منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأبعاد المقاصدية لموقف أبي سالم العياشي من اختلاف علماء سجلماسة في عقائد العامة

ذ. البشير قصري

0

 

الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اتبع نهجه، وسلك دربه. وبعد:

لا يخفى على أحد أن أبرز مقومات الدين الإسلامي هو العقيدة، وأن أساس الاعتقاد الإيمان بالله عز وجل، أسمائه وصفاته وأفعاله، ولما كانت سجلماسة حاضرة إسلامية علمية بامتياز، كان ولا بد أن يحظى هذا الأمر لدى علمائها بمزيد دراسات وسجالات ومناظرات علمية قد تفضي أحيانا إلى بروز بعض الخلافات والاختلافات. ولم يكن لعلماء المغرب عموما، ولا لعلماء درعة المتاخمة جغرافيا لسجلماسة خصوصا أن يغفلوا عما يُتداول هناك من علوم، وما تُبث من دعوات، بل تفاعلوا مع كل ذلك أخذا وعطاء، تأصيلا وتبريرا وتقويما، قبولا وردا.

ومن المسائل والنوازل العلمية والعملية البارزة في تاريخ المنطقة والتي كان لها أثار دينية واجتماعية، مسألة “إيمان العامة”، والتي حققت ذلكم التفاعل الكبير، والتناظر العلمي الرصين حيث جعلت بعض علماء تافيلالت يقفون منها على طرفي النقيض، ودفعت بأبي سالم العياشي أن يتدخل فيصدر حكما فيها- في الإطار العلمي طبعا- فصَّله تفصيلا وأشبعه دراسة وبيانا وتحليلا، وذلك في كتاب له تحت عنوان: “الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف فيما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بوحدانية الله، وجهل بعض ما له من الأوصاف”.

المزيد من المشاركات
1 من 83

والناظر إلى واقعنا المعاصر يرى فتنا واقتتالا، وهرجا ومرجا، وبلبلة وانقساما مرده إلى فهم للدين سقط في التحريف، ولم يراع مقاصد الشرع الحنيف، لذلك أتيت بهذه النازلة/ الواقعة وما دار حولها، وما انبثق عنها لاستخلاص دروس وعبر مُسهما في تأسيس أو تصويب وعلاج عِلل أفكار كثيرا ما جنحت يمنة أو يسرة، فجرت وما تزال الويلات على الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء، أسأل الله اللطف. فما حقيقة الإيمان والكفر؟ وهل يجوز الخوض في عقائد العامة تفصيلا، أو سؤالهم امتحانا وتحكيما أو تحكما؟ وما هي المقاصد الشرعية المعتبرة في كل ذلك؟

سعيا وراء محاولة الإجابة عن تلكم الأسئلة، وحل الإشكال اعتمدت تأليفا لمنهجي الاستقراء والاستنباط، وما يستلزم ذلك من وصف وتحليل، استقراء للمادة العلمية في مظانها وتحليلها، واستنباط واستنتاج للأبعاد المقاصدية.

خطة البحث:

أولا: ممهدات

  • تعريف موجز بأبي سالم العياشي.
  • سجلماسة القرن الحادي عشر الهجري (عصر أبي سالم) من الناحية العلمية والاجتماعية.

ثانيا: عرض النازلة (النزاع): تأصيل وتحديد، وبيان أسباب الاختلاف.

ثالثا: موقف أبي سالم من النازلة أو تحرير النزاع.

رابعا: الأبعاد المقاصدية لموقف أبي سالم.

خامسا: خلاصات

أولا: ممهدات

بين يدي هذا الموضوع يتعين الوقوف على بعض التعريفات الممهدة لمباشرة التفصيل في النازلة، وهي كما يلي:

  • تعريف موجز بأبي سالم العياشي.

