منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تفسير سورة الضحى

تفسير سورة الضحى/ الشيخ بنسالم باهشام

0

تفسير سورة الضحى

الشيخ بنسالم باهشام

﴿ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ

﴿ وَالضُّح۪ىٰ ﴿1﴾ وَاليْلِ إِذَا سَج۪ىٰ ﴿2﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ىٰۖ ﴿3﴾ وَلَلَاخِرَةُ خَيْرٞ لَّكَ مِنَ اَ۬لُاول۪ىٰۖ ﴿4﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْض۪ىٰٓۖ ﴿5﴾ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماٗ فَـَٔاو۪ىٰ ﴿6﴾ وَوَجَدَكَ ضَآلّاٗ فَهَد۪ىٰ ﴿7﴾ وَوَجَدَكَ عَآئِلاٗ فَأَغْن۪ىٰۖ ﴿8﴾ فَأَمَّا اَ۬لْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْۖ ﴿9﴾ وَأَمَّا اَ۬لسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْۖ ﴿10﴾ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَۖ ﴿11﴾ ﴾

التعريف بسورة الضحى

سورة الضحى من أعظم السور المبشرة، التي تحمل المبشرات الواعدة…، وهي مكية، نزلت قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وآياتها  11 آية، وترتيبها بالمصحف 93. بعد سورة الليل، وقبل سورة الشرح، أما ترتيبها في النزول فهي السورة 11، نزلت بعد سورة الفجر وقبل سورة الشرح، وقد نزل الوحي بها على النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم- بعد انقطاعه لعدّة أيام، فضاق صدر النّبيّ صلى الله عليه وسلم، واشتدّ كربه، وظنّ بأن الوحي قد هجره، فكان الفرج الرّبانيّ، ونزل الوحي بهذه السّورة الكريمة، بلمستها الحانية على قلب المصطفى – صلّى الله عليه وسلّم- لتخفّف عنه ما نزل به من آلام وأوجاع وأحزان، وتسكب فيه الأمل والرّضى، فكانت له من ربّه تسلية وتسرية ونجاء وطمأنينة، بدأت السورة بقسم ” والضحى والليل إذا سجى “. وحديثها عن شخصية حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مقصد سورة الضحى

 الرسول الله صلى الله عليه وسلم وثلاثية التبشير والإنعام والتنفيذ

 أقسام سورة الضحى

 انطلاقا من المقصد العام لسورة الضحى، يمكن تقسيمها إلى مقدمة وثلاث فقرات.

 المقدمة:  القسم بالضحى الذي يمثل وقت ابتداء حركة الناس، يقابله الليل إذا سجى وهو وقت السكون والراحة.

﴿ وَالضُّح۪ىٰ ﴿1﴾ وَاليْلِ إِذَا سَج۪ىٰ ﴿2﴾﴾

أقسم سبحانه بأول النهار الضحى، والليل إلى سجى، ولم يقسم سبحانه بالليل إذا سجى أولاً ثم الضحى، لأن الضحى هو نور الوحي، وكان السكون بعد الوحي، وكان القسم على إثر انقطاع الوحي، فانقطاع الوحي هو الذي تأخر، وليس العكس، لذا جاء قسم الضحى أولاً ثم الليل.

غريب الكلمات في السورة

﴿ وَالضُّح۪ىٰ : الضحى في اللغة: هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق، والسر في عدم القسم بالنهار أو بالفجر، أن الضحى هو وقت إشراق الشمس، أما النهار فهو كل الوقت من أول النهار إلى آخره، والضحى يمثل وقت ابتداء حركة الناس يقابله الليل إذا سجى وهو وقت السكون والراحة. والفجر هو أول دخول وقت الفجر، ولا يكون هناك ضوء بعد، أو نور،  كوقت الضحى بعد شروق الشمس.

﴿ سَج۪ىٰ: سجى في اللغة: لها ثلاث معاني، 1 – فهي بمعنى سكن، 2 – أو اشتد ظلامه، 3 – أو غطى، مثل تسجية الميت. ووردت كلمة سجى بدل غشي أو يسري، كما في قوله تعالى في سورة الليل: (والليل إذا يغشى)، وفي سورة الفجر: (والليل إذا يسر)، أن من معاني سجى: سكن، وهذا يمثل سكون الوحي، وانقطاعه، وهذا هو السكون، والانقطاع ظلمة، وهذا المعنى الثاني لسجى، فكلمة سجى جمعت المعاني كلها التي تدل على انقطاع الوحي وسكونه. أما كلمة يغشى أو يسر، فهما تدلان على الحركة، وهذا يناقض المقصد من القسم في هذه السورة. وعليه؛ فإن القسم ﴿ وَالضُّح۪ىٰ ﴿1﴾ وَاليْلِ إِذَا سَج۪ىٰ ﴿2﴾﴾، هو أنسب قسم للحالة التي هو فيها من نور الوحي وانقطاعه، وكل قسم في القرآن له علاقة بالمقسم به.

