منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تفسير سورة البلد

تفسير سورة البلد/ الشيخ بنسالم باهشام

0

تفسير سورة البلد

الشيخ بنسالم باهشام

 

﴿ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِۖ﴾

﴿ لَآ أُقْسِمُ بِهَٰذَا اَ۬لْبَلَدِ ﴿1﴾ وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا اَ۬لْبَلَدِ ﴿2﴾ وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ﴿3﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ فِے كَبَدٍۖ ﴿4﴾ اَيَحْسِبُ أَن لَّنْ يَّقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٞ ﴿5﴾ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاٗ لُّبَداًۖ ﴿6﴾ اَيَحْسِبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌۖ ﴿7﴾ اَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ ﴿8﴾ وَلِسَاناٗ وَشَفَتَيْنِ ﴿9﴾ وَهَدَيْنَٰهُ اُ۬لنَّجْدَيْنِۖ ﴿10﴾ فَلَا اَ۪قْتَحَمَ اَ۬لْعَقَبَةَۖ ﴿11﴾ وَمَآ أَدْر۪يٰكَ مَا اَ۬لْعَقَبَةُۖ ﴿12﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿13﴾ اَوِ اِطْعَامٞ فِے يَوْمٖ ذِے مَسْغَبَةٖ ﴿14﴾ يَتِيماٗ ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿15﴾ اَوْ مِسْكِيناٗ ذَا مَتْرَبَةٖۖ ﴿16﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِۖ ﴿17﴾ أُوْلَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ اُ۬لْمَيْمَنَةِۖ ﴿18﴾ وَالذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمُۥٓ أَصْحَٰبُ اُ۬لْمَشْـَٔمَةِۖ ﴿19﴾ عَلَيْهِمْ نَارٞ مُّوصَدَةٞۖ ﴿20﴾﴾.

 ﴿التعريف بسورة البلد﴾.

 سورة البلد، هي  السورة التسعون بحسب الرسم القرآني، جاءت في المصحف بعد سورة الفجر وقبل سورة  الشمس،  وسميت في ترجمتها عن الصحيح(سورة لا أقسم)، وسميت في المصاحف وكتب التفسير (سورة البلد). وهو على حكاية اللفظ الواقع في أولها لإرادة البلد المعروف وهو مكة،والسورة مكية، نزلت قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وقد عدت الخامسة والثلاثين في عدد نزول السور، نزلت بعد سورة (ق)، وقبل سورة الطارق . وعدد آيها عشرون آية،

والعلاقة بينها وبين السورة التي قبلها،

1 – أنه سبحانه وتعالى لما ذم في سورة الفجر التي قبلها؛ من أحب المال، وأكل التراث أكلا لما، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر جل وعلا في هذه السورة الخصال التي تطلب من صاحب المال من فك الرقبة، وإطعام في يوم ذي مسغبة.

2 –  وكذا لما ذكر عزّ وجل النفس المطمئنة في سورة الفجر التي قبلها، ذكر سبحانه هاهنا بعض ما يحصل به الاطمئنان.

وهي من السور التي بدأها الله عز وجل بصيغة القسم المنفي، للفت السمع إلى أهمية الموضوع، وتحدثت السورة عن الإنسان المعاند الذي يظن أنه لن يقدر الله عليه، وعن الأعمال التي يقتحم بها العبد العقبة، ثم تصف حال المؤمنين وحال الكافرين في الآخرة.

﴿مقصد سورة البلد﴾.

  •  مصدر القوة والعزة لدى الإنسان.

 بعد استقراء سورة البلد، نجدها تناقش قضية من أهم القضايا الإنسانية، وهي قضية القوة والعزة لدى الإنسان، فتوضح السورة:

1 – أن حُلُم القوة الخارقة لا وجود له في دنيانا هذه، وإنما هي أوهام في أذهان الناس.

2 – أن القوة ليست في العُدة والعتاد؛ والتنافس في الحصون.

3 – كما تبين سورة البلد، كيف أن عامة البشر، يفشلون في الوصول إلى مصدر القوة الحقيقي، ويقعