منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأويل الصحيح وأثره التشريعي

التأويل الصحيح وأثره التشريعي / لطيفة يوسفي

0

التأويل الصحيح وأثره التشريعي / لطيفة يوسفي

التشريع لغة: الشرع والشريعة والتشريع معناها واحد في اللغة، فهي مصدر من شرع بمعنى سن الأحكام والقواعد للناس.[1]

وقد استعمل القرآن كلمة التشريع بمعنى يشمل كل الأحكام من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق.

والشريعة والتشريع الإسلامي بالمعنى الاصطلاحي: هو جملة الأحكام والقواعد التي سنها الله تعالى لعباده، والتي أنزلها على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مما يتعلق بأحكام العقيدة، والعبادات، والمعاملات والأخلاق. وهذا المعنى يطابق ويوافق معنى كلمة الدين الوارد في قول الله تعالى﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.[2]

ومما لا شك فيه أن التشريع الإسلامي الذي نزل الوحي بقواعده وأصوله الكلية صالح لكل زمان ومكان، ” فشريعة الله هي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الإنسانية من الزيغ والانحراف، ويجنبها مزالق الشر، ونوازع الهوى، وهي المورد العذب الذي يشفي غلتها، ويحيي نفوسها، وترتوي به عقولها، ولهذا كانت الغاية من تشريع الله استقامة الإنسان على الجادة، لينال عز الدينا وسعادة الآخرة.”[3] وإصلاح أحواله جملة وتفصيلا، ولذلك وردت الأوامر والنواهي قال تعالى ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[4]

المزيد من المشاركات
1 من 19

وقد روعي في التشريع ثلاثة أسس:

الأول: عدم الحرج، فالشريعة مؤسسة ومبنية على رفع الحرج والضيق، قال الله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[5]وقال أيضا﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[6]وغيرها من الآيات التي تحمل دلالة التيسير والتخفيف، وقد ” عده الفقهاء أصلا من الأصول التي اعتبرها الشارع، واستنبطوا به أحكاما كثيرة، وهو من الأصول المقطوع بها.”[7]

الثاني: تقليل التكاليف، وهو نتيجة لازمة لعدم الحرج، لأن في كثرة التكاليف إحراجا، ومما يدل على ذلك النهي عن كثرة السؤال في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [8]” فهذه المسائل التي نهوا عنهاأشياء عفا الله عنها أي: سكت عن تحريمها، فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها، ولو لم يسألوا عنها لكانت عفوا متروكا لهم الخيار في فعلها، أو الكف عنها، ويدل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم«إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها».([9]) ([10])

الثالث: التدرج في التشريع، بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ” والعرب قد استحكمت فيهم عادات منها ما هو صالح للبقاء، ولا ضرر منه على تكوين الأمة، ومنها ما هو ضار يريد الشارع إبعادهم عنه. فاقتضت حكمته أن يتدرج بهم شيئا، فشيئا لبيان حكمه، وإكمال دينه.”[11]

ومحل الاجتهاد في نصوص هذا التشريع الإسلامي ـ وقد تقدم بيانه في المطلب الثاني: مجال التأويل وسنذكره بإيجاز هنا ـ هو ” الظنيات من الأدلة، فلا اجتهاد فيما كان قطعي الثبوت والدلالة معا، كنصوص القرآن ونصوص السنة المتواترة الدالة على معناها دلالة قاطعة، كحرمة الربا، وحلية البيع في قول الله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾،[12] فإن ما دلت عليه القطعيات من الأحكام فرض على جميع المسلمين اتباعه كما ورد، ولا يكون الاجتهاد فيه، ولا الاختلاف عليه باختلاف العصر والمجتهدين، فلا يسع المجتهد إلا تطبيق النص كما دل عليه صريح لفظه، وهذا النوع من الدلائل أقوى أدلة الأحكام.”[13] أي أن الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها غنية بنفسها، مصداقا لقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.[14]والكمال يكون بالوفاء لا بالنقص، ومن كمالها اشتمالها على الأحكام الكلية، ودعوتها إلى الاجتهاد فيما عداها من الأحكام الجزئية المتغيرة بتغير الزمان والمكان، وبتقصي التشريع يتأكد ذلك.

فبعد الفتوحات الإسلامية الكبرى شرقا وغربا ودخول أمم عديدة إلى الإسلام وتفرق الصحابة في الأمصار ازدهر الفقه والتشريع تبعا للازدهار الحضاري والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهكذا فبعد دورة نشأة الفقه الإسلامي أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ودور شبابه في عهد الصحابة وكبار التابعين جاء دور النضج والكمال في القرن الثاني الهجري وذلك بظهور المذاهب الفقهية وفي مقدمتها المذاهب الأربعة الكبرى حيث كان لزاما على الفقهاء المجتهدين المتفرقين في الأمصار الإسلامية أن يتصدوا للاجتهاد والإفتاء عندما تعرض عليهم قضايا ونوازل جديدة ليس لحكمها نص في الكتاب أو السنة أو الاجماع وبتراكم هذا الإفتاء داخل كل مدرسة فقهية تشكلت المذاهب، وإذا كان القرآن قد نزل منجما استجابة للوقائع والأحداث المتجددة في عصر النبوة فإن الفقه الإسلامي جاء لمواجهة المستجدات في ميادين متعددة بعد ازدهار الحضارة الإسلامية وهو ما يؤكد حيويته وقابليته للنماء المستمر واحتضانه لكل المتغيرات.

ومن الثابت أن هذه ” المدارس الفقهية انقسمت إلى أنصار رأي، وأنصار حديث، وموقف متوسط بين الرأي والحديث للتوفيق بينهما إلا أن هذه المذاهب على اختلافها كانت تستعمل الرأي ولكن بقدر، فإذا رتبنا هذه المذاهب حسب استعمالها للرأي وجدنا أنها من الكثرة إلى القلة ويكون ترتيبها: الحنفية، الشافعية، المالكية، الظاهرية.”[15]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

وقد يكون هؤلاء المنكرون للرأي مضطرين إلى استعماله إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولا غنى لأي مذهب فقهي عن استعمال الرأي لموافقته للعمل الفقهي نفسه، إذ يستدل على ذلك من طبيعة هذا العمل وما يدل عليه اسمه من الفهم والفطنة النافذة، إذ أن الفقه علم مستنبط بالرأي والاجتهاد ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل، فالمجتهد يعمل على إدراك دلالة النص الشرعي حتى يتمكن من تقرير الحكم الشرعي الصحيح المناسب للمسألة المعروضة، وهذا ما اعتبره علماء الشريعة من لوازم الفتوى، يقول ابن عبد البر:سئل عبد الله بن مبارك متى يسع الرجل أن يفتي؟ قال: «إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي»[16] فالمجتهد يرى ويكون ” رأيه عن طريق التأويل سواء قصد إليه أم لم يقصد.”[17]

ولبيان ذلك نورد مناهج التأويل التي تصدت لبيان التشريع واستنباط الأحكام منه، فالظاهرية اعتمدت التأويل الحرفي الظاهري الضيق حيث أن أدلة الأحكام عندهم تنحصر في النص، فالنص هو الذي يشكل مصدر المعرفة. وعليه قالوا في تحديد المصادر بالقرآن، والسنة، والإجماع والدليل.

يقول ابن حزم في القرآن: ” لما تبين بالبراهين والمعجزات، أن القرآن هو عهد الله إلينا والذي ألزمنا الإقرار به، العمل بما فيه، وصح بعمل الكافة الذي لا مجال للشك فيه، أن هذا القرآن المكتوب في المصاحف والمشهور في الآفاق كلها، وجب الانقياد لما فيه، فكان الأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه:﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[18] فما في القرآن أمر أو نهي فواجب الوقوف عنده.”[19]

ويقول في السنة: ” لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْهُوَ إِلَّاوَحْيٌ يُوحَى[20]فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين: أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام هو القرآن، والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا.قال الله تعالى﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾،[21]وجددناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق. فقال تعالى﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[22] ثم قال ” وصح لنا أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع. قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾.([23] ) ([24])

وبعد هذا البيان أجمل القول: ” والقرآن الكريم والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما.”[25]

وفي الإجماع الذي يراه الظاهرية حجة في الدين إنما هو إجماع الصحابة فقط. يبين ابن حزم حجته في ذلك بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في وقتهم يمثلون جميع المؤمنين، وأن إجماعهم على أمر إنما يمثل إجماع المؤمنين، وهذا هو الإجماع المقطوع به. أما غير الصحابة في العصور اللاحقة فإن ما يطلق عليه الإجماع عندهم فإنما يكون من بعض المؤمنين لا كلهم، و هذا لا يعد إجماعا. فالصحابة كانوا عددا محصورا يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم، و ليس هذا لمن بعدهم. ولا يكون الإجماع عند ابن حزم إلا عن توقيف منه صلى الله عليه وسلم.ويرفض كل الصور التي قال بها يعض العلماء، كإجماع أهل المدينة،أو اعتبار ما لم يعرف فيه خلافا على أنه إجماع.[26]

وفي الدليل: لقد قال بعض العلماء كالخطيب البغدادي وغيره، عن الظاهرية الذين رفضوا القياس عندما ضاقت عليهم الأمور في استنباط الأحكام اضطروا للأخذ بالقياس فسموه باسم آخر هو الدليل. والواقع إن الدليل من خلال بيان ابن حزم له أمر آخر لا علاقة له بالقياس. وقد رد ابن حزم على من قال ذلك أو قال بأن الدليل خروج عن النص أو الإجماع بأنه خطأ في الفهم. فالدليل مأخوذ من النص و الإجماع، وهو أقسام كما بين ابن حزم وقد أدرجه تحت عنوان الدليل فرارا من التصريح باسمه.[27]

وفي التعامل مع النصوص قالوا بالظاهر، وهو الخروج من التأويل إلى المعنى البارز الذي يستنبطه العقل على البديهة بحكم منطوق اللغة، وما تدل عليه العبارة العربية للسامع وفق استعمال العرف والعادة. وقد ناقش ابن حزم الذين يخالفون الظاهرية في الأخذ بالظاهر نقاشا طويلا مبينا أن الآيات نزلت بلسان عربي مبين، وأن كل من صرف لفظا عن مفهومه في اللغة، وأقبل على تأويل ليس له عليه دليل من نص أو إجماع متيقن أو ضرورة عقل فقد حرفه، وعليه فاتباع الظاهر فرض.

وممن عرف بالمنهج النقلي الإمام أحمد بن حنبل، فمجال التشريع عند أصحاب هذا المنهج أضيق، إلا أن هؤلاء يعمدون إلى استعمال الرأي والتأويل عند الضرورة، ” أباح أحمد بن حنبل أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ.”[28]

ويتضح من هذه القولة ” موقف أحمد بن حنبل وتشدده في قبول القياس، وشدة حرصه في تطبيقه باعتباره نوعا من أنواع الرأي، فالمعروف أن القياس أحد أنواع الاجتهاد بالرأي، والتأويل كذلك مسلك من مسالك الاجتهاد بالرأي.”[29]

وبخلاف الظاهرية الذين تمسكوا بظاهر النص وحرفية الكتاب والسنة دون النظر إلى التأويل الصحيح الذي يقتضي بيان مقاصد النص الشرعي. نجد التأويل الوسطي المعتدل الذي يربط المتغيرات بثوابتها ومقاصدها. ـ وقد وردت تطبيقات لهذا الاتجاه التأويلي في الفصل الثاني في معرض الحديث عن مجال التنزيل والتكييف للنصوص في إطار محكمات الشريعة وثوابتها ومقاصدها. ـ

إن اعتماد التأويل الذي يتعاضد فيه النقل والعقلفي إطار ما سطره المحققون ” المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح “[30] في التشريع الإسلامي يؤسس ويستوعب الشريعة في إطار توابثها سواء ما كان منصوص عليه أو غير منصوص عليه من الوقائع والمستجدات، ويسهم في اتساع الاستنباطات الفقهية التي تراعي حاجة المكلف ومصلحته المعتبرة شرعا التي جاءت الشريعة لتحقيقها في العاجل والآجل.

يقول الشاطبي: ” إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل، والدليل على ذلك أمور:

الأول: أنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل، لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة، لأن الفرض أنه حد له حدا، فإذا جاز تعديه، صار الحد غير مفيد، وذلك في الشريعة باطل، فما أدى إليه مثله.

والثاني: ما تبين في علم الكلام والأصول من أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولو فرضناه متعديا لما حده الشرع، لكان محسنا ومقبحا، هذا خلف.

والثالث: أنه لو كان كذلك، لجاز إبطال الشريعة بالعقل، وهذا محال باطل، وبيان ذلك أن معنى الشريعة أنها تحد للمكلفين حدودا في أفعالهم، وأقوالهم، واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته، فإن جاز للعقل تعدي حد واحد جاز له تعدي جميع الحدود، لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وتعدي حد واحد هو معنى إبطاله، أي: ليس هذا الحد بصحيح، وإن جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر، وهذا لا يقول به أحد لظهور محاله.”[31]

وبعيدا عن هذه الرؤى التي لم تخرج في معظمها عن منطق التداول الإسلامي في تأويل النص الشرعي ـ رغم تباينها ـ، طرحت في العصر الحديث مشاريع عديدة لقراءة النص الشرعي قراءةيغلب عليها توظيف آليات من خارج منطق التداول الإسلامي، وتحمل لواء التأويل المتجاوز للنصوصباسم رعاية المصالح والتجديد.ومن أبرز منظري هذا الاتجاه حسن حنفي، محمد أركون، حامد نصر أبو زيد، وغيرهم.

