منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علم العلاقات الدولية في الرؤية الإسلامية

علم العلاقات الدولية في الرؤية الإسلامية/ فاطمة الزهراء العباسي

0

علم العلاقات الدولية في الرؤية الإسلامية

فاطمة الزهراء العباسي

تقديم

ارتكز الوجود البشري على التواصل منذ أن خلق الله تعالى الإنسان وذلك لأن هذا الأخير الاجتماعي بطبعه وهذا ما ساعده على خلق المجتمعات، وتكوين علاقات بين الأفراد داخل المجتمع الواحد ومنه إلى العلاقات بين المتفرقة.

بيد أن علاقات التواصل المستمر، في حقيقتها لم يطبعها التساكن والتظافر بين المجتمعات البشرية فحسب، بل طالما عرفت التنازع والتصارع باستمرار وبأحجام مختلفة، وفي أماكن متعددة، تبعا للظروف ومتغيراتها التي لاتستقر على حال، ضمن حركة التطور والتحول، ونتيجة مقتضيات المصالح والقيم، في صيرورة بشرية تطبعها الفوضى وتخللها الانتظام[1].

ويعتبر علم العلاقات الدولية علما مستقلا يهتم بدراسة الظواهر المعاصرة التي ظهرت قبل الميلاد، وخصوصا خلال القرن 20 بالولايات المتحدة الأمريكية وبعد الحرب العالمية الثانية بأوروبا. كما تهتم العلاقات الدولية بما هو كائن وترتبط مع العلوم الاجتماعية وعلم السياسة في علاقة تأثر متبادل، كما تتأثر بإيديولوجية صاحبها-الماركسية/الليبرالية وتشرح بشكل العلاقات بين الدول بطرق عديدة وباختلاف نظرة المحللين السياسيين لظاهرة ما داخل المجتمع الدولي. ويتميز علم العلاقات الدولية بحداثة نشأته واتساع مجالات دراسته وبعلاقاته مع باقي العلوم، وقد ساهم مجموعة من العلماء في تعميمه على مختلف التخصصات.

وتعرف النظرية بكونها مجموعة افتراضات حول ظاهرة معينة، وتهتم من داخل العلاقات الدولية بدراسة الظواهر السياسية الدولية كالحروب والأزمات. وتزودنا النظرية بطرق ووسائل مختلفة لترتيب الحقائق وتحويلها لمعلومات وبيانات، وتكون النظرية ناجعة في العلوم الطبيعية لأن الأخيرة استقرائية وموضوعها جزئي، كما تكشف الملاحظة فيها القوانين والعلاقات التي تعد مرتبطة فيما بينها، ويختلف هذا المفهوم في العلوم الاجتماعية التي تدرس الإنسان في علاقاته المتشابكة والمعقدة[2].

وأدى هذا التشابك في العلاقات الخارجية إلى الحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل والتقعيد والضبط، وإبداء وجهات النظر المختلفة للتوصل في النهاية إلى أفضل وأعدل الأنظمة والقواعد، وإقامة المجتمع الإنساني الفاضل.

ولم يكن المسلمون منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية بمنأى عن هذا الاتجاه، وتنمية العلاقات مع الآخرين لسببين: عدواني حربي، وسلمي حضاري. أما العدوان فقط تورط فيه الآخرون، وفرضه غير المسلمين على الأمة الإسلامية في أدوار أو مراحل التاريخ المختلفة، وإلى يومنا الحاضر. أما السلم والحضارة والاستقرار للعالم كله فهو ما ينشده التشريع الإسلامي والمسلمون معاً، لأن دعوة الإسلام ذات نزعة عالمية، ويلزم المسلمون بتبليغها لكل أنحاء العالم في المشارق والمغارب، مما يوجب الدخول في علاقات طيبة، وحسن جوار، لتحقيق هدف إبلاغ الدعوة الإسلامية، والتعريف بأصول الحضارة الإسلامية، وبأن المسلم قدوة عالمية، والمجتمع المنشود مجتمع فاضل. وقد حرص العلماء المسلمون على إقرار الصعيد السلمي للعلاقات مع غير المسلمين بالمعاهدات السلمية وغيرها، ولم يعكر صفو هذه العلاقات إلا الأحقاد والمطامع والعصبية الدينية من غير المسلمين على المسلمين أنفسهم[3].

وتتم مقاربة هذه الدراسة من خلال أربعة محاور:

الأول: مفهوم العلاقات الدولية.

الثاني: الاتجاهات النظرية الأساسية في العلاقات الدولية.

 الثالث: موقع البعد الديني في دراسة العلاقات الدولية.

 الرابع: أسس علاقة المسلمين بغيرهم والأصل الذي تقوم عليه هذه العلاقة.

المحور الأول: مفهوم العلاقات الدولية

1- تعريف العلاقات الدولية

عند البحث في تعريف علم العلاقات الدولية وتحديد المقصود به كموضوع من مواضيع الدراسة الأكاديمية، يجدر بنا أولا ملاحظة أن هناك اختلاف واضح بين دارسي هذا العلم حول تحديد مضامينه وطبيعته، والأسس التي يقوم عليها. وهذا الاختلاف في حقيقة الأمر، يرجع إلى مجموعة من العوامل ترتبط أساسا بحداثة هذا العلم مقارنة بغيره من العلوم الاجتماعية الأخرى، وكثرة المؤلفات التي كتبت في موضوعاته، خاصة من قبل الذين ليس لهم علاقة بهذا الاختصاص. فمن النادر وجود علم اختلف الباحثون حول تعريفه وتحديد مضامينه ومدلولاته، كما اختلف المشتغلون بالعلاقات الدولية، حيث نلاحظ أن هناك الكثير من التعريفات التي أعطيت لمصطلح “العلاقات الدولية”، والتي تختلف من باحث لآخر على الرغم من أنها جميعها تهتم بذات الموضوع، والذي يتمحور أساسا حول أنواع التبادل والاتصال التي تحدث بين أطراف المجتمع الدولي.

وقد لاحظ المفكر الفرنسي ريمون آرون  Raymond Aronأن ظاهرة العلاقات الدولية ليست لها حدود مرسومة واضحة يمكن فصلها وتمييزها عن غيرها من الظواهر الاجتماعية الأخرى، مما يؤكد الارتباط الوثيق والتداخل القوي للعلاقات الدولية مع هذه الظواهر. وكذلك رفض مورتون كابلان Morton Kaplan التعامل مع العلاقات الدولية كعلم مستقل عن غيره من العلوم الأخرى، لأن هذا العلم حسب رأيه، يعتبر موضوعا غامضا وغير واضح المعالم، بسبب أن أشكال التبادل الدولي التي يدرسها هذا العلم عادة ما تتم من خلال أطر ودوائر أخرى كالسياسة الخارجية، والاقتصاد الدولي والعلاقات الدبلوماسية الثنائية والجماعية، بالإضافة إلى أشكال التبادل غير الرسمي التي تقيمها المؤسسات الشعبية في مستويات التعاون المختلفة، وهو بالتالي ليس حقلا مستقلا، وإنما هو جزء من العلوم السياسية.

وذهب جورج كينان George Kennan  بنفس الاتجاه من خلال إنكار أن تكون العلاقات الدولية علما قائما بذاته لأنها حسب رأيه، انعكاس لسلوك الحكومات والتي سلوكها بالضرورة هو انعكاس لسلوك الأفراد الذين يعملون ضمن بيئات سياسية واجتماعية وثقافية متنوعة. كذلك يؤكد كوينسي رايت Quincy Wright على أن وجود حقل معرفي مستقل، يتطلب عادة إجماعا من قبل باحثي ومختصي هذا الحقل، حول موضوعاته الأساسية والحدود التي تفصله عن غيره من الحقول الأخرى، إضافة إلى الإجماع حول محاوره الفرعية وطرق ومناهج البحث[4]  فيه. وهذه المعايير والمواصفات قد لا تتوفر في العلاقات الدولية، الذي هو بالضرورة علم حديث لازال في طور التكوين حسب ما يرى كوينسي رايت.

ويحاول د. منصور يونس تفسير هذا الاختلاف بين الباحثين حول تعريف العلاقات الدولية من خلال ربطه بمجموعة من الأسباب أهمها:

1- حداثة علم العلاقات الدولية مقارنة مع غيره من العلوم الاجتماعية الأخرى، خاصة التي لها ارتباط بدراسة الظواهر والقضايا الدولية مثل القانون الدولي والتاريخ السياسي والدبلوماسي.

2- اتصال علم العلاقات الدولية المباشر وارتباطه مع غيره من العلوم العريقة التي ترسخت مفاهيمها عبر فترة طويلة من الزمن كالقانون والسياسة وعلم الاجتماع، الأمر الذي أدى إلى طغيان وسيطرة مفاهيم وأفكار هذه العلوم على علم العلاقات الدولية الناشئ الجديد.

3- الاختلاف بين الباحثين حول تحديد وتعريف مفهوم العلاقات الدولية، حيث يذهب البعض الى التركيز على العلاقات القائمة فقط بين الدول القومية المستقلة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، على اعتبار أن الدولة المستقلة هي المحرك الأساسي والفاعل الرئيسي في صنع هذه العلاقة. بينما يرى البعض الآخر، أن العلاقات الدولية تتجاوز الدولة المستقلة لتتسع وتشمل كل أشكال التبادل والتفاعل التي تقيمها وحدات المجمع الدولي الأخرى كالمنظمات الدولية والإقليمية، والشركات متعددة الجنسيات.

4- دخول العديد من الكتاب والباحثين غير المختصين على خط العلاقات الدولية، ومحاولتهم الكتابة والتأليف والخوض في محاور هذا العلم وقضاياه المتنوعة على الرغم من افتقارهم للمنهجية البحثية الصحيحة، والأدوات الكتابية المتوافقة مع خصوصية هذا العلم، مما أفقده تجانسه ووحدة موضوعاته وتماسك محاوره.

وفي معرض الحديث عن تعريف مصطلح العلاقات الدولية الذي هو موضوع البحث، نستطيع أن نورد بعض النماذج- على سبيل المثال لا الحصر- من هذه التعريفات التي وضعها بعض الباحثين والمفكرين في هذا المجال[5]. فقد عرفها نيكولاس سبايكمان الذي يعتبر من أوائل الذين حاولوا وضع تعريف محدد للعلاقات الدولية يركز على بعدها الانساني بقوله إنها “علاقات بين أفراد ينتمون إلى دول مختلفة، والسلوك الدولي هو السلوك الاجتماعي لأشخاص أو مجموعات من الأشخاص تستهدف أو تتأثر بوجود أو سلوك أفراد أو جماعات ينتمون إلى دول أخرى”[6]. وتعرفها الموسوعة البريطانية: “هو العلاقات بين حكومات دول مستقلة ويستعمل كمرادف لمعنى السياسية الدولية”، ويعرفها محمد طه بدوي بأنها: “العلم الذي يعني بواقع العلاقات الدولية واستقرائها بالملاحظة والتجريب أو المقارنة من أجل التفسير والتوقع”[7]، ويقول بعض الباحثين (عائشة راتب) إن إطار العلاقات الدولية هو الحرب والسلم، ويعرفها كوينس بأنها: “علاقات شاملة تشمل مختلف الجماعات في العلاقات الدولية سواء كانت علاقات رسمية أو غير رسمية”.

هناك تعريفات مختلفة ومتنوعة وفي مجملها تركز على موضوع التفاعل بين الوحدات الدولية والتي هي في الغالب دول لأنها هي التي تصنع القرارات وهي المؤثرة على قرار الحرب والسلام.

