منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأويل الصحيح وأثره العقائدي

لطيفة يوسفي

0

العقيدة لغة من العقد والجمع عقود، وعاقدته مثل عاهدته قَال الله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأَوْفُوا بِالْعُقُودِ[1]ومنه الربط، والوجوب والإبرام، والتوثق والشد بقوة، ويقال: عقدت الحبل أعقده عقدا ومنه عقدة اليمين والنكاح، قال تعالى﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.([2]) ([3])

وفي الاصطلاح: ” هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس، حتى تكون يقينا ثابتا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك.”[4]

والعقيدة الإسلامية: هي ” الإيمان الجازم بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، وأصول الدين، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم التام لله تعالى في الأمر، والحكم، والطاعة، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.”[5]

فالرسالات السماوية عامة تشكل وحدة متلاحمة وجوهرا مشتركا وثابتا يتمثل في توحيد الله وإفراده بالعبودية وتخصيصه بالربوبية والألوهية، وفي الرسالة المحمدية خاصة ظل القرآن الكريم يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما يتحدث عن قضية واحدة لا تتغير، وهي قضية العقيدة ذاتها بتوحيد الله تعالى والعبودية له. فقام النبي صلى الله عليه وسلم بإرساء هذه العقيدة وترسيخها في قلوب أصحابه طيلة عمره، وذلك من أجل بناءهم على قاعدة صلبة وأساس متين. إذ أن العقيدة الصحيحة هي أساس هذا الدين، وكل ما يبنى على غير هذا الأساس، فمآله الهدم والانهيار.

وأصول هذه العقيدة ثابتة وواضحة في الاعتقاد والعمل والسلوك، وهي مستمدة من كتاب الله تعالى، وكل ما صح من سنة رسولهصلى الله عليه وعلى آله وسلممتواترا كان أو آحادا، وبفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.وفي ذلك يقول ابن خلدون ” هذه أمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة. وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها الأئمة.”[6]

المزيد من المشاركات
1 من 19

والقرآن الكريم ورد فيه ” وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها وصريحة في بابها فوجب الإيمان بها. ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها.”[7] ثم ذكرت في القرآن آيات أخرى ” قليلة توهم التشبيه مرة في الذات وأخرى في الصفات. فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، واعلموا استحالة التشبيه. وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل.”[8]

يقول أبو المعالي الجويني في (الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية) “: ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين لهم على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب تعالى.”[9]

إلا أنه عرض بعد الرعيل الأول خلاف في تفاصيل هذه العقائد ” أكثر مثارها من الآيالمتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل. فحدث بذلك علمالكلام.”[10] الذي” يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد.”[11]

فسيقت بذلك الحجاج وتنوعت الاتجاهات، فوجدت الفرق الكلامية مجالا يتوفر في المعاني الباطنية للألفاظ، وهنا ظهرت حلقة جديدة من التأويل العقدي الخاضع للاتجاهات التي كانت في أول أمرها تدافع عن العقيدة، وسلاحها في ذلك علم الكلام، وفي ذلك يقول ابن رشد ” تاريخ علم الكلام إذن هو تاريخ النظر في العقيدة. والنظر منهج ورأي، طرق في الاستدلال ووجهات نظر مبنية عليها.”[12] إذ أن تاريخ علم الكلام ” منظورا إليه من زاوية تطور بنائه الداخلي هو في الحقيقة والواقع تاريخ تطور التفكير ” النظري ” في الإسلام.”[13] وقد وضع ابن رشد كلمة ” النظري ” ” بين مزدوجتين للتنبيه إلى المعنى الذي حمله لفظ ” النظر ” في الخطاب العربي الإسلامي: فـ ” النظر ” في هذا الخطاب مصطلح يقال في مقابل ” العمل “، باعتـبار أن ” العـمل ” هو مجـال الشريعة (الفقه) وأن ” النظر” هو مـجال العقـيدة (علم الكـلام ).”[14]

ويقول في موضع آخر ـ مبينا أن هذه القراءة النظرية للخطاب القرآني تتم في ضوء الامتثال لقواعد العقل والتي صاغ ملامحها المعتزلة الذين اعتبروا أن العقل هبة من الله ـ: ” والحق أن ” الكلام ” في شؤون العقيدة، في الإسلام، إنما صار ” علما “، أو ” فنا “، باصطلاح العلماء القدماء ( أي مجموعة منظمة من المعارف حول موضوعات محددة هي هنا: ذات الله وصفاته وأفعاله ) مع المعتزلة، فهم بشهادة واحد من أكبر خصومهم: “[15]ـ حسب الملطي[16] ـ ” أرباب الكلاموأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم وأنواع الكلام والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل والمنصفون في مناظرة الخصوم.”[17]