والنظرية الأساسية في منهج التأويل عند هؤلاء هي نظرية الأنسنة التي تجعل الإنسان محورا لتفسير الكون بأسره، وتؤكد هذه النظرية على إنكار أي معرفة من خارج الإنسان كالدين أو الوحي، فالوحي ـ عندهم ـ عندما يراد فهمه لابد أن ينتقل من الوضع الإلهي إلى الوضع الإنساني.

فنظريتهم هذه تنبني على إعادة حركة الوحي إلى سياقها الأول، أي حركة الوحي النازلة من الله إلى الإنسان، والتي تعني الكشف والإفصاح والبيان، إذ تحولت هذه الحركة ” في الفكر الديني المتأخر إلى حركة صعود من جانب الإنسان سعيا إلى الله ذاته، فتعطلت بذلك حركة الوحي التي كانت تستهدف في بدايتها الإنسان بما هو عضو في جماعة، ومن تم تستهدف إعادة بناء الواقع لتحقيق مصلحة الإنسان وإشباع حاجاته المادية والروحية.[32]

فالرؤية الحقيقية للدين تنبع ـ حسب محمد مجتهد الشبستري ـ ” من آلام البشر وحاجاتهم، ومن التجارب الدينية للإنسان المحتاج والحائر ليحقق له الغنى، والشفاء، والسير في خط الرسالة والاستقامة.”[33]

وما دعوة أبو زيد إلى ” أنسنة الخطاب الديني، إلا خطوة نحو تحرير هذا الخطاب من التفسيرات التعسفية والرؤى الأسطورية التي رانت عليها، مما أدى إلى نشوء الممارسات الغيبية، والتأويلات التي تخدم السلطات السياسية، وتقدم للاستبداد والجهل مبررات بقائهما واستمرارهما وتغولهما.”[34] لذا يقررأبو زيد أن ” البحث في تاريخ القرآن، ورصد التحولات التي مر بها من خلال مرحلة التقعيد، وما بعدها من خلال مسألة القراءات، يعتبر من المناطق المحرمة في فكرنا الديني السائد. لكن لابد مما ليس منه بد إثباتا لأن التناول العلمي للقرآن وتاريخه لا يهدد عقيدتنا بقدر ما يمنح هذه العقيدة صلابة اليقين الراسخ الأسس. إنما الذي يهدد عقيدتنا حقا هذا الجنوح المرزي إلى التقليد، وتصور أن الإسلام من الضعف والهزال، وأن إيمان الناس على درجة من الإعياء والتهافت، بحيث لا يصمدان لإجراءات البحث العلمي، ولا يستقيمان على هدى العقل وبصيرته.”[35]

فالقراءة للخطاب القرآني تتم في ضوء الامتثال لقواعد العقل لأن النص الديني، ” لم يشد بشيء آخر إشادته بالعقل، وذلك إلى درجة يمكن القول معها إن القرآن يدعو إلى دين العقل، أعني إلى الدين الذي يقوم فيه الاعتقاد على أساس استعمال العقل، انطلاقا من الاعتقاد في وجود الله ما يرتبط بذلك من عقائد وشرائع. والحق أن ما يميز الإسلام، رسولا وكتابة، من غيره من الديانات هو خلوه من ثقل الأسرار التي تجعل المعرفة بالديت تقع خارج تناول العقل.”[36]

وثمـة من جعل العقل المصـدر الأول مـن مصادر التشـريع يعلل ذلك حسن حنفـي بقوله أن ” دلالة العقل على الأحكام الشرعية، والتجارب الإنسانية التي يعيشها المسلمون في هذا العصر بأزماته وتحدياته، تحتم أن يكون العقل هو المصدر الأول من مصادر التشريع، من أجل تشجيع الأمة على الاجتهاد، وحتى لا يحجب النص بين العقل والواقع فيضيع الواقع في سوء فهم النص لغة أو تنزيلا أو نسخا.”[37]

