منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التّفسير و تأثيرات البيئة

التّفسير و تأثيرات البيئة/ الدّكتور عماد الهميسي

0

التّفسير و تأثيرات البيئة

إعداد: الدّكتور عماد الهميسي

أستاذ علوم القرآن و التفسير

جامعة الزيتونة- تونس

 

مقدمة:

للقرآن الكريم مكانة متميّزة في ترشيد الفكر الإنساني بصفة عامة و الفكر الإسلامي بصفة خاصّة، وفي بناء مقومات الحضارة الإسلامية بدرجة لا يصل إليها أيّ فكر بشري أو كتاب سماوي. فقد ساهم في إعادة تشكيل العقل السّليم، وأرسى منهجية واضحة للتفكير الصّحيح، فمجيء الوحي الإلهي استفاق وعي المسلم، وأصبح يرى الوجود بمنظور حقيقي مغاير لما التبس في ذهنه لأحقاب طويلة، وأصبح لديه منهجا جديدا في صياغة الآراء والمواقف إزاء مشكلاته وقضاياه. وعليه صاغ المسلم مقوّمات حضارة عظمى قدمت للإنسانية تجارب ناجحة في مختلف الميادين، وأعادت للعقل الإنساني مكانته التي يستحقها. وفي هذا الإطار يأتي التفسير على رأس العلوم التي تعكس التفاعل الإنساني مع الوحي، فتبدو لنا الصورة المثلى للقاء الإنسان مع الله تعالى وتواصله معه، وذلك من خلال فهم آياته، وتمثل أحكامه. لذلك كان التفسير من أقدم العلوم التي تتميّز بخاصيّة التجدّد، و الاستمرارية بما يعرضه من الدّلالات القرآنية المتجددة و المستمرة في الوجود و الكون. وليس المقصود بكلامي إلغاء التفاسير السّابقة فإنّ هذا لا يعدّ من العلم في فتيل و لا قطمير، ولكن الذي أعنيه هو مواكبة التفسير لحاجات العصر و إصلاحها بحيث لا يغدو التفسير حبيس الأوراق و الكتب، وإنما هو ينطلق لإصلاح واقع الناس وحاجاتهم الدينية و النفسية خاصّة إذا علمنا أنّ في القرآن الكريم دائما شيئا جديدا يفصح عنه، وأنّ كلّ ما قيل فيه، وعنه هو عبارة عن أشكال متعددة و تاريخية و تمظهرات لأفهام متنوعة سيبقى النص فيها قادرا على اختراق دوائرها، و الخروج من الصّمت المطلق الذي تفرضه سلطة المعنى الثابت حوله.

إنّ حركة النصّ القرآني متجددة و مفاهيمه تتخطى الأبعاد، وحيويته الدّائمة تتجاوز انعكاساته التي جمدّت في إطارها الزمني الضّيق، والنص القرآني لا ينتظر المتخلفين عن حركته فدعوته للتدبّر استعجالا للهمم واستنهاضا للعزائم للالتحاق بركب الكمال وعدم الانزواء في حدود الإطار النزولي أو الجمود على ظاهر، أو تحديده بفهم ساذج ينحرف به عن إطاره البياني.

إنّ في القرآن الكريم من الحوافز الدّافعة إلى إعادة قراءته مرة تلو المرّة لأكبر دليل على الدّعوة إلى التجديد في الفهم، بل إن القراءة المتوالية التي لا تنتج فهما أرقى من الفهم السّابق فكأنما لم تكن. لأن القرآن الكريم كمال إلاهي مطلق و بحر لا ساحل له، أنزله الله تعالى إلى النّاس ليتعرّضوا له بالقراءة والفهم والمدارسة و التدبر جيل بعد جيل، فلا ريب أن تعرض القرآن الكريم إلى قراءات متعددة عبر العصور، لأن هذا أمر بديهي جدّا فكل عصر يستطيع أن يستنبط قضايا ومسائل تعينه على اجتياز المأزق الحضاري الذي أوجد فيه نفسه، وعليه يمكن القول بأن النص القرآني متجدّد، في كلّ عصر ومكان.

لقد مرّ التفسير بمراحل تاريخية، تشكلت فيها صورته، وتحددّت مادتّه على أساس التّفاعل بين رؤيتين، الرؤية القرآنيّة التي تنزلت تباعا مع تنزّلات الوحي، حتى استوت واكتملت مع إكمال الدين وإتمام النعمة به على المسلمين. والرؤية الإنسانية التي تلقت الوحي تبيّنا وبيانا وتنوعت مستويات هذا التبيّن والبيان بحسب الزمان والمكان و الإنسان. فكان التفاعل بين الرؤيتين على مرّ العصور التي تلت نزول الوحي إلى اليوم تتجاذبه هيمنة رؤية المفسر أحيانا و هيمنة رؤية النص المفسّر أحيانا أخرى.

بل لقد أحدثت ثورة حقيقية على الواقع السّائد شكلا ومضمونا من خلال هذا التفاعل بين الرؤيتين، ممّا ساهم في تشكيل خطة واضحة المعالم ينبني عليها كلّ بناء معرفي متكامل بديع لا يفقد بصمته مهما تقادم الزّمن وطال التاريخ.

ولأنّ المفسر قبل أن يكون شارحا لكلام الله تعالى، هو إنسان منفعل بثقافة معينة وبمجتمع معيّن، ولم يكن بالإمكان فصله عن خلفياته الثقافية والسلوكية و الاجتماعية، لأنّ النص القرآني هو المجال الفعلي للمقاربات تصوّرا و اعتقادا، وليست العملية التفسيرية وإن تنزلت في أنساق صارمة ومعلومة، فهو ليس بمنأى عن الحيثيات الخارجية التي نزعت التفسير في أحيان كثيرة من مرجعية النص القرآني لتدفع به في اتجاه كل الاستجابة لشروط العمران، ومطالب الانتماء ومقتضيات أعراف الجماعة وتقاليدها، وما تريد ترسيخه من مواقف تحققّ من خلالها مكاسب في الوجود أولا، وفي الانتشار و السّيادة، و الهيمنة ثانيا.

إنّ القضية بهذا الاعتبار على درجة من التعقيد إذ تتداخل فيها عديد المستويات المختلفة و تتراسخ فيها العلاقات المتنوعة، وهو ما يفسر كثرة المداخل التي باشر من خلالها جمهور الفلاسفة والمتكلمين واللغويين والأصوليين قضية التفسير. و بحكم هذا التنّوع و الاختلاف في أشكال التناول والدّراسة أل الأمر بهم إلى جدال مستحكم كثيرا ما تمّت التّضحية فيه بالحقيقة، حيث ألغت جل هذه المقاربات الكيان اللغوي للنص القرآني القاضي بالإبلاغ و الإفهام. ويقتضي هذا الإجراء المنهجي الصارم معالجة التفسير وفق شروطه النصية التي تأسس عليها معرفة خصوصية الإبلاغ و الإفهام فيه، وهو ما لم يتحقق في فترات عديدة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي، حيث و عمت الخطابات المنفلتة من القيود العقلية و انتشرت ثقافة الإقصاء و التهميش، وأصبح الوعي بالأخر مرتبطا بالانفعالية.

إن مثل هذه القراءة التفسيرية لا يمكن أن تحققّ مقصدها ما لم تصادر كلّ مقاربة تبريرية كان هدفها باستمرار تكريس الاختلاف، وتعميق هوة الفرقة بين القراءات المتنوّعة، وما لم تكرس أولوية النص القرآني وشروطه اللغوية المحضة على مراكز الضغط الحافة به. لأننا في الحقيقة نحن بحاجة إلى قراءات تفسيرية إلزامية تراعي السياق التاريخي الزمني لنزول الآيات القرآنية للوصول إلى المعنى المباشر القريب للنص القرآني مراعية كل السياقات الأخرى المساعدة لبلوغ المعنى الأدّق و الأبسط و الأوضح، وإلى قراءات تفسيرية تطويرية تعيد تنزيل معاني الآيات القرآنية على عصرنا أي تنزيلها في جديد على اللحظة التي نعيشها.

تلك هي إشكالية التّعامل مع القرآن الكريم، وإشكالية تأثيرات البيئة على التفّسير بصورة أدّق: إشكالية تتحدّد أسئلتها الكبرى في كيفية التوّفيق بين رؤية المفسر التي توجه عمله التفسيري وفهمه للقرآن الكريم وتمثل دلالاته، وبين الرؤية القرآنية المودعة في كلماته وآياته وسوره؟ وهل من مدخل آمن إلى التفسير و إلى اقتناص الرؤية القرآنية الخالصة التي تعصم صاحبها من السّقوط في مزالق التفسير الجاهل والتّحريف الضّال؟

لا أزعم في هذه المدخلة الضّيق الإجابة على هذه الأسئلة الكبيرة، وإنّما هي محاولة لطرق باب البحث في هذه القضية، أبرز من خلالها وضع التفسير في ضوء تأثيرات البيئة بمختلف مشاربها.

المطلب الأوّل: معنى التّفسير والبيئة:

أ- معنى التفسير:

التفسير تفعيل من الفسر معناه الكشف و الإجابة وإظهار المعنى المعقول[1].

ومنه قوله تعالى: “و لا يأتونك بمثل إلاّ جئناك بالحق وأحسن تفسيرا “[2]

أي بيانا وإيضاحا وتفصيلا[3].

وقال ابن فارس: “الفاء والسّين والرّاء كلمة واحدة تدل على بيان شيء و إيضاحه [4]“.

ويطلق أيضا التفسير على التعرية [5].

ويظهر ممّا تقدم أنّ التفسير يستعمل في معنيين أساسيين الأوّل: الكشف الحسّي والثاني: الكشف عن المعاني المعقولة.

وفي الاصطلاح: التفسير هو عبارة عن معرفة أحوال ألفاظ القرآن الكريم ومعانيه من حيث الدلالة على مراد الله تعالى حسب القدرة الإنسانية [6].

قال الزركشي: “هو علم يفهم به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه و استخراج أحكامه وحكمه [7]“.

ويقول ابن جزي: “معنى التفسير شرح القرآن وبيان معناه والإفصاح بما يقتضيه بنصّه أو إشارته أو فحواه [8]“.

ب – معنى البيئة:

قيل إن البيئة في اللغة هي من فعل بوأ والباءة و المباءة تعني المنزل.

وقيل منزل القوم حيث يتبّوؤون من قبل واد أو سند جبل [9].

وأصل البواء اللّزوم، ثم استعمل في كل مقام بما يناسبه، وتأتي مادة بوأ المعنى التهيئة و الإقامة وإصلاح المكان [10].

يقول الله تعالى: ” وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[11]“.

أما في الاصطلاح فقد قيل إنّها المحيط أو الوسط الذي يولد فيه الإنسان وينشأ فيه ويعيش خلاله حتى تنتهي حياته [12].

وقيل إنّها المجال الذي تحدث فيه الإثارة والتفاعل لكل وحدة حيّة، وهي كلّ ما يحيط بالإنسان من طبيعة مجتمعات بشرية ونظم اجتماعية وعلاقات شخصية [13].

وقيل إنّها الإطار الطبيعي والاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد بما يتضمّنه من تكنولوجيا يخترعها الإنسان [14].

و في هذا المجال نجد علماء التفسير قد جعلوا معرفة البيئة التي نزل فيها النصّ القرآني جزءا من علوم القرآن الكريم، فصنفوه إلى ما نزل ليلا ونهارا وصيفا وشتاء وما نزل بمكة وما نزل بالمدينة إلى غير ذلك من بيئة زمنية ومكانيّة.

ومن الأسباب المباشرة التي جعلت الصّحابة أهل لفهم النص القرآني بصورة عميقة أكثر من غيرهم، أنهم شاهدوا التنزيل وكانوا على معرفة ودراية كاملة بعادات و معتقدات العرب و اليهود و النصارى وغيرهم بل ربّما كان سلوك بعضهم مادّة لنزول عدد من الآيات القرآنية [15].

المطلب الثّاني: أشكال البيئة وتأثيراتها في التفسير:

إنّ تأثّر الإنسان بالبيئة التي يعيش فيها لا يحتاج إلى برهان أو دليل، ذلك أنّها تساهم في تشكيل، وبناء شخصيته من حيث أنماط حياته، وطبائع سلوكه وتفكيره. ولا ينحصر هذا الأمر بالمكان فقط، بل أيضا بنوع المحيط نفسه، والثقافة التي يؤمن بها، ويسير وفقا لها، فضلا عن القيم والأعراف التي تسود، و البيئة، وطبائع النّاس، والظروف الطبيعية و البشرية التي تحكم ذلك المجتمع. أي أن هناك علاقة قوية بين صناعة الأفكار، وبين مصانع البيئة والطبيعة، وعلاقة أكثر قوّة بين الأخلاق الراسخة والموروثة وبين منتجات الأفكار، فكل هذه العلائق تتمازح في ذات الإنسان بطريقة يصعب الفصل بينها، والنبي صلى الله عليه وسلّم شاهد على ذلك.

يقول عليه الصلاة والسلام في حديث شريف: “الفخر و الخيلاء في أهل الخيل والإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم “[16].

ولابن خلدون في مقدمته كلام نفيس متقدم حول هذا التأثير يتجاوز ما قاله جالينوس والكندي، والتي أثبت فيها بالوقائع التجريبية أثر الهواء (المناخ) والجغرافيا في أخلاق البشر وتبعا لذلك تفكيرهم وسلوكهم وطبائعهم الحياتية[17].

وهذا الجناب من العلاقة بين الإنسان والطبيعة استفاض في بحثه ودراسته علماء الاجتماع المعاصرون وعلى ضوئه تأسس علم الاجتماع البيئي، الذي يدرس تلك العلاقة التفاعلية بين البيئة الطبيعية وبين الإنسان وتأثيراتها العميقة في حياته.

لذلك من المعالم التي تدرس عند التعرف على منهج أي مفسّر التعرّف على بيئته الخاصّة والعامّة، والانتقال إليها، ومعرفة الظروف المحيطة بها.

ولا يمكن استيعاب طريقة مفسّر ثم تقويمها ما لم يقع الارتحال إلى بيئته، والحلول عليه ضيفا لأن المفسّر ابن بيئة، وكلّ مفسّر يمثل عصره.

بمعنى آخر أن العملية التفسيرية وإن تنزلت في أنساق صارمة ومعلومة فهي ليست بمنأى عن الحيثيات الخارجية التي نزعت التفسير في أحيان كثيرة من مرجعية النص لتدفع به في اتجاه الاستجابة لشروط العمران، ومطالب الانتماء ومقتضيات أعراف الجماعة وتقاليدها وما تريد ترسيخه من مواقف تحقق من خلالها مكاسب في الوجود أولا و في الانتشار والهيمنة والسيادة ثانيا.

إذن هذه مسألة معلقة بقراءة النص القرآني، فإذا قلنا بأن ثبوتيته وصلاحياته لا يتعلقان بالزمان والمكان ولا بطبائع البشر، فإن الإشكال المطروح يتعلق بجميع مخرجاته المستنبطة منه. و بالتالي هل يمكن الجزم بتأثرّ المفسرين واللّغويين والفقهاء و المتكلمين و الأصوليين بالبيئة التي حولهم وتشكلت بناء عليها استنباطاتهم؟ وإذا سلمنا بتأثرهم بالبيئة الطبيعة، فهل كان تراثهم نتاج هذا التأثر؟ وبمعنى أقرب للمقصود هل يحقّ لمن بعدهم أن يراعوا تأثير الطبيعة في تراثهم ويفضلوا بين ما كان نتاجا من طبيعة البيئة ومؤثراتها فيعيدوا النظر فيه و ما كان في النص الثابت بالوحي فيجب الإبقاء عليه.

مناقشة هذه الأسئلة يفتح الباب للنقد والمراجعة لكثير من مدّوناتنا التراثية و تشرّع باب الاجتهاد في بحثها مرة أخرى عند تغير ظروف الحال والزّمان والمكان.

أ – تأثيرات البيئة السّياسيّة في التفّسير:

لئن أسسّت اللّغة للتفسير فإنّها ليست مسؤولة عن كيفية توظيفه، وطرق استفادة الأفراد والجماعات منه، فذلك يتجاوز حدودها، لذلك يقع الاهتمام في هذا المقام بالضّغوط التي صفّت بالتفسير والمفسرين في تعاملهم مع النصّ.

إنّ التفسير الحقيقي والصّميم هو الذّي ينطلق من النص ليؤسسّ نسقا فكريّا لا يقطع مع شروط الاستعمال اللغوي، أمّا التفسير الذي ينطلق من مواقف إيديولوجية أو سياسية للبحث في النص عما يؤيّده فهو بالتأكيد مشوه لا يستهدف بلوغ الحقيقة في جوهرها. إنّها قراءة لا تراعي خصوصية النص بنية ومضمونا فتفرض عليه محمولات دلالية غريبة عنه وتستنطقه استنطاقا قصريّا بهدف حمله حملا على تأييد المواقف وتزكيتها، وهي تنطلق من النتائج بحثا عن المسّوغات والمبرّرات.[18]

يقول محمد شلتوت: “فإنّه لما حدثت بدعة الفرق، و التطاحن المذهبي، والتشاحن الطائفي، وأخذ أرباب المذاهب، و حاملوا رايات الفرق المختلفة يتنافسون في العصابيات المذهبية والسّياسية، وامتدت أيديهم إلى القرآن فأخذوا يوجهون العقول في فهمه وجهات تتفقّ وما يريدون. و بذلك تعددت وجهات النظر في القرآن واختلفت مسالك الناس في فهمه وتفسيره، وظهرت في أثناء ذالك ظاهرة خطيرة هي تفسير القرآن بالرّوايات الغريبة والإسرائيليات الموضوعية التي تلقفها الرواة من أهل الكتاب وجعلوها بيانا لمجمل القرآن وتفصيلا لآياته، ومنهم من عنى بتنزيل القرآن على مذهبه أو عقيدته الخاصة”[19].

وفي هذا السّياق أيضا يذكر خالد عبد الرحمان العك جنوح المتكلمين إلى التأويل المتعسف للقرآن كأحد آثار الصّراع الفكري الذي أفرز آراء قد تتعارض مع بعض النصوص القرآنية فيقول في ذلك: ” إن المتكلمين يلجؤون إلى تأويلاتهم حينما يصادفون نصوصا من الكتاب و السّنة لا تتفّق مع آرائهم، فيسعون بشتى أنواع التأويلات ليخرجوها عمّا سبقت له و ليطابقوها على المعاني التي يريدون إثباتها وكثيرا ما يحملون النصوص ما لا تتضمنه من المعاني المتكلفة ليدفعوا بها معارضا أو ليؤيدّوا بها رأيا”[20].

وهذا ما يفسّر لنا علاقة التأويل بالحياة السّياسية في التاريخ الإسلامي منذ بدء التململ من سياسة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد تم الالتجاء إلى القرآن لشرعية الثورة عليه. فمّما جاء في رسالة أهل مصر الذين ساروا إليه. فاعلم إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[21]. وبهذا الاحتجاج بالقرآن منذئذ أخذ بعدا تبريرّيا في كلّ تحّرك سياسي، وترسّخ ذلك الوعي الجمعي شيئا فشيئا، ثم سادت هذه النزعة في الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فظهر ما يمكن تسميته ” أنسقه التأويل ” إذ قامت كل فرقة ببناء نظام تأويلي خاص بها تردّ من خلاله على الفرق الأخرى التي تنازعها، وأصبح التأويل محكوما بالانتقائية.

فكل جماعة تنتقي من القرآن ما تراه مؤيّدا لموقفها وتتغافل عمّا لا يؤيّدها، كما ظهر ضرب من التأويل يحايث مقام التخاطب بالاحتجاج بآية أو آيات تنطبق على مقتضى الحال[22].

يقول محسن عبد الحميد في هذا الصدّد مبّينا أثر الواقع في التّنوّع التأويلي: ” ولا ريب أن هذه التأويلات العقليّة جرت في إطار قواعد اللغة العربية أو عرف العرب في الاستعمال، وكانت تعبّر عن تطوّر داخلي في الصّراع السّياسي والفكري في المجتمع الإسلامي،إذ من المعلوم أنّ المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات ودخول أقوام ذات حضارات سابقة فيه وسقوط الخلافة الراشدة و قيام الدّولة الأمويّة وتطوّر الأحداث الداخليّة منذ الفتنة في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه و ما تلاه من أحداث القتال بين علي و معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، و ما انتهى إليه من ظهور الأحزاب السياسيّة قد مرّ بتغيير اجتماعي و فكري داخلي محض، حاول كلّ طرف فيه أن يستخرج أدلّة ما عنده من الأفكار و المقالات من القرآن الكريم باعتباره القاعدة العقديّة و الحضاريّة التّي كانت منطلقا كلّ صاحب سياسة أو مقالة منها”[23].

لقد أصبح التأويل فيصلاً في جلّ الأحداث السياسيّة، فكلّ جماعة ٍ تستند إلى القرآن لتشرّع لنفسها ما تقوم به، و إن كان الأمر في معظم الأحيان لا يعدو أن يكون إسقاطاً على النصّ و تحيّلاً على عقول القوام بهدف التعبئة الجماهريّة، و أخذ التّأويل يوسّع النصّ بصورةٍ تجعل القارئ يقرأ فيه كلّ ما أراد أن يقرأه[24].

و انقسم النّاس بحسب التّصنيف السّياسي الثنائي إلى موالٍ للسّلطة أو عدّو لها. و كلا القسمين يتذرّع بما يراه مسانداً له في القرآن. و عمّقت الدّولة السلطانيّة التّي تشكّلت منذ عهد معاوية هذا الانقسام بإعلانها الحرب على كلّ مخالف، وكانت الدّولة السلطانيّة في جلّ فتراتها التّاريخيّة معزولة ً عمليّاً و مرفوضة ً ذهنيّاً حيث كان الجميع ينتظر بزوغ الخلافة أي الدّولة الفضلى[25].

يقول علي مبروك في هذا الصدد: “و لقد ترافق هذا التّحوّل بدوره مع تحوّلات مسار السياسة في الإسلام، بمعنى أنّه قد انطوى على التّحوّل من القرآن الذي كان مركزه و قطبه الإنسان، إلى القرآن الذي استعمره و احتكره السّلطان”[26].

و في هذا الإطار استبدل الإقناع بواسطة الحجّة بأدوات الإكراه، بل أكثر من ذلك أصبح القرآن الكريم أداة للتّكفير والزّندقة و القتل، فقتل الجعد بن درهم و الجهم بن صفوان و جابر بن حيّان و كفّر الفلاسفة و سفك دم المتصوّفة والعلماء و الأدباء. و انظروا إلى نهاية بن المقفّع حيث نصح السّلطان و كتب رسالة الصّحابة، فقد مزّقت أعضاؤه عضواً بعد عضو، و كانت تشوى و تفرض عليه أكلها حتّى مات، و هذا مخالف تماماً للحريّة الفكريّة و الدينيّة الواردة في كتاب الله تعالى:

” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…”[27].

إنّ المتأمّل في بشاعة الاستبداد و شناعة نتائجه ينتبه إلى أنّ السياسة حين احتكرت الدّين و جعلته مسألة رسميّة أحدثت التّماهي بين الدّين و السّلطة و وظّفته توظيفاً مرعباً ضدّ كلّ معارض سياسي، فلقد عمد الخليفة العبّاسي المنصور إلى تتبّع المعارضة الشيعيّة، فبعث إلى محمّد النّفس الزّكية رسالة يفرض عليه قياس انتقال الخلافة كمؤسّسة سياسيّة على الشّكل الذي تنتقل وفقه التّركات. وذلك حسب آيات الفرائض باعتبار أنّ الرّسول محمّد بن عبد الله قد ترك بعده عمّه العبّاس و ابنته فاطمة، و لمّا كان العبّاس ذكرا و فاطمة أنثى فقد صار الذّكر يحجب الأنثى في الفقه السنّي، و صار العكس في الفقه الشيعي[28].

كما يذكر أنّ الطبري ملتصق بالمذهب الرسميّ للدّولة العبّاسيّة، و بتوجّهاتها يتحرّج من ذكر الاسم الكامل لصاحب القراءة في الكوفة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيكتفي بذكر الشّطر الأوّل من الاسم نظراً لأنّ الكوفة معقل الشّيعة، و الشّيعة تعدّ من المعارضة، و المعارضة مغضوب عليها سياسيّاً. و هذا الغضب السيّاسي يغلّف بالغطاء المذهبي و العقدي[29].

دون أن ننسى أنّ حصر الإعجاز الكامن من كتاب الله تعالى في المستوى البلاغي إنّما يعود إلى التأثيرات السلبيّة التّي ألحقتها السياسة بالدّين، فلقد رفعت الدّولة الأمويّة آنذاك من قيمة العروبة و العربيّة.

و الحاصل من كلّ هذا أنّ الانتقال من الاتساع إلى الضّيق و من الرّؤية الدينيّة المفتوحة إلى الرؤية السياسيّة المنغلقة أمر ضارب في الزّمن المتقدّم[30].

ب – تأثيرات البيئة الفقهيّة في التّفسير:

ارتبط تفسير القرآن الكريم بتطوّر الفقه ارتباطاً كاملاً. لأنّ القرآن الكريم هو المصدر الأوّل للأحكام، و السّنة النبويّة شارحة ً له و مبيّنة ً، و قد كان تفسير الصدر الأوّل من الأيمّة منصّباً على ما تعلّق به العمل أي منصّباً على آيات الأحكام بدرجة أولى.

كما سار أئمّة الاجتهاد على نهج سلفهم، ففسّروا آيات الأحكام، و ضمّنوا تفاسيرهم و اجتهاداتهم و آرائهم في الفروع. و بعد عصر الأيمّة أي خلال القرنين الثاني و الثّالث بدأت البوادر الأولى للالتزام المذهبي تبرز، واتّجهت طائفة من الفقهاء و العلماء إلى تقليد أئمّتهم تقليداً يقوم أحياناً على التّعصّب المذهبي، و أصبح لهؤلاء أثر ظاهر في التّفسير الفقهي حيث كانوا ينظرون إلى الآيات القرآنيّة من خلال مذاهبهم و ينزّلونه وفق ما ينقدح في أذهانهم.

إنّ توسّع التّفسير و انسحابه على قضايا فكريّة كان نتاجاً فعليّاً للبيئة المعرفيّة المستجدّة بعد دخول الشعوب الأخرى في الإسلام و ما حملته من قيم معرفيّة و فكريّة مستحدثة و خاصّة المتّصلة بالمذاهب الفقهيّة و التّي اكتسحت الفقه الإسلامي، و أصبحت آليّة ً مسيّرة لقطاع ثقافي معرفي هامّ. فقد وجدت بعض المرجعيّات الفقهيّة في نظريّة المؤامرة وسيلة ً مثلى بيان أحقيّتها بالتّفسير، ذلك أنّ التّفسير الفقهي متمثّلاً في كتب الأحكام لم يتركّز على بيان مراد الله تعالى من كتابه، و الكشف عن مقاصده، و إنّما كان همّه الأساسي بيان الأحكام الفقهيّة و فروعها ما لا تحتمله سياقاتها، و لا تعبّر عنه دلالاتها القرآنيّة، ممّا جعل هذا التّفسير مدخلاً للفقه، و القرآن الكريم خادماً للمذهب الفقهي و ليس العكس، و في تفسير المنار إشارات بليغة في هذا المنحى[31].

يقول السّفاريني: “قال العلماء إنّ المأمون لمّا هادن بعض ملوك النّصارى طلب منه خزانة كتب اليونان و كانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليها أحد، فجمع الملك خواصّه من ذوي الرّأي و استشارتهم في ذلك، فكلّهم أشاروا بعدم تجهيزها إلاّ مطران واحد فإنّه قال: ” جهّزها إليهم فما دخلت هذه العلوم على دولة ٍ شرعيّة إلاّ أفسدتها و أوقعت بين علمائها “[32].

و من المصنّفين في التّفسير الذين اشتهر عنهم الالتزام المذهبيّ نجد القاضي أبو محمّد عبد الحقّ بن عطيّة (ت 546هـ/1151م) و مصنّفه ” المحرّر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز “ و كان مالكيّاً و محمّد فخر الدّين الرّازي (606 هـ/1209م) و مصنّفه ” مفاتيح الغيب “ و كان شافعيّاً، و أبو البركات عبد الله أحمد النسفي (701هـ/1301م) و مصنّفه ” مدارك التّنزيل ” و كان حنفيّاً و غيرهم… و قد ضمّن هؤلاء الأعلام تفاسيرهم طائفة من آراء مذاهبهم و اجتهاداتهم، و نصيباً من الجدل الفقهي و الخلافياّت، و تفاوتوا في ذلك تبعاً لتنوّع ميولاتهم العلميّة. لكن ظاهرة الالتزام المذهبي ظهرت بشكلٍ جلي في كتب “أحكام القرآن”حيث أصبحت الآيات القرآنيّة تفسّر على قواعد المذهب في استنباط الأحكام، و أخرجت للنّاس تفاسير لا نكاد نجد بينها و بين أمّهات كتب الفقه فارق كبير، كما خالط بعضها تعصّب مذموم للمذهب و جاء بعضها الآخر محموداً.

و مع مرور الزّمن أضحى تفسير آيات الأحكام مجالاً للمناظرات الفقهيّة، بل إنّ العديد من مسائل الخلاف قد نمت، و تطوّرت في مصنّفات الأحكام، و صارت كتب الأحكام تجمع في ثناياها درراً تشهد على ما بلغه مؤلّفوها في مجال التّفريع و الاستنباط حتّى حين يتعلّق الأمر بقضايا الخلاف داخل المذهب.

و أجمل فأقول إنّ سيطرة الرؤية المذهبيّة حجبت عن المتلقّين هدايا القرآن الكريم الربّانيّة الخالصة، فأخذوا إلى متاهات التأويلات، و مسالك الاستقطابات بعيداً عن وحدة القصد، و صفاء النبع. لذلك لم يغب يوما عن العلماء المجدّدين في سائر العلوم الإسلاميّة الدّعوة إلى تطوير هذا العلم و إخراجه من ضيق الرؤية المذهبيّة إلى سعة الرّؤية القرآنيّة.

 ج – تأثيرات البيئة العقديّة في التّفسير:

و أقصد بها تلك الفرق العقديّة التّي ظهرت في صدر الإسلام، و كان لها مناهج و مدارس في تفسير النص القرآني و أشهرها المعتزلة و الشّيعة و الخوارج، و الصوفيّة… فقد اكتسب التّفسير مع شيوع المصنّفات أبعاداً جديدة زادت من غربته عن النصّ، و عكست حدّة الأزمة التّي اجتاحت المشهد الفكري الإسلامي، فالنّصوص التّي ألّفها المؤوّلون مفارقة كليّاً للمرجعيّة الإيمانيّة كما تحدّدت في النّص القرآني و السنّة النبويّة، بل كانت في بعض وجوهها ترديداً لمقالات عرفتها الدّيانات التّي سبقت الإسلام و صدى لهرطقات متداخلة المنطلقات. و يعدّ كتاب “أساس التأويل” للقاضي النّعمان نموذجاً صريحاً لذلك، فقد أغرق صاحبه في تحميل الآيات القرآنيّة ما لا تحتمل، و أقام معاني لا تدعمها دلالة الألفاظ و قواعد التّفسير و شواهد الأحداث.

يقول في تأويل الآية: ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [33]. عني به النّاطق وهو الرّسول في عصره و إمام كلّ زمان من بعده لا يكون في تلك المرتبة شاهداً على أهل زمانه، و المبشّر الأساسي في عصر الرّسول و الحجّة في عصر الإمام في تلك المرتبة يبشّر من استجاب لدعوته و قبل تأويله و اهتدى بها…و النذير اللاّحق من الحجج في كلّ جريرة، كلّ واحد منهم في هذه المرتبة ينذر أهل جزيرته بمن يقيمه فيها من الدّعاة من عذاب الله…و الدّاعي هو الذي يطلق له الدّعوة صاحب كلّ جزيرة… و السّراج المنير هو المأذون الذي يطلقه الدّاعي ليكسّر له من يرى كسره”[34].

فالتّفسير الكلامي مثلاً كانت مقاصده الكبرى تتحدّد من خلال التّدليل على صحّة المذهب الكلامي للمفسّر، والبحث عن شرعيّة الآراء و الاجتهادات الكلاميّة في الآيات القرآنيّة، معتمداً في ذلك على آليّة التّفسير المجازي تارة ً، وعلى ثنائيّة المحكم و المتشابه تارة ً أخرى. فلم يقصد هذا التّفسير بيان القرآن للنّاس، و تفهيم مراده عزّ و جلّ الذي قصده من كلامه بل جعله مجالاً لعرض مسائل و جزئيّات و تفريعات لا علاقة لها بالآيات القرآنيّة دلالة ً وسياقاً، فكان بدلك تفسيراً مذهبيّاً موجّهاً للنّخبة خادماً لمقاصدها. و لنا في تفسير الفخر الرّازي”مفاتيح الغيب” خير مثال على ذلك، حيث يأخذنا في متاهات التّفريعات من مسائل ووجوه و أمور و أقوال، و كلّها في استطرادات علميّة لا علاقة لها بتفسير الآية المقصودة[35].

أمّا التّفسير الإشاري الصوفي فإنّ بناءه كان على أساس تقسيم الخطاب القرآني إلى ظاهر و باطن و تقسيم المتلقّين للقرآن الكريم إلى عامّة و خاصّة، و أنّ الوصول إلى الباطن لا يتأتى إلاّ للخاصّة عن طريق التّفسير الإشاري، و المبني على آليّات عرفانيّة كالإلهام و الكشف و التجلّي و الرّؤيا. و لم يدع التّفسير الصّوفي مجالاً لاعتبار قواعد الخطاب في العمليّة التّفسيريّة من سياقات لفظيّة و مقامات تداوليّة، و هو إلى ذلك تفسير ينطلق من القرآن الكريم بصفته مصدراً للإشارات العرفانيّة فيفهمها بحسب ما تمليه عليه التجربة الصّوفيّة الخاصّة، و بهذا المعنى يتقاطع مع أنواع من التّفسير المتخصّص الذي جعل تخصّصه المعرفي يهيمن على فهم القرآن و ليس العكس. و كما كانت تلك الأنواع التّفسيريّة تلبّي حاجة المتخصّصين في تلك المعارف (نحويّة أو فهميّة أو كلاميّة،….) فإنّ التّفسير الإشاري الصوفي يلبّي حاجة ًخاصّة، و يعرض معرفة من نوعٍ خاصّ.
ومن ذلك ما فسّر به سهل التستري قوله تعالى”... وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ[36].

حيث قال: ” لم يرد الله تعالى معنى الأكل في الحقيقة، و إنّما أراد معنى مساكنة الهمّة لشيء هو غيره. فالتستري نفى الأكل من النهي، ومع أنّ النّهي يدلّ عليه، و هذا سلب له عن معناه المراد، ثمّ حمّله على أنّ المراد به الاهتمام بغير الله، و الإقبال على غيره و هذا غير مراد من النّهي مع أنّ النّهي صواب في نفسه”[37].

و في ذلك أيضاً تفسير ابن عربي لقوله تعالى: “وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [38].

حيث قال: ” اذكر اسم ربّك الذي هو أنت، أي اعرف نفسك و لا تنسها، فينساك الله”. فالمعنى الذي أراد ابن عربي إثباته خطأ في ذاته. وهو قول بوحدة الوجود، فالرّب و الإنسان عنده شيء واحد، و هذا المعنى باطل. مع هذا لم ينف ابن عربي المعنى الظّاهر من الآية[39].

أمّا الخوارج فقد عمدوا إلى آيات الوعيد التّي أنزلت في المشركين و أسّسوا من خلالها بدعة تكفير خصومهم من المسلمين.

قال فيهم ابن سيرين: “إنّهم عمدوا إلى آيات الوعيد التّي نزلت في المشركين فوضعوها على المسلمين، و جاؤوا ببدعة التّكفير بالذنب”[40]

كما أنّ غلاة الشيعة عمدوا إلى تفسير النصّ القرآني، لكنّهم أفرطوا في ذلك فحكّموا أهواءهم، و صرفوا ألفاظ القرآن عن ظواهرها بما سمّوه الباطن. و أصبح القرآن عندهم رموزا لمعارف خفيّة لا يعلمها إلاّ الإمام المعصوم، ممّا أدّى هذا المنهج المختلّ إلى نفي حقائق الدّين و اللّغة و احتكار الحقيقة و اغتيال العقل.

يقول عنهم الشيخ محمّد الطّاهر بن عاشور: ” قالوا في قراطيسهم إنّه مع وجود الإمام الذي هو خليفة الله لا ينبغي النّظر”[41].

فقد فسّروا كلمة فرعون في خطابه تعالى لموسى و أخيه هارون: اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ[42] بأنّه القلب.

وفسّروا قوله تعالى: ” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ…”[43] فقالوا: الجبت و الطّاغوت هما أبو بكر الصّديق و عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما[44].

و من مظاهر انحرافهم في التّفسير أيضاً تفسيرهم للحروف المقطّعة في أوائل السّور كقوله تعالى: “كهيعص”[45].

حيث قالوا: الكاف اسم كربلاء، الهاء: هلال العترة، الياء: يزيد لعنة الله وهو ظالم للحسين، العين: عطشه والصاّد: صبره[46].

أمّا المعتزلة الذين يقوم منهجهم المعرفي على قاعدة أنّ الحسن ما حسّنه العقل و القبح ما قبّحه العقل، فقد تعسّفوا بدورهم على اللّغة، إذ حمل الزمخشري الختم في تفسيره لقوله تعالى: ” خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[47].

على الشيطان، و إنما الختم أسند إلى الله لأنّه هو الذي أقدره ومكّنه، و اعتمد في هذا التّأويل على أنّ الكلام استعارة أو مجاز لأنّه لا يجوز إسناد الختم الذي هو فعل القبيح حقيقة إلى الله[48].

و فسّروا قوله تعالى: “… وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا [49]

أنّ كلّم من الكلم بمعنى الجرح و ليس الكلام، و بذلك يكون المعنى جرّح الله موسى بأظافر المحن و مخالب الفتن[50].