فالتأويل الذي دخل الأصول من العقائد، وأصول الديانات، وصفات الله، وغير ذلك، وأسهم في نشوء علم الكلام،انقسم العلماء فيه على ثلاثة مذاهب،”

أحدها: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجري على ظاهرها، ولا يؤول شيء منها، وهم المشبهة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

والثاني: أن لها تأويلا، ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل، لقوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ[18] قال ابن برهان: وهذا قول السلف.

والثالث: أنها مؤولة، وأولوها، قال والأول باطل والآخران منقولان عن الصحابة، فنقل الإمساك عن أم سلمة رضي الله عنها، لأنها سئلت عن الاستواء، فقالت الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك سئل عنه مالك، فأجاب بما قالت أم سلمة إلا أنه زاد فيه أن من عاد إلى هذا السؤال أضرب عنقه. وكذلك سئل عنه سفيان الثوري، فقال أفهم من قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[19] ما أفهم من قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ[20] ونقل التأويل عن علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وقال: وهو المختار عندنا.”[21]

فالظاهرية تمسكت بظاهر النص وحرفية الكتاب والسنة دون تأويل شيء من نصوصهما، وذلك أن ” أصحاب الظاهر والحنابلة ينظرون إلى الرأي باعتباره غير ملائم للإيمان المستقر بعد إعماله في الناحية الاعتقادية حينما دخل في نزاع الطوائف والفرق وانعكست عليه ظلال قائمة.”[22] فيقول الشاطبي ” ومثاله في ملة الإسلام مذاهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب ـ المنزه عن النقائص ـ، من العين، واليد، والرجل، والوجه، والمحسوسات، والجهة…وغير ذلك من الثابت للمحدثات.”[23] فوقعوا في ” التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار.”[24]

وبيانه أن المحظور هو حملها على المحسوسات، وهو اللازم من حملها على الظاهر والحقيقة، أما إثباتها مع تنزيه الله تعالى عن ظواهرها وحقائقها اللغوية المعروفة فهو حق، وهو مذهب جماهير سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم. فتغليب ” آيات السلوب في التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين الدليلين بتأويلهم ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام. وليس ذلك بدافع عنهم لأنه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كانا لمعقولية واحدة من الجسم، وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسما من أسمائه.”[25]

يقول ابن رشد: مبينا أن الأحاديث ” التي يقتضي ظاهرها التشبيه مخافة أن يتحدث بها فيكثر التحدث بها وتشيع في الناس فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها. وسبيلها إذا صحت الروايات بها- أن تتأول على ما يصح مما ينتفي به التشبيه عن الله عز وجل بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه، وهو كثير، كالإتيان في قوله عز وجل ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾،[26]والمجيء في قوله عز وجل﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا[27] والاستواء في قوله﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.[28] وكما يفعل أيضا بما جاء من ذلك في السنن المتواترة، كالضحك، والتنزيل، وشبه ذلك مما لم يكره روايتها لتواتر الآثار بها، لأن سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها على ما ينتفي به تشبيه الله عز وجل بشيء من خلقه سواء. وأبعدها كلها من التشبيه ما جاء من أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ، لأن العرش مخلوق خلق من خلق الله عز وجل، فلا يستحيل عليه الحركة والاهتزاز، وإضافته إلى الله تعالى إنما هي بمعنى التشريف له، كما يقال: بيت الله وحرمه، لا بمعنى أنه يحل فيه وموضع لاستقراره، إذ ليس في مكان ولا مستقرا بمكان، فقد كان قبل أن يخلق المكان، فلا يلحقه عز وجل باهتزاز عرشه ما يلحق من اهتز عرشه من المخلوقين وهو جالس عليه من تحركه بحركته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.”[29]

وهناك من نفى التشبيه فحمل صفات الله تعالى على المجاز بما يعرف بـ ” التأويل المجازي[30] وهم المعتزلة، ومثاله قوله تعالى﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَلِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾.[31]

حملت هذه الآية على المجاز بمقتضى التنزيه المطلق فقالت المعتزلة” إنه ممن يتعالى عن الجوارح، وفي هذه الآية وجوه:

  • أولها: أن يكون جاريا مجرى لما خلقت أنا، وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة.
  • ثانيها: أن يكون معنى اليد النعمة، ولا إشكال في أن من محتملات لفظة اليد النعمة.
  • فأما الوجه في تثنيتها، فقد قيل فيه إن المراد نعمة الدنيا ونعمة الآخرة.
  • ثالثها: أن يكون معنى اليد هنا القدرة، وذلك من محتملات اللفظ أيضا.”[32]

ومثاله كذلك ما ذهبت إليه في قوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[33]فلا” يسلمون بمعناها اللفظي، ويصرفونها إلى المجاز بمعني ” تعاين ربها في الجنة.”[34] وقد بقيت هذه المسألة من”أشهر مسائل الخلاف بين أهل النقل والمعتزلة. والواضح أن الحكم لدى هذه الفرق في تأويل النصوص هو المنهج العقدي لكل فريق، وإن كان أهل السنة والجماعة أكثر اعتدالا، وهم أهل الحق والصواب.”[35]

وقد فعلوا ذلك ـ أي المعتزلة ـ في جميع الآيات والأحاديث التي ” قد يخالف ظاهرها أصول التوحيد، وقد كان المعتزلة منطقيين مع أنفسهم حيث وجهوا التأويل وما يتفق مع تنزيهم المطلق، إذ كان الخطب سهلا لو أنهم صرحوا بمقالاتهم في نفي الصفات على أنها رأيهم الخاص، إلا أنهم قد أعلنوا أن ذلك هو حقيقة الدين وأصوله، وقد أعطوا للعقل حريته في فهم النص وتأويله كما قرروا أن العقل والوحي من الله فلا يتنقضان، فما يجيء به الوحي فهو معقول وإلا وجب تأويله عقليا.”[36]

ومع هذا فهم يتمسكون بظاهر اللفظ أحيانا، وذلك إذا خالف تأويله اتجاههم فالمعتزلة يتمسكون بالمعنى اللفظي للآية ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَاللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[37] الذي يتأوله أهل السنة بقولهم: ” لا تدركه الأبصار يعني في الدنيا دون الآخرة…فهم يرونه.”[38]

وهناك من تعمق في باطن اللفظ، إلى حد الغلو والتشديد وهم الباطنية.يقول ابن تيمية: ” وأعجب من ذلك قول بعضهم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ[39]أبو بكر وعمر ﴿وَطُورِ سِينِينَ[40]عثمان ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ[41]علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا[42]كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرًا بعد خبر. و” المقصود هنا ” أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مرادا به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرا في شخص واحد كقوله: إن قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ[43] أريد بها علي وحده، وقول بعضهم: إن قوله ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ[44]أريد بها أبو بكر وحده، وقوله﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ[45]أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك.”[46]

وقد رد العلماء هذه التأويلات ذات التشبيه والتجسيم، وقالوا بتأويل ما يتناسب مع أصول العقيدة، وكمال الله فـ”للراسخين طريقا يسلكونها في اتباع الحق، وأن الزائغين على غير طريقهم، فاحتجنا إلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنتجنبها، كما نبين الطريق التي سلكها الراسخون لنسلكها.”[47]

وطرق الزائغين: ” اعتمادهم على الأحاديث الواهية والمكذوبة…ومنها ضد هذا، وهو ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم،…ومنهاتخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العرو عن علم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله…ومنها: انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف.”[48]

وهذه التأويلات المخالفة لمنهج السلف ترجع حسب ابن تيمية إلى ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، من جهتين:

إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه والمخاطب به.فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.والآخرون راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى اسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.

والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا فيالمدلول. وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن، فإنه وقع أيضا في تفسير الحديث، فالذينأخطؤوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم. تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومنهؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم. “[49] فكانت هذه ” الأخطاء في الدليل والمدلول حسب تتبع ابن تيمية من أسباب الاختلاف في التفسير وتأويل كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على غير تأويله وبغير ما أريد به.

ويفيدنا هذا التتبع في كونه يبرز أسباب رفض فعل التأويل في مقابل قبول فعل التفسير. لكن المنهج التأويلي الذي قدمه الأصوليون باعتباره اجتهادا صادرا من أهل العلم بقواعده وفي محله ينفي رفض فعل التأويل لمجرد حدوث تأويلات خاطئة في مسالك علمية محددة. ويثبته معرفيا ضروريا لعملية الفهم والتدبر المنضبطة بمنطق الشرع ومنطق اللغة في تثوير النص الشرعي.”[50]

وبين الوقوف على الظاهر الحرفي والمغالاة العقلية جاء أبو الحسن الأشعري 260/ 324 هـ[51] “ـ تاريخيا إن لم يكن شخصيا ـ وكأنه ثار على مذهب المعتزلة لينشئ مذهبا ” وسطا ” يريد إقامة ” التوازن ” بين الطرفين: بين التنزيه الذي يقتضيه ” العقل ” لمواجهة أصحاب الاثنين والقائلين بالتثليث والمجسمة بمختلف أصنافها، وبين كثير من آيات القرآن التي لا يستقيم إيمان الجمهور ولا تتوطد العقيدة في نفوسهم إلا بأخذها على ظاهرها، من جهة، وبين حرية الله وقدرته المطلقتين وبين درجة ما من الحرية والقدرة لابد من نسبتهما للإنسان لجعله ” يكسب ” أعماله ويتحمل مسؤوليتها، من جهة أخرى. إنها فكرة ” الكسب ” التي جعلها أبو الحسن الأشعري بديلا لحرية الإرادة و ” خلق الأفعال.”[52]

يقول ابن خلدون مؤكدا ذلك ” قام الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط ين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف. وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل. ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب. وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئد من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان”.[53]

ويضيف قائلا: ” وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلميذه كابن مجاهد وغيره. وأخذ عنهم أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء.”[54]

ومما بيض به الأشعري ” وجوه أهل السنة النبوية، وسود به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج، مناظرته مع شيخه الجبائي، التي بها قصم ظهر كل مبتدع ومرائي، وهي: سأل أبو الحسن المذكور أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة، كان أحدهم مؤمنا برا تقيا، والثاني كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا فماتوا، فكيف حالهم؟ فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة. فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال:الجبائي: لا، لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال: ذلك التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبائي: يقول الباري جل وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري: فلو قال الأخ الأكبر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي.ولهذه المناظرة دلالة على أن الله تعالى خص من شاء برحمته، وخص آخر بعذابه.”[55]

فمنهج الأشاعرة هو المنهج الأصلح في خلق عقيدة وسطية واضحة جامعة بين النقل والعقل جمعا وسطا، وقادرة على بناء إنسان العقيدة السليمة الخالية من الأوهام والتخبطات في الرؤى والأحكام العقدية.فمما لاشك فيه ” أن الأشعري جاء بقول توسط فيه بين أقوال المعتزلة وأقوال أهل السنة.”[56]

وهذا كله بخلاف التأويل المعتمد عند المعتزلة والظاهرية، ففيه تحريف واضح للعقائد الإيمانية ومفتاح لباب الهوى والبدع. وقد جعل الله ” اتباع الهوى مضادا للحق، وعده قسيما له، كما في قوله تعالى﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[57]وقال تعالى﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى[58]وقال في قسيمه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[59]وقال﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىإِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[60]فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما، وإذا كان كذلك، فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده، فاتباع الهوى مضاد للحق.وقال تعالى﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ[61]وقال﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ[62]وقال﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ[63]وقال﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.[64]

وتأمل، فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى، فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه، فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى والدخول تحت التعبد للمولى.”[65]

فالأقرب والأسلم الجمع بين المنقول والمعقول باعتبار كل واحد منهما أصلا مهما يحدد مفهوم التأويل الصحيح الذي يتوجب العمل به بالبرهان العقلي في معرفة الحق من النص الشرعي بناءا على أن المعرفة العقلية الحقة لا تكذب بالشرع. إذ أن العلوم كلها ” داخلة في أفعال الله تعالى وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الأمور تدل على أن فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا باستماع فنون كثيرة ولا بد من الإشارة إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولا ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر.”[66]

وهذا ما اختاره الإمام الغزالي في معرض بيانه فرق التأويل بيانا جامعا دقيقا يقول:

 – الفرقة الأولى: هم الذين جردوا النظر إلى المنقول، وهم الواقفون على المنزل الأول من منازل الطريق، القانعون بما سبق إلى أفهامهم من ظاهر المسموع، فهؤلاء صدقوا بما جاء به النقل تفصيلا وتأصيلا، وإذا شوفهوا بإظهار تناقض في ظاهر المنقول، وكلفوا تأويلا امتنعوا وقالوا: إن الله قادر على كل شيء.