ويتقاطع أبو زيد مع حسن حنفي في فهم الوحي وتأويله، وفي أن تحقق الوحي لا يكون إلا في التاريخ لأن الكلمة في التاريخ. وفي ضوء ذلك فإن ” الوحي قصد من الله إلى الإنسان يتوجه إليه الخطاب، ويتحول إلى تجربة مثالية في أقوال النبي، وتجربة جماعية في إجماع الأمة، وتجربة فردية في اجتهاد الشخص، ثم يتم فهمه باللغة الإنسانية التي من خلالها يفهم الكلام، ثم يتم تحقيقه كمقاصد إنسانية.”[38]

فهذا الاتجاه يتتبع خطى فلاسفة التأويل المعاصرين الذين يرون أن المعرفة العميقة هي تلك التي توجد تحت السطح، وبالتالي فإن الحقيقة في الخطاب الشرعي عندهم ” ستكون هي ما لم يقل، أو هي ما قيل بطريقة غامضة، ويجب أن تفهم في ما هو أبعد من ظاهر النص.”[39] من أجل بناء ما يسميه البعض ” نحو تأويلية جديدة: الواقع والآفاق.”[40]

كما تفرع عن هذا الاتجاه كذلك نظرية النسبية، فالنصوص ـ حسب رأيهم ـ وإن كانت ثابتة في منطوقها إلا أنها متحركة في المفهوم تبعا لتغير الزمان والمكان.فهذه النظرية التاريخية وما تفرع عنها من نظريات تنتهي إلى التعدد غير المحدود في تأويلات النص.

ومجمل القول أن هذا الاتجاه كما نلاحظ يعطي الأولوية للعقل والواقع بتجاوز النص باسم مراعاة المصلحة، في حين أن الفقيه المجتهد عليه أن يحترم النص والعقل والمجتمع جامعا بذلك بين الأثر والعقلحتى لا يحدث تصادم قد ينتج عنه تعطيل مقصد من مقاصد الشرع، فما ينتجه الفقيه المجتهد بنظر صحيح يسير متفاعلا ومتلائما مع ما ينتجه الواقع من نوازل وتطورات. فمثل التشريع والواقع كمثل ” الحبل المضفور، تكونه خصلتان تلتف إحداهما على الأخرى من أوله إلى آخره. فإذا التف الواقع بمشاكله ونوازله ومطالبه واستفساراته على الفقه، والتف الفقه باجتهاداته وفتاويه وتوجيهاته على الواقع، كانت الحياة تسير سيرا مفتولا يعطيها متانة وقوة وتماسكا. فإذا سار الواقع بعيدا عن الفقه، وسار الفقه بعيدا عن الواقع، فقدت الضفيرة صفتها، وفقدت بذلك قوتها ومكانتها.”[41]

ويضرب ابن القيم الجوزية مثالا رائعالكل تأويل ينافي مقصود الشارع فيقول: “ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو ما قصده الشرع، مثالمن أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة الناس أو الأكثر، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أريد بد دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك الاسم باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول عن دلك المركب الأعظم، وجعل بدله الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول ففسدت به أمزجة كثير من الناس فجاء آخرون شعروا فساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء غير الدواء الأول فعرض للناس من ذلك نوع من المرض غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول من أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة، فلما طال الزمان بهذا المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها عرض للناس منه أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بهذا الدواء المركب في حق أكثر الناس.”[42]

والأصلح بعد إيراد هذه الاتجاهات اعتبار الاتجاه الوسطي دون تفريط ولا إفراط، الذي يدعو إلى اعتبار النقل والعقل على وجهين لا يخل فيه المعنى بالنص ولا النص بالمعنى لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، فلا خلاف عند أصحاب هذا الاتجاه كالإمام الشاطبي وابن القيم وابن تيمية وغيرهم من المحققين في خصوصية الفهم الذي يدعو إلى طلب الحقيقة الشرعية بالأدلة النقلية والعقلية ضمن سياق التأويل الصحيح. وهذا القسم التأويلي هو الذي اختاره جمهور العلماء فعليه الاعتماد في الضابط الذي به يعرف التأويل الصحيح.وعمدتهم في ذلك أن ” الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل.”[43]

