منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأويل الصحيح وأثره الحضاري

لطيفة يوسفي

0

إن القرآن الكريم باعتباره دستور نهضة إنسانية شاملة قد أكد في آياته على أن الله تعالى قد سخر ما في الكون لخدمة الإنسان وترشيد حركته في عمليات البناء والإبداع والنهوض الحضاري قال تعالى﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّفِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾،[1]إذ الكون ـ كما يقول عبد المجيد النجار في حديثه عن الانتفاع المعرفي ـ ” هو المجلى الأكبر للحقيقة التي تنفع الإنسان، والتي يتوقف عليها نمو حياته، إنه خزان للعلوم المختلفة الأنواع.”[2]

فالإنسان مدعو في تأويل وجوده وفقه رسالته الاستخلافية إلى النظر في آفاق الكون كما أوحى الله عز وجل في كتابه المبين الذي يشكل المؤسس للحضارة الإسلامية والمحور المشيد للمعارف والعلوم والمنطلق المشترك والجامع لكل الجهود الفكرية والعلمية في الثقافة العربية الإسلامية. فقد دارت حوله مختلف العلوم والدراسات رغم اختلاف مرجعية هذه العلوم وتنوع مواضيعها وتوزع حقولها المعرفية الشيء الذي جعل هذه العلوم منصهرة في بناء واحد،إنه بناء القرآن الذي يشكل المرجع والمشترك بين كثير من العلومكما أنه يصل إلى” أعماق الحقائق القصوى الثابتة في كل من النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني ليرسم الخطوط الفاعلة في علاقة البشر بالواقع، ويعين خطوطها، وهو لذلك، يضع في حسبانه اعتبارات متعددة منها ما هو هيكلي، ومنها ما هو لغوي، ومنها ما هو تاريخي أنثروبولوجي، ومنها ما هو ثقافي، ومنها ما هو علمي، وهذه الاعتبارات جميعا تشكل مصداقيته، وتبرهن على هيمنته، وتجعل منه أصلا لحضارة إنسانية جامعة بكل تنويعاتها واختلافاتها وائتلافها.”[3]

إذ أن الخطاب الشرعي ذو وجودين: ” وجود واقعي خارجي يتمثل فيما بين الدفتين من سور وآيات تندرج في أجزاء وأحزاب، ووجود معنوي تدل عليه الألفاظ المضمنة في آيات وسور، وهي مدلولات الآيات والسور ومعانيها، فكأن الآيات والسور دال والمعنى مدلول عليه، وكأن اللفظ آنذاك يأخذ دور علامة تدعو الباحث للنظر والتأمل والتدبر والتفكر والتذكر والتعقل ليكتشف الارتباط والعلاقة بين الدال والمدلول، “[4]ويفقه الواقع الذي يمثل ” فقه الفقه،”[5]إذ لا يخفى على كل ذي علم وبصيرة دور وأهمية معرفة الواقع وفقهه بشكل صحيح في استنباط دلالات النص الشرعي استنباطا صحيحا، فإذا كان فقه النص نصف الطريق للوصول إلى الاستنباط الصحيح، فإن فقه الواقع المراد تنزيل النص عليه يشكل النصف الثاني المتمم لاكتمال الوصول لهذا الاستنباط، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

إلا أن هذا الواقع لابد أن يكون محكوما بقواعد النص الشرعي لا حاكما عليه لتحقيق هذا البعد التأويلي الحضاري في واقع الأمة، إذ العطاء الحضاري أو الإنجاز الحضاري على الأصعدة المتعددة إنما هو التجلي الكلي والأساس لثقافة الأمة ورؤيتها للكون والحياة من خلال فقه وإدراك معاني النص الشرعي وربطها بهذا الواقع المركب من وقائع طبيعية، وظواهر إنسانية واجتماعية ودينية ومؤثرات حضارية وبيئية وتاريخية وفلسفية تحيط بالإنسان المستخلف في مستقر الأرض.

وهذا الوعي الحضاري لابد أن يعتمد فيه المؤول على قضايا أربع:

المزيد من المشاركات
1 من 19
  1. الفهم البياني الصحيح لدلالات النصوص على معانيها.
  2. التأصيل الاستدلالي المعرف بأحكام النوازل الجديدة وفق قواعد التنزيل المحكم.
  3. الشهود الاستخلافي القائم بواجب عمارة الدنيا ونهضة معاش الناس وفق مشاريع تحضر واقعية.
  4. التلازم المقاصدي بجمع النصوص والأفهام لتتوافق مع حقائق المقاصد الكلية للشريعة والمعطيات العلمية والمستجدات المصلحية لتحقيق السعادة والنفع من عبودية الخلق لله تعالى.