ترجم لأبي سالم في العديد من كتب التراجم والفهارس والأعلام[1]، ولا غرابة فقد كان للرجل وزنه العلمي الكبير الذي تجاوز الحدود، وشخصيته الدعوية والتربوية التي استهوت العلماء والباحثين والدارسين من مشارق الأرض والمغارب. ولمطلب الإيجاز أكتفي بما أورده محمد بن الحسن الحجوي (ت 1957م) حيث قال: “أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي الفاسي الإمام الرحال، صاحب الرحلة المشهورة، ذات الفوائد المشكورة، أخذ عن شيوخ في المغرب ومصر والحجاز، له مؤلفات كمنظومته في البيوع وشرحها، وكتاب الحكم بالعدل والإنصاف في المقلد، وغير ذلك ورحلته مطبوعة بفاس دالة على فضله وباعه. توفي سنة 1090ه.[2]

وأضيف ما جاء به ابن المنطقة الشيخ محمد العمراوي السجلماسي حيث ترجم له في كتابه النفيس الموسوم ب:”المعجم الوجيز في تراجم نخبة من علماء سجلماسة ووادي زيز”[3]، ووصفه بأنه:” العلامة الكبير المحقق النحرير، المشارك في أنواع العلوم والمدارك، الرحالة الجوال الفصيح القوال،…والعياشي نسبة لآل عياش قبيلة من البربر تتاخم بلادهم الصحراء”[4].

إذن نحن أمام عالم جليل حريص كل الحرص على أن يبدي رأيه ويقول كلمته، ويوجه نصيحته مدعومة بالحجة والبرهان، متكاملة الأركان، شديدة البنيان، مسهما في حماية الإسلام من التحريف، والمسلمين من الانحراف[5]، مزايلا بذلك علماء كثر ملأوا الدنيا أقوالا، وأفقروها من المواقف الصحيحة والأعمال الصالحة، والجهود المخلصة، علم ولا هم، أرض مقدسة ولا زمزم !!

  • سجلماسة في عصر أبي سالم.

تعتبر سجلماسة[6] حاضرة المغرب الأقصى وعاصمة جنوبه الشرقي، فهي ثاني مدينة إسلامية تشيد بالغرب الإسلامي، بنيت سنة 140ه/757م، وتؤكد المصادر التاريخية أن سجلماسة شكلت مركز استقطاب حيوي احتضن أجناسا وفئات بشرية متنوعة ومختلفة تنخرط في أنشطة اقتصادية متعددة أهمها الفلاحة والتجارة وبعض الصناعات التقليدية.

وتبعا لذلك عرفت “سجلماسة” حركة علمية وثقافية متنوعة واكبت الحركة الاجتماعية والاقتصادية المزدهرة، وطبيعي جدا أن تنبثق عن ذلك الاختلاف والتنوع خلافات فكرية وعلمية تشتد مرة وتخف أخرى، ومنها أزمة التكفير التي اكتوت بلظاها المنطقة نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الهجري، وهو الأمر الذي عايشه وتفاعل معه العلامة أبي سالم العياشي (1037ه/1090ه).

ثانيا: عرض النازلة (النزاع): تأصيل وتحديد، وبيان أسباب الاختلاف.

تقودنا هذه النازلة ذات البعد النزاعي -كما سيتضح- أثناء دراستها إلى تتبع الخطوات المنهجية التالية[7]:

  1. ثبوت النزاع وهي خطوة استهلالية إلى حد كبير.
  2. تحرير محل النزاع وذلك ببيان حقيقة الخلاف وأسبابه.
  3. حل الإشكال.

أ- ثبوت النزاع

أشير قبل أن أنقل عن أبي سالم نص النازلة، أنه وُفِّق إلى حد كبير في إعمال الضوابط العلمية والمنهجية الكفيلة بتبين الحقائق الواقعة عن الأغاليط أو الأغلوطات الواهمة، حيث يمكننا القول بلا ارتياب أن هذه النازلة وقعت بالفعل، وباعتماد المفتي(أبو سالم) مع المستفتي (أحد معارفه ) أسلوبي الاستفصال الاستفسار[8] يتقرر أن المفتي تمكن من معرفة الحيثيات والملابسات الزمانية والمكانية والشخصية والنوعية للنازلة، لأن السؤال معدن الجواب -كما يقولون- وما أبو سالم عن حال سجلماسة ببعيد ولا عن قضاياها بغريب. بيد أن تاريخ فقه النوازل حافل بشواهد لفتاوى علماء أفذاذ جانبوا الصواب بسبب غفلتهم عن هذه الضوابط، فاستخرج منهم المستفتون أحكاما تلائم رغباتهم وتساير نزواتهم، وتلبي مصلحتهم[9].

أضف إلى ذلك السؤال عن مآل الشيء قصد تحقيق المناط بوجه أتم، قال الشاطبي رحمه الله:”النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة”[10].