كما فسّروا قوله تعالى: “ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. “[51]

من حيث أنّ “إلى” مفرد (آلاء) و المقصود بها النّعمة، و في الآية تقديم و تأخير، و التّقدير هو: وجوه ناضرة إلى ربّها أي تنتظر نعمة ربّها[52].

إنّ جنوح التّفسير بكلّ اتّجاهاته و أطيافه إلى خدمة المفسّر على حساب المفسّر و التّمكين للمذهب و للثقافة الخاصّة للهيمنة على معاني القرآن الكريم يجعل قيمته اليوم تنحسر لتصير مجرّد قيمة تاريخيّة لا أثر لها في واقع النّاس، و لا في تلقّي معاني القرآن الكريم الملائمة لهذا الواقع.

والسّبب في ذلك يرجع أساساً إلى المنهج الذي انتهجه هذا التّفسير عموماً في التّعامل مع القرآن الكريم، منهج يفسّر الآيات القرآنيّة بمقتضى ما يريده المفسّر و يقصده لا بما يدلّ عليه القرآن الكريم و يقصده. و القرآن الكريم إنّما يمنح التجدّد و الاستمراريّة لمفسّره إذا جعل المفسّر الدلالة القرآنيّة و سياق الخطاب هما المنطلق للتّفسير والفهم لمقاصده. و تمثّل هداياته هو الغاية منه.

و بالتّالي هذا الوصف لحال المفسّر لا يعني مطلقاً خلوّ كتب التّفسير من بيان القرآن الكريم للنّاس، كما لا يعني غياب مسارات أخرى في التّفسير لم تتأثّر بالتّوجيه المذهبي، و جعلت التّفسير جامعاً لبيان القرآن خادماً للنّاس بما فيه حاجة.

و ختاماً، يظهر ممّا سبق أنّ للبيئة بمختلف تشكيلاتها دوراً كبيراً في اختيارات المفسّر و تصنيفاته الاجتهادية، وحتّى لا تضيع بوصلة الشريعة تحت ضغط البيئات المتنوّعة التّي سبقت الإشارة إليها، فإنّ العاصم من هذا الجنوح الفاتن باسم الشّريعة هو العودة إلى مقاصد الشّريعة و تحقيق أهدافها. لأنّ المفسّر لا يصادم نصّاً صريحاً أو إجماعا قطعيّاً بل الغالب أنّه يسير في فهمه الاجتهاديّ وفق مؤثّرات البيئة الضاغطة بنعومة أو بقسوة. والتي بلا شكّ خلاف منهجيّة الاستدلال العلميّة، و مقاصد الشريعة. حينئذٍ ستكون مع الضمانة للتّأكيد القبلي و البعدي من صحّة الاجتهاد و سلامة منهجه بحيث لا يخرج عن الأهداف الغائيّة التّي قامت عليها الشّريعة من حيث المصلحة و درء المفسدة و بيان العدل و رفع الحرج و إصلاح الخلق.


فهرس المصادر و المراجع:

  1. القرآن الكريم

– ب –

  • البخاري: محمّد بن إسماعيل
  1. الصّحيح

– دار الدّعوة- 1401هـ/ 1181م اسطنبول

 -ج-

  • ابن جزي: محمّد بن أحمد
  1. التسهيل لعلوم التنزيل

دار الكتب العلميّة- 1415هـ/ 1995م.

 -ح –

  • الحجلاوي: ناجي
  1. التفكير البلاغي و الفعل التفسيري: أعطاب الفهم و سيادة الوهم

مجلّة الإصلاح الالكترونية- منتدى الفرابي للدّراسات و البدائل- تونس 1439هـ/ 2018م

  • حرب: علي
  1. الممنوع و الممتنع: نقد الذات المفكّرة

المركز الثقافي العربي- 1402هـ/ 1981م- المغرب

  • ابن حمدون: محمّد بن الحسن
  1. التّذكرة الحمدونيّة

تحقيق إحسان عبّاس و بكر عبّاس

دار صادر- طبعة 1- 1381هـ/ 1966م.