ولكن في الوقت الحاضر لم تعد العلاقات مقتصرة فقط على الدول وإنما دخلت كيانات أخرى إلى المجتمع الدولي أصبح لها تأثير فاعل مثل المنظمات الحكومية وغير الحكومية كالشركات المتعددة الجنسية لذا أصبح التفاعل بين هذه الوحدات على نطاق أوسع من التفاعل بين الدول وأصبح لها تأثير أكبر بكثير من تأثير الدول.

لذلك فإن تعريف العلاقات الدولية يكون: “هي كافة التفاعلات والروابط المتبادلة سواء كانت سياسية بين الكيانات المختلفة في إطار المجتمع الدولي[8].

2- التطور التاريخي للعلاقات الدولية

       لطالما ارتبطت العلاقات الدولية بالتاريخ الدبلوماسي، حيث يمثل التاريخ أحد أهم المصادر التي يتم الالتجاء إليها عند محاولة صياغة المقاربات النظرية الهادفة لفهم وتفسير العلاقات الدولية، كما أن الظواهر الدولية المعاصرة وجدت لها جذورا تاريخية ساهمت في بلورة المجال العلمي للعلاقات الدولية، إذ يمكن تناولها كما يلي:

أ- العلاقات الدولية في العصر القديم:

شكلت ولا تزال العلاقات بين المدن اليونانية القديمة خلال القرن السادس ق.م أحد المخابر المهمّة لجملة المقاربات النظرية الهادفة لتفسير العلاقات الدولية، حيث مثّلت تلك المدن وحدة سياسية مثالية للتحليل لكونها تعبير عن الشكل التقليدي للدولة (الدولة المدينة).

وقد عرفت هذه الدول بالاستقلال السياسي التام والمنافسة الشديدة فيما بينها، حيث يطرح نموذج المنافسة بين اسبرطا وأثينا كأوضح مثال، ولأن هذه المدن كانت متساوية تقريبا في القوة العسكرية والاقتصادية، فقد اضطرها الواقع وضرورة الدفاع عن مصالحها إلى تطوير أدوات سياسية في إطار مؤسسات مشتركة أو تمثيليات دبلوماسية، مبنية على أساس معاهدات وأعراف سلوكية تطورت تحت تلك الظروف إلى درجة أنها شكلت بعض قواعد الحصانة الدبلوماسية للمندوبين والبعثات؛ بينما كان يتم اللجوء إلى الحرب حين إخفاق تلك الآيات في تحقيق مصالح الدويلات، أو حين اختلال توازنات القوة فيما بينها.

في حين يعود بعض الباحثين إلى الحضارة الفرعونية لاستشفاف بعض قواعد العلاقات الدولية البدائية التي كانت تنتهجها مصر الفرعونية مع بلاد النوبة وسوريا وكريت وليبيا والتي خلص المؤرخون إلى أنها كانت تستهدف ضمان موازين القوة والحفاظ على المصالح التجارية والاقتصادية عامة، ويمكن الاستدلال بمعاهدة “هوزبليت” التي تم التوقيع عليها بين “رمسيس الثاني” فرعون مصر و”خاتوشيلي (أو حاتوسيليس كما في بعض المصادر)” ملك الحيثيين سنة 1258 ق.م (التاريخ تقريبي) بمدين قادش جنوب مدينة حمص السورية، والتي سعى الطرفان عبرها إلى إنهاء معركة “قادش الثانية”، اعتبرت هذه المعاهدة أقدم معاهدة دولية مكتوبة توصلت إليها البشرية، وكانت مثيرة لاهتمام أساتذة العلاقات الدولية من حيث النتائج المتمخّضة عنها، لاسيما كيفية تحويل الصراع والحرب بين الطرفين إلى التعاون والدفاع المشترك بينهما، حيث جاء بين المبادئ التي تضمنتها:

  • الاهتمام بالمبعوثين والرسل والاعتراف بمراكزهم.
  • التحالف والدفاع المشترك بين الدولتين.
  • تعهد فرعون مصر بتسليم المجرمين الحيثيين.
  • عدم استقبال ملك الحيثيين لأي لاجئين مصريين على أرضه.
  • إقامة علاقات ودية وإشاعة السلام القائم على ضمان حرمة أراضي الدولتين.

ويتضح من خلال ما سبق أن العصور القديمة شهدت أشكالا من العلاقات الدولية التي وإن اختلفت عمّا هي عليه الآن، إلا أنها شكّلت اللبنات الأولى المؤسسة لعلم العلاقات الدولية وللقانون الدولي المعاصر[9].

ب- العلاقات الدولية في العصر الوسيط:

       يتم التأريخ للعصور الوسطى منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية سنة 476م الى غاية سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح سنة 1453م، وهي الفترة التي شهدت سيادة النظام الإقطاعي المترافق بغياب سلطة سياسية مركزية تفرض هيمنتها على جميع الأقاليم الخاضعة إسميا للممالك، إذ كانت السلطة السياسية منقسمة إلى عدة أذرع ومراكز ترتبط بالملك عبر روابط شخصية أكثر منها قانونية- سياسية، ولأجل ذلك لم يكن الملك يعبّر عن إرادة موحّدة.

وقد كان لانتشار الديانة المسيحية في أروبا دور بارز في تشكيل شبه نظام دولي، يتّسم بإعلاء سلطة البابا والكنيسة وفق الحق الإلهي، واستخدمت البابوية السلطة الدينية والدنيوية لربط الوحدات السياسية الغربية في نظام سياسي واحد تكون هي على رأسه، وتفرض عبره هيمنتها وقواعدها السلوكية، وتصوراتها للسلم كما للحرب، حيث اشتهر في التاريخ نظام السلم المسيحي (السلم الإلهي) مثلما اشتهر أسلوب الهدنة لتحريم الحرب، وهي في الواقع آليات تسمح لها بضمان هيمنتها وسلطتها على العلاقات بين الممالك الأوربية آنذاك.

شكل انتشار الديانة الإسلامية لحظة في غاية الأهمية لتطور العلاقات الدولية، نتاج نزعته العالمية ولكونه دينا يشمل كافة التعاملات الإنسانية بما فيها مبادئ تنظيم العلاقات بين الأمم والشعوب.

بدأت قواعد التعامل الدولي للدولة الإسلامية تتضح منذ عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، في شكل قواعد أخلاقية في السلم والحرب، وفي شكل اتفاقيات وبعثات دبلوماسية تنظّم علاقات الدولة الناشئة مع محيطها الذي تمثّل في امبراطوريات فاعلة وقوية، إلى غاية إقامة سفارات بين بغداد وبيزنطة، وبين قرطبة والقسطنطينية إبان العهد العباسي، حيث ازدادت دقة تنظيم العلاقات الدولية، ونمى اتجاه توثيق العلاقات الثقافية والتجارية، وكثر استخدام الدبلوماسية لضمان التوازن الدولي والحفاظ على السلم الدولي وما يتبعه من ابرام اتفاقيات الصلح والتحالف وحسن الجوار وحقوق الرعايا وغير ذلك[10].

ت- العلاقات الدولية في العصر الحديث:

مع تفكك الكيانات الإقطاعية بزوال نظام الإقطاع، ظهرت الدول القومية الأوربية كفرنسا وإنجلترا وروسيا واسبانيا باعتبارها الفاعل الرئيسي في العلاقات بين الوحدات السياسية الأوربية، على اعتبار استقلالها في قرارها الداخلي والخارجي، لاسيما في بسط نفوذها وسلطتها على مجمل السكان والأقاليم الخاضعة لها.

وهو ما هيأ المجال لظهور نظام دولي أوربي قوامه الدولة الأمة المبنية على الولاء القومي، تتولاه حكوماتها وينتظم في إطار مجموعة من القواعد والأعراف كان أهمها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ كما أن مجال تأثير الدول على بعضها كان ضيقا جدا منحصرا في بعض المجالات الدبلوماسية والعسكرية، حيث لم تكن النزاعات الداخلية تأخذ البعد الدولي، كما أن النزاعات الدولية كانت بين العائلات الملكية المالكة أساسا والتي كان يتم حلها عبر التفاوض المباشر في أغلب الأحيان لعدم وجود مؤسسات دولية آنذاك.

شكل التصادم الديني في حرب الثلاثين سنة (1618م- 1648م) بين إسبانيا الكاثوليكية وفرنسا البروتستانتية بداية انهيار دعائم السلام الأوربي الذي أعيد بناءه عبر معاهدة وستفاليا 1648م، والتي اعتبرت الإيذان بقيام النظام الدولي المعاصر والذي أضحى يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بالعالم الوستفالي.

مثلت معاهدة وستفاليا طفرة في تاريخ العلاقات الدولية، ذلك أنها استحدثت قواعد ومبادئ جديدة لم يسبق تبنّيها في التعاملات الدولية السابقة، من ضمنها:

  • دبلوماسية المؤتمرات الدولية، حيث ساهم التقاء الملوك في تكثيف حجم ورقعة العلاقات الدولية.
  • إقرار مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين الدول، ما ساهم في عزل المؤثر الديني والإتجاه إلى علمنة العلاقات الدولية.
  • إحلال البعثات الدبلوماسية الدائمة عوض البعثات المؤقتة، ماساهم في إرساء قواعد العمل الديبلوماسي كالحصانة وامتيازات المعاملة وغيرها.
  • إقرار نظام توازن القوى كآلية لحفظ السلم والأمن الدوليين، وبداية تدوين قواعد القانون الدولي.

لقد ساد نظام توازن القوى المبني على أساس كون الدولة القومية ذات السيادة هي الفاعل الوحيد في أوربا إلى غاية دخول الدول الأوربية في سياسة الأحلاف التي أدت إلى الإخلال بهذا التوازن، ما أدى بدوره إلى قيام الحرب الأوربية التي أصبحت عالمية أولى بعد دخول الولايات المتحدة الحرب.

ثم سمحت معاهدة فرساي 1919 المؤسسة لعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى بإنشاء عصبة الأمم بتأثير من أفكار الرئيس الأمريكي وودور ويلسن، والتي وضعت بعض القيود لسيادة الدول خاصة في مجال قرارات الحرب كما فسحت المجال لبروز فاعل دولي جديد يتمثل في المنظمات الدولية الحكومية، لكن تأثير هذه المنظمة كان هامشيا لأنه كان يتعارض مع مصالح القوى الاستعمارية ما أدى إلى فشلها في تحقيق أهدافها.

وتأكد فشل عصبة الأمم باندلاع الحرب العالمية الثانية، مما أوضح الحاجة الملحّة للبحث على دعائم سلام دائم قائم على أساس المساواة في السيادة بين الشعوب والعمل على رفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي، وهي المبادئ التي أقرها مؤتمر سان فرانسيسكو 1945 والذي نتج عنه إنشاء منظمة الأمم المتحدة، والتي حدّدت في ميثاقها المبادئ التي تسير عليها العلاقات بين الدول.

ثمّ شهدت العلاقات الدولية بعدها نظام الثنائية القطبية وسياسة الاستقطاب والأحلاف بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السفياتي، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد سمح هذا النظام ببروز مجالات جديدة في العلاقات الدولية كسياسات القوى والأحلاف وبرامج التسلح ونظريات واستراتيجيات الصراع، كما نمت المؤسسات الدولية وازداد عددها ومجالات تخصصها…

كما أدى تفكك الإتحاد السفياتي إلى بروز نظام الأحادية القطبية وانتشار العولمة، فظهرت مظاهر  جديدة في العالم، حيث عظم دور فواعل غير تقليدية كالجماعات العابرة للحدود، وبرزت مواضيع جديدة تثير اهتمام الباحثين والرأي العام كالإرهاب والبيئة والتنمية وغيرها؛ وهو ما سارع في تشعّب العلاقات الدولية وتشابكها[11].

المحور الثاني: الاتجاهات النظرية الأساسية في العلاقات الدولية

أولا: التصور الإسلامي في العلاقات الدولية

       ينطلق التصور الإسلامي للعلاقات الدولية من ركائز ثلاث أساسية:

1- فكرة الإسلام: والتي هي المنظار الأساسي للعالم الخارجي.

2- فكرة الأخلاق، أو ما يُعرف بالقانون الدولي، وتتجسد بالأخصّ بدار العهد.

3- فكرة العالمية: من منطلق طبيعة الديانة الإسلامية التي هي ديانة تخص كل البشر لا أمة واحدة، وهو ما ينعكس على المفهوم السياسي للدولة الإسلامية ذات البعد الشمولي.

وعلى أساس هذه المرتكزات تنقسم المجموعة الدولية أو جماعة الأمم إلى ثلاث مجموعات:

1- دار الإسلام:

وهي الدار أو مجموعة الأقاليم التي تدين بالإسلام ويحكم فيها باسمه، وتتوفر فيها الغلبة والقوة للمسلمين، ولم يختلف المفكرون المسلمون في تحديد هذه الدار وتعريفها[12]. يقول الإمام محمد أبو زهرة: “دار الإسلام هي الدولة التي تحكم بسلطان المسلمين، وتكون المنعة والقوة فيها للمسلمين، وهذه الدار يجب على المسلمين القيام بالذود عنها، والجهاد دونها فرض كفاية إذا لم يدخل العدو الديار، فإذا دخل العدو الديار كان الجهاد فرض عين عليهم، فعليهم جميعاً مقاومته ما أمكنتهم الفرصة واستطاعوا إلى ذلك سبيلا”[13].

2- دار الحرب:

اختلف الفقهاء في تعريف دار الحرب على رأيين:

       أحدهما أن دار الحرب هي الدار التي لا يكون فيها السلطان والمنعة للحاكم المسلم، ولا يكون عهد بينهم وبين المسلمين يرتبط به المسلمون ويقيدهم،  فالعبرة عند أصحاب هذا الرأي إلى المنعة والسلطان، فما دامت الدار خارجة عن منعة المسلمين من غير عهد فهي دار حرب، يتوقع الاعتداء منها دائما، والله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بأن يأخذوا الحذر دائماً، وأن يكونوا على أهبة القتال لدفع الاعتداء، وذلك رأي كثير من الفقهاء.

       والرأي الثاني رأى أبي حنيفة والزيدية، وبعض الفقهاء، وهو أن كون السلطان والمنعة لغير المسلمين لايجعل الدار دار حرب، بل لابد من تحقق شروط ثلاثة لتصير الدار دار حرب[14].

       أول هذه الشروط: ألا تكون المنعة والسلطان للحاكم المسلم، بحيث لا يستطيع تنفيذ الأحكام الشرعية.

وثانيها: أن يكون الإقليم متاخماً للديار الإسلامية بحيث يتوقع منه الاعتداء على دار الإسلام.

       وثالث الشروط: ألا يبقى المسلم أو الذمى مقيماً في هذه الديار بالأمان الإسلامي الأول الذي مكن رعية المسلمين من الإقامة فيها، وبتطبيق هذا الشرط تكون البلاد التي استولى عليها المسلمون وأمنوا أهلها، ثم اضطروا إلى الجلاء عنها تحت تأثير حرب أو عامل آخر ليست دار حرب، إذا كان الذين سيطروا عليها أبقوا المسلمين ورعايا الدولة الإسلامية مقيمين فيها بمقتضى الأمان الأول، وذلك بلا ريب لا يكون إلا إذا سالمت هذه الدولة المسلمين وكان معهم سلام لا تعكره حرب، وأما إذا نقضوا الأمان وحاربوا المسلمين فإن الدار دار حرب، ولو أعطوا أولئك أمانا جديداً[15].

3- دار العهد:

       وهي مجموعة الأقاليم أو الدول التي لا تخضع لسلطان المسلمين، ولكن لها عهد أو اتفاق مع دار المسلمين تحترمه وتتقيد به، ويُضيف الإمام أبو زهرة، منظمة الأمم المتحدة تجمع المجتمع الدولي بقانونها ونظامها، وهي قائمة على أساس اتفاقية دولية، فكل الدول المنضوية تحت لوائها تندرج ضمن دار العهد لا دار الحرب، مالم تخالف بنود هذا الاتفاق أو تتحقق فيها شروط دار الحرب.

قد يجد التصور الإسلامي صدى تحليلياً في حالة كون الأمة الإسلامية رقما فاعلاً في العلاقات الدولية، أي بتعبير مدرسة التبعية أن تكون الدول الإسلامية مركزاً وباقي الدول محيطا لهذا المركز، حيث تكون- وفق هذا المنظور- العلاقات الدولية هي التي تربط الأمة الإسلامية بمحيطها الخارجي. أما وأن الحالة اليوم عكسية، فإن التصور الإسلامي يبقى عاجزاً عن تحليل العديد من الظواهر الدولية (الأمن الجماعي، الاندماج الإقليمي…)، إلا أنه بمزيد من الاجتهادات الفكرية، قد يساعد على فهم ظواهر وموضوعات دولية أخرى (صدام وحوار الحضارات، الإرهاب الدولي،…)[16].

ثانيا: المدرسة المثالية

نشأت المثالية بعد الحرب العالمية الأولى في غمرة حملة تبسيط السياسة الدولية وجعلها في متناول مدارك الناس، ونتيجة ازدياد الشعور الشعبي بأن الحرب قد طالت حياة الجميع وأن من مسبباتها الأساسية الاتفاقيات الدولية السرية وسياسات بعض الدول والتحالفات التي كانت تعقد. تمثل التيار المثالي في الحقل الاكاديمي بدراسة وتدريس القانون الدولي والمنظمات الدولية بغية القضاء على النزاعات واقامة تنظيم أفضل للعالم وخدمة اهداف السلم ودعم وتطوير التفاهم الدولي. وكان من أبرز كتاب القانون الدولي والمنظمات الدولية في تلك الفترة جيمس برايرلي، كلايد ايفلتون، شارلز فانويك، بيتمن بوتر ولاسا اوينهايم. وقد تمثل الاهتمام النظري عند الباحثين في تقديم نظرية قيمية أو معيارية. وقد ظهر ذلك في ميل واضح نحو دراسات القانون الدولي والمنظمات الدولية ونزع السلاح والأمن الدولي. وقد ساهم صك عصبة الأمم وكذلك ميثاق كيللوغ براياند الذي صدر عام 1928 والذي حرم الحرب واعتبرها غير قانونية في بلورة مقاييس كثيرة استعملتها المثالية كمعايير لمدى توافق سياسات الدول مع السلوكية الدولية التي يفترض أن ينتهجوها.

ونشأت المثالية من مصادر فكرية وفلسفية عديدة كانت سائدة في القرون الماضية في اوروبا. وكانت المثالية فردية من حيث اعتبار الضمير الانساني الحكم الأعلى في القضايا الاخلاقية. وهي كانت عقلانية من حيث انها اعتبرت أن المصير الانساني متطابق مع صوت العقل. وقد ساهمت كتابات المفكر البريطاني جيريمي بنتهام في القرن التاسع عشر في بلورة كثير من المفاهيم والمبادئ المثالية. وضمن مفهوم الاخلاقية العقلانية عند بنتهام عرف هذا الاخير الخير بأنه اعطاء اكبر درجة من السيادة لأكبر عدد من الناس. وامن بنتهام بوجود مقاييس اخلاقية مطلقة. ورفض المنطق الذي يقول بوجود عدة مقاييس للخير والشر. وركز جيمس ميل تلميذ بنتهام، على الرأي العام واهميته وضرورة الاعتماد عليه واعتبر انه حين تعرض عليه أي قضية بشكل عقلاني، فالرأي العام يتمتع حينئذ[17] بصوابية وصحة اختياره، ويعمل بالتالي حسب هذا الاختيار الصحيح. وكانت هناك قناعة عند المثاليين في القرن التاسع عشر أن نشر المعرفة يسمح لكل انسان أن يفكر بشكل صحيح وسليم وبالتالي إن كل من يفكر بهذا الشكل الصحيح والسليم لابد أن يتصرف بالشكل ذاته. في هذا السياق كان جاك روسو وايمانويل كنت يؤمنان بأنه لن تعود هناك حروب إذا قامت حكومات جمهورية لأن الامراء حسب رأيهم يشنون الحروب لمصلحتهم الذاتية وليست لمصلحة شعوبهم. وبالتالي فإذا تمكن الرأي العام من أن يقوم بدوره بشكل فعال فلا بد من أن يمنع نشوب النزاعات والحروب.

وينطلق المثالي من أولوية الاخلاق في العلاقات بين الأفراد إن كان في اطار المجتمع الوطني أو الاطار الدولي. ويرى المثالي أن واجب الفرد الخضوع للقوانين والقواعد التي وضعت لخدمة الجماعة. وينطلق المثالي من مسلمة انسجام المصالح ليعتبر أن هناك توافق طبيعي بين المصلحة العليا للفرد والمصلحة العليا للجماعة. فالفرد عندما يعمل لمصلحته الذاتية يعمل لمصلحة الجماعة. وعندما يدعم مصلحته الجماعة فهو يدعم مصلحته.

شكلت إذن المثالية مقترب اخلاقي- قانوني ركز على بناء عالم افضل خال[18] من النزاعات. وانطلقت من مسلمات فلسفية تفاؤلية حول الطبيعة البشرية ودور المعرفة والعقلانية ووجود انسجام في المصالح، وكذلك امكانية اقامة معايير قيمية مطلقة. وفي إطار دراسة العلاقات الدولية لم تركز المثالية على مفهومي الدولة والنظام الدولي بقدر ما اتجهت فرضياتها ومقترحاتها نحو مفاهيم الفرد والرأي العام والبشرية. فالقضية السياسية والاخلاقية الاساسية التي اعتبرت المدرسة المثالية أنها تواجهها كانت قضية الفجوة القائمة في العلاقات الدولية بين الواقع المتمثل بالحرب العالمية الأولى وبين الطموح في بناء عالم أفضل[19].

ثالثا: المدرسة الماركسية

       يكاد يجمع أساتذة العلاقات الدولية على أنه ليس ثمة مدرسة أو نظرية ماركسية في العلاقات الدولية، وأنّ اهتماماتها انصبت بالأساس على المجتمعات الوطنية، لكنّ لينين أكد في كتابه Œuvres  أنه: “لا توجد فكرة أكبر خطأ وأشد ضرار من الفكرة المتمثلة في فصل السياسة الداخلية عن السياسة الخارجية”، وأن الرؤية الماركسية رؤية شاملة للعالم، لا تنفي التحليل الديالكتيكي للمشاكل الاجتماعية على المستوى العالمي (يا عمّال العالم اتحدوا).

تفسر الماركسية العلاقات الدولية باستخدام منهج تاريخي حتمي، غايته إقامة مجتمع مثالي خال من العيوب والنزاعات، والمجتمع الدولي ما هو إلا انعكاس لواقع الدولة التي هي ممثل لطبقة اجتماعية سائدة، فالحروب والنزاعات الدولية ما هي في الواقع إلا نتاج التنافس بين هذه الطبقات الحاكمة، فالطبقة الرأسمالية المسيطرة على الدولة الرأسمالية تدخل في منافسة ونزاعات مثيلاتها للسيطرة على مصالح اقتصادية ومادية خارج حدودها. وهذا المنظار الاقتصادي يشكل صلب الرؤية الماركسية للعلاقات الدولية عند ذاك. لا مناص من استيلاء البروليتاريا على السلطة في إطار وطني أوّلاً، ويتحقق الاندماج الدولي عن طريق توحيد أساليب ووسائل النضال والصراع من أجل السلطة، والتي هي محصلة الصراع من أجل ملكية وسائل الإنتاج. وتحقيق السلم الدولي يتم عن طريق القضاء على الصراع داخل الأمة، فعند زوال العداء الطبقي داخل الأمة، يزول بين الأمم.

وتنتقد الماركسية الإمبريالية كمرحلة عليا للرأسمالية، وتعزى إليها السبب في الحربين العالميتين ومختلف النزاعات والحروب في العالم، إذ تعتبر أن الرأسمالية نظام يتغذى بالأزمات والنزاعات.

تميّز منتصف القرن العشرين بتنامي عدد الدول في العالم على إثر موجة التحرر من الاستعمار، وكانت هذه الدول معادية إلى حد ما للإمبريالية الاستعمارية، ولم يكن مفهوم الصراع الطبقي ووسائل الإنتاج كافيين لتفسير هذه الظاهرة التحررية، فحصل تطوير نوعي للنظرية الماركسية على يد مجموعة أساتذة من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا: سمير أمين، فالير شتاين، غاندر فرانك، كاردوزو…، مؤسسين لمدرسة التبعية (Dependency) أو الماركسية الجديدة.

يقول انطونيو بكسيوتو: “لا يكون بلد ما تابعاً لأنه بحاجة إلى بلدان أخرى من أجل تنميته، بل يكون تابعاً لأن تصوره التاريخي أنتج تكويناً اجتماعياً معيّناً، ونمطاً مجتمعياً معيّناً يتخذ صورة خاصة ويخضع لقوانين سلوكية وتحويلية أنتجها هذا التكوين”. وهكذا لا تعتبر[20] مدرسة التبعية مثل الماركسية أن التخلف سببه البنية الثقافية والاجتماعية والنفسية للمجتمعات التقليدية العاجزة عن الرقي للحداثة، فالتبعية وضع أساسي وكل متكامل، والتبعية والتخلف ظاهرتان متلازمتان.

وعلى عكس التحليل الواقعي، لا تنطلق المدرسة من الدولة كأساس للتحليل في العلاقات الدولية، وإنما من النظام الدولي الذي أقامته الرأسمالية، فالدولة وفق مدرسة التبعية ليست الفاعل الوحيد، وماهي سوى نظام اجتماعي، قابل للاختراق الخارجي.

يقول بيكسيوتو: “مفهوم التبعية يعطي مدلولاً لمجموعة من الأوضاع المتسلسلة في فترة ما…بواسطة تأسيس علاقات تمكّن من فهم أوضاع تجريبية طبقاً لنمط الارتباطات بين المكونات البنيوية الداخلية والخارجية”.

لقد ارتبط التحليل الماركسي للعلاقات الدولية بالعلم والممارسة، وهو ما أنتج تباينات نظرية وعملية عند مجموعة من الكتل. مثلاً:

الاتحاد السوفياتي كان يرى بأن التناقض الرئيسي يقع بين الرأسمالية والاشتراكية، لكن الصين رأت أن هناك منطقة وسطية، والثورة البروليتارية تعود لدول العالم الثالث، فوفق نظرة ماوتسي تونغ للمنطقة الوسطية تصبح العلاقات الدولية ذات مجلول جغرافي وليس اجتماعي كما عند الاتحاد السوفياتي. كما أن نظرية العوامل الثلاث الماوية تصنف العالم وفق درجة التنمية والتطور وليس أنماط الإنتاج، فالاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية يمثلان العالم الأول، والاتحاد السوفياتي يمارس إمبريالية عالمية بغطاء الاشتراكية[21].

رابعا: المدرسة الواقعية

       تطلق الواقعية الكلاسيكية على التوجه النظري في دراسة العلاقات الدولية الذي نشأ في الأوساط الأمريكية، بين الحربين، وهو يستند إلى مجموعة من المسلمات النظرية القائمة على أساس أن الأصل في العلاقات الدولية هو الصراع، وأن الانسان أناني بالطبع. والفكر الواقعي نجد له جذور في الفكر اليوناني عند توسيديد من خلال كتابه الحروب البيلوبونيزية، الذي رأى أن الأسباب الجوهرية لهذه الحروب هو الخوف المتبادل بين الدول اليونانية والتنافس بينها، وأدرك الطابع الفوضوي للعلاقات الدولية حسب كينيث والتز، والفكر الصيني عند سان تزو الذي كتب كتابا حول فن الحرب، والفكر الاسلامي كما عند ابن المقفع وابن خلدون (فكرة التغلب والعصبية) والصقلي في كتابه سلوان المطاع، وفي عصر النهضة عند ماكيافيلي صاحب كتاب الأمير الذي تكلم عن منطلق الحكم وأخلاقياته التي هي منفصلة عن الأخلاق الفردية، وعند هوبز الفيلسوف الانجليزي مؤلف كتاب التنين والتي يركز فيه على الطبيعة الأنانية والعدوانية للإنسان من خلال مقولته “حرب الجميع ضد الجميع”، وفي القرن الثامن عشر عند بيسمارك وكارل فون كلوزز فيتر مؤلف كتاب الحرب.

  • الفرضيات التي تنطلق منها الواقعية:

يرى روبرت بالستغراف وجيمس دوتي أن هناك أربع تصورات أساسية مشتركة بين منظري الواقعية في حقبتها الأولى وتتمثل هذه التصورات أو الفرضيات فيما يلي:

– ترى الواقعية في خلفيتها الفلسفية وكمسلمة رئيسية أن الطبيعة البشرية ثابتة وغير قابلة للتغيير والتعديل، فهذه الطبيعة البشرية تنزع للشر والخطيئة وامتلاك القوة.

– الموقع الجغرافي يؤثر على إمكانات وتوجهات الدول من حيث السياسة الخارجية.

– نظرا لغياب سلطة مركزية تنظم العلاقات بين الدول، فطبيعة العلاقات الدولية هي الفوضى أو الأناركية، لذا فالآلية التنظيمية هو توازن القوى.

– النظرية السياسية ينبغي حسب الواقعيين أن تنطلق من التجارب والخبرات التاريخية للعلاقات بين الدول[22].

  • بعض مفكري المدرسة:

1- هانز مورغنتاو: اهتم بالواقعية السياسية ووضع أسسها النظرية في كتابه “السياسة بين الأمم: صراع من أجل القوة والمصلحة”، ويعتبر أبرز أساتذة المدرسة وواضع أسسها.

2- رينولد نيبور: تركزت اسهاماته على ميزان القوى.

3- نيكولا سبيكمان: ركز على الجيوة بوليتيكس ومحددات سياسة الدول، وكذا على ميزان القوى.

4- فريديريك شومان: ركز على ميزان القوى وربطه بالنزاعات الدولية ودوره في حفظ الأمن.

5- جورج كينان: درس الطبيعة العنيفة للبشر، ويعتبر أن التفاوض الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي أساس النزاعات الدولية.

6- هنري كيسنجر: درس النظام الدولي ومختلف نماذجه التاريخية وسياسات توازن القوى.

7- ريمون آرون: درس القوة من حيث هي وسيلة وليس هدف، وعدوانية الإنسان حسبه ليس مردّها طبيعته، بل رغبة في تحقيق أهداف أخرى من وراء الحرب أو العنف.

8- ستانلي هوفمان: درس القوة والمجتمع الدولي وظاهرة السلطة داخلياً وخارجياً[23].

  • نقد الواقعية الكلاسيكية:

النظرية مبينة على أساس منطلق متشائم للطبيعة الإنسانية سواء من منطلق ديني (أو غسطين، نيبور)، أو علماني (ماكيافيلي، هوبز، مورغنتو). والنقد الموجه هنا هو اعتبار الطبيعة الانسانية ثابتة وليست متغيرة مما يحول دون تفسير الكثير من ظواهر العلاقات الدولية. فإذا كانت هذه الطبيعة تفسر الحرب والصراع فكيف لهذه الطبيعة أن تفسر حالات التعاون والسلم؟

من الانتقادات الأساسية هو افتقارها إلى الدقة في الكثير من تفسيراتها، ومفاهيمها مثل القوة، المصلحة القومية، ميزان القوى،… فهذه المفاهيم خصوصا المصلحة القومية يصعب إعطاء معنى عملي لها لاختلاف التجارب القومية من بلد لآخر، ولاختلاف التهديدات الأمنية.

من الناحية المنهجية فالواقعيون التقليديون استندوا إلى التاريخ وعلم السياسة لاثبات نظرياتهم، ولذا تم انتقادهم على أنهم يستعملون مصطلحات ومفاهيم عفا عليها الزمن، وأصبحت غير ذات فائدة في التاريخ المعاصر، مثل قولهم بتوازن القوى وفصل السياسة الخارجية عن السياسة الداخلية، وهي خلاف الواقع الذي يشهده النظام الدولي الحالي، بينما رواد الواقعية الجديدة استعانوا واقتبسوا العديد من مفاهيم وأدوات العلوم الاخرى مثل الاقتصاد مثل تطبيق نظرية الألعاب، نظرية الخيار العقلاني، المنفعة المتوقعة، نظريات السوق والمؤسسات، ونظريات التفاوض، وذلك في البحث عن نظريات أكثر ارتباطا بالواقع المعاصر. ومن جهة أخرى فطرح الواقعيين يبدو متناقضا في دعوتهم رجل السياسة إلى العودة إلى قوانين يفترض انها هي نفسها التي تخضع لها الدول حاليا، وهذا أحد الأبعاد المعيارية المتضمنة في النظرية الواقعية[24].

خامسا: المدرسة السلوكية

نشأت المدرسة السلوكية في منتصف الخمسينات وتبلورت بشكل أساسي في الستينات. وهدفت السلوكية إلى ايجاد نظرية تعليلية تفسيرية وتنبؤية. وكان للسلوكية مأخذ على ما اسمته بالتقليديين (المثاليين والواقعيين وغيرهم). وهم الذين لم يستعملوا مناهج علمية وخاصة كمية في ابحاثهم ولم يهتموا في تقديم واختيار فرضيات بشكل مقارن وبناء نماذج أو نظريات تقوم بالتالي على فرضيات ومفاهيم محددة بدقة ومترابطة منطقياً. وفي حين تساءل التقليديون (الواقعيون مثلاً) إلى أي مدى يمكن القول أن الاحداث أو الظواهر السياسية متشابهة، اهتم السلوكيون، تحديداً، بالأنماط المتكررة وليس بالحلات الفردية كمحور للبحث. إذن، يقوم بناء النظرية حسب السلوكيون على القدرة على التعميم واطلاق الأحكام العامة. ويقوم هذا بدوره على اثبات الفرضيات. وظهر التحول مع السلوكية نحو المناهج «العلمية» القائمة على الاحصائيات وساهم في ذلك كله استعمال الحاسب الالكتروني والرياضيات. ويقول ديفيد ايستون وهو من أبرز منظري المدرسة السلوكية أن هذه الأخيرة تشهد على قيام عصر النظرية في العلوم الاجتماعية بشكل عام وعلى الالتزام بمسلمات ومناهج البحث الامبريقي. وبعكس النظريات التقليدية الكبرى في الفكر السياسي، فإن النظرية الجديدة، حسب ايستون، هي تحليلية، عامة وليست خاصة وتفسيرية وليست معيارية[25].

سادسا: مدرسة «ما بعد السلوكية»

في أواخر الستينات، اعتبر ديفيد ايستون، وكان من أبرز كتاب المدرسة السلوكية، أن هناك تحولاً جديداً في البحث والدراسات أسماه الثورة «ما بعد السلوكية». وتلتقي منطلقات وحجج هذه المدرسة مع منطلقات المدرسة المثالية في العلاقات الدولية من حيث أن الاثنتين تركزان على أهمية القيم سواء أكان في أهداف البحث أو في مسلماته. وترفضان المنطق الذي يقول بوجود بحث مجرد من أية قيمة، إذ أن ذلك غير ممكن وغير جائز أيضاً. وتدعوان إلى توجيه الأبحاث للاهتمام بقضايا الساعة ولخدمة أهداف السلم وإيجاد السبل لتلافي الحروب والنزاعات وباء مجتمع دولي أفضل. وتطورت بشكل خاص في إطار مدرسة «ما بعد السلوكية» دراسات السلم. وتنتقد مدرسة «ما بعد السلوكية» الروح المحافظة عند السلوكية من حيث اهتمام هذه الأخيرة فقط في دراسة وفهم الظواهر السياسية ووصفها دون الاهتمام ببذل الجهود لحل الأزمات والنزاعات التي تهدد الانسانية. ويقول ايستون في هذا الصدد أن مسؤولية مدرسة «ما بعد السلوكية» تكمن في محاولتها كسر حواجز الصمت التي أقامتها المدرسة السلوكية، ودفع العلوم السياسية لمعالجة الحاجات الحقيقية للبشرية في فترات الأزمات. ويرى ايستون أن البحث السياسي لا يمكن أن يكون مجرداً من القيم. ويدعو إلى عكس ذلك إذ يعتبر مثلاً أن الباحثين والأكاديميين عامة عليهم مسؤولية تاريخية خاصة لحماية قيم الحضارة الانسانية؛ وذلك بوضع المعرفة في خدمة هذه القيم.

وتلتقي مدرسة «ما بعد السلوكية» في هذا السياق مع المفهوم التقليدي للنظرية السياسية الذي عبر عنه ليوشتراوس في أواخر الخمسينات عندما اعتبر أن الهدف الأساسي للبحث السياسي هو الحصول على المعرفة الضرورية لبناء[26] مجتمع العدل والحق. وقد اعتمد عدد من الكتاب منهج «ما بعد السلوكية» خاصة من الاختصاصيين في القانون الدولي واهتموا ببناء نماذج مستقبلية للنظام الدولي تقوم على السلم وإلغاء الحروب.

وتنتقد مدرسة «ما بعد السلوكية» المدرسة الواقعية لسببين أساسيين أولهما[27]، أكاديمي تحليلي؛ وهي أن «الواقعية» لا تأخذ بعين الاعتبار تأثير الترابطات عبر الدولة والترابطات الكونية والاعتماد المتبادل على السياسة العالمية، وثانيهما أن الواقعية تركز على قضايا الأمن ولا تحاول إيجاد سياسات تساعد البشرية على التغلب على الأزمات الكونية التي تهددها.

إذن، تشبه مدرسة «ما بعد السلوكية» المثالية في العشرينات والثلاثينات من حيث أنها تعتبر أن هدف النظرية السياسية تقديم المعايير الأخلاقية التي على أساسها يمكن تقويم المجتمع الدولي والأطراف الدولية لتحديد من هو جيد وعادل ومن هو غير جيد وغير عادل، كما يقول ريتشارد فالك. وتلتقي مدرسة «ما بعد السلوكية» مع المثالية في المسلمة الرئيسية التي تقول بأن هناك انسجام في المصالح بين الأفراد وبين المجتمع الكوني، و أيضاً بين المصلحة القومية والمصلحة العالمية في شؤون التنمية والأمن والحفاظ على المصادر الطبيعية كما يقول هرز. ويدعو أصحاب هذه المدرسة إلى إقامة مؤسسات «فوق الدولة» لإدارة النزاعات التي تنشأ بين الدول والمساهمة في حلها وكذلك لإدارة واستغلال المصادر الطبيعية وتأمين توزيعها بشكل عادل بي مختلف الدول.

وتشترك هذه المدرسة مع المثالية في تفاؤلها من حيث الايمان بإمكانية إقامة حكومة عالمية، وهي تمثل نوعاً من إعادة إحياء للمدرسة المثالية في العشرينات والثلاثينات بمسلماتها ومفاهيمها وأهدافها الأساسية وتطورت هذه الأخيرة نتيجة لخصوصيات المجتمع الدولي المعاصر.

ويمكن بالتالي توجيه نفس الانتقادات والمآخذ ذاتها التي توجه إلى المدرسة المثالية، إلى مدرسة «ما بعد السلوكية»  من حيث الخلط أحياناً بين وصف الواقع وتقديم الارشادات لتغيير الواقع، كالخلط مثلاً بين ضرورة وأهمية إقامة حكومة عالمية وإمكانية إقامة تلك الحكومة أو حول اعتبار القيم التي تدعو إليها المدرسة «ما بعد السلوكية» بمثابة حقائق تاريخية أو قيم عالمية شاملة بغض النظر عن خصوصيات وتجارب ونسق قيم المجتمعات والحضارات المختلفة في العالم. وغني عن القول أن نظرية العقلانية وانسجام المصالح اللتان تعتبران مسلمتين أساسيتين في الفكر المثالي وفي مدرسة «ما بعد السلوكية»  لا يتطابقان مع الواقع العملي الملموس في السياسة العالمية حيث النزاعات كالتعاون سمة طبعية في السلوكية الدولية. إذن، يمكن القول أن مدرسة «ما بعد السلوكية» أعادت إلى العلاقات الدولية إحدى الحوارات الكبرى في الحقل بين الواقعية والمثالية[28].

المحور الثالث: موقع البعد الديني في دراسة العلاقات الدولية

بالرغم من أن الدين لم يؤِّد دورا مهما في التوجهات التي سادت دراسة العلاقات الدولية في الفترة منذ الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات، إلا أن مراجعة الكتابات الغربية في الرحلة التالية توضح أن هناك تزايداً في الاهتمام بدراسة دور الدين في تحليل العلاقات الدولية، بل لقد جعل بعضهم من الدين أحد مصادر الإبداع النظري في العلاقات الدولية التي يمكن أن تساعد على بلورة نظرية لاختبار فروض معينة في الواقع.

وقد ارتبط تحليل البعد الديني في مرحلة من مراحل تطور العلاقات الدولية، بدراسة وتحليل القيم، حيث أشار عدد من الباحثين والمحللين إلى أن فكرة القيم في العلاقات الدولية في الأدبيات الغربية تتنازعها مدرستان:

الأولى ترى أنه من العبث التمسك بقيمٍ في عالم السياسة الدولية الذي لا يعرف إلا المصلحة، وأن تمسك دولةٍ بالأخلاق يعني استسلامها في موقفٍ ما للطرف الآخر الذي لن يتبع قواعد السلوك نفسها، وفي هذا الإطار يعتقد مورجنثو أن الأخلاق ضرورية في العلاقات الدولية، ولكنه يناهض المبرِّر الأخلاقي للسياسة الدولية، وهو ما يسميه ب (أيديولوجية الأخلاق)؛ أي إن المبادئ الأخلاقية تخفي وراءها المصالح الخاصة، كما يدين الإطلاقية الأخلاقية ويسميها “بالنزعة العاطفية”؛ لأنها تغطي طبيعة “السياسي” وتركز فقط على القيمة الأخلاقية على حساب القيم الأخرى[29].

الثانية ترى أن الحديث عن القيم لا يعني تجاهل الواقع، بل ترشيده حتى لا ينغمس العاملون في المجال السياسي في الحسابات البراجماتية الوقتية متجاهلين السؤالَ الملحَّ عند وضع السياسة الخارجية: من نحن؟ ماذا نريد أن نكون؟ وينتمي إلى هذه المدرسة عدد من الباحثين الغربيين الذين يوضحون أهمية دور القيم في التفاعلات الدولية، ومن بينهم: ستانلي هوفمان- ناي وشلزنجر- أرنست هاس[30]؛ ويستخدم هؤلاء الباحثون تصورات دينية وقيمية في تحليلاتهم، مؤكدين أن تأثير الدين في العلاقات الدولية، ليس بجديد، فالمعتقدات والاعتبارات الدينية كانت وراء أعمق الأحداث والتحولات السياسية العالمية (كالفتح الإسلامي، والحروب الصليبية، والحروب الأوربية في القرون الوسطى)، ولم يكن إقصاء الدين عن الحياة السياسية خلال القرون الأخيرة حائلاً دون تسرب الدوافع الدينية إلى العمل السياسي.

وفي إطار هذا المنظور يمكن التمييز بين ثلاثة مداخل أساسية، ارتبط كل منها بديانة محددة، مع الأخذ في الاعتبار باحتمالات التداخل بين هذه المداخل، في ظل ما ينادي به البعض من تراث حضاري مشترك، وموروث ثقافي متشابك:

أولا: المدخل الصهيوني

       يمكن التمييز في إطار المرتكزات التوراتية التي تحكم الفكر السياسي المعاصر، بين مجموعتين من المرتكزات:

الأولى تلك التي نشأت عليها دولة إسرائيل، والتي تشكل جوهر العمل السياسي لكل التيارات والقوى الفكرية والسياسية الإسرائيلية، فالجميع توراتيون يتوافقون على مصلحة إسرائيل العليا ويعملون متحدين للوصول إلى غاياتهم السياسية الدينية[31].

الثانية تلك السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية وتتمثل في أنَّ اليهود هم شعب الله المختار، وأن وعداً إلهياً يربطهم بالأرض المقدسة في فلسطين، ومن حقهم العودة إليها تنفيذاً لهذا الوعد، وأنهم قد أنشؤوا دولتهم انتظاراً لقدوم مخلِّصهم (المسيح)، وعند المسيحية المتصهينة (عودة السيد المسيح)، والمحافظة على إسرائيل ومساعدتها ودعمها هذا يشكل عملاً دينياً إلهياً لأن إسرائيل تمثل قوى الحق الإلهي ويجب أن تربح صراعها؛ لأن ذلك يحقق نبوءة الله[32].

ثانيا: المدخل الأصولي الإنجيلي

       ويرتبط هذا التيار بأفكار اليمين الديني في الولايات المتحدة، وغيره من التيارات اليمينية التي تصاعد تأثيرها في الدول الغربية، بعد نهاية الحرب الباردة، والتي تغدت بالعداء للشيوعية وبمواجهة مظاهر العلمنة السياسية التي تجلت في النصف الأول من القرن العشرين. ويضم اليمين الديني تنظيمات متنوعة (جماعات مصالح، وشبكات تلفزيونية عديدة، فضلاً عن المدارس، والجامعات، والكنائس)، ويتمتع بشعبية ضاربة في هذه الدول، وخاصة في الولايات المتحدة، ويحاول أن يسيطر على مقاليد السياسة الأمريكية، ليوجهها وجهة جديدة تحكمها المسلمات الدينية الإنجيلية.