فهذه القضايا الأربعة هي أشبه بمقاربة اجتهادية تأويلية بيانية استدلالية، يتجه فيها البعد التأويلي والعمل الاستنباطي لمعاني النصوص الشرعية نحو آفاق الحياة والكون، استكشافا وعمرانا وتسخيرا للإنسان، من أجل بناء صرح حضاري فعال تفتح فيه أبواب الوعي وتتسع فيه مدارك الفهم والاستنباط. إذ أن التأويل الصحيح المشروع ليس تفلسفا وتحليقا في فضاء الأفكار بعيدا عن حقيقة ما يدعو إليه النص القرآني،فيأتي المؤول بنظرة جاهزة لا ترى في النصوص إطارا مرجعيا ينبغي الدوران والرجوع إليه. فتصبح مقاصدية النصوص وفق ما يراها المؤول وحدها، المرجعية المركزية لكل التأويلات والأفهام. وإنما هو ” نزول بمعنى النص إلى رحابه، ودوران حوله يتيح للباحث التقاط إشارات النص وإيحاءاته البناءة،”[6] فالتأويل ” هو فن الفهم بل ” فهم الفهم.”[7]

وعلى هذا الأساس فقد أدرك علماء الشريعة أن النص الشرعي ليس فقط في فقه الأحكام الشرعية، بل إنه فقه التفكر والمعرفة وكشف حقائق الكون والحياة الدنيوية والأخروية، فالمستقرئ للنص القرآني يجد مساحة الأحكام الشرعية أقل بكثير من مساحة كشف معايير العقول في مناهج الفكر وفلسفة الحياة وبناء الإنسان السوي الذي ألبسه سبحانه وتعالى ” خلع الكرامة كلها من العقل والعلم والبيان والنطق والشكل والصورة الحسنة والهيئة الشريفة والقد المعتدل واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر واقتناص الأخلاق الشريفة الفاضلة من البر والطاعة والانقياد.”[8]

والآيات التي تأمر بالتوجه إلى الكون بقصد الإفهام والتأمل، والتدبر، والتفكر، والعلم، وإعمال النظر وغيرها من مفاهيم المعرفة هي آيات كثيرة مبثوثة في الذكر الحكيم، وفي ذلك يقول ابن رشد قولته الشهيرة ” وإذا كانت هذه الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدى إلى معرفة الحق، فإن، معشر المسلمين، نعلم، على القطع، أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.”[9]

والأصل النبوي إذا كان قد مثل ” بدءا ومرجعا أي نصا وأمرا في الثقافة العربية، فإن هذا الأصل بما هو مرجع دلالي، أي بما هو منبع الدلالة، لم يلغ العقل ولم يكن ممكنا ولا حتى مشروعا أن يلغيه ويعطله.”[10]

وإذا كان العقل العربي نهج نهجا تأويليا بالدرجة الأولى، فإن التأويل ” بما هو نصب للدلالة وخروج بها، وبما هو استنباط وغوص على الباطن، هو بمثابة إمكان عقلي لا ينضب. وقد كانت مناهج التأويل والتفسير إنجازات فكرية هائلة. وإلا كيف نفسر تلك المغامرة العقلية الكبرى التي انطوت عليها الحضارة العربية والإسلامية؟ وكيف نفسر ما شهدته اللغة العربية من ازدهار فكري وتطور علمي؟ فما النص والأثر والخبر إلا بدايات للعقل وملهمات للفكر وأطر للفهم. ولولا ذلك الإلهام لما كان يمكن لبعض العلم أن ينشأ ولبعضه الآخر أن يتطور. فالعقل محتاج إلى محرك لكي ينطلق ويزدهر.”[11]

والفكر العربي كان ” يبحث عن نفسه من خلال الوحي وفيما وراء الأثر والخبر، فيرتحل داخل النص يتساءل ويبحث، ويغور وينقب، ويستنبط ويكتشف، فيعقل ما لم يعقل ويعيد تعريف ما قد عرف، وخاصة أن النص آيات بينات، والبيان أشد الكلام احتمالا لضروب التفاسير وأصناف التأويل.”[12]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

