخرجه الطبراني (20/90 ، رقم 172)، و الطبراني في الشاميين (1/379 ، رقم 658) ، والطبراني في الصغير (2/42 ، رقم 749)].

وبهذه الانتكاسة التاريخية ساد الظلم، ولحق المرأة نصيبها من هذا الظلم، وكانت الفرصة سانحة لأعداء الدين لدعوتها إلى التحرر مما يمارس عليها باسم الدين عدوانا وزورا، فاغترت بهذه النداءات المغرية واستجابت، فكانت لقمة سائغة وطعما لذيذا لأعداء الدين، فهربت من النار إلى الرمضاء، وأحسن مثال تقريبي لحال المرأة، هي هذه القصة الرمزية التي يجب أن نعتبر منها، والكيس من اتعظ بغيره، يحكى أن راعيا ساق أغنامه إلى حظيرتها، وغلّق الأبواب كلها، فلما جاءت الذئاب الجائعة، وجدوا الأبواب مغلّقة، ويئسوا من الوصول إليها، فدبّروا خطة لتحرير الأغنام من الحظيرة، في تلك اللحظة؛ توصلت الذئاب إلى أن الطريق هي إقامة مظاهرة أمام بيت الراعي، يهتفون فيها بالحرية للأغنام، فنظمت الذئاب مظاهرة طويلة طافوا بها حول الحظيرة، فلما سمعت الأغنام أن الذئاب أقامت مظاهرة تدافع فيها عن حريتهم وحقوقهم، تأثروا بها، وانضموا إليها، فبدأوا ينطحون جدران الحظيرة والأبواب بأقرانها حتى انكسرت، وفتحت الأبواب، وتحرروا جميعا، فهربوا إلى الصحاري، والذئاب تهرول وراءها، والراعي ينادي، ويصرخ مرة، ويلقي عصاه مرة أخرى ليصرفهم، ولم يفد النداء ولا العصا شيئا، ووجدت الذئاب الأغنام في بادية مكشوفة بلا راع ولا حارس، فكانت تلك الليلة، أسوأ الليالي في حياة الأغنام المحررين في اعتقادهم، إذ كانوا أكلة شهية للذئاب المتربصين، وفي اليوم التالي لما جاء الراعي إلى الصحراء، التي وجدت الأغنام فيها حريتها، لم يجد إلا أشلاء ممزقة، وعظاما ملطخة بالدماء، وما أشبه مظاهرة ذئاب العالم، لحرية النساء المؤمنات اللواتي لم يميزن بين الصديق والعدو، وبين المصلحين والمفسدين، بهذه القصة الرمزية، لمّا شاهد ذئاب العالم أن وصولهم إلى النساء المؤمنات العفيفات، مستحيل بسبب ولاية آبائهم، وبسبب بقائهن في البيوت، وبسبب الحجاب الشرعي، أقاموا مظاهرات يطالبون بحريتهن، واستغلوا ظرف طغيان الكثير من الرجال الذين لم يلتزموا بحقيقة الدين الإسلامي الحنيف الذي أكرم الأنثى بنتا وزوجة وأما، واستغل نصوص الشرع، وحرف مقاصدها لصالحه، وطغى على المرأة وتجبر عليها، وسامها سوء العذاب باسم الدين، وحرف مفاهيم الكثير من الأحاديث استجابة لهواه، والهدف ليست حريتهن، بل حرية الوصول إليهن، وهذا هو واقعنا هذه الأيام.

عباد الله، إن أعداء الدين الإسلامي استخدموا المرأة كأداة لإفساد المجتمعات المسلمة، فجاءتِ الجاهلية المعاصرة في صورة المشفِق عليها عن طريق مجلَّة، أو عن طريق صفحة جريدة، أو أغنية فاجرة، أو مسلسل، أو تمثيليَّة، أو جهاز استقبال، يريدونها أن تفقد كرامتها وشرفها، قال تعالى في حقهم في سورة البقرة: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

المزيد من المشاركات
1 من 5

عباد الله، إن من سنن الله في الكون سنة التدافع بين أهل الحق والباطل، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾،

عباد الله، اعلموا أن المستهدف الأول في هذا التدافع هو المرأة، والتي هي مدرسة الرجال، ومربية الأبطال، ورحم الله الشاعر الحكيم حافظ إبراهيم الذي قال في شأنها بنتا وزوجة وأما:

الأم مـــدرســـة إذا أعـــــــــــددتــهـــا*** أعـددت شـعباً طـيب الأعـراق

الأم روض إن تــعـهـده الـحـيـا*** بــالــــــــــــــــري أورق أيــمــاً إيـــراق