ويرى منظِّر المدخل الأصولي الإنجيلي أن مناخ العلاقات الدولية إنما هو مناخ الصراع الدائم، ولكنه (صراع العقائد) لا (صراع المصالح القومية). وفي مجال الصراع العقائدي على هذا المستوى، يستصحب الأصوليون مجموعة مفاهيم قَدَرية، أهمها مفهوم (نهاية الزمن) الذي سبق أن تناوله كل من: (أوغسطين)، ثم (هيجل) الذي غذاه بمضامين علمانية ذات طابع قومي، ثم واصل المهمة (فرنسيس فوكوياما) في كتابه عن (الإنسان الأخير- ونهاية التاريخ)[33].

ثالثا: المنظور الإسلامي

       اتضحت الطبيعة العالمية لدين الإسلام منذ آيات التنزيل الأولى التي أشارت إلى أن رسالته مخاطبٌ بها العالم أجمع. وفي إطار تعميم تلك الدعوة، كانت مخاطبات رسول الله صلى الله عليه وسلم لقادة الدول والإمارات والممالك المختلفة، ثم جاء انتشار الدعوة الإسلامية خارج جزيرة العرب، وامتداد الفتح الإسلامي من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً، تجسيداً آخر لتلك الدلالة.

وقد نما (فقه العلاقات الدولية) مترافقاً مع تلك التفاعلات، وبلور عدد من الفقهاء مجموعاتٍ كبيرة من الاجتهادات التي تحدد أهداف تلك التفاعلات وظوابطها، في حالتي السلم أو الحرب على حدٍّ سواء، ويمكن اعتبار كتاب “السير” لمحمد بن الحسن الشيباني أول كتاب في مادة القانون الدولي، حيث سبق في الظهور كتاب (قوانين الحرب والسلام) للهولندي (هيوجو جرسيوس) بأكثر من ثمانية قرون.

وتركز الجهد المبذول عن العلاقات الدولية، في إطار المنظور الإسلامي، حول بعض الجوانب النظرية العامة لاسيما الجوانب القانونية والأخلاقية المثالية. حتى في هذه الجوانب ليست هذه الكتابات إلا مجرد إعادة صياغة لفقه السِّيَر القديم، أو محاولاتٍ لنقد القانون[34] الدولي الحديث وتقويمه من وجهة نظرة إسلامية. ويندر في تلك الكتابات  وجود أبحاث ناضجة حول القضايا الراهنة التي تشغل حيزاً كبيراً من اهتمام باحثي ومنظري علم العلاقات الدولية، مثل القوة النسبية والتحلفات والنظام العالمي، والعلاقات الاقتصادية العالمية، وحل النزاعات، وغير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى بذل المزيد من الاجتهاد سعياً نحو تكوين رؤية حضارية تجديدية تأخذ في اعتبارها التراث المتراكم الذي وضعه علماء وفقهاء المسلمين عبر مختلف العصور، والإسهامات الرائدة التي قدمها العلماء والباحثون في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية في المرحلة الراهنة[35].

المحور الرابع: أسس علاقة المسلمين بغيرهم والأصل الذي تقوم عليه هذه العلاقة

أولا: أسس علاقة المسلمين بغيرهم

        و المتتبع لتعاليم الاسلام وأحكامه يجد أن علاقة المسلمين بغيرهم تقوم على أسس وقواعد لا بد منها في الحياة الاجتماعية بل والدولية ومن أهم هذه القواعد والأسس:

1- احترام الانسانية وتكريم البشرية

والأساس الأول الذي تقوم عليه العلاقات الاسلامية، ضمانا للسلم وارساء لقواعده، هو احترام الانسانية وتكريم البشرية، حيث اعتبر القرآن الكريم الانسان خليفه في هذه الأرض، وأن الله سواه ونفخ فيه من روحه، ثم منحه العقل والتفكر، ليستطيع ادراك حقائق هذا الكون وما فيه، وفضله كذلك على كثير من خلقه، وسخر له عوالم كونه، ثم هيأ له مبادئ الروابط السامية التي يرتفع بها عن حضيض الحيوانية البحتة، وتدعوه الى التعاون مع بنى جنسه، في عمارة الكون وتدبير المصالح وتبادل المنافع[36].

واذا كان الاسلام قد كرم الانسان من حيث هو انسان، وآخى بين أجناس البشر باعتبارهم من أصل واحد، فان ذلك يقتضي أن يعتبر الاسلام الناس جميعا أمة واحدة، وهو ما قرره الدين الحنيف حيث عد الناس جميعا وحدة واحدة، الانسانية تجمعها والآدمية تشملها، فقد خلق الله الناس جميعا من نفس واحدة، وخلق من هذه النفس زوجها، وتوالد الناس من هذين الأبوين الكريمين.

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[37].

وما كان تقسيم المعمورة إلى شعوب وقبائل إلا من أجل التعارف[38] والتعاون، وليس للتباعد والتخاذل والتفاضل بينهم بالتقوى والأعمال الصالحة، ليعود الخير على أفراد الانسانية وجماعتها، فالله مالك الجميع وخالقهم، يرتب هذه الأخوة ويرعاها، ويطالب عباده جميعا بتقريرها ورعايتها، والاعتراف بحقوقها والسير في حدودها، يقول سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[39].[40]

       فاحترام الانسانية هي من الأسس التي تقوم عليه العلاقات في الاسلام، سواء أكانت العلاقات فردية أو جماعية أو دولية، ولاريب أن شعور الفرد أو الجماعة أو الدول انها مرتبطة ارتباطا وثيقا من حيث المنشأ والمصير، يدعوها الى أن تكون العلاقات بينهم علاقات وثيقة العرى، وطيدة الدعائم، مما يقوي الأواصر ويدعم الروابط في شتى مجالات الحياة[41].

2- المساواة التامة

ولقد جاءت الشريعة الاسلامية من يوم نزولها بنصوص صريحة بمبدأ المساواة التامة، فقررت المساواة على اطلاقها، فلا قيود ولا استثناءات، وانما مساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين، ومساواة تامة بين الرؤساء والمرؤوسين، لا فضل لرجل على رجل، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي. وذلك في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾[42].

وقد جاء الإسلام بمبدأ المساواة ونزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعيش بين قوم أساس حياتهم وقوامها التفاضل، فهم يتفاضلون بالمال والجاه والشرف واللون، ويتفاخرون بالآباء والأمهات، والقبائل والأجناس، فلم تكن الحياة الاجتماعية وحياة الجماعة هي الدافعة لتقرير مبدأ المساواة، وانما كان الدافع لتقريرها من وجه هو رفع مستوى الجماعة ودفعهم نحو الرقي والتقدم، كما كان الدافع لتقريرها من وجه آخر ضرورة تكميل الشريعة بما تقتضيه الشريعة الكاملة الدائمة من مبادئ ونظريات، وكانت النصوص التي حملت مبدأ المساواة جاءت عامة مرنة الى أقصى درجات العموم والمرونة، الى الحد الذي لا يمكن أن يضيق بما يستجد من الظروف والتطورات مهما تغيرت ظروف الزمان والمكان والأشخاص[43].

3- العدالة

       قامت كل علاقة إنسانية في الإسلام على العدالة، واعتبار الناس جميعها سواء، وإن كان ثمة تفاضل فبالأعمال والجزاء عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وإن نصوص القرآن الكريم في ذلك متضافرة كثيرة، والعدالة حق للأعداء، كما هي حق للأولياء، وقد نص القرآن على أنه لا يصح أن تحمل العداوة على الظلم، فإن العدل مع الأعداء أقرب للتقوى، وقد صرح القرآن بأن أساس الأحكام الإسلامية المنظمة لعلاقات الناس جميعا بعضهم مع بعض، آحادا وجماعات هو العدل، وقد ذكر سبحانه وتعالى أن العدل هو الشريعة التي قامت عليها رسالة (صلى الله عليه وسلم)، وقامت عليها النبوات السابقة، والكتب المنزلة جميعا. وإذا استعرت نيران الحرب فإنه يجب أن يكون العدل هو الذي يسودها، وأن تكون المعاملة للمغلوب عادلة لا ظلم فيها ولا شطط.

وإذا كان لكل دين سمة يتسم بها فسمة الإسلام هي العدالة، وهي شعاره، وهي خاصته، والعدالة هي الميزان المستقيم الذي يحدد العلاقات بين الناس في حال السلم، وحال الحرب، فهي القسطاس المستقيم الذي به توزع الحقوق، وبه تحمى الحقوق، وبه ينتظم الوجود الإنساني.

ففي السلم يكون حسن الجوار قائما على العدالة، وفي الحرب يكون الباعث على الحرب العدالة، وإن كل المبادئ الإنسانية من تسامح وحرية يكون في ظل العدالة، فالتسامح الذي يؤدي إلى ضياع الحقوق لا يكون تسامحا، ولا رحمة، بل يكون ظلما، ويؤدي إلى أشد النزاع، فالتسامح مع الظالمين آحادا أو جماعات قسوة على الذين ظلموهم واستباحوا حقوقهم.

وإن الفضيلة الإسلامية تدعوا إلى استعلاء الحق، ولا يستعلي الحق إلا إذا كانت العدالة قائمة، وإن الذين يتسامحون مع الظالمين، لا يمكن أن يكونوا فضلاء[44].

4- الحرية الكاملة

       ومن المبادئ الأساسية التي جاءت بها الشريعة الاسلامية والتي لابد منها في الحياة الاجتماعية بل والدولية مبدأ الحرية، فقد أعلنت الشريعة الحرية وقدرتها في أروع مظاهرها وأبهى صورها، حيث قررت حرية التفكير، وحرية الاعتقاد وحرية القول، فأما حرية التفكير فلقد جاءت الشريعة الاسلامية منذ اللحظة الأولى معلنة هذه الحرية مجردة العقل من الأوهام والخرافات والتقاليد والعادات وداعية الى نبذ كل ما لا يقبله العقل، فهي تحث على استعمال العقل في كل شيء فان آمن به كان محل ايمان، وان كفر به كان محل كفران، اذ لا تسمح ولا تبيح له أن يقول مقالا أو يفعل فعلا الا بعد أن يفكر فيما يقول ويفعل ويعقله[45].

والنصوص الواردة في القرآن الكريم والتي تحض على استعمال العقل وتحرير الفكر أكثر من أن تحصى، منها قوله تعالى:﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[46].

وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ، أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾[47].

وقوله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم، مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾[48].

وقوله عز من قائل: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[49].

ونصوص القرآن السامية تعيب على الناس أن يلغوا عقولهم ويعطلوا تفكيرهم، ويقلدون غيرهم، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد دون ما تفكير فيما يتركون وما يدعون، وينعى عليهم ذلك كله، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام بل أضل سبيلا من الأنعام، لأنهم يتبعون غيرهم دون تفكير فيما يتبعون، ولا يحكمون عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، ولأن العقل هو ما ميز الله به الانسان على غيره من أنواع المخلوقات[50].

5- الوفاء بالعهود والمواثيق

       والوفاء بالعهود خلق كريم وصفة سامية، لما له من أثر طيب، ودور كبير في المحافظة على السلام، وأهمية كبرى في فض المشكلات، وحل المنازعات وتسوية الخلافات، ومن ثم فقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تأمرنا بالوفاء بالعهود والمواثيق سواء أكانت عهودا مع الله أم مع الناس. فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾[51].

وأي تقصير في الوفاء بالعهد يعتبر اثما كبيرا يستوجب المقت والغضب. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾[52].

وان جميع العهود التي يقطعها الانسان على نفسه يعد مسئولا عن الوفاء بها، ويحاسب على تركها. يقول الله تعالى:﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ، إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾[53].

وحتى العهد مقدم على حق الدين. يقول عز وجل:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا، وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾[54].

والوفاء بالعهد في الاسلام ليس له جزاء الا الجنة، يقول عز من قائل:﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ،الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[55].