إذن إليكم نص النازلة وعناصرها وواقع حالها على لسان أبي سالم[11]: “…في سبب الجمع لهذه الرسالة، التي أسأل الله تعالى بوجهه الكريم ووجاهة كل وجيه عنده أن يوفقني فيها إلى ما هو الحق والصواب، وذلك أن بعض السفار ممن أطال الإقامة بسجلماسة، وله ماسة بالطلب ورد علينا مجتازا، فأخبرني أنه وقع بين بعض فضلائها وأماثل علمائها ممن جمع العلم والعمل نزاع كبير وخلاف كثير، أدى إلى تضليل بعضهم لبعض، بل إلى تكفيره، فاستفهمته عن حقيقة ذلك وشرحه وسببه…فأخبرني أن الفقيه الناسك الشاب الناشئ في عبادة الله تعالى الصالح فيما أحسب ولا أزكي على الله أحدا:” سيدي محمد بن عمر بن أبي محلي”[12] تصدى في ذلك البلد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…ثم خص تصديه في هذا الوقت بإزالة المنكرات المتعلقات بالعقائد الإيمانية والمعارف الدينية، وألف في ذلك رسائل…ولقن ذلك طائفة من أصحابه صغارا وكبارا، وأمرهم بإفشائه وتعليمه في الطرقات والأسواق والأندية، وأمرهم أن يسألوا الناس عن معتقداتهم ويباحثونهم عما أضمرت قلوبهم وأكنته سرائرهم في حق الله وصفاته وأسمائه وفي حق الرسول صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بذلك، فمن أخبر بما يوافق الذي عندهم تركوه، ومن قال بخلاف ذلك كفروه، وقالوا بفسخ أنكحته وحرمة ذبيحته، وغير ذلك من الأحكام المترتبة على الكفر الصريح، وكفروا من لا يعرف الصفات الإلهية ومعانيها ومتعلقاتها، ولم يعذروهم بالجهل في شيء من ذلك ولا بالخطأ في الجواب، حتى إنه في ما قال لي: امتحنوا جزارا ذبح ثورين لهما ثمن غال، فقالوا له: ” هل يتعلق بصر الحق تعالى بالموجود والمعدوم معا، أو بالموجود فقط؟ فتوقف في ذلك أو قال بهما معا، فحكموا بكفره وألقيت ذبيحته للكلاب أو كلام هذا معناه.

فلما بلغ الأمر إلى هذا الحد، قلق الناس لذلك واضطربوا ومرج أمرهم، فمن قائل هذا هو الحق، ومن قائل ما سمعنا بهذا قط، فلما رأى الفقيه المشارك الناسك العالم العامل “سيدي مبارك العنبري الغرفي”[13] ما حل من ذلك وما دهمهم من ذلك الأمر، تصدى للرد عليه وتزييف مقالته، ولم يذكر لي هذا المخبر شيئا من خصوص مقالاته هو ولا الوجه الذي أنكر من ذلك، إلا أنه قال لي إن طلبة ذلك المصر تحزبوا لهما حزبين،…وبالغت كل طائفة في التشنيع على الأخرى بالكفر فما دونه.

ولعمري إن هذا لخرق يتسع على الراقع، وخطب حل بالإسلام فاظع، لا يرضاه الله ورسوله ولا صالحوا عباده، ويؤدي إلى الفتنة في أرض الله وبلاده…فاسترجعت للمصيبة التي نزلت بالمسلمين من ذلك، وأشفقت من تورطهم في مزالق تلك المسالك، وكل مصيبة تنزل بالمسلمين جلل بالنسبة إلى اختلافهم في أصل الدين الذي به سادوا على الملل، فما بقاء هذه الأمة بعد تكفير بعضها بعضا، وتفريق كلمة علمائها ورجوع أمرهم فوضى. ولقد سألته هل معه شيء من كلاميهما، فأخبرني أن معه رسالة لسيدي محمد بن عمر سماها “المنقذة” فأتى بها…فاستحسنت ما فيها من دعاء إلى الله ومعرفته وتحريض على تعلم ما يجب علمه في حق الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتحذير من وقوع الإنسان في الكفر من حيث لا يشعر… إلا أنه بقي النظر عندي في أشياء من ذلك، أردت أن أذكرها ليتدبرها هو وغيره ممن يراها من أهل العلم، عسى أن يجعل الله ذلك سببا لإطفاء نار التعصب الواقعة بين الفريقين[14].