وبناءا على هذا المنهج التأويلي الصحيح اجتهد علماء الشريعة في تأويل النصوص الشرعية لبناء تشريع حضاري يدل على أننا أمام شريعة ربانية قادرة على إنتاج الحضارة والإنسان والواقع، وإيجاد الحلول التي تراعي مصلحة الإنسان في الدارين وفق أصول وقواعد شرعية لا تنافي مقصد الشارع من استخلاف الإنسان في مستقر الأرض وتحقيق العبودية لله عزوجل.ومن هذه التأويلاتما تم استنباطهفي كيفية قضاء الصوم من الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ[44]” قال الشيخ أبو بكر[45]: قد دل ما تلونا من الآية على جواز قضاء رمضان متفرقا من ثلاثة أوجه أحدها: أن قوله﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قد أوجب القضاء في أيام منكورة غير معينة، وذلك يقتضي جواز قضائه متفرقا إن شاء أو متتابعا، ومن شرط فيه التتابع فقد خالف ظاهر الآية من وجهين: أحدهما: إيجاب صفة زائدة غير مذكورة في اللفظ، وغير جائز الزيادة في النص إلا بنص مثله، ألا ترى أنه لما أطلق الصوم في ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لم يلزمه التتابع، إذ هو غير مذكور فيه؟ والآخر: تخصيصه القضاء في أيام غير معينة، وغير جائز تخصيص العموم إلا بدلالة.

والوجه الثاني: قوله تعالى﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فكل ما كان أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله، وفي إيجاب التتابع نفي اليسر وإثبات العسر، وذلك منتف بظاهر الآية.

والوجه الثالث: قوله تعالى﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾يعني والله أعلم قضاء عدد الأيام التي أفطر فيها، وكذلك روي عن الضحاك وعبد الله بن زيد بن أسلم. فأخبر الله أن الذي يريده منا إكمال عدد ما أفطر، فغير سائغ لأحد أن يشترط فيه غير هذا المعنى لما فيه من الزيادة في حكم الآية، وقد بينا بطلان ذلك في مواضع.”[46]

ومثاله أيضا مسألة التسعير الجبري فيما روي عن أنس رضي الله عنه: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال.»[47]

والتسعير في اللغة من:(سعر) السين والعين والراء أصل واحد يدل على اشتعال الشيء واتقاده وارتفاعه. من ذلك السعير: سعير النار. واستعارها: توقدها.”[48]

وعرفه الإمام الشوكاني بقوله ” التسعير: هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.”[49]

وقد اختلف العلماء في تأويل هذه المسألة بين الجواز والمنع للتسعير، يقول الباجي ” أن إجبار الناس على بيع أموالهم بغير ما تطيب به أنفسهم ظلم لهم مناف لملكها لهم، ووجه قول أشهب ما يجب من النظر في مصالح العامة، والمنع من إغلاء السعر عليهم والإفساد عليهم، وليس يجبر الناس على البيع، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده الإمام على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمبتاع، ولا يمنع البائع ربحا، ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس.”[50]

وذهب جمهور العلماء إلى أن الحديث معناه “تحريم التسعير وأنه مظلمة ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾”([51])([52])

وروي عن “مالك أنه يجوز للإمام التسعير وأحاديث الباب ترد عليه وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء وهو مردود.

وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما كان قوتا للآدمي ولغيره من الحيوانات وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة وجوز جماعة من متأخري أئمة الزيدية جواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة كما حكى ذلك عنهم صاحب الغيث وقال شارح الأثمار: إن التسعير في غير القوتين لعله اتفاق، والتخصيص يحتاج إلى دليل، والمناسب الملغي لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة، بل لا يجوز العمل به على فرض عدم وجود دليل كما تقرر في الأصول.”[53]

يتبين من خلال هذه التأويلات في هذه المسألة أن من التسعير ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإباحته مطلقا لا تجوز، ومنعه مطلقا لا يجوز.

فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس كإكراه الباعة على البيع بثمن المثل عند الجشع والاحتكار فهو واجب، لأنه إلزام بالعدل الذي أمر الله تعالى به، ودفع للضرر الذي نهى عنه.

وتأويل هذه المسألة بمقصد تحقيق العدل هو من مقومات البناء الحضاري، إذ أن العدل اسم جامع للوسطية والتسوية يقول الراغب الأصفهاني ” العدل هو التقسيط على السواء.”[54] فالشاهد العدل هو الذي ” يحكم بموقع وسطي بين الفرقاء، فإذا هو يعطي كل ذي حق حقه سواء في نسبة الوقائع والأوصاف إلى أهلها كما هو في الواقع دون اعتبار لميل ذاتي، أو في توصيل الحقوق والمستحقات إلى محالها بناء على الوقائع والأوصاف. وتكون شهادة العدل إذن العمل على ما من شأنه أن يسوي بين الناس في الحقوق بأن يؤول كل قسط إلى محله الذي يستحقه.”[55]