فمحل تطبيق الشريعة منوط بمبدأ الإبانة والإفهام وهو المقصود من الكلام، والبيان لطف إلهي، ونعمة شاملة أسبغها الله على بني الإنسان، ولقد جاء البيان مقرونا بالنعمة عند الشافعي، الذي كان هو نفسه ينطلق من هذه الرؤية البيانية، يقول ” وكل هذا بيان ونعمة منه جل ثناؤه.”[13]

وفي هذا السياق يربط الطبري بين مفهوم الإبانة والإفهام، ومفهوم التكليف والاعتبار، فلا معنى للتكليف والتدبر والامتثال إذا لم يتحقق شرط الفهم والتفقه والتدبر للرسالة، ” لأنه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: “اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من القيل والبيان والكلام”- إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره وهو بمعناه جاهل.”[14]حتى أنه قال أحد العلماء إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يتلذذ به.

فالنظر والبحث والتأمل وغيرها من المفاهيم المذكورة هي وسائل إدراك النص الشرعي الذي يتميز بفاعلية مستمرة في الواقع الإنساني ويجمع بين القواعد الشرعية واللغوية باعتبارها نظام دلالي مستوعب لحركة التاريخ الإنساني ومظهر دلالي للعمل العقلي الاجتهادي التدبري الإنساني. إذ أن الألفاظ ـ كما قرر ابن القيم ـ” لم تقصد لنفسها، وإنما هي مقصودة للمعاني والتوصل إلى معرفة مراد المتكلم”.[15]

كما أن هذه المفاهيم توحي بفلسفة معرفية تعليلية سننية حضارية كلية وعامة للحياة، وهذا ” المنطق الشرعي له مخارج علمية بيانية وبرهانية وعرفانية متكاملة في استدلالها لتأويل النص الشرعي تأويلا صحيحا معتمدا على قوانين داخلية ترجع إلى نصية النص ومؤسسا منهجيا معرفيا لفهم الضرورات المادية والروحية التي تشكل الجزء الأهم من حياة الإنسان، إذ لكل من المادية والروحية منهج واضح لمعرفة مبدأ الكون وغايته ومبدأ الإنسان ومصيره، ذلك أن هذا المنهج المعرفي العلمي الوسطي يمنح الإنسان رؤية تأويلية قويمة وموضوعية لعلاقة الإنسان بالله تعالى وبالكون. وإذا ما غابت هذه الرؤية الوسطية يظل الإنسان متخبطا في تقييم ذاته وتقييم الوجود من حوله حتى لا يستطيع التمييز بين الإصلاح والإفساد وبين فعل الخيرات وترك الشرور.”[16]

ولهذا كان التأويل ” الطريق الملكي الذي انتهجه العقل العربي في طلب الحق، “[17] بل إنه في النهاية طريق كل عقل في تعامله مع النص القرآني الذي يمثل وحدة دلالية متماسكة تتوافر لها مقومات التوافق والانسجام ومستويات التكامل والتعاضد الدلاليين، تعاملا صحيحا مبنيا على الاستنباط الصحيح وفق مقتضيات الشريعة غير مخل بمقاصدها ومصالحها وحكمها وأحكامها وأسرارها التي جاءت من أجل تحقيقها. فكل ” من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة،وكل ما ناقضها،فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له، فعمله باطل.” [18] كما سطر ذلك شيخ المقاصد الإمام الشاطبي.

وعليه فإن الأقوم والأصلح للنهوض الحضاري للأمة محدد في” أربعة عوامل:

  1. رشاد في الاعتقاد يصلح به فهم العقيدة الإسلامية التي هي المحرك الأول للتحضر الإسلامي.
  2. سداد في الفكر تستقيم به منهجية النظر لإصابة الحق في البحث عنه وفي تنزيله على الواقع.
  3. نفير حضاري تهيأ فيه الأمة نفسيا إراديا وفكريا وعمليا لتندفع في البناء الحضاري دفاعا فاعلا لا يدخله الوهن والفتور.
  4. سلطانا للإنجاز يتمثل في القوة التي تشرف على الإنجاز الفعلي للتحضر في الواقع إشراف توجيه وتنظيم وحزم وترشيد حتى لا يبقى القرار رهين التصور المجرد، أو يدخله الاضطراب والخلل عند الأداء فلا يبلغ مداه في واقع الحياة.”[19]

مقتطف من كتاب:

”التأويل في الخطاب الأصولي وأثره في الفقه الحضاري للأمة”

رابط تحميل الكتاب:

https://www.islamanar.com/he-fundamentalist-discourse/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.