ولا شك أن القارئ لهذه السطور تستوقفه عدة أمور مبرزة لخصال حميدة انطبعت بها شخصية أبي سالم، منها: حرصه الشديد على فهم المسألة من جميع جوانبها، واحترامه الشديد للعلماء وإن خالفهم، يذكر محاسنهم ومواطن الإصابة في أقوالهم، واستصحابه الاستعانة بالله عز وجل والتماس التسديد والتأييد منه سبحانه، وإخلاص النية له، وأيضا التحقق بالشرط المبيح للتكلم في الناس والذي صاغه ابن تيمية رحمه الله بقوله: “ينبغي لمن أراد أن يتكلم في الناس أن يتكلم بعلم وعدل”[15].

ب- تحرير محل النزاع وبيان حقيقة الخلاف وأسبابه.

يستخلص من خلال هذا العرض أن الخلاف في هذه القضية يرجع في عمومه إلى أربع مسائل، يتوقف على فهمها تحرير النزاع وحل الإشكال. وهي:

المسالة الأولى: حكم التعرض للناس بالسؤال والبحث عن عقائدهم مع سلامة ظواهرهم.

المسألة الثانية: حكم تكفير من يجهل صفة من صفات الله تعالى وعدم العلم بها حال كونه خالي الذهن من إثبات ذلك أو نفيه.

المسألة الثالثة: حال غالب عوام المسلمين في الاعتقاد.

المسألة الرابعة: مدى صحة إناطة (نوط) الأحكام الظاهرة بالأحكام الباطنة.

وهذه المسائل الأربع وردت بشأنها آيات قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية وفيرة، وكانت محط نظر أهل النظر من سالف علماء الإسلام عبر التاريخ، وفجرت خلافات واختلافات، وأحزاب وتكتلات لا يعدم أي منهم دليلا من الأثر أو النظر، ولا مطمع في تلمس فهم موحَّد موحِّد يلم الشمل ويجمع الكلمة في ظل غياب نظرة مقصدية تراعي الحال المآل، وتجمع شتيت الأثر، منطلقة من الوحي متمسكة به، ساعية إلى جلب المصالح ودرء المفاسد.

ثالثا: موقف أبي سالم من النازلة أو حل الإشكال.

وفي تحريره للقضية وبيان موقفه منها بسط أبو سالم القول في سبعة أمور جعلها تمهيدا وأصولا للتفصيل والحكم في المسائل الأربع السالفة الذكر، وبالتالي إعلان موقفه من النازلة جملة.

فالأمور التي مهد بها هي: حقيقة الإيمان والكفر والعلم والجهل والاعتقاد والمعرفة والتصديق والتكذيب، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصفات الداعي إلى الله تعالى[16]. وأما المسائل الأربع فتناولها في أربعة مطالب، وهي كالآتي:

المطلب الأول: حكم التعرض للناس بالسؤال والبحث عن عقائدهم مع سلامة ظواهرهم.

بدأ أبو سالم هذا المطلب بالتصريح بموقفه، ثم أتبعه بالأدلة الشاهدة له، مع رد ما قد يعترض به عليه، وقد حاولت أن أنتقي منه ما يفيد فألفيته دررا كله، جواهر لا يستغنى عنها فلزمني التأكيد على ضرورة العودة إلى الكتاب، واكتفي هنا بشيء مما يفي بالغرض.

  • موقفه من هذه المسألة.

في بيان أن الكشف والبحث عن عقائد العوام الذين ظاهرهم الإسلام مما لم نؤمر به، بل نهينا عنه سيما إذا لم يظهر على ألسنتهم ما يدل على فساد العقيدة، ولو اقتضى الحال في جزئية سؤاله، فليكن بلطف وعلى وجه لا يتأذى به المسؤول ولا يوقعه في الإيهام، إذ كونه عاميا مقتض لأن لا يسأل أصلا، بل يؤمر بأن يسأل هو عما أشكل عليه، وينهى أيضا عن السؤال إذا كان ما سأل عنه لا يحتمل عقله فهمه ويضر به الخوض فيه[17]. إذن أبو سالم يرى تحريم امتحان الناس في عقائدهم، وقد ساق دفاعا عن موقفه هذا أدلة كثيرة ومتنوعة، وبين وجه الاستدلال بها، وفند ما يرد على ذلك من اعتراضات واشكالات.