– خ –

  • الخالدي: صلاح عبد الفتّاح
  1. تعريف الدّارسين مناهج المفسرين

دار القلم، دار الشامية- طبعة 1- 1423هـ/ 2002م- بيروت

  • ابن خلدون: عبد الرّحمان
  1. المقدّمة

دار يعرب

– ذ –

  • الذهبي: محمّد حسين
  1. التفسير و المفسرون

دار الكتب الحديث- 1396هـ/ 1979م- مصر

– ر-

  • الرّازي: فخر الدّين
  1. مفاتيح الغيب

دار الفكر- 1401هـ/ 1981م

  • رضا: محمّد رشيد
  1. تفسير المنار

الهيئة المصرّية للكتاب- طبعة 1- 1400هـ/ 1990م

– ز-

  • الزّبيدي: محمّد بن محمّد
  1. تاج العروس من جواهر القاموس

دار الهداية

  • الزّرقاني: محمّد عبد العظيم
  1. مناهج العرفان في علوم القرآن

دار الكتب العلميّة – 1409هـ/ 1988م- بيروت

  • الزركشي: بدر الدّين
  1. البرهان في علوم القرآن

مكتبة الخانجي- القاهرة

  • أبو زيد: نصر حامد
  1. إشكالية القراءة و آليات التأمل

المركز الثقافي العربي- طبعة 5- 1420هـ / 1999م- المغرب

– س –

  • السفاريني: محمّد
  1. لوامع الأنوار البهيّة و سواطع الأسرار الأثريّة

المكتب الإسلامي طبعة 3- 1401هـ/ 1991م- بيروت- الرّياض

  • سيّد: عوض
  1. البيئة و التّنمية و الخدمة الاجتماعية

دار المعرفة الجامعيّة- طبعة 1- 1414هـ/ 1994م- مصر

  • السيّوطي: جلال الدّين
  1. الإتقان في علوم القرآن

مطبعة مصطفى البابي الحلبي – 1375هـ/ 1951م- مصر

– ش-

  • شلتوت: محمود
  1. تفسير الأجزاء العشرة الأولى

دار الشروق- طبعة 12- 1424هـ/ 2004م

– ط –

  • الطبري: محمّد بن جرير
  1. جامع البيان

مؤسسة الرّسالة

  1. تاريخ الأمم و الملوك

دار الكتب العلميّة- طبعة 2- 1409هـ/ 1988م- بيروت

– ع –

  • ابن عاشور: محمّد الطّاهر
  1. التحرير و التنوير

الدار التونسية للنشر- 1406هـ/ 1984م

  • عبد الحميد: محسن
  1. تطور القرآن: قراءة جديدة

جامعة بغداد- 1408 هـ/ 1988م

  • العروي: عبد الله

– مفهوم الدّولة

المركز الثقافي العربي- 1402 هـ / 1982م- المغرب

  • عفيفي: عبد الكريم

– المداخل المعاصرة للخدمة الاجتماعية في مجال البيئة

دار المعرفة الجامعيّة- طبعة1- 1414هـ/ 1994م- مصر

  • العك: خالد عبد الرّحمن

– أصول التفسير و قواعده
دار النفائس- طبعة 4- 1424هـ/ 2004م- بيروت

– ف –

  • ابن فارس: أحمد

– معجم مقاييس اللّغة

دار الفكر- طبعة 1- 1399هـ/ 1979م

– ق-

  • القاضي النّعمان

– أساس التّأويل

دار الثقافة- 1380 هـ/ 1960م- بيروت

– م –

  • مبروك: علي

– نصوص حول القرآن

المركز الثقافي العربي- طبعة 1- 1426هـ/ 2005م

  • المصطفى: حسن

– التحقيق في كلمات القرآن الكريم

المصطفى العالمي للترجمة و النشر- طبعة2- 1416هـ/ 1986م

  • ابن منظور: محمّد بن مكرم

– لسان العرب

دار الفكر


 

[1] ابن منظور: لسان العرب – دار الفكر – 5/55- مادة فسر.

[2] الفرقان 33

[3] السيوطي: الإتقان في علوم القرآن – مطبعة مصطفى البابي الحلبي – 1375 هـ /1951 م مصر 2 / 173.

[4] إبن فارس: مقاييس اللغة – دار الفكر – ط 1 – 1399 هـ / 1979 – 4 / 504 – مادة فسر.

[5] الذّهبي: التفسير والمفسرون – دار الكتب الحديثة – 1396 هـ / 1979 م – مصر – 13

[6] الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن – دار الكتب العلمية – 1409 هـ / 1988 م بيروت – 2/6

[7] الزركشي: البرهان في علوم القرآن – مكتبة الخانجي – القاهرة – 1/33

[8] ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل – دار الكتب العلمية – 1415 هـ/1995م – 1/6

[9] ابن منظور: لسان العرب – 1/39 – مادة بوأ.

[10] الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس – دار الهداية – 1/152 إلى 157 – مادة بوأ

[11] يونس: 87

[12] عبد الكريم عفيفي: المداخل المعاصرة للخدمة الاجتماعية في مجال البيئة – دار المعرفة – ط1 – مصر-1

[13] عرض سيد + حاتم أحمد: البيئة والتنمية والخدمة الاجتماعية – دار المعرفة الجامعية – طبعة 1- 1414 هـ/ 1994م – مصر – 23.

[14] المصدر نفسه – 25.

[15] انظر الزركشي: البرهان في علوم القرآن – 1/192.

[16] – البخاري: الصحيح – كتاب بدء الخلق – باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال.

[17] – ابن خلدون = المقدمة – دار يعرب – 1/194.

[18] – انظر حامد أبوزيد: إشكالية القراءة و آليات التأويل – المركز الثقافي العربي – طبعة 5 – 1420 هـ / 1999م – المغرب – 15.

[19] – محمود شلتوت: تفسير الأجزاء العشرة الأولى – دار الشروق – طبعة 12-1424 هـ / 2004م – 10.

[20] – خالد عبد الرحمان العك: أصول التفسير وقواعده – دار النفائس – طبعة 4 – 1424 هـ / 2003 م – بيروت – 55.

– الرّعد: 11[21]

[22]: الطبري: تاريخ الأمم والملوك – دار الكتب العلمية – طبعة 2 – 1409 هـ / 1988 م بيروت – 3/114.

[23] محسن عبد المجيد: تطوّر القرآن: قراءة جديدة- جامعة بغداد- 1408هـ/1987م-99

[24] علي حرب: الممنوع و الممتنع: نقد الذّات المفكّرة – المركز الثقافي العربيّ – 1416هـ/1995م الدّار البيضاء – 25

[25] عبد الله العروي: مفهوم الدّولة: المركز الثقافي العربي – 1402هـ/1981م- المغرب -149.

 [26]علي مبروك: نصوص حول القرآن: في السّعي وراء القرآن الحيّ – المركز الثقافي العربي – طبعة 1-1426هـ/2005م-19 -20

[27] البقرة: 256           

[28] ابن حمدون: التذكرة الحمدونيّة – تحقيق إحسان عبّاس و بكر عبّاس – دار صادر – طبعة 1 – 1386هـ/1966م-3/416

 [29]الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن – مؤسّسة الرّسالة -10/8385

[30] ناجي الحجلاوي: التّفكير البلاغي و الفعل التّفسيري: أعطاب الفهم و سيادة الوهم- مجلّة الإصلاح الإلكترونيّة – منتدى 16 إلى 20 – الفرابي للدّراسات و البدائل – 1439هـ/2018م

[31] محمّد رشيد رضا: تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم) – الهيئة المصريّة للكتاب – طبعة 1-1400هـ/1999م -2/99-100

 [32] محمّد السفاريني: لوامع الأنوار البهيّة و سواطع الأسرار الأثريّة – المكتب الإسلاميّ – طبعة 3 -1401هـ/1991م – بيروت /الرّياض-1/9

[33]الأحزاب: 45-46

[34] القاضي النّعمان: أساس التأويل- دار الثقافة-1380هـ/1960م – بيروت -350-351

[35] الرّازي: مفاتيح الغيب – دار الفكر-1401هـ/1981م-2/190 إلى 227

[36] البقرة: 35

[37] الخالدي: تعريف الدّارسين بمناهج المفسّرين-دار القلم +دار الشاميّة – طبعة 1 -1423هـ/2002م- بيروت -498

[38] المزّمل:8

[39] الخالدي: تعريف الدّارسين بمناهج المفسّرين -مرجع سابق-499

[40]ابن عاشور: التّحوير و التّنوير- الدّار التّونسيّة للنّشر-1404هـ/1984م – 1/50

6 المصدر نفسه– 1/34

[42] طه: 43

النّساء:51[43]

العك: أصول التّفسير وقواعده- مرجع سابق -228-229[44]

[45] مريم: 1

[46] العك: أصول التّفسير و قواعده – مرجع سابق -246

 البقرة: 7[47]

 ابن عاشور: التّحوير و التّنوير– 1/34 [48]

 النّساء:164[49]

 العك: أصول التّفسير و قواعده- مرجع سابق-245-246[50]

 القيامة: 22-23[51]

العك: أصول التّفسير و قواعده- مرجع سابق-500[52]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.