 – الفرقة الثانية: تباعدوا عن هؤلاء إلى الطرف الأقصى المقابل لهم، وجردوا النظر إلى المعقول، ولم يكترثوا بالنقل.

فإن سمعوا في الشرع ما يوافقهم قبلوه، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم زعموا أن ذلك صوره الأنبياء، وأنه يجب عليهم النزول إلى حد العوام، وربما يحتاج أن يذكر الشيء على خلاف ما هو عليه. فكل ما لم يوافق عقولهم حملوه على هذا المحمل، فهؤلاء غلوا في المعقول حتى كفروا إذ نسبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب للأجل المصلحة.

 – الفرقة الثالثة: جعلوا المعقول أصلا فطال بحثهم عنه، وضعف عنايتهم بالمنقول فلم تجتمع عندهم الظواهر المتعارضة المتصادمة في بادئ الرأي، وأول الفكر المخالفة للمعقول، فلم يقعوا في غمرة الإشكال، لكن ما سمعوه من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه، وأنكروه، وكذبوا راويه، إلا ما يتواتر عندهم كالقرآن، أو ما قرب تأويله من ألفاظ الحديث، وما شق عليهم تأويله جحدوه حذرا من الإبعاد في التأويل، فرأوا التوقف عن القبول أولى من الإبعاد في التأويل، ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الأحاديث الصحيحة المنقولة عن الثقات الذين بهم وصل الشرع إلينا.

 – الفرقة الرابعة: جعلوا المنقول أصلا، وطالت ممارستهم له، فاجتمع عندهم الظواهر الكثيرة، وتطرفوا من المعقول ولم يغوصوا فيه، فظهر لهم التصادم بين المنقول والظواهر في بعض أطراف المعقولات، ولكن لما لم يكثر خوضهم في المعقول، ولم يغوصوا فيه، لم يتبين عندهم المحالات العقلية، لأن المحالات بعضها يدرك بدقيق النظر وطويله الذي ينبني على مقدمات كثيرة متوالية، ثم انضاف إليه أمر آخر وهو: أن كل ما لم يعم استحالته حكموا بإمكانه.

 – الفرقة الخامسة: هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منهما أصلا مهما، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقا، ومن كذب العقل فقد كذب الشرع، إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب. وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل.

وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجا قويما، إلا أنهم ارتقوا مرتقى صعبا، وطلبوا مطلبا عظيما، وسلكوا سبيلا شاقا، فلقد تشوقوا إلى مطمع ما أعصاه، وانتهجوا مسلكا ما أوعره.”[67]

فالأولى إجراء الأمور على ما أجراها عليه السلف الصالح، دون تعطيل، ولا تجسيم ولا تشبيه، وهو معتقدنا ومعتقد الأشاعرة جميعا، الذي تميز بوسطيته واعتداله وبناء العقيدة على أساس صحيح سمحت بغرس أصول الإيمان في الإنسان من غير تشويش عليها ومن غير جنوح لها نحو التشبيه ولا نحو المغالاة العقلية.

فالعقيدة الصحيحة هي ” الفكرة الدافعة للتحضر “[68] ومن شأنها كذلك أن ” تبسط للمسلم مجالا عريضا للنظر والبحث والتقصي، إذ تجعل كل مظاهر الوجود والحياة موضوعا عليه أن يتجه إليه بالنظر ليستمد منه ما يعينه على القيام بمهمة الخلافة الموصولة على نحو أو آخر بتلك المظاهر كلها. فعالم الغيب مبسوط للنظر بغاية التمثل الاعتقادي لوجود الله وصفاته، ولحياة المآل وأحكامها، والإيمان بهذه المعتقدات في جملتها لا يكون إيمانا كاملا في الاعتبار الإسلامي إلا حينما يستقر في النفس بناء على النظر المؤدي إلى الاقتناع الذاتي.وعالم الشهادة المادي مبسوط للنظر لتكون فيه الدلالة على عالم الغيب ليعلم به، ولتتم باكتشاف قوانينه السلطنة عليه وتسخيره لإنجاز الخلافة. وعالم الحياة الإنسانية مبسوط للنظر اعتبارا بما كان منها ماضيا، وترشيدا وتسديدا لما هو منها حاضر ومستقبل.”[69]