  • أدلته

لقد أفاض في إيراد الأدلة على تحريم السؤال عن العقائد، ويمكن تصنيفها كالآتي:

  • من القرآن الكريم:

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم[18]﴾ وكيفية الاستدلال أن يقال: “فساد عقيدة من ظاهره الإسلام يسوء المؤمن إذا بدا له، فهو منهي عن السؤال عنه”[19].

وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا[20]﴾ ولاحظ كيف وظف هذه الآية للتدليل على حكمه في المسألة، “… والسؤال عن عقيدة الشخص من التجسس، فهذا دال عن النهي عن السؤال صريحا، وإتيانه بالنهي عقب الأمر باجتناب كثير من الظن والإخبار بأن بعضه إثم، يدل على أن التجسس إنما ينشأ عن ظن، وأنه لا عبرة بذلك الظن، فإذا نهي عنه عند الظن، فما بالك حيث لا ظن”[21].

والآية 43 من سورة النحل: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ واستدل بها ببراعة حيث قال: “فأمر بسؤال أهل الذكر (صفة) بشرط أن يكون السائل ممن لا يعلم، فمفهومه أن السائل إذا كان عالما لا يَسأل، وأن المسؤول إذا لم يكن من أهل الذكر لا يُسأل، فقد دل مفهوم صدر الآية ومفهوم عجزها أن العالم لا يسأل العامي، والأول مفهوم الصفة والثاني مفهوم الشرط وكلاهما حجة عن الأصوليين”[22]. وأنظر إلى تتبعه الدقيق وسبره وتقسيمه للحالات الممكنة حيث يذيل كلامه السابق بقوله: “ويرشح إرادة المفهوم في هذه الآية أن السؤال عند خلوه عن الصفة والشرط المذكورين يكون خاليا من الفائدة مستلزما لمفاسد كثيرة، وما خلا عن الفائدة لا يأمر به الشرع، وما فيه المفسدة ينهى عنه”[23].

  • من السنة النبوية

أورد من السنة النبوية دفاعا عن رأيه أربعة أحاديث، لا يتسع المجال لذكرها، فأقتصر بواحد منها وهو عن مجاهد قال: جاء يهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صف لي ربك من أي شيء هو، أمن لؤلؤ أم من ذهب أم من كذا، فأرسل الله صاعقة فأحرقته، وأنزل الله: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ [الرعد الآية 14 ] وعلق عليه أبو سالم قائلا: “هذا الحديث من الأصول العظيمة الشاهدة لإثبات هذا الأصل، وهو عدم السؤال عما يتعلق بالله تعالى لا على وجه الاسترشاد”[24].

  • من أقوال العلماء:

أطال رحمه الله النقول عن حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله من خلال كتابيه: “إحياء علوم الدين” و”إلجام العوام عن علم الكلام” ودعمه وقابله بكلام أئمة كبار، وخلاصة الأمر أن سؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات وهي من المثيرات للفتن، فيجب ذمهم ومنعهم[25].

لقد فصلت في هذه المسألة إلى حد ما قاصدا إبراز منهج أبي سالم في تناول قضايا النازلة، ولعله اتضح بما يكفي، لذلك سأوجز كثيرا في باقي المسائل، مقتصرا على ذكر موقف أبي سالم، تاركا للقارئ الكريم العودة للمرجع قصد التفقه والتوسع، وإني على يقين أنه لن يعدم الفائدة.

المطلب الثاني: حكم تكفير من يجهل صفة من صفات الله تعالى وعدم العلم بها حال كونه خالي الذهن من إثبات ذلك أو نفيه.

حَكم أبو سالم في هذه المسألة أن: “الجهل ببعض الصفات من غير جحود مع التصديق والانقياد والإذعان لدين الإسلام ليس بكفر…خلاف ما صرح به صاحب المنقذة”[26]، وصرح في موضع آخر: “والقاطع للشغب في هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه أجلاف الأعراب وأغمار الناس من الرعاة وأهل البادية فيسلموا على يديه، وكان يكتفي منهم باعتقاد “لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله” ولم يكلف أحدا منهم بمعرفة الجواهر والأعراض”[27].

المطلب الثالث: حال غالب عوام المسلمين في الاعتقاد.

في هذه المسألة قضى أبو سالم بعدم صحة الحكم على العوام بالكفر لأنه الغالب، وفي بيان ذلك اتخذ عدة مسالك[28]، وتحدى الشاك والمشكك بأن يجرب، فيسأل باللفظ الذي يفهمه كل أحد فيقول لعامي: هل أنت مؤمن بالله ورسوله أو مكذب؟ فالجواب لن يكون سوى إقرار الإيمان والتبرؤ من الكفر، ما لم يكن السائل متعنتا.

