منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليوم العالمي للمرأة بين التهنئة والتعبئة

عثمان غفاري

1

اعتاد العالم في الثامن من شهر مارس من كل سنة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، بحيث يكون مناسبة لتهنئة المطالبين(ات) بحقوق المرأة على التقدم المحرز في تغيير بعض أوضاعها المأساوية، ومحطة لتعبئة كل الفضلاء(ات) لمزيد جهاد و نضال من أجل انتزاع وترسيخ كثير من حقوق النساء المهضومة والمغتصبة، خاصة والاحتفال هذا العام يأتي في ظل جائحة أتت على الأخضر واليابس من حقوق المستضعفين(ات) الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، ووسط أحداث عالمية ساخنة تجلي بوضوح استمرار معاناة المرأة وتحديداً المرأة المسلمة التي تواجه القهر والظلم في فلسطين وسوريا مثلا، والإبادة و التنكيل في بورما والصين…

مناسبة لم تسلم هي الأخرى من تضارب الآراء حولها، ما بين مجيز ومحرم لاعتبارات ومقتضيات شرعية، وما بين مقدس مدلس ومستخف مبخس لاعتبارات إيديولوجية سياسية، وبعيدا عن هؤلاء وأولئك يحاول هذا المقال أن يرصد كيف حول البعض كثيرا من الأيام العالمية التي تحمل معنى جميلاً ومقصدا نبيلا، إلى حملات ممنهجة لاستهداف قيم الشرع الحكيم من بعض المستلبين من دعاة التغريب والتطبيع من جهة، أو إلى مناسبات لاستدعاء الفقه المنحبس المنكر لكل إبداع بدعوى الابتداع من جهة أخرى، أو إلى منصات للاستغلال البشع القائم على سيادة ثقافة الاستهلاك الفارغ على حساب الإنتاج الرافع الدافع، حيث تعمد بعض وسائل الإعلام المأجورة والمحلات التجارية المهجورة إلى الدعاية والترويج لبضائعها الكاسدة، فتنشط مطالبة عدد من النساء بهدايا “العيد” ، فيرتفع ثمن الورود والعطور وغيرها، فيغتني مستغلو المرأة في يومها العالمي الذي خصص لتذكير المجتمع بمظلوميتها ومعاناتها وقضيتها بما هي قضية أمة، تستوجب تعبئة شاملة دائمة طيلة العام وعلى الدوام، وهذا المقصد السامي لن يتحقق إلا من خلال  النبش في التاريخ للإجابة على سؤال: كيف أصبح 8 مارس يوم المرأة العالمي؟ ومساءلة الحاضر بتقييم وتقويم فكرة اليوم العالمي للمرأة، فهل نجحت هذه الآلية في تغيير وتحسين واقع المرأة؟ وأخيرا باستشراف المستقبل بالتساؤل عن إمكانية وجود بدائل وحلول للتطوير والتجديد تجسيرا للهوة بين واقع موجود وأفق منشود دون تطاول على شرع ولا تجاوز للحدود.

1) توطئة تاريخية: كيف أصبح 8 مارس يوم المرأة العالمي؟

تبنت الأمم المتحدة هذه المناسبة رسميا في 8 مارس 1975، حيث أصدرت قرارا يدعو دول العالم إلى اعتماد يوم الثامن من مارس يوما عالميا للاحتفال “بعيد المرأة”، ووقع الاختيار على هذا اليوم بالضبط، لما له من رمزية تظهر نضال المرأة عبر العالم من أجل المطالبة بحقوقها.

ففي عام 1856 خرج آلاف النساء الأمريكيات للاحتجاج على الظروف اللاإنسانية التي كن يجبرن على العمل فيها، وفي الثامن من مارس 1908 خرجت 15 ألف امرأة في مسيرة للمطالبة بساعات عمل أقصر وأجر أفضل والحق في التصويت، يحملن شعار “خبز وورود”، في خطوة رمزية، فالوردة ترمز إلى الحب والتعاطف، في حين الخبز يرمز إلى حق العمل والمساواة فيه.                          وفي عام 1910 اقترحت ناشطة ألمانية تدعى كلارا زيتكين في مؤتمر دولي للنساء العاملات في كوبنهاغن بأن يصبح 8 مارس يوماً عالمياً. وحضر المؤتمر 100 امرأة من 17 دولة وافقن جميعاً بالإجماع على المقترح. واحتفل بهذا اليوم لأول مرة في عام 1911، في كل من النمسا والدنمارك وألمانيا وسويسرا، أما المرأة الروسية فلم تحتفل باليوم العالمي للمرأة إلا في سنة 1913. ولم يرسم إلا في سنة 1917 حيث اشتعلت الاحتجاجات النسوية في روسيا من أجل “الخبز والسلام” حتى منحت الحكومة المؤقتة حينها المرأة الروسية حقها في التصويت.

المزيد من المشاركات
1 من 14

ورغم تعرض اليوم العالمي للمرأة للكثير من الانتقادات، وعدم اعتراف العديد من البلدان به، ومن بينها الصين، فقد اعتمد دوليا وصار يوم عطلة رسمية في كثير من البلدان بما فيها بلدان عربية وإسلامية، والتي مازال الكثير من شعوبها يتوجس ويتحفظ على الاحتفال بالأيام والأعياد العالمية لاعتبارات شرعية وفي كثير من المرات لأعراف وعادات مجتمعية، وصلت درجة حظر وتحريم الاحتفال، وتجريم وتبديع المحتفلين والمهنئين للمحتفلين.

2) تهنئة شرعية: هل يجوز الاحتفال باليوم العالمي وتهنئة المرأة بهذه المناسبة؟

مما لا شك فيه أن القضية قضية خلافية قديما وحديثا بين مدرستين اثنتين، الأولى مدرسة حرفية غلبت سد الذرائع، ويمثلها في عصرنا الحاضر علماء الوهابية ومن يرون مذهبهم، إذ اعتبروا الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، تشبه بأهل الجاهلية، وبدعة محدثة ممنوعة داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” رواه البخاري ومسلم ، زاعمين أن هذا الاحتفال يقتضي التقرب والعبادة والتعظيم بالأصالة، ومدرسة ثانية مقصدية اعتمدت فتح الذرائع لأن الأصل في الأشياء الإباحة، فالاحتفال عندهم يندرج ضمن العادات التوفيقية لا العبادات التوقيفية، ويمثلها كثير من العلماء الوسطيين والمجامع الفقهية الرسمية والهيئات العلمية المستقلة، إذ اعتبروا “أن الاحتفال بالأعياد الوطنية والعالمية مثل عيد الاستقلال والمرأة، لا حرج فيه، فعلى المسلم أن يهنئ بها، بل يشارك فيها، باعتباره مواطناً أو مقيماً، على أن يجتنب المحرمات التي تقع في تلك المناسبات”، كما جاء في فتاوى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء مثلا، إذ يرون جواز حتى التهنئة بأعياد النصارى “التهنئة لغير المسلم مطلقًا بدون مخالفة شرعية جائزة، وهي من باب حسن الأخلاق التي أمرنا بها ولون من ألوان الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة عملاً لا قولاً، أما إذا تضمنت التهنئة مخالفة دينية أو اعترى الاحتفال محرمات شرعية فهنا تكون ممنوعة من أجل هذه المخالفة وهذا المحظور” وبخصوص التشبه بالكفار تميز هذه المدرسة بين ما كان تعبدا واعتقادا لا يجوز فيه لا تشبه ولا ابتداع، وما كان عادة وتدبيرا وحكمة يجوز فيه الالتماس والإبداع، وفي هذا يقول العلامة فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي –حفظه الله-:”من حق كل طائفة أن تحتفل بعيدها بما لا يؤذي الآخرين ، ومن حقها أن تهنئ الآخرين بالعيد؛ فنحن المسلمين لا يمنعنا ديننا أن نهنئ مواطنينا وجيراننا النصارى بأعيادهم فهذا داخل في البر كما قال الله تعالى: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”، وخصوصا إذا كانوا يجاملون المسلمين ويهنئونهم بأعيادهم ، فالله تعالى يقول: “وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها” ولكن لا يشترك المسلم في الطقوس الدينية التي هي من خصائص المسيحيين وقرباتهم الدينية”، وهذه الأيام العالمية ليست طقوسا دينية بل مناسبات تواضعت الأمم عليها لغايات سامية. وعليه فإني أتقدم إلى كل الإطارات النسائية الجادة، وعموم النساء على اختلاف أعراقهن وعقائدهن ومستوياتهن بأحر التهاني وأخلص الأماني، كما أشكر لهن إسهاماتهن الفعالة في تحسين وتغيير واقع الأمة إلى الأفضل، فلن تنهض لأمتنا قائمة إلا بتنوير وتحرير المرأة.

3) تبرئة برهانية: هل أسهم الإسلام في تردي واقع المرأة؟

يزعم المجرمون في حق إسلامنا والمتآمرون على عقيدتنا ونهجنا القويم أن الإسلام ظلم المرأة وهضم حقوقها، وكرس عقلية ذكورية انحازت للرجل على حساب المرأة، ويتغافلون عمدا عن أس المشكل الذي أذل الرجال والنساء معا ألا وهو انقلاب الحكم من خلافة شورية إلى ملك استبدادي، وما تبع ذلك من سيادة نحلة الغالب ودين الانقياد زمن الاستعمار والانحطاط، والتمكين لفقه الانحباس والالتباس والارتكاس الذي نالت منه المرأة الحظ الأوفر من التراجعات عن المنهاج النبوي القائم على ثنائية التحرير والتنوير، والخلاص الفردي والخلاص الجماعي.

المنهاج النبوي الذي يحتفي بالمرأة ويكرمها ويمنحها كافة حقوقها المشروعة، لأنها شريكة أساسية في جهاد التعبئة والبناء باعتبارها تمثل نصف المجتمع، ولما تقوم به من دور كبير في تربية النصف الآخر، دور لم تصل إليه التشريعات الوضعية إلى يومنا هذا ولن تستوعبه أبدا.

وكما جاء في الميثاق الإسلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ” الإسلام لا يضع الرجال والنساء موضع الحرج، ولا يوجب عليهم التأثّم من مشاركة المرأة في النشاطات الاجتماعية، وإنما يسبغ عليها آدابه الشرعية كما أسبغها على سائر ميادين النشاط الاجتماعي، ويضع لها الضوابط التي تحفظها وتحفظ المجتمع، مثل حجاب المرأة، وتحريم الخلوة، وتحديد شروط الاختلاط، وغير ذلك من الأحكام المتعلّقة بمشاركة المرأة في نشاطات المجتمع. فبعضها آداب تحمي وتصون، وبعضها الآخر سدّ للذرائع أمام المفاسد والمحرّمات. لكنّها جميعاً شرعت لتنظّم مشاركة المرأة في النشاطات الاجتماعية لا لتمنعها، لذلك لم يكن غريباً أن يمتلئ تاريخنا العربي الإسلامي بنماذج رائعة من النساء اللواتي كان لهنّ دور رائد في المجتمع سواء في المجال العلمي أو السياسي أو الأدبي أو حتى الجهادي” لكن يبقى التساؤل الهام الذي لا يجرؤ أحد على طرحه والعالم يحتفل بيوم المرأة العالمي هل نجحت الفلسفة الغربية في تحقيق طموحات المرأة والتخفيف من معاناتها؟!.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

4) تعبئة بنائية: كيف السبيل لتحرير وتنوير المرأة؟

يتطلب تجاوز وضعية المرأة المهينة بسبب آفتي الانحسار الداخلي والانبهار الخارجي ، ومواجهة كل أشكال الاستبداد والفساد التي تستهدف البقية الباقية من كرامة وحقوق المرأة، تعبئة جماعية لجميع الفعاليات المجتمعية بمختلف مرجعياتها من أجل تنسيق وتكثيف الجهود لتوسيع مجال الحقوق والحريات، ورفض كل أشكال التضييق التي تطال العديد من النساء نتيجة آرائهن واعتقاداتهن، وهذا يستوجب عزمة حانية وهمة عالية وقومة بانية وتوبة جماعية، دون الخوض في معارك متوهمة بين مصدري الاستنباط و الاستدلال الكتابين المسطور و المنظور، أو افتعال صراعات جانبية بين طرفي المجتمع المظلومين الرجال والنساء، فالوقت لم يحن بعد للاحتفال باليوم العالمي للمرأة باعتباره “عيدا للمرأة” وهذا ما ذهبت إليه الصحفية والناشطة الحقوقية سناء العاجي بقولها: ” مادامت النساء، في كل بقاع العالم، يعانين بأشكال مختلفة وبدرجات مختلفة من إشكاليات التحرش، والتمييز الوظيفي، والعنف الجنسي، والختان، وتزويج القاصرات، والإقصاء المباشر أو الرمزي من الممارسة السياسية و/أو من الوصول إلى مناصب القرار، وغيرها من أشكال الظلم البنيوي المبني على النوع… ما دامت كل هذه الأشكال من الميز والظلم والعنف تمارس ضد النساء في مختلف بقاع العالم، فمن المؤلم ومن العبثي أن (نحتفل) بالثامن من مارس” وهي نفس الخلاصة التي توصل إليها الشيخ علي القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين رغم اختلاف المنطلقات والمبررات بقوله: “عيد المرأة الحقيقي عندما تعرف أن وجودها يكمل مع رجل تحترمه ويقدرها، عندما تعلم أن أنوثتها ليس في مكياجها ورقتها ليست في رشاقتها فحسب بل في وعيها واحترامها لقيمها، عيد المرأة الحقيقي عندما تفهم أن التحرر فكر وليس استعراض جسد وأن حرية الجسد لا تعبر بالضرورة عن حرية الفكر، عيد المرأة الحقيقي؛ عندما تتشارك مع زوجها وأسرتها الهم والبناء…  فإذا نجحنا فقد وضعنا القطار على السكة”

خاتمة:

الغرب ينظر إلينا باعتبارنا شعوبا هامشية غير مؤهلة ينبغي تجويدها أو تجريدها من مؤهلات تميزها حتى يمكن له الاستفادة منها دون أن تحدث مقاومة ، فهلا اتعظنا؟!.

 

تعليق 1
  1. أبو أحمد يقول

    “انحطت المرأة المسلمة بانحطاط المسلمين، بدأ الانحطاط منذ تدهور نظام الحكم من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض وراثي بمقتضاه ينتخب الوالد ولده ويعهد إليه أمر المسلمين يورثه إياه كبعض ما يورث من المتاع. ولم تلبث المرأة أن أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور ومحظية وكما ومهملا، حتى إذا جاء عصر اللائكية عصر وكلاء الاستعمار يبشرها بأنها دخلت عصر الحرية لتكون كمثيلاتها الكاملات في الغرب سيدة جسدها انتحلت المتغربات نحلة الغالب فهن داعيات مناضلات بجنب حقوق الإنسان، أي حقوق المرأة في أن تنعتق من ربقة كانت فيها كما مهملا وسلعة”،
    فـلم تنحط المرأة وحدها بل انحطت بانحطاط المجتمع وانحط المجتمع بانحطاط الحكم وانتقاض عروته، وانحبس الفقه وسد باب الاجتهاد، ودارت الفتوى في حلقة ضيقة مقلدة رابط في أركانها المركنة جهابذة العلماء للحفاظ على سائر عرى الإسلام أن تنتقض، ولصيانة الحياة في دائرة الشرع. الأستاذ عبد السلام ياسين، تنوير المومنات الجزء 2 ص 25
    حقوقك التي كفلها الشرع تنتزعينها من تعسف الرجل، وتتقدمين عليه بالعلم كي لا يحتكر هو الجهاد ويميل به إلى سوء استعمال الدرجة، ثم واجباتك في صد العدوان على الدين مما يليك علما يشرق في القلوب إيمانا وتصديقا وفي العقول تدبيرا وتطبيقا.
    الأستاذ عبد السلام ياسين تنوير المومنات الجزء 2 ص 213

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.