والتحضر الإسلامي بني على ” هذه الشهادة العدل: حكما ووصفيا على أحوال الناس وآرائهم وأقوالهم، وحكما تنفيذيا في التعامل بالقسط، وفي نصرة المظلومين المسلوبة حقوقهم برفع يد الظلم عنها وتمكينهم منها، فأصبحت هذه الشهادة عنصرا من العناصر الفقهية في التحضر الإسلامي.”[56]

ومثاله أيضا ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم«إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا»[57]فإن حقيقته ” تقتضي حال التبايع وهي حال السوم، فإذا أبرما البيع وتراضيا فقد وقع البيع، فليسا متبايعين في هذه الحال في الحقيقة كما أن المتضاربين والمتقايلين إنما يلحقهما هذا الاسم في حال التضارب والتقايل، وبعد انقضاء الفعل لا يسميان به على الإطلاق وإنما يقال كانا متقايلين ومتضاربين، وإذا كانت حقيقة معنى اللفظ ما وصفنا لم يصح الاستدلال في موضع الخلاف به.”[58]

يقول الإمام الشافعي ” وكل متبايعين في سلف إلى أجل أو دين أو عين أو صرف أو غيره تبايعا وتراضيا ولم يتفرقا عن مقامهما أو مجلسهما الذي تبايعا فيه فلكل واحد منهما فسخ البيع وإنما يجب على كل واحد منهما البيع حتى لا يكون له رده إلا بخيار أو شرط خيار أو ما وصفت إذا تبايعا فيه وتراضيا وتفرقا بعد البيع عن مقامهما الذي تبايعا فيه أو كان بيعهما عن خيار فإن البيع يجب بالتفرق والخيار.”[59]

واحتمل قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «إلا بيع الخيار» معنيين ” أظهرهما عند أهل العلم باللسان وأولاهما بمعنى السنة والاستدلال بها والقياس أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ جعل الخيار للمتبايعين فالمتبايعان اللذان عقدا البيع حتى يتفرقا إلا بيع الخيار فإن الخيار إذا كان لا ينقطع بعد عقد البيع في السنة حتى يتفرقا وتفرقهما هو أن يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه كان بالتفرق أو بالتخيير وكان موجودا في اللسان والقياس إذا كان البيع يجب بشيء بعد البيع وهو الفراق أن يجب بالثاني بعد البيع فيكون إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع كان الخيار تجديد شيء يوجبه كما كان التفرق تجديد شيء يوجبه.”[60]

وقد افترض الجصاص ورود اعتراض عن هذا التأويل فقال ” فإن قيل: هذا التأويل يودي إلى إسقاط فائدة الخبر، لأنه غير مشكل على أحد أن المتساومين قبل وجود التراضي بالعقد هما على خيارهما في إيقاع العقد أو تركه.”[61] وأجاب عنه بقوله “بل فيه أعظم الفوائد، وهو أنه قد كان جائزا أن يظن ظان أن البائع إذا قال للمشتري “قد بعتك” أن لا يكون له رجوع فيه قبل قبول المشتري، كالعتق على مال والخلع على مال أنه ليس للمولى ولا للزوج الرجوع فيه قبل قبول العبد والمرأة، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم حكم البيع في إثبات الخيار لكل واحد منهما في الرجوع قبل قبول الآخر وأنه مفارق للعتق والخلع.”[62]

ومثاله كذلك مسألة القتل بالمثقل فيما روي عن أنس رضي الله عنه، أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق، فقال: «أقتلك فلان؟» فأشارت برأسها: أن لا، ثم قال الثانية، فأشارت برأسها: أن لا، ثم سألها الثالثة، فأشارت برأسها: أن نعم، فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين.[63]والحديث يدل على أنه ” يقتل الرجل، وإليه ذهب الجمهور.”[64]

وحكى ” ابن المنذر الإجماع عليه إلا رواية عن علي، وعن الحسن وعطاء، ورواه البخاري عن أهل العلم، وروي في البحر عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعكرمة وعطاء ومالك وأحد قولي الشافعي أنه لا يقتل الرجل بالمرأة وإنما تجب الدية، وقد رواه أيضا عن الحسن البصري أبو الوليد الباجي والخطابي.”[65]

وحكى هذا القول ” صاحب الكشاف عن الجماعة الذين حكاه صاحب البحر عنهم ولكنه قال: وهو مذهب مالك والشافعي، ولم يقل: وهو أحد قولي الشافعي كما قال صاحب البحر.”[66]

وذهب أبو حنيفة أنه ” لا قصاص بينهماوكان ابن أبي ليلى يقول: بينهما القصاص.”[67]

وبه يأخذ الشافعي في قوله الآخر إذ يقول: ” وإذا أصابه بعصا أو بحجر أو ما لا يمور موران السلاح فأصله شيئان إن كان ضربه بالحجر العظيم والخشبة العظيمة التي الأغلب منها أنه لا يعاش من مثلها وذلك أن يشدخ بها رأسه أو يضرب بها جوفه أو خاصرته أو مقتلا من مقاتله أوحمل عليه الضرب بشيء أخف من ذلك حتى بلغ من ضربه ما الأغلب عند الناس أن لا يعاش من مثله قتل به وكان هذا عمد القتل وزيادة أنه أشد من القتل بالحديد لأن القتل بالحديد أوحى وإن ضربه بالعصا أو السوق أو الحجر الضرب الذي الأغلب منه أنه يعاش من مثله فهذا الخطأ شبه العمد ففيه الدية مغلظة ولا قود فيه.”[68]

واحتج الشافعي في معرض حديثه عن باب الاجتهاد بقوله تعالى﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ[69]فأمرهم بالمثل، وجعل المثل الى عدلين يحكمان فيه.”[70] فالشافعي: ” أوجب المثل ولم يقل أي مثل فوكل ذلك إلى اجتهادنا.”[71]

وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح، فلو لم يقال بوجوب القصاص بغير المحدد لوجد القتلة المجرمون سبيلا إلى إزهاق أرواح الأبرياء بغير حق باستعمال المثقل وما في حكمه، فتفوت بذلك حكمة الردع والزجر كما يفوت بذلك إقامة القصاص عليهم، فلا تتحقق الحكمة من مشروعية القصاص مع قصر القصاص على المحدَّد وما في حكمه، لأن الجناة القتلة لا يرتدعون إلا إذا علموا أن القصاص يجب بكل وسيلة قاتلة سواء كانت محددة أو مثقلة. وفي هذا الترجيح يقول القاضي عبد الوهاب البغدادي ” ولأنها آلة يقصد بها القتل في الغالب فجاز أن يجب القود بها، أصله المحدد، ولأنه تعمد قتل مكافئ لدمه ظلما، فأشبه أن يحرقه بالنار، ولأن في إسقاط ذلك ذريعة إلى التسرع إلى القتل.”[72]

ففي هذا التأويل ” بيان مفيد فيما يراعيه المجتهد في الاستنباط، وإلى هذا أشار الغزالي بقوله: ويلاحظ القواعد الكلية أولا، ويقدمها على الجزئيات، كما في القتل بالمثقل، فتقدم قاعدة الردع، على مراعاة الاسم الوارد في الجزئي”.[73]

وغيرها من التأويلات التشريعية ـ عبادة ومعاملة وحدودا تنظيما لحياة هذا المستخلف في مستقر الأرض وحفظا لحقوقه ـ بغية تحقيق تشريع حضاري ينعكس فيه مبدأ العمارة والاستخلاف لهذا الإنسان المكلف في الأرض وفق مقتضيات الشريعة بمنهج رباني. إذ أن ” الأحكام الفقهية الجزئية وسائل صياغة وحفظ وتسديد ودعم في إيقاع وحفظ وصيانة وتسديد ودعم ” الفعل العمراني “، وهنا تصبح مفردات ” الخطاب القرآني ” مفاهيم في جملتها تقوم بينها علاقة ترابط لا تنفصم تضعها في إطار ” الوحدة البنائية ” في الآية ثم في السورة فالجزء فالقرآن، وتدرك علاقات ” التناسب البلاغي ” في دائرة ” الترابط الإعجازي المفاهيمي ” وتتقاسم هذه المفاهيم الأدوار في صنع بيئة الخطاب ودائرة الخطاب وإطار التلقي، والاشتباك مع ذلك كله لإحداث الدافعية لدى الإنسان لإيقاع ” الفعل العمراني ” ثم منحه الشرعية والفاعلية، وهنا فقط تبرز ” المنهاجية وتتضح معالم المنهج ” ويبرز دور مصادر ومفاهيم الإطار المرجعي وتظهر العلاقة الوثيقة بين الأطر المرجعية والمفاهيم المنبثقة عنها، والمتصلة بها فحيث يقدم الإطار المرجعي الناظم للمفاهيم فإن دعائم الإطار تقدمها المفاهيم.”[74]

مقتطف من كتاب:

”التأويل في الخطاب الأصولي وأثره في الفقه الحضاري للأمة”

رابط تحميل الكتاب:

https://www.islamanar.com/he-fundamentalist-discourse/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.