وقد أشار العياشي إلى أن هذا الحكم القاضي بإيمان عوام المسلمين مما أجمع عليه جمهور علماء الإسلام، وفي ذلك قيل:

نقل الأستاذ أبو منصور إجماع أهل الحق في مسطور

أن عوام المسلمين مؤمنون وأنهم بربهم هم عارفون

المطلب الرابع: مدى صحة إناطة (نوط) الأحكام الظاهرة بالأحكام الباطنة.

بنفس المنهج خرَّج أبو سالم هذه المسألة فأعلن أن: “من نطق بالشهادتين وتزيى بزي الإسلام، صح نكاحه وحلت ذبيحته وورث شرعا بلا خلاف، غلب الفساد أم لم يغلب، ولا يحكم له بحكم الكافر”[29].

إذن ها هو أبو سالم يقرر أن الأحكام الظاهرة منوطة بالإسلام الظاهر لا بالإيمان الباطن.

هكذا ناقش أبو سالم العياشي رحمه الله المسائل العقدية الخطيرة المرتبطة بظاهرة التكفير، وقدم إجابات علمية شافية، ولعلها كافية لردع وإلجام من تسول له نفسه الخوض في اعتقاد عوام المسلمين بغير سند ديني ومصلحة شرعية، فهي جهود مشكورة من شأنها أن تسهم بأوفر نصيب -إن وُظِّفت كما ينبغي وعرضت كما يليق- في نقض أطاريح التوجهات التكفيرية، والتيارات التدميرية، وذا ظننا بكل عمل يستحضر الأبعاد المقاصدية موضوعا ومنهجا وتمثلا، والدارس لرسالة أبي سالم يجدها ذات منحى مقاصدي بارز، على غرار ما تحفل به إنتاجات العلماء الكبار من صدر هذه الأمة وهو ما سأحاول الكشف عنه في الفقرة الموالية.

رابعا: الأبعاد المقاصدية لموقف أبي سالم.

البعد لغة ضد القرب، ويأتي بمعنى الهلاك، وأحيانا يطلق ويراد به المسافة، والأبعد الخائن والخائف[30].

والمقصود به اصطلاحا هو ما ينبثق عن المسافة المقطوعة، -زمانية كانت أم مكانية- من آثار حسية أو معنوية، قريبة أو بعيدة، وما تنتهي إليه هذه المسافات من أهداف وغايات تستحق الوقوف والتأمل، وفي خصوص بحثنا هذا نعني ب” الأبعاد المقاصدية” مجموع الآثار البعيدة والقريبة والأهداف والمعاني والأسرار المرعية شرعا، والتي انطوى عليه موقف أبي سالم من النازلة المدروسة، سواء ما كان من باب مقاصد المكلف، أو كان من مقاصد الشرع، واللذان بانطباقهما يعتلي العبد سنام العبادة اختيارا واضطرارا.

  • ما له صلة بمقاصد المكلف.

أذكر هنا بإيجاز بعض ما انكشف لي من قصود حكمت موقف أبي سالم:

  • حفظ الخطاب الشرعي: وهذا أمر بارز جدا، ولم يكلف الدارس كبير عناء، فباعث أبي سالم على كتابة ما كتب غير مرتبط بنزعات شخصية، وإنما يتعلق برعاية الخطاب الشرعي، والخشية عليه من تسيبه بين فهوم الناس والخوف من دروس العلم وانتحاله من قبل المبطلين. وهذا دأب الخلفاء الراشدين والصحابة المطهرين كلما رأوا انحرافا في فهم أو تطبيق، صيانة لخطاب الشرع من الأفهام الزائغة والاجتهادات الخارجة عن السياق العلمي القويم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‹يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين[31]›.
  • التناصح في الخطاب الشرعي: يعد واجب النصح التزاما مبدئيا في الثقافة الإسلامية يشهد له ما يستعصي عن الحصر من الآيات والأحاديث.
  • الصواب في الخطاب الشرعي: لقد اتضح للمطلع على رسالة أبي سالم أن همَّه هو البحث عن الصواب في الاجتهاد والركون إليه كلما بان أو ظهر، ودون هذا مجاهدة للنفس وتطهيرها مما يعكر صفوها حتى تقبل الحق مذعنة بل طيبة راضية، واجتهاد في تأهيل الذات حتى ترقى إلى المستوى العلمي المطلوب لفهم النصوص على الوجه الأحسن والأكمل. وفي هذا الصدد يشير الدكتور الحسان شهيد إلى أنه: “…إضافة إلى ما سبق فإن حسن فهم النصوص الشرعية، وفقه خطابها على أصح الوجوه يتطلب تحقيق النظر في قواعد الاستنباط، ومبادئ التفسير وتمييز صحيحها من سقيمها، وتقويم الأدلة المعتمدة في إعمالها وتوظيفها واختيار مناسبها في الاستثمار، لأن إرسال النظر الأصولي في الاستنباط الفقهي مظنة الخلاف والنزاع لا محالة”[32].
  • رفع الخلاف عن الخطاب الشرعي: ونميز بين الاختلاف المعتبر في الفروع، تبعا لاختلاف الأثر والنظر، والفهوم والأزمان، وما إلى ذلك، والخلاف المذموم في الأصول والمعتقدات، وهو الذي ينبغي رفعه. وقد صرح بهذا أبو سالم مرارا عديدة.
  • ما له صلة بمقاصد الشارع.

وهي كثيرة أذكر منها:

  • الاعتصام بالكتاب والسنة، قال الله عز وجل: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور 63]
  • ترك الجدل في أمور الدين، قال الله عز وجل: ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ﴾ [غافر 4]
  • حفظ جماعة المسلمين من الفتنة، ومن كل ما يؤدي إلى التفرقة والضعف، ولا داع لإيراد الشواهد القرآنية والحديثية فهي فوق الحصر.
  • اقتران الإيمان بالعمل: فحفظ الضروريات لا يكون إلا بفعل الطاعات وترك المعاصي (أي الأعمال) لذلك ينبغي الحرص على إتيان ما يزيد به الإيمان من الأعمال، واجتناب ما يؤدي إلى نقصانه، تحقيقا للمصالح ودرءا للمفاسد.

خامسا: خلاصات

  • دين لا تكفير فيه ليس بدين، فقد كفر الله من أتى ما يوجب التكفير، أقوالا وأفعالا.
  • امتحان المسلمين للكشف عن بواطن اعتقادهم بدعة ما أنزل الله بها من سلطان[33].
  • المجازفة بالتكفير خطأ جسيم، وجهل بالحدود الفاصلة الدقيقة بين الإيمان والكفر، وأنقل كلاما بليغا لإمام الحرمين[34] يقول عن نفسه (وهو من هو): لو قيل لنا: فصلوا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا يقتضي، لقلنا: هذا طمع في غير مطمع، فإن هذا بعيد المدرك وعر المسلك، يستمد من أصول التوحيد، ومن لم يحظ بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق.
  • إن القول بعدم شرعية سؤال عوام المسلمين عن عقائدهم، لا يعني تغييب العقيدة تعليما وتربية ودعوة وسلوكا خاصا وعاما، بل هي أس كل ذلك وأساسه.
  • علينا أن نعرف أن الدين جامع كبير، هو جامع معد لأن يسع الخلق أجمعين، رغم كل ما يفرق هؤلاء الخلق من صفات فردية وجمعية، ورغم ما يندرجون فيه من تصنيفات وفئات وشعوب وطبقات وألوان وألسن، ولهجات وأزمات وأصقاع.

فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.


[1]– وقد نوه الدكتور عبد العظيم صغيري-وهو المحقق لكتاب الحكم بالعدل والإنصاف- بأعمال ثلة ممن ترجموا لأبي سالم، منهم: الأستاذ فضول علي في رسالته الموسومة “أبو سالم العياشي ومؤلفاته النثرية”، والأستاذة نفيسة الذهبي في تحقيقها ل”اقتفاء الأثر”، والأستاذ بنصر العلوي في رسالته حول “أبي سالم العياشي شاعرا”.

[2] – الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، المكتبة العصرية، بيروت الطبعة الأولى سنة 2006م، ص 612.

[3] – طبع بالرباط سنة 2014م، وضمنه التعريف بأربع مئة وأربعين عالما.

[4] – نفسه ص 317-318.