 المناسبة بين القسم وجوابه

 القسم في السورة هو الضحى والليل إذا سجى، وجوابه ما ودع الله رسوله وما قلاه، وعلاقة المقسم به بالمقسم عليه تتجلى في:

1 – للوقوف على سر قسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى في هذا المقام، ينبغي أن نبحث أولاً عن الأحداث التي كانت سبباً في نزول هذه السورة، ثم عن الظروف التي اكتنفتها، ثم عن نفسية الرسول صلى الله عليه وسلم حينذاك.

ورد في الصحيحين: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى؛ فلم يقم للتهجد ليلتين أو ثلاثا،ً فجاءت امرأة – هي أخت أبي سفيان وامرأة أبي لهب – فقالت متهكمة: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قِرَبك منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله عزَّ وجل: “وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى* وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى* وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى”).

فأحزنه صلى الله عليه وسلم تعبيرها، وعدم رؤيته جبريل عليه السلام، مع مزيد حبه إياه، فنزلت السورة لإيناسه، وإزالة وحشته، ونفي ما زعموه على أبلغ وجه.

فأقسم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على أنَّ تلك الفترة لم تكن عن ترك، ولا عن قلى، وأشار سبحانه في القَسَم إلى أنَّ ما كان من إشراق الوحي على قلبه أول مرة، هو بمنزلة الضحى يقوي به الحياة وتنمو به الناميات، وما عرض بعد ذلك من فترة، فهو بمنزلة الليل إذا سكن، لتستريح فيه القوى، وتستعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل. وبدون سكون الليل، لا تتم الاستراحة، وبالتالي لا تكون حركة في وقت الضحى، للتعب الناتج عن عدم السكون، وهكذا انقطاع الوحي فترة للاستراحة والاستعداد لما سيأتي بقوة ونشاط وإقبال.

وتخصيصه تعالى للوقتين بالإقسام، ليسير سبحانه بحالهما إلى حال ما وقع له عليه الصلاة والسلام، ويؤيد عزَّ وجل نفي ما توهم فيه. فكأنه تعالى يقول: الزمان ساعة فساعة، ساعة ليل وساعة نهار، ثم تارة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار، وأخرى العكس، فلا الزيادة لهوى، ولا النقصان لقلى، بل كلٌ لحكمة، وكذا أمر الوحي: مرة إنزال وأخرى حبس، فلا كان الإنزال عن هوى، ولا الحبس عن قلى، بل كل لحكمة.

وفي ذلك تسلية منه تعالى لرسوله صلوات الله عليه وسلامه، فكأنه سبحانه يقول: انظر يا محمد إلى هذين المتجاورين الليل الساجي، والضحى، لا يسلم أحدهما من الآخر، بل الليل يغلب تارة، والنهار أخرى، فكيف تطمع أنت أن تسلم من الخلق ومن تنغيصهم.

2 – الضحى هنا يمثل نور الوحي وإشراقه، والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه، والدنيا من غير نور الوحي ظلام، ولذلك قدم سبحانه الضحى هنا لأنه ما سبق من نور الوحي، وأخر الليل لما يمثل من انقطاع الوحي.

3 – كما يرتاح الشخص المتعب بالليل ليتجدد نشاطه بالضحى، تم انقطاع الوحي فترة، ليتجدد النشاط للمرحلة المنتظرة، ومن معاني سجى: السكون، وهو يمثل الراحة وهو نعمة. فالقسم هنا جاء لما تستدعيه الحالة التي هو فيها صلى الله عليه وسلم.

  • الفقرة الأولى: ثلاثية التبشير

تقوم سورة الضحى على ثلاث ثلاثيات.. وكل ثلاثية مكونة من ثلاث آيات.

  • الثلاثية الأولى: ثلاثية التبشير.

وهي في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ىٰۖ ﴿3 وَلَلَاخِرَةُ خَيْرٞ لَّكَ مِنَ اَ۬لُاول۪ىٰۖ ﴿4﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْض۪ىٰٓۖ ﴿5﴾ ﴾.

بشر الله رسوله صلى الله وعليه وسلم بثلاث بشريات.. كل آية فيها بشرى له:

  •  البشرى الأولى: تبشيره بمعيته له.

في قوله تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ىٰۖ ﴿3﴾﴾:

يبشره الله أنه معه، وأنه لن يتركه، فهو ما ودعه، وما قلا،  وما أبغضه، وهذه بشرى عظيمة له.

  • البشرى الثانية: تبشيره بتأمين المستقبل

في قوله تعالى: ﴿ وَلَلَاخِرَةُ خَيْرٞ لَّكَ مِنَ اَ۬لُاول۪ىٰۖ ﴿4﴾﴾.

يبشره الله بأن أواخر الأحوال والأشياء عنده خير له من أوائلها وبداياتها، وهذه بشرى له بتأمين المستقبل، فمستقبله خير له من ماضيه وحاضره، وذلك بضمان الله له.

  • البشرى الثالثة: تبشيره بإرضائه.

في قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْض۪ىٰٓۖ ﴿5﴾ ﴾.

يبشره الله بدوام واستمرار عطائه له، وإنعامه عليه، حتى يرضيه، ومن محبة الله له، أنه سبحانه يريد أن يرضيه.

وكم سعادة وسرور الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى هذه البشريات الثلاث من ربه الكريم سبحانه.

  •  الفقرة الثانية: ثلاثية الإنعام.

بعد التبشير، يأتي التذكير بالفضل والإنعام، وهي أهم ثلاث نعم أنعم الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماٗ فَـَٔاو۪ىٰ ﴿6﴾ وَوَجَدَكَ ضَآلّاٗ فَهَد۪ىٰ ﴿7﴾ وَوَجَدَكَ عَآئِلاٗ فَأَغْن۪ىٰۖ ﴿8﴾ ﴾.

جاء ترتيب الآيات على هذا النحو، وهو ترتيب طبيعي في الحياة.

1 – اليتم: ويقال لمن فقد والديه أو أحدهما، وهو دون سن البلوغ، فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم، وإذا بلغ، دخل في سن التكليف الشرعي، فهو يحتاج إلى

2 – الهداية:  ليتعلم كيف يسير في الحياة قبل أن يكون فقيراً أو غنياً، وكيف يجمع المال الحلال، لأن كل مال جمع من غير طريق الهداية هو سحت، ثم تأتي

3 – العيلة: وهي أمر آخر بعد البلوغ؛ من الناس من يكون فقيراً أو غنياً، وعلى الاثنين أن يسيرا وفق التعاليم التي تعلماها بعد البلوغ مباشرة، وهذا طبيعي، ويمر به كل الخلق، فهذا هو التسلسل الطبيعي في الحياة. لذا بدأ سبحانه بالحالة الأولى (اليتم)، ثم إذا بلغ تأتي (الهداية) في المرتبة الثانية، وثالثاً (العائل والغني)، يجب أن يسيرا على الهداية.

وذكّر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بثلاث نعم.. كل آية فيها نعمة له:

  • النعمة الأولى: نعمة الإيواء والرعاية..

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماٗ فَـَٔاو۪ىٰ ﴿6﴾.

  •  النعمة الثانية: نعمة الإيمان والهداية.

﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلّاٗ فَهَد۪ىٰ ﴿7﴾﴾.

  •  النعمة الثالثة: نعمة العطاء والإغناء.

﴿ وَوَجَدَكَ عَآئِلاٗ فَأَغْن۪ىٰۖ ﴿8﴾ ﴾.

هذه من أهم وأجمل وأروع النعم التي أنعم الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم.

والحذف في ثلاثية العطاء والإغناء جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم. فقال سبحانه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماٗ فَـَٔاو۪ىٰ ﴿6﴾ وَوَجَدَكَ ضَآلّاٗ فَهَد۪ىٰ ﴿7﴾ وَوَجَدَكَ عَآئِلاٗ فَأَغْن۪ىٰۖ ﴿8﴾ ﴾.

ولم يقل سبحانه: فآواك… فهداك…، فأغناك، ليكون المعنى مطلقا، فآوى: بمعنى فآواك، وآوى لك، وآوى بك، وأغناك، وأغنى لك، وأغنى بك، وهداك، وهدى لك، وهدى بك، فلو قال سبحانه وتعالى: فوجدك عائلا فأغناك، لكان الغنى محصوراً بالرسول صلى الله عليه وسلم فقط، لكن عندما أفاد الإطلاق، دل ذلك على أنه سبحانه أغنى رسوله، وأغنى به، وبتعليماته، فيما خص الإنفاق وغيره خلقاً كثيرا،ً وأغنى له خلقاً كثيراً، وكذلك آوى الرسول صلى الله عليه وسلم، وآوى به خلقا كثيراً بتعاليمه الكثيرين، وتعاليمُه كانت تحض على رعاية اليتامى، وحسن معاملتهم، واللطف بهم، وآوى لأجله الكثير من الناس، لأن من الناس من يأوي اليتامى حبا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وطمعا في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة، كما ورد في الحديث: (أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار إلى إصبعيه). وكذلك بالنسبة للهداية، فالله تعالى هدى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدى به خلقاً كثيراً، قال تعالى: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، وهدى له ولأجله من أراد سبحانه وتعالى.

إذن خلاصة القول: إن الحذف هنا جاء لظهور المراد، وفواصل الآيات، وسعة الإطلاق، كلها مجتمعة لا يتعارض أحدها مع الآخر. وكذلك تُناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى). فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى.

  • الفقرة الثالثة: ثلاثية التنفيذ.

﴿ فَأَمَّا اَ۬لْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْۖ ﴿9﴾ وَأَمَّا اَ۬لسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْۖ ﴿10﴾ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَۖ ﴿11﴾ ﴾.

ثلاثية التنفيذ، هي ثمرة ونتيجة للثلاثيتين قبلها: ثلاثية التبشير والإنعام، من باب شكر الله على ما أعطى وبشر وتكرم، ففي ثلاثية التنفيذ والشكر في الآيات الثلاثة الأخيرة، يظهر موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من نعم الله عليه، والتي وردت في آيات السورة السابقة بأن يشكر الله عليها، وشكره بالعمل والتنفيذ، وكل تنفيذ ورد في آية من هذه الثلاثيات.

  • التنفيذ الأول: عدم قهر اليتيم.

في قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا اَ۬لْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْۖ ﴿9﴾﴾.

عليه أن لا يقهر اليتيم، وأن لا يظلمه، وأن يتذكر كيف آواه الله عندما كان يتيما.

  • التنفيذ الثاني: عدم نهر السائل.

في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا اَ۬لسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْۖ ﴿10﴾﴾.

فعليه أن لا ينهر السائل الذي يريد معرفة دينه، وأن لا يرده، بل يكرمه ويعطيه، وأن يتذكر فضل الله عليه، عندما هداه عن ضلالة. كما لا يرد من جاء يسأل مالا لسد حاجته.

  • التنفيذ الثالث: التحدث بنعم الله

في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَۖ ﴿11﴾ ﴾

فعليه أن يتحدث بنعم الله التي لا تحصى، وأن ينشرها، وأن يبقى ذاكرا وشاكرا لله المنعم المعطي الكريم، بهذا يقابل نعم الله بالشكر، وفضل الله بالذكر. وهكذا تتكامل الثلاثيات الثلاثة لهذه السورة المبشرة المشرقة.

من خصائص سورة الضحى

اختصت سورة الضحى بأمور تتعلق بجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كالآتي:

1 – ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ىٰۖ ﴿3﴾﴾

أن الله عز وجل ما ترك نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  منذ أدناه، وما أبغضه منذ أحبه.

 2 – ﴿ وَلَلَاخِرَةُ خَيْرٞ لَّكَ مِنَ اَ۬لُاول۪ىٰۖ ﴿4﴾﴾.

أن الآخرة خير له من الأولى.

3 – ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْض۪ىٰٓۖ ﴿5﴾﴾.

أنه سيعطيه ربه حتى يرضى.

4 – ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماٗ فَـَٔاو۪ىٰ ﴿6 وَوَجَدَكَ ضَآلّاٗ فَهَد۪ىٰ ﴿7 وَوَجَدَكَ عَآئِلاٗ فَأَغْن۪ىٰۖ ﴿8﴾﴾.

امتنانه تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث كان يتيما فآواه، وضالا لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فهداه إلى معرفة ذلك وعلمه، وعائلا محتاجا فأغناه بما هيأ له من أسباب التجارة في مال مولاتنا المحبوبة خديجة رضي الله عنها.

وهذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة ﴿ ما ودعك ربك وما قلى﴾، ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى﴾، ومرتبطة أيضاً بالقسم في أول السورة ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾. والآية ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ تؤكد أن ربه لم يودعه ولم يقله، وكذلك في ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾، وهي كلها تصب في ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى﴾، فالإيواء خير من اليتم؛ والهداية خير من الضلالة؛ والإغناء خير من العيلة، فكلها مرتبطة بالآية ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ وتؤكد معناها.

﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾، فالله تعالى لم يترك رسوله صلى الله عليه وسلم ليتمه، أو لحاجته، أو للضلال، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى هي مرتبطة بالقسم، فقد أقسم الله تعالى بالضحى والليل وما سجى؛ واليتم ظلمة، والإيواء هو النور، وكذلك الضلال ظلمة، والهدى نور، والحاجة والعيلة ظلمة أيضاً، والغنى نور وبهجة.

وفي هذه الآيات بدأ سبحانه وتعالى بالظلمة ثم النور (اليتم ثم الإيواء، الضلال ثم الهدى، العيلة ثم الغنى، وهذا ليناسب ويتوافق مع قوله تعالى: ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى﴾،  والأولى هي الظلمة، أما الآخرة فهي النور، وهي خير له من الأولى.

5 –  الوصية له صلى الله عليه وسلم بثلاث خصال مقابل ما كان عليه في أوائله:

  • أولا: ﴿ فَأَمَّا اَ۬لْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْۖ ﴿9﴾﴾.

عدم قهر اليتيم واحتقاره، فقد كان يتيما فآواه الله تعالى إلى عمه فأحسن إليه.

  • ثانيا: ﴿ وَأَمَّا اَ۬لسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْۖ ﴿10﴾﴾.

عدم زجر السائل والإغلاظ له، فقد كان عائلا فسهل الله له طريق العيش فأغناه. وحائرا فهداه.

  • ثالثا: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَۖ ﴿11﴾﴾.

التحدث بنعمة الله تعالى عليه بإبلاغ الرسالة وتعليم الجاهل وإرشاد الحائر، فقد كان تائها عن معرفة الكتاب وفروع الشريعة وتفاصيلها، فعلمه الله ما لم يكن يعلم صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم.

الأحاديث الصحيحة الواردة في تفسير سورة الضحى

  • أولا: قوله تعالى: ﴿ وَالضُّح۪ىٰ ﴿1 وَاليْلِ إِذَا سَج۪ىٰ ﴿2مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ىٰۖ ﴿3﴾ ﴾.

﴿ الحديث 1 .

 روى البخاري في التهجد، وفي التفسير، وفي فضائل القرآن، ومسلم في الجهاد، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا البجلي رضي الله عنه يَقُولُ : (اشْتَكَى النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، وفي رواية: ليلتين أو ثلاثا، فَجاءت امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إني لأرجو أن يكون شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ ، لم أرَ قَرِبَك منذ ليلتين أو ثلاثا،  فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ “وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى”، وفي رواية: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار، فدميت إصبعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت، قال: فأبطأ عليه جبريل عليه السلام، فقال المشركون: قد وُدّع محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى: “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى”).

﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه البخاري في التهجد 1124، 1125، وفي التفسير 10/ 339، 340 رقم 4950 ، 4951، وفي فضائل القرآن 4983، ج 10/382، ومسلم في الجهاد 797،ج 13/156، والترمذي 2127، والنسائي 6/517 ، 518، كلاهما في التفسير، وحسنه الترمذي وصححه، والروايات كلها عند البخاري إلا دمي الإصبع، فهي عند مسلم 12، 155، والترمذي، لكن الأول لم يذكرها متصلة بسبب النزول.

﴿غريب كلمات الآية والحديث﴾.

 ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾: في استعمال الفعل (ودع) وهو مأخوذ من التوديع، والتوديع أصل مأخذه من الدعة، وهو أن تدعو للمسافر بأن يدفع الله تعالى عنه كآبة السفر، وأن يبلغه الدعة وخفض العيش، كما أن التسليم دعاء له بالسلامة، ففي استعمال (ودع) هنا من اللطف والتسلية والتعظيم والتبجيل ما لا يخفى، فإن التوديع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقتهم. أي ما تركك. وفي هذه الآية الكريمة ذكر مفعول الفعل ودع وهو (الكاف في ودعك)، وفي اللغة عند العرب، التوديع عادة يكون بين المتحابين والأصحاب فقط، ويكون عند فراق الأشخاص. لهذا جاء ذكر الكاف من باب التكريم.

﴿ ربك ﴾: ولم يقل: ما ودعك ” الله “، وهذا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم. فالرب هو المربي والموجه والقيم على الأمر، فكيف يودعك وهو ربك؟ لا يمكن أن يودع الرب عبده، كما لا يمكن لرب البيت أن يودعه ويتركه، ورب الشيء لا يودعه ولا يتركه، وإنما يرعاه ويحرص عليه.

واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله، لأن لفظ الجلالة الله، كلمة عامة للناس جميعا، ولكن كلمة الرب، لها خصوصية، وهذا يحمل التطمين للرسول صلى الله عليه وسلم من ربه الذي يرعاه، ولا يمكن أن يودعه أو يتركه أبداً. وقد تكررت كلمة ربك في سورة الضحى، لأن معنى الرب، أنه هو المعلم والمربي والمرشد والقيم، وكل آيات السورة مرتبطة بكلمة الرب﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى…. ﴾،

1 – اليتيم يحتاج لمن يقوم بأمره ويرعاه ويعلمه ويوجهه ويصلح حاله، وهذه من مهام الرب.

2 – ثم إن الضال يحتاج لمن يهديه، والرب هو الهادي.

3 –  والعائل أيضاً يحتاج لمن يقوم على أمره ويصلحه ويرزقه، فكلمة الرب تناسب كل هذه الأشياء، وترتبط بها ارتباطاً أساسياً، وكثيراً ما ارتبطت الهداية في القرآن الكريم بكلمة الرب ﴿ ربُّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾،  ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ﴿ الحمد لله رب العالمين….اهدنا الصراط المستقيم﴾.

كما أنه سبحانه وتعالى لم يأت بالمبني للمجهول، إذ لم يقل: لم تُودع ولم تُقلى، بل ذكر الفاعل وهو الرب، وهذا إكرام آخر للرسول صلى الله عليه وسلم.

﴿ وَمَا قَلَى ﴾: أي ما أبغضك، ولم يقل وما قلاك، إذ حذف المفعول، لأن الحذف من باب التكريم أيضاً. فلم يقل الله تعالى قلاك لرسوله صلى الله عليه وسلم، حتى لا ينسب الجفاء للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يقال للذي نحب ونجل: ما أهنتك ولا شتمتك، إنما من باب أدب المخاطبة يقال: ما أهنت وما شتمت، فيحذف المفعول به، إكراماً للشخص المخاطب، وتقديرا لمنزلته، وترفعا عن ذكر ما يشينه ولو كان بالنفي.

أبطأ: أي تأخر.

في الآية رد لما قاله المشركون. وتلك المرأة المقيتة من أن الله تعالى تركه وقلاه، قاتلهم الله وأخزاهم.

المرأة المبهمة: هي امرأة أبي لهب، أم جميل بنت حرب.

﴿ المستفاد من الآية ﴾.

 ذكر المفعول الذي هو الكاف في التوديع في قوله تعالى: (ما ودعك ربك)،  لأن الذكر فيه تكريم للمخاطب، فيحسن ذكر المفعول مع أفعال التكريم، وحذفه مع أفعال السوء مثل قلى، في قوله تعالى: ( وما قلى)، ولو بالنفي، فيه تكريم للمخاطب. وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام، ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم. ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول صلى الله عليه وسلم، من ربه مرتين: مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع، ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى.

﴿المستفاد من الحديث﴾.

أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي  أياماً، فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وقيل له: إن ربك قلاك، فأنزل الله تعالى هذه السورة رداً على المشركين وإكراماً للرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وجزع لانقطاع الوحي مع ما يلقاه في سبيل الوحي من العنت والجهد؟

في الحقيقة أنه اختبار من الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: هل هو حريص على الوحي وما فيه من مشقة، أم أنه سيرتاح من هذا الوحي الثقيل؟ وهذا فيه توجيه إلى الدعاة أنه عليهم أن يصبروا ويثبتوا في الدعوة مهما لاقوا من مشقة وعنت في سبيل الدعوة إلى الله.

  •  ثانيا: قوله تعالى: ﴿ وَلَلَاخِرَةُ خَيْرٞ لَّكَ مِنَ اَ۬لُاول۪ىٰۖ ﴿4﴾ ﴾.

 ﴿غريب كلمات الآية ﴾.

 ﴿ وَلَلْآخِرَةُ : الآخرة في سورة الضحى جاءت مقابل الأولى، ولم تأت مقابل الدنيا، فلم يقل سبحانه: وللآخرة خير لك من الدنيا. ومعنى الآية، أن ما يأتي خير لك أيها الرسول مما مضى؛ أي من الآن فصاعداً؛ فيما يستقبل من عمرك، هو خير لك من الأولى، وأكد ذلك باللام في كلمة وللآخرة. وقد حصل هذا بالفعل، فكل ما استقبل من حياته صلى الله عليه وسلم، خير له مما حصل.

والسر في كونه سبحانه وتعالى لم يقل: وللآخرة خير لك من الدنيا، لأنه لو قالها، لما صحت إلا في الآخرة، فكأنما حصر الخير في الآخرة فقط، ونفى حصول الخير فيما يستقبل من حياته صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية توكيد لما سبقها في قوله تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ىٰۖ ﴾.

﴿ خَيْرٞ لَّكَ ، السر في قوله تعالى: (لك) ولم يقل: وللآخرة خير من الأولى، أن هذه السورة، وسورة الشرح، هما خاصتان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المخاطب المباشر بهما، ولو قال تعالى: (وللآخرة خير من الأولى)، لما صح هذا القول، لأنه سيكون عاماً للناس جميعاً، وهذا ما لا يحصل، وعندها ستفيد الإطلاق، ولا يصح على عمومه، لأن بعض الناس آخرتهم شر لهم من أولاهم، ولا يصح هذا الكلام على إطلاقه، إنما لا بد من أن يخصص المعنى، وهو للرسول صلى الله عليه وسلم بالذات، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَلَاخِرَةُ خَيْرٞ لَّكَ مِنَ اَ۬لُاول۪ىٰۖ ﴿4﴾ ﴾.

﴿ الحديث 2 ﴾.

 روى أحمد، والترمذي في الزهد وحسنه وصححه، وابن ماجه، والحاكم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  رضي الله عنه قَالَ: (اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا).

 ﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه أحمد 1/391، 441، والترمذي في الزهد 2195 بتهذيبي، وابن ماجه 4109، والحاكم 4/310، وحسنه الترمذي وصححه، يعني لشواهد. وقد أشرت إليها في تهذيب الجامع.

﴿ ما يستفاد من الحديث﴾.

هذا بعض مشاهد حياة رسولنا وعيشه صلى الله عليه وسلم، فلقد كان على حالة عظيمة من الزهد في هذه الحياة وترك التنعم والترف رغبة فيما ادخره الله له في الدار الأخرى التي قال له فيها هنا:  ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ  لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) ﴾، أي هي أشرف لك وأبقى من هذه الحياة الفانية الزائلة المنغصة.

  •  ثالثا: قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْض۪ىٰٓۖ ﴿5﴾﴾.

﴿ الحديث 3 .

 روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما بسند صحيح، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: (عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ  بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)، فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ قَصْرٍ من لؤلؤ ترابه المسك، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ).

﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه ابن جرير 30/232، وابن أبي حاتم 10/3443، وزاد في الدر المنثور: عبد بن حميد، والطبراني والحاكم والبيهقي وابن مردويه، وأبا نعيم …. وسنده صحيح.

ما ذكره ابن عباس جميعه مرفوع، لأنه لا مجال فيه للنظر والرأي، وفيه ما أعطاه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الآخرة، إضافة إلى ما شرفه به على سائر الخلائق من الخصائص التي خص بها مما لا يلحقه فيها لاحق أبدا.

﴿غريب كلمات الحديث والآية.

 كفرا كفرا: بفتح الكاف وسكون الفاء، أي قرية قرية.

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ، قال تعالى: يعطيك ولم يقل يؤتيك، والسر في ذلك، أن

الإيتاء يكون لأمور مادية وغيرها، مثل: (الملك، الحكمة، الذكر)، أما العطاء فهو خاص بالمادة. والإيتاء أوسع من العطاء وأعم، والعطاء مخصص للمال. والإيتاء قد يشمله النزع، والعطاء لا يشمله النزع. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175]، وقال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]، وقد لا يستوجب الإيتاء لشخص ما أن يتصرف بما أوتي، أما العطاء، فلصاحبه حرية التصرف فيه بالوهب والمنح، ولذا قال تعالى في سورة الكوثر: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: 1]، لأن الكوثر أصبح ملكاً للرسول صلى الله عليه وسلم، وكما قال الله تعالى لسيدنا سليمان عليه السلام في سورة ص: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 39]، أي له الحق بالتصرف فيه كما يشاء.