ولقد كان الوفاء بالعهد من خلق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. يقول سبحانه:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ، إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾[56].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل في احترام العهد[57].

6- التسامح

دعا الإسلام إلى التسامح غير الذليل، فهو يبني العلاقات الإنسانية سواء أكانت بين الآحاد أم كانت بين الجماعات على التسامح من غير استسلام للشر أو تمكين للأشرار، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ضرورة دفع العداوة بالتي هي أحسن، وأن هذا الدفع الكريم هو الذي يجلب المحبة إن كان لها موضع، وأمر نبيه الأمين أن يصفح الصفح الجميل عمن يعاديه، والصفح الجميل هو الصفح في علو ومن غير استسلام للشر أو استخذاء للأشرار.

وإذا كان ما يوجب عقاب الأشرار آحادا أو جماعات فإن العقاب يجب أن يكون في دائرة الأخذ بالحق من غير اعتداء، وإذا كان الصبر ممكنا يكون أولى بالاتباع.

وقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ التسامح في علاقاته بالمشركين وغيرهم في معاهداته وفي حروبه، ففي المعاهدات تراه في صلح الحديبية، وهو الصلح الذي عقد بينه وبين المشركين عندما أراد أن يحج فمنعوه وأبوا أن يدخل البيت الحرام، وقد كان أساس هذا الصلح شططاً من جانب المشركين، وسماحة من جانب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصروا في صلحهم على أن يمنعوه من الحج في عامه هذا، فقبل هذا الشرط ومعه جيش يستطيع أن يدك عيهم ديارهم، واشترطوا مع ذلك أن من يخرج من مكة مسلما ملتحقا بالنبي والمؤمنين يرد إليهم إن لم يكن ذلك برضا أهله، وأن من يخرج من عند محمد مرتداً إلى مكة يقبلونه ولا يمنعونه، فقبل النبي السمح الكريم ذلك الشرط، حتى ضج بعض المؤمنين من قبوله، ووقف عمر بن الخطاب يهز سيفه، ويقول: «لماذا نرضي بالدنية في ديننا»، ولكنها الحكمة النبوية، والرسالة المحمدية آثرت الصبر والسماحة وحقن الدماء، ولم يكن ذلك قبولا للدنية ولكنه الهدى الإسلامي الذي حث على الصبر بدل القتل والقتال، والرفق بدل العنف، وتأجيلُ فيه رفق خير من تعجيل فيه عنف[58].

والصفح الجميل أبرز ما يكون ظهوره عند الانتصار، فما كانت الحرب للثأر والانتقام بل لإعلاء الحق ودفع عدوان الباطل، ولذلك عندما فتح الله تعالى مكة وخضعت لكلمة التوحيد، كان الصفح الكريم، فقد قال النبي للملأ من قريش: «ما تظنون أنى فاعل بكم»؟ قالوا: «أخ كريم، وابن أخ كريم» فقال الرسول الكريم: «أقول لكم ما قاله أخي يوسف لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء».

ولقد كان ذلك من شأنه في كل حروبه، يطيب القلوب بالصفح، بدل أن يثيرها بالانتقام، فبعد غزوة بني المصطلق يخرج من الأسر مائة بيت أراد المسلمون أن يسترقوهم، بأن تزوج جويرية بنت الحارث كبير هذه القبيلة، فأطلق كل مجاهد من في يده من الأسرى، وقالوا: كيف نسترق أصهار رسول الله، وكان عمل الرسول إعلاناً للصفح، وما كان الزواج لشهوة يبتغيها، لأنه كان يستطيع قضاءها بامتلاكها، بل هو الصفح في أجمل صوره، وكذلك فعل مع صفية ابنة حيى بن أخطب كبير أهل خيبر بعد الانتصار عليهم ودك حصونهم حصناً حصناً.

وبذلك يتبين أن التسامح والصفح الجميل هو السياسة الإسلامية التي رسمتها النبوة في العلاقة بين الناس بعضهم مع البعض، وخصوصاً بين المسلمين وغيرهم، وهي السياسة المطلقة في حال السلم، والسياسة الشافية للقلوب المجروحة في أعقاب الحرب، لأن المغلوب المجروح يجب أن يرقأ جرحه، بدل أن ينكأ قرحه[59].

ثانيا: الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم

إن مسألة تحديد أساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، من المسائل التي كثر حولها الجدل والنقاش قديما وحديثا بل بين الفقهاء القدامى والباحثين من الفقهاء المعاصرين، وقد لاحظ العلامة الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي تأثير جمهور الفقهاء القدامى بالحالة الواقعية التي سارت علاقة المسلمين بغيرهم في عصر الاجتهاد الفقهي في القرن الثاني الهجري وبنشوة الانتصارات والفتوحات الإسلامية، وبمبدأ العزة الإسلامية والقيام بواجب تبليغ الدعوة الإسلامية إلى العالم وبنزعة الإسلام العالمية، فقرروا، أن الأصل العلاقة الخارجية مع غير المسلمين هو الحرب لا السلم، مالم يطرأ ما يوجب السلم من إيمان وأمان[60].

       ويرى طائفة من العلماء المجتهدين مثل الإمام سفيان الثوري والأوزاعي أن الأصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم علاقة سلم وتعاون، وأن الحرب والقتال أمر طارئ على البشرية، لا يلجأ إليه إلا للدفاع عن المسلمين حينما يكون هناك اعتداء عليهم، أو إيذاء أو ظلم لهم، أو فتنة لهم عن دينهم، ومتى كان الكفار مسالمين تاركين الدعوة إلا الإسلامية وشأنها فإنه لا يحل قتالهم لمجرد المخالفة في دين أو للغلبة، فالجهاد إنما شرع لحماية المسلمين وديارهم ودعوتهم، وإلا فالسلم هو الأصل في العلاقات بين الناس وهو مفهوم من روح التشريع ومقاصده النبيلة.

وقد تبع هؤلاء كثير من الباحثين المعاصرين من الفقهاء وأهل القانون الوضعي[61].

وهذا القول الأخير الذي يرى أن أساس العلاقة مع المخالفين هو السلم،  والتعاون مبني على الدعوة، وذلك لما يأتي من الأدلة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والوقائع التاريخية المدعومة بأقوال الفقهاء والباحثين[62].

1- في دستور العلاقة مع غير المسلمين

        يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي “إذا أردنا أن نجمل تعليمات الإسلام في معاملة المخالفين له في ضوء ما يحل ويحرم فحسبنا آيتان من كتاب الله، جديرتان أن تكون دستورا جامعا في هذا الشأن وهما قوله تعالى:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[63].

فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا، ولو كانوا كفارا بدينه مالم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته ويضطهدوا أهله.

ولأهل الكتاب من بين غير المسلمين منزلة خاصة في المعاملة والتشريع والمراد بأهل الكتاب: من قام دينهم في الأصل على كتاب سماوي، وإن حرف وبدل بعد، كاليهود والنصارى قام دينهم على التوراة والانجيل.

فالآية الأولى لم ترغب في العدل والإقساط فحسب إلى غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين، ولم يخرجوهم من ديارهم أولئك الذين لا حرب ولا الإحسان إليهم، والبر كلمة جامعة لمعاني الخير والتوسع فيه، فهو أمر فوق العدل، وهي كلمة التي يعبر بها المسلمون عن أوجب الحقوق البشرية عليهم، وذلك هو “بر الوالدين”[64].

وهذا يدل على عدل الشريعة الإسلامية، وأنها رحمة من الله بعث بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[65].

2- من النصوص القرآنية التي تدعوا إلى السلم

        نص القرآن الكريم على أن السلم هو أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم حتى يكون اعتداء، فتكون الحرب حينئذ ضرورة، دفاعا عن النفس وحق البقاء أو اتقاء لهجوم تكون المبادرة فيه ضربا من الدفاع[66] فقال تعالى:﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾[67].

فإذا مال الكفار للمسالمة، وكان للمسلمين مصلحة في الصلح فلا بأس به إذا احتاجوا إليه والمعنى إذا مال الكفار إلى المصلحة والمسلمة فمل يا محمد إلى مواقفهم، واقبل ذلك معهم وسالمهم، متوكلا على ربك وإن قدرت على محاربتهم.

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾[68].

فالإسلام يدعوا الناس جميعا إلى الدخول في الإسلام والمسالمة والصلح وعدم الحرب فالآية تعود بالحرب إذا نشبت إلى الأصل الطبيعي في العلاقات وهو السلم[69].

ولأن الله لم يشرع الاكراه في الدين، بل خيار للإنسان كما قال سبحانه وتعالى:﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾[70]. فهذا دليل واضح على أن الله تعالى لم يشرع القهر والإكراه لإدخال الناس في الدين، بل إن الدخول في الدين لابد وأن يكون عن طواعية واختيار، وإذا كان الأمر كذلك فالسلم بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم هي الأصل في الأرض كلهم جميعا، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[71].

وهكذا نجد أن الآيات الداعية إلى العفو والسلم معمول بها متى وجد السبب، وفي حين غير حال الاعتداء وبحسب ما تقتضيه السياسة الشرعية ومقاصدها النبيلة[72].

3- من الأحاديث النبوية الشريفة منها:

       الأحاديث التي تدعوا في الحقيقة إلى السلم مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا»[73].

فالرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ينهى عن الرغبة في الحرب القتال وتمنيها مع العدو، وطلب السلامة منها مما يدل دلالة واضحة على أن القتال ليس مقصودا لذاته.

وقد حصر الرسول صلى الله عليه وسلم غاية القتال في دائرة الحق والعدل والدعوة إلى الإسلام، فقال “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”[74].

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في غزوة خيبر وقد عهد إليه بمهمة عسكرية: ” فو الله لئن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم”[75].

وقوله عليه الصلاة والسلام: “دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم”[76].

4- الوقائع التاريخية

       إن الواقع التاريخي في الحروب الإسلامية يؤكد القول بأن أصل العلاقة مع غير المسلمين السلم، ذلك لأن دعوة الناس قبل القتال تبدأ باللسان قبل اللجوء إلى السنان حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[77].

أي إن الدعوة بالمقالة المحكمة الصحيحة ذات دليل الموضح للحق المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع.

وهكذا ظل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوا إلى دين الله سلما في مكة ثلاثة عشرة سنة دون حرب واستمرت الدعوة السلمية في المدينة ولولا بغي المشركين لاستمر السلم، ولم يقم الإسلام بالسيف، وإنما انتشر لما تجسد في طبيعته من قوة ووضوح، وبساطة ومنطق وتجارب مع الفطرة الانسانية إذ هناك فرق واضح بين انتشار الإسلام فكرة وعقيدة وبين الدفاع عن وجود المسلمين ودولة الإسلام، فالوجود الدولي يتطلب تأمين الإسلام وحمايته من كل اعتداء، وهذا هو الذي حدث فقط في اعلان الجهاد الإسلامي على أعداء المسلمين.

أما قبول الإسلام فكان بدافع القناعة أو مؤاثرة السم، وإذا لم يجد المرء في نفسه بعدئذ قناعة بهذا الدين فمن الذي يجبره على الاستمرار على عقيدته إذ العقيدة في القلب ولا يطلع على ما في القلوب إلا علام الغيوب[78].

وهكذا نجد أن كل الظروف التي واجهت علاقة المسلمين بالمشركين في المراحل الأولى لهذا الدين الإسلامي الحنيف كانت تقضي أن تكون غير قتالية، وإنما كانت علاقة بيان للحق، وصبر على الأذى، ذلك أن مصلحة الدعوة في مواجهة ظروفها في المراحل الأولى للإسلام اقتضت أن تكون كذلك علاقة سلم وبيان للحقائق[79].