وكل هذه المعاني مجملة في قوله تعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [70]فهو ” أمر ببسط البحث والتقصي في عالم الشهادة المادي أرضا وسماء، وهو أمر بالنظر في آثار الحياة السابقة وما شهدته من النذر للاسترشاد بذلك في تسديد الحياة الراهنة والمقبلة.”[71]

وهكذا يتسع مجال النظر الإنساني عامة ونظر المؤول خاصة سعة غير متناهية في مادة المعرفة ليشمل كل شيء مرئي وغيبي في إطار تأويل صحيح مشروع يجمع بين قراءة الوحي المسطور وقراءة الوحي المنظور.فلا” يمكن فهم قواعد التحضر الإسلامي في تحليلها تاريخيا، أو في بنائها مستقبليا إلا بالوقوف على الصورة العقدية للعلاقة التي صورها الإسلام بين الإنسان والكون وحدة واستعلاء وتسخيرا.”[72]

فتعاليم القرآن الكريم ما فتئت توجه الإنسان ” توجيها مباشرا إلى الانخراط الكثيف في مناكب الكون بقصد استثمار مرافقه، والانتفاع بمقدراته في بناء الحياة وتنميتها، وقد سمي ذلك بالابتغاء من فضل الله، ومنه قوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ[73]وقوله تعالى﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾([74])([75])

وليس السعي في الكون لاستثماره والابتغاء من فضل الله فيه أمرا ” نافلة، إن شاء الإنسان أتاه وإن شاء تركه، بل هو واجب ديني يندرج ضمن المهمة التي من أجل أجلها خلق الإنسان وهي الخلافة في الأرض، فهذه الخلافة لا تتحقق إلا بالتعمير المادي. والتعمير المادي لا يكون إلا بالاستثمار لمرافق الكون، وذلك ما يتبين في مثل قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾” ([76]) ([77])

وهذا الانتفاع المادي للكون الذي هو غاية الحياة في هذه الحضارة يؤتى من حيث السنن التي سنها الله عز وجل فيه، إذ أنه ” قانون عام في التعامل الإنساني مع الكون، لا دخل فيه لإيمان أو كفر، ولا لهدى أو ضلال بالنسبة لمن يقبل على الكون للانتفاع، فليس للمؤمن أن يظن أنه بمقتضى إيمانه يجد الحظوة عند الكون فيعطيه الخير بغير قانونه، بل إنه يعطي ويمنع بحسب ما يتعامل به المقبل عليه من أخذ بالأسباب أو إهدار لها سواء كان مهتديا أو ضالا، وهو ما جاء في قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾([78]) ([79]) وفي تأويل هذه الآية يقول الطبري ” من عمل عملا صالحا في غير تقوى ـ يعني من أهل الشرك ـ أعطي على ذلك أجرا في الدنيا: يصل رحما، يعطي سائلا يرحم مضطرا، في نحو هذا من أعمال البر، يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقر عينه فيما حوله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا، في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب”[80]، فالله عز وجل جعل لكل شيء نظما وسننا تنظم علاقته بكل ما في الكون، فمن أخذ كل شيء بسنته أقبلت عليه تلك السنة بما لها من أخلاق الرزق ومكنون الثروة، وقد بلغ من اطراد ذلك بأن جعله الله قانونا منقادا لكل من عمل به واستغله بحقه، مؤمنا بالله أو غير مؤمن.

إن هذا التأويل العقدي يؤطر للانتفاع بالكون في إطار من العقيدة، بأن ” يوجه فيما تقتضيه تعاليمها، وما ترسمه من غايات وأهداف. فإذا كانت مرافق الكون هي من خلق الله تعالى ومن نعمه على عباده، وإذا كان الإنسان في التحضر الإسلامي مكلفا بأن ينجز التحضر لغاية أن يحقق غاية عقدية هي غاية الخلافة، فإنه يكون من المطلوب منه أن يوجه مناشطه الانتفاعية بالكون في الوجهة التي تتلاءم مع تلك المقدمة وهذه الغاية.”[81]وهذا ما ذهب إليه فخر الرازي في تأويله قوله تعالى ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[82] بأن كل شيء خلق على هيئة قانونية يكون نفعه بحسبها.إذ يقول: “فثبت أنه سبحانه هو الذي خلق كل الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها.”[83]

مقتطف من كتاب:

”التأويل في الخطاب الأصولي وأثره في الفقه الحضاري للأمة”

رابط تحميل الكتاب:

https://www.islamanar.com/he-fundamentalist-discourse/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.