كما أن الله تعالى لم يحدد العطاء بشيء ما، وإنما قال: ولسوف يعطيك ربك فترضى، لقد أطلق سبحانه العطاء ولم يحدده، إنما شمل هذا العطاء كل شيء، ولم يخصصه بشيء معين، إكراماً للرسول صلى الله عليه وسلم، وتوسيعاً للعطاء.

﴿ فَتَرْض۪ىٰٓۖ. اختيار كلمة فترضى، بالذات في غاية الأهمية؛ فالرضى هو من أجل النعم على الإنسان، وهو أساس الاستقرار والطمأنينة وراحة البال، فإن فُقد الرضى حلت الهموم والشقاء ودواعي النكد على الإنسان. وإن فُقد في جانب من جوانب الحياة، فقد استقراره بقدر ذلك الجانب، ولذا جعل الله تعالى الرضى صفة أهل الجنة، ﴿فهو في عيشة راضية﴾، ﴿فارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾. وعدم الرضى يؤدي إلى الضغط النفسي، واليأس، وقد يؤدي إلى الانتحار.

والتعب مع الرضى راحة، والراحة من دونه نكد وتعب، والفقر مع الرضى غنى، والغنى من دونه فقر، والحرمان مع الرضى عطاء، والعطاء من دونه حرمان. لذا فإن اختيار كلمة الرضى، هو اختيار نعمة، من أجلّ النعم، ولها دلالتها في الحياة عامة، وليست خاصة بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإذا رضي الإنسان ارتاح، وهدأ باله وسكن، وإن لم يرض حل معه التعب والنكد والهموم والقلق مع كل ما أوتي من وسائل الراحة والاستقرار، وكذلك أطلق سبحانه فعل الرضى، كما أطلق العطاء، فجعل العطاء عاماً، وجعل الرضى عاماً، وذكر المعطي أيضاً، وهو الرب، وعلينا أن نتخيل كيف يكون عطاء الرب؟ والعطاء على قدر المعطي، وهذا كله فيه تكريم للرسول صلى الله عليه وسلم، كذلك في إضافة ضمير الخطاب ” الكاف ” في (ربك) تكريم آخر للرسول صلى الله عليه وسلم.

﴿ ما يستفاد من الآية﴾.

هذه الآية الكريمة يقول فيها أهل البيت: إنها أرجى آية في القرآن الكريم.

  • رابعا: قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عَآئِلاٗ فَأَغْن۪ىٰۖ ﴿8﴾ ﴾.

﴿غريب كلمات الآية﴾.

 العائل: هو الفقير المحتاج.

فأغنى: يشمل الغنى المادي بمال خديجة رضي الله عنها، وهذا في الظاهر، ويشمل الغنى القلبي، ولا شك في هذا أيضا، فإنه كان أغنى الناس قلبا، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي يقول: “ولكن الغنى غنى القلب”، وهو الذي يحدثنا بأن من كان رزقه كفافا وهو قوت اليوم، وقنع ورضي به كان من المفلحين، ولا توجد هذه الصفة إلا فيمن كان غني القلب.

 ﴿ الحديث 4 .

 روى أحمد، والبخاري في الرقاق، ومسلم في الزكاة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، ولكن الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ).

﴿غريب كلمات الحديث.

 العَرَض: بفتحتين: كل ما ينتفع به من المتاع.

 ﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه أحمد 2/243/ 389 ، 390 ، والبخاري في الرقاق 6446، ومسلم في الزكاة 1051، والترمذي في الزهد 2191، وابن ماجه فيه 4137 وغيرهم.

 ﴿ الحديث 5 .

روى أحمد، ومسلم في الزكاة، عَن  عَبْد الله بْن عَمْرو بْن العاص رضي الله عنهما قال: قالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا أعطاه). وفي رواية : ( فصبر عليه).

 ﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه أحمد 2/168، 172 ، 173، ومسلم في الزكاة 1054، والترمذي في الزهد 2169، وابن ماجه كذلك 4138 وغيرهم، ونحوه عن فضالة بن عبيد رواه أحمد 6/19، والترمذي 2170، وابن حبان 2541 بالموارد، والحاكم في الإيمان 1/ 34، 35، وصححه الترمذي والحاكم والذهبي.

  •  خامسا: قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا اَ۬لْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْۖ ﴿9 وَأَمَّا اَ۬لسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْۖ ﴿10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَۖ ﴿11﴾ ﴾.

جاء ترتيب الآيات على هذا النحو، وهو الترتيب الأمثل، فاليتيم ذكر أولا مقابل اليتيم، ثم ذكر ( وأما السائل فلا تنهر )، والسائل يشمل سائل العلم، وسائل المال، وهنا أخذ بعين الاعتبار السائل عن المال والسائل عن العلم، فهي إذن تكون مقابل (ووجدك ضالاً فهدى) وأيضاً (ووجدك عائلا فأغنى)، لأن السائل عن المال يجب أن لا ينهر، والسائل عن العلم يجب أن لا ينهر أيضاً، وعليه، فإن الآية جاءت في المكان المناسب، لتشمل الحالتين، ومرتبطة بالاثنين تماما.

( وأما بنعمة ربك فحدث )، هي في أنسب ترتيب لها، فإن كان المقصود بالنعمة كل ما أصاب الإنسان من خير في الدنيا، فلا يمكن أن نتحدث عن النعمة إلا بعد وقوعها وليس قبل ذلك. والآيات السابقة تذكر نعم الله على الرسول صلى الله عليه وسلم، فاقتضى السياق أن يكون التحدث بالنعمة آخراً، أي بعد حدوث كل النعم على الرسول صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان المقصود بالنعمة الدين، فيجب أن يكون التحديث في المرحلة الأخيرة، لأن على الداعية أن يتحلى بالخلق الكريم، وفيه إشارة أن الإنسان إذا أتاه سائل، عليه أن يتصف بهذه الصفات قبل أن يبلغ الناس عن النعمة (الدين)، فعليه أن لا يقهر يتيماً، ولا ينهر سائلاً، ولا يرد عائلاً، وقد جاءت هذه الآية بعد إسباغ النعم، وهو توجيه للدعاة، قبل أن يتحدثوا أن يكونوا هينين لينين، فقد قال تعالى: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، فعلى الداعية أن يتحلى بالخلق الحسن، ولا ينهر سائلاً، وكذلك جعل التحديث بالنعمة (وأما بنعمة ربك فحدث) بعد ( وأما السائل فلا تنهر)، لأن كل داعية يتعرض لأسئلة محرجة أحيانا تكون لغاية الفهم، وقد تكون لنوايا مختلفة، فعليه أن يتسع صدره للسائل، مهما كانت نية السائل أو قصده من السؤال، وعلى الداعية أن لا يستثار، وإلا فشل في دعوته، وقد يكون هذا هو قصد السائل أصلاً.

﴿غريب كلمات الآيات.

 القهر: في اللغة: هو التسلط بما يؤذي، ولا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه، ولا تتسلط عليه، أو لا تحتقره، أو تغلب على ماله، كل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر.

السائل: إنه مطلق، ويشمل سائل المال والمعروف والصدقة، وسائل العلم والدين والمعرفة، وسواء كان السائل سائل مال وصدقة، أو سائل علم ومعرفة، يجب أن لا ينهر، مهما كان سؤاله. ولا يصح أن يزجر أو ينهر سائل المال أو سائل العلم والدين . إذا كان سائل مال أعطيناه، أو رددناه بالحسنى، وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور الدين.

النعمة: هي النبوة وتعاليمها، كما تشمل كل ما أصاب الإنسان من خير، سواء كان في الدنيا أو الآخرة. وهي كذلك نعمة الدين، فهي تشمل كل هذه المعاني، فنعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ عنها، وهي نعمة الدنيا، والله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عباده، وأن يتحدث الإنسان بنعم الله عليه، وأن يظهرها، والنعمة عامة في الدنيا والدين، وعلى الإنسان أن يحدث بهذه النعمة.  وقد وردت في القرآن النَّعمة بفتح النون، بمعنى العقوبات والسوء، كما في قوله تعالى: (ونعمة كانوا فيها فاكهين)، وقوله تعالى: (الكافرين أولي النعمة)

فحدث: ولم يقل سبحانه:(فأخبر)، لأن الإخبار لا يقتضي التكرار، إذ يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة، فيكون إخباراً، أما التحديث، فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة، وفي سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة، ولا يكفي قوله مرة واحدة. ولهذا سمى الله تعالى القرآن حديثا فقال سبحانه: (فليأتوا بحديث مثله). ومعنى (فحدث) في هذه الآية، هو المداومة على التبليغ وتكرارها، وليس الإخبار فقط، فيمكن أن يتم الإخبار مرة واحدة وينتهي الأمر.

وفي تسلسل الأحاديث في كتب السنة نلاحظ أنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويكررون ذلك مرة أو مرات عديدة حتى يصلوا إلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم، يخبر بالحديث، ثم يتناقله الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم، ويستمر تناقل الحديث حتى يعم وينتشر.

﴿ المستفاد من سورة الضحى .

 من الدروس المستفادة من سورة الضحى، إضافة إلى ما سبق، أنه يحسن للإنسان تذكر أيام العسر والضيق، لأنه مدعاة للشكر، ومدعاة لمعاونة المبتلى أيضاً، لذا يجب التذكير بالماضي وما يتقلب فيه المرء من نعم، ليشكر الله تعالى عليها مهما كان في ماضيه من أذى أو حرج أو ضيق، فلا بأس أن يتذكر أو يذكر به حتى يشكر الله تعالى على نعمه، فيكون من الشاكرين لله تعالى.

 وبهذا تمت سورة الضحى ،  والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وذريته وزوجه وصحبه وحزبه أبد الآبدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.