يقول الشيخ محمد شلتوت: السلم هو العلاقة الأصلية بين الناس في الإسلام، وعلى هذا بني الإسلام سياسته الإصلاحية فيما بين المسلمين مع بعض، وفيما بينهم وبين غيرهم من الأمم المختلفة.

وبذلك كان السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعاون والتعارف وإشاعة الخير بين الناس عامة وهو بهذا الأصل لا يطلب من غير المسلمين إلا أن يكفوا شرهم عن دعوته وأهله، وألا يثيروا عليه الفتن والمشاكل ويأبي الإباء كله أن يتخذ الإكراه طريقا للدعوة إليه ونشر تعاليمه: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[80].

وإذا احتفظ غير المسلمين بحالة السلم فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الانسانية، يتعاونون على خيرها العام، ولكل دينه يدعوا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة دون إضرار بأحد ولا انتقاص لحق أحد[81].

وبالتالي يتبين أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم السلم لا الحرب.

والخلاصة في هذا إن علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم هي العلاقة القائمة على الدعوة الإسلامية، وهذه الدعوة تتخذ منهجا متكامل العناصر ليواجه الاحتمالات بما يناسبها سلمية كانت أو حربية، وأن الحرب عنصر أساسي من عناصر هذا المنهج، وأن اللجوء إليها كان لمصلحة الدعوة فقط، ولذلك فإن الأساليب السليمة من وسائل تحكيم ومعاهدات دائمة أو مؤقتة، وغير ذلك من وسائل الصلح تتناوب وتتعاون حسب مصلحة الدعوة الإسلامية، وبالتالي فإنه يجوز إقامة علاقات سلمية مع الأمم غير الإسلامية ما دام هؤلاء غير معتدين[82].


لائحة المصادر والمراجع

أحمد عبد العزيز عرابي، علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام، الطبعة الأولى 1416ه- 1996م.

أحمد تيجاني هارون عبد الكريم، ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

أماني صالح، عبد الخبير عطا محروس، العلاقات الدولية البعد الديني والحضاري، سلسلة التأصيل النظري للدراسات الحضارية.

بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية مطبوعة محاضرات في مقياس المدخل للعلاقات الدولية لطلبة السنة الثانية جذع مشترك في شعبة العلوم السياسية وطلبة السداسي الأول ماستر قانون دولي عام في شعبة الحقوق.

عبد الحكيم سليمان وادي، ملخص حول النظريات في العلاقات الدولية.

محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، 1995.

محمود علي/ حنان خمش، العلاقات الدولية والأيديولوجيا مقاربة ماركسية، مجلة المفكر، العدد العاشر، جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، الأردن.

ناصيف يوسف حِتّى، النظرية في العلاقات الدولية، دار الكتاب العربي بيروت- 1985، الطبعة الأولى 1405ه- 1985م.

هايل عبد المولى طشطوش، مقدمة في العلاقات الدولية.

وهبة الزحيلي، العلاقات الدولية في الإسلام، دار المكتبي، الطبعة الأولى 1420ه- 2000م.


فهرس الموضوعات

 

تقديم. 4

المحور الأول: مفهوم العلاقات الدولية. 6

1- تعريف العلاقات الدولية. 6

2- التطور التاريخي للعلاقات الدولية. 8

أ- العلاقات الدولية في العصر القديم: 9

ب- العلاقات الدولية في العصر الوسيط: 10

ت- العلاقات الدولية في العصر الحديث: 11

المحور الثاني: الاتجاهات النظرية الأساسية في العلاقات الدولية. 12

أولا: التصور الإسلامي في العلاقات الدولية. 12

ثانيا: المدرسة المثالية. 14

ثالثا: المدرسة الماركسية. 16

رابعا: المدرسة الواقعية. 18

خامسا: المدرسة السلوكية. 20

سادسا: مدرسة «ما بعد السلوكية». 21

المحور الثالث: موقع البعد الديني في دراسة العلاقات الدولية. 23

أولا: المدخل الصهيوني.. 24

ثانيا: المدخل الأصولي الإنجيلي.. 24

ثالثا: المنظور الإسلامي.. 25

المحور الرابع: أسس علاقة المسلمين بغيرهم والأصل الذي تقوم عليه هذه العلاقة. 25

أولا: أسس علاقة المسلمين بغيرهم. 25

ثانيا: الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم. 32

لائحة المصادر والمراجع. 37

فهرس الموضوعات… 38


[1] – بلقاسم كرمني، العلاقات الدولية دراسة للمفاهيم والمكونات وأنماط التفاعل، الطبعة الأولى، ص: 1، نقلا عن العلاقات الدولية والأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي.

[2] – عبد الحكيم سليمان وادي، ملخص حول النظريات في العلاقات الدولية.

 

[3] – وهبة الزحيلي، العلاقات الدولية في الإسلام، دار المكتبي، الطبعة الأولى 1420ه- 2000م، ص: 5- 6.

[4] – محمود علي/ حنان خمش، العلاقات الدولية والأيديولوجيا مقاربة ماركسية، مجلة المفكر، العدد العاشر، جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، الأردن، ص: 69.

[5] – نفسه، 70.

[6] – دورتي جيمس وباليستغراف روبرت، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي، الكويت، دار كاظمة للنشر والترجمة، 1985، ص: 12، نقلا عن العلاقات الدولية والأيديولوجيا مقاربة ماركسية.

[7] – محمد طه بدوي، مدخل إلى عالم العلاقات الدولية، الدار المصرية للطباعة والنشر، بيروت، 1971، نقلا عن مقدمة في العلاقات الدولية.

[8] – هايل عبد المولى طشطوش، مقدمة في العلاقات الدولية، ص: 12- 13 .

[9]– بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية مطبوعة محاضرات في مقياس المدخل للعلاقات الدولية لطلبة السنة الثانية جذع مشترك في شعبة العلوم السياسية وطلبة السداسي الأول ماستر قانون دولي عام في شعبة الحقوق، ص : 3- 4.

[10] – بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية، ص: 4.

[11] – بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية، ص: 5- 6.

[12] – بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية، ص: 55.

[13] – محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة: دار الفكر العربي، 1995، ص: 56.

[14] – نفسه، ص: 56.

[15] – محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، ص: 57.

[16] – بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية، ص: 56.

[17] – ناصيف يوسف حِتّى، النظرية في العلاقات الدولية، دار الكتاب العربي بيروت- 1985، الطبعة الأولى 1405ه- 1985م، ص: 20.

[18] – ناصيف يوسف حِتّى، النظرية في العلاقات الدولية، ص: 21.

[19] – نفسه، ص: 22.

[20] – بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية، ص: 59.

[21] – نفسه، ص: 60.

[22] – جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة: وليد عبد الحي، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985، ص: 60، نقلا عن محاضرات نظريات العلاقات الدولية.

[23] – بن صايم بونوار، المدخل للعلاقات الدولية، ص: 62.

[24] – عبد العالي عبد القادر، محاضرات نظريات العلاقات الدولية، ص: 19- 20.

[25] – ناصيف يوسف حِتّى، النظرية في العلاقات الدولية،  ص: 40.

[26] – نفسه، ص: 59.

[27] – ناصيف يوسف حِتّى، النظرية في العلاقات الدولية، ص: 60.

[28] – نفسه، ص: 61- 62.

[29] – أماني صالح، عبد الخبير عطا محروس، العلاقات الدولية البعد الديني والحضاري، سلسلة التأصيل النظري للدراسات الحضارية، ص: 137.

[30] – نفسه، ص:  138- 139.

[31] – أماني صالح، عبد الخبير عطا محروس، العلاقات الدولية البعد الديني والحضاري، ص: 141- 142.

[32] – نفسه، ص: 143.

[33] – أماني صالح، عبد الخبير عطا محروس، العلاقات الدولية البعد الديني والحضاري، ص: 147- 148.

[34] – نفسه، ص: 153- 154.

[35] – نفسه، ص: 154.

[36] – محمود شلتوت، الاسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق بيروت – لبنان، الطبعة الثانية عشرة سنة 1403ه- 1983م،  ص: 47. نقلا عن علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الإسلام.

[37] – سورة النساء، الآية: 1.

[38] – أحمد عبد العزيز عرابي، علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام، الطبعة الأولى 1416ه- 1996م، ص: 12.

[39] – سورة الحجرات، الآية: 13.

[40] – أحمد عبد العزيز عرابي، علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام، ص: 13.

[41] – نفسه، ص: 15.

[42] – سورة الحجرات الآية 13.

[43] – أحمد عبد العزيز عرابي، علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام، ص: 17.

[44] – محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، 1995، ص: 36- 37.

[45] – عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الاسلامي، ج 1، ص: 29، نقلا عن علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام .

[46] – سورة البقرة، الآية: 164.

[47] – سورة سبإ، الآية: 46.

[48] – سورة الروم، الآية: 8.

[49] – سورة يونس، الآية: 101.

[50] – أحمد عبد العزيز عرابي، علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام، ص: 31- 32.

[51] – سورة المائدة، الآية: 1.

[52] – سورة الصف، الآية، 302.

[53] – سورة الإسراء، الآية: 34.

[54] – سورة الأنفال، الآية، 72.

[55] – سورة المؤمنون، الآية: 8- 11.

[56] – سورة مريم، الآية، 54.

[57] – أحمد عبد العزيز عرابي، علاقة المسلمين بغيرهم ومكانتها من الصلات الدولية في الاسلام، ص: 40- 41.

[58] – محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، ص: 26- 27.

[59] – محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، ص: 28.

[60] – وهبة الزحيلي، العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث ، ص: 93 وانظر كتابه “آثار الحرب فب الفقه الإسلامي، ص: 130 وما بعدها نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية.

[61] – أحمد تيجاني هارون عبد الكريم، ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية، ص: 16.

[62] – نفسه، ص: 17.

[63] – سورة الممتحنة، الآية: 8- 9.

[64] – أحمد تيجاني هارون عبد الكريم، ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية، ص: 17- 18.

[65] – سورة الأنبياء، ص: 107.

[66] – وهبة الزحيلى، العلاقات الدولية في الإسلام، ص: 94، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

[67] – سورة الأنفال، الآية: 61.

[68] – سورة البقرة، الآية: 208

[69] – أحمد تيجاني هارون عبد الكريم، ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية، ص: 19.

[70] – سورة البقرة، الآية: 256.

[71] – سورة يونس، الآية: 99.

[72] – أحمد تيجاني هارون عبد الكريم، ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية، ص: 23.

[73] – البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد والسير باب رقم 112، 156، مسلم: الصحيح، كتاب الجهاد السير، باب كراهية تمنى لقاء العدو، 3/1362، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

[74] – البخاري، الصحيح، كتاب الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا رقم (2810)، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

[75] – البخاري، الصحيح: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

[76] – أبو داود، سنن، كتاب الملاحم باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

[77] – سورة النحل، الآية: 125.

[78] – أحمد تيجاني هارون عبد الكريم، ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية، ص: 25- 26.

[79] – نفسه، ص: 27.

[80] – سورة يونس، الآية: 99.

[81] – محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، بتصرف يسير، 453، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

[82] – انظر الطيار، مقومات السلم، 1/122، نقلا عن ندوة تطور العلوم الفقهية- النظرية الفقهية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.