الأم أســتــاذ الأســاتـذة الألـــى*** شـغـلت مـآثـرهم مــدى الآفـاق

ربوا البنات على الفضيلة إنها*** في الموقفين لهن خير وثاق

ومادامت للأنثى هذه الأهمية، وينتج عن إهمالها خطورة كبيرة، ومادام للأم هذه المكانة، فإن أهل الباطل جعلوها من أولى أولوياتهم، ليحققوا عن طريقها كل مخططاتهم التخريبية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال فيما رواه مسلم في صحيحه، من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: « إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ؛ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ »، وما دام القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان لإنارة طريق المرأة وتحصين الأسرة، فبالطبع سوف لا يأل أهل الباطل جهدا، لإثارة الشبهات حولهما، وانتهاز ضعف زاد أغلب المسلمين والمسلمات حول تعاليم دينهم، مما يجعلهم لقمة سائغة في أيدي أعدائهم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 38

عباد الله، اعلموا أنه لا يمكن للمرأة عموما والمسلمة خصوصا، أن تعيش كرامتها التي متعها الله إياها من خلال قوله تعالى من سورة الإسراء: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾، وهي في ظل أجواء الظلم الممارس عليها من قبل الكثير من الأزواج، وأصحاب الشهوات الذين سلبوها حريتها؛ وشيؤوها باسم التحرر، ورأوا أن طاعتها لرئيسها في العمل من أجل الراتب واجب، وطاعتها لزوجها في مؤسسة الأسرة القائمة على نظام القوامة والحافظية عبودية.

عباد الله، مادامت هذه العقول المعلولة هي المهمينة على مصير المرأة، ومادام الكثير من الأزواج يعتقدون القوامة استبدادا وطغيانا وتحكما جائرا، وليست تكليفا ومسؤولية وخدمة، فإن العنف بكل أنواعه الحسي والمعنوي، سيبقى ممارسا عليها.

عباد الله، اعلموا أن القوامة بمفهومها الإسلاميِّ، هي جزءٌ من نظام متكاملٍ، يحفظ للمرأة حقوقَها المادية والمعنوية وإنسانيتها، فالقوامة ليست تسلُّطًا واستعلاءً ولا تشريفا، وإنما هي تكليف ومسؤولية؛ فالقوامة للرجل، والحافظية للمرأة، ودونهما استغلال واستبداد وظلم، قال – تعالى – في سورة النساء: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾، وهذا النصُّ جاء في صورة جملةٍ اسمية، وهي تُفيد الثباتَ والاستمرار، وتمثِّل سُنَّة دائمة، وقانونًا مستويًا، كما أنَّ الجملة تحمل صفةَ العموم والمبالغة، فالآية تُفيد أنَّ عموم الرِّجال قوامون بصورة تامَّة على عموم النِّساء الحافظات، قال تعالى في حق النساء من نفس السورة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾.

عباد الله، إن من أنواع العنف الممارس على المرأة، العنف المعنوي الذي يجب كشفه وفضحه وإظهار زيفه، ومن صوره تهديدها باسم الدين، وتوظيف الأحاديث النبوية الشريفة ضدها لخدمة أجنداتهم الشيطانية.

عباد الله، لا يستقيم الحديث عن المرأة التي هي نصف المجتمع؛ ومربية الأجيال، ولا الحديث عن الأسرة التي هي اللبنة الأولى لبناء مجتمع سليم؛ والتي بصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع، قبل أن نميز العدو من الصديق، وأننا لسنا وحدنا في الساحة، بل هناك أهل الحق وأهل الباطل.

عباد الله، على كل واحد منا أن يصنف نفسه، ويعرف موقعه بين صف أهل الحق وأهل الباطل، فأهل الحق يسعون إلى الصلاح والإصلاح في كل المجالات؛ وعلى جميع الأصعدة، بالمقابل لهم أهل الباطل في إطار سنة التدافع، والذين يسعون إلى التخريب باسم ودعوى الإصلاح، فيدعون إلى تحرير المرأة زيفا وبهتانا ومكرا، والحقيقة أنهم يقصدون تحرير الوصول إليها.

عباد الله، إن من الأعمال الواجب القيام بها لصيانة المرأة المسلمة وتحصينها، هو التصدي لشرح بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالمرأة، بالمفهوم الحقيقي كما فهمه الرعيل الأول من الرجال والنساء المشهود لهم بالصلاح من الصحابة رضي الله عنهم، والذين حظوا بشرف مجالسة الرسول الله صلى الله عليه وسلم والسماع منه مباشرة، وصحبته، وهذا واجب شرعي قصد تنوير طريق المرأة المسلمة، حتى تطمئن أن زوجها رفيق الرحلة هو ثقة وحضن أمان، ويأنس الرجل الزوج، أن المرأة الزوج، ركن شديد يعتمد عليه، وتعتز المرأة بدينها، وتعلم أن حريتها وكرامتها وسعادتها في ظل الإسلام، وتحصينا لها من نداءات أصحاب القلوب المريضة، وأهل الفجور ، والدعاة على أبواب جهنم الذين يريدون استغلال سذاجتها وحسن نيتها، وانتهاز فرصة رغبتها في التحرر من ربقة عبودية الرجل المستبد باسم العادات والتقاليد المتفشية في البلد باسم الدين، ليوقعوا بها، عن طريق تلبيس الحق عليها، وسرعة الوصول إليها وتشييئها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.