[5] – للوقوف على جرأته في النصح ومبادرته إلى الإصلاح الخاص والعام يُنظر بحث الدكتور أحمد السعيدي المنشور بمجلة المذهب المالكي، العدد 26، صيف 2019م، وعنوانه: من أدب الوصايا في التراث المغربي، وصية من أبي سالم العياشي لأخيه سيدي العربي بردلة لما تولى قضاء فاس”، صفحات (175-196). قال صاحب الفكر السامي (ص 616): أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة الأندلسي ثم الفاسي مولدا ووفاة، علامة مشارك شيخ الجماعة بها، توفي سنة 1133ه

[6] – للتحديد الجغرافي للمنطقة ينظر كتاب “سجلماسة وإقليمها” للأستاذ حسن حافظي علوي، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب سنة 1997م.

[7] – يستفاد هنا من الدكتور الحسان شهيد في كتابه: “دراسات في الفكر المقاصدي من التأصيل إلى التنزيل”، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، كتاب الإحياء، العدد 02 سنة 2014م، ص32 وما بعدها.

[8] – ينظر مشاركة للدكتور محمد اوالسو بعنوان:”نظرات في فقه النوازل بين الأصالة والتوجيه” ضمن أعمال ندوة: مقاصد الشريعة الإسلامية دراسات في قضايا المنهج ومجالات التطبيق، إعداد وتنسيق الدكتور عمر جدية، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس- عدد22 سنة 2013م.

[9] – نفسه ص (101-116).

[10] – الموافقات في أصول الشريعة.

[11] – ينظر التفصيل في كتاب: “الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف فيما وقع بين نعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بوحدانية الله، وجهل بعض ما له من الأوصاف، تأليف أبي سالم العياشي، تقديم وتحقيق عبد العظيم صغيري. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية-المغرب- سنة 2015م.

[12]– هو أحمد بن عبد الله السجلماسي المعروف بابن أبي محلي (1560م-1622م) فقيه صوفي ادعى أنه المهدي المنتظر، كما كان داعيا إلى الأمر بالمعروف والضرب على المنكر، ولما شاعت دعوته والتف الناس حوله، استولى على سجلماسة ودرعة سنة 1019ه،لكن طموحه إلى الحكم انتهى بمقتله سنة 1022ه، بعد استنجاد زيدان بالفقيه أبي زكرياء يحيى بن عبد المنعم الحاجي. نقلت هذا الكلام عن محقق كتاب الحكم بالعدل والإنصاف الدكتور عبد العظيم صغيري، الحاشية صفحة 116. وقد استشكلته واستغربته ولم يتسن لي تحقيقه وتدقيقه.

[13] – يذكر اليوسي في محاضراته أنه التقى بالعنبري ووصفه بالفقيه المشارك الصالح(المحاضرات في اللغة والأدب ص 46). واكتفى العمراوي في المعجم الوجيز(ص 108)بقوله: مبارك بن عبد العزيز العنبري الغرفي كان ممن درس على الشيخ محمد بن ناصر الدرعي.

[14] – أبو سالم العياشي، الحكم بالعدل والإنصاف، مرجع سابق، صفحات(115-119)، بتصرف يسير.

[15] – من ذاكرتي، أسأل الله عز وجل أن لا أكون أُنسيت.

[16] – أنظر الحكم بالعدل والإنصاف صفحات (122-296).

[17] – نفسه ص 299.

[18] – المائدة الآية 103.

[19] – الحكم بالعدل والإنصاف ص 301.

[20] – الحجرات الآية 12.

[21] – م.س ص 304.

[22] – نفسه ص 305.

[23] – نفسه ونفس الصفحة.

[24] – نفسه ص 307.

[25] – إحياء علوم الدين الجزء 3 ص 219. نقلا عن الحكم بالعدل والإنصاف ص 325.

[26] – الحكم بالعدل والإنصاف ص 343.

[27] – نفسه ص 408.

[28] – أنظر الصفحة 410 وما بعدها.

[29] – نفسه ص 471.

[30] – أنظر مختار الصحاح، للجوهري، تحقيق محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1995م.

[31] – روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، وله طرق كثيرة.

[32] – دراسات في الفكر المقاصدي، ص 16.

[33] – ناقش الفكرة بعمق الدكتور علي بن محمد بن سعيد الشهراني في بحث له بمجلة الحكمة عدد41، تحت عنوان “الامتحان في الاعتقاد”

[34] – أنظر مفاهيم يجب أن تصحح، محمد بن علي المالكي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، سنة 2005م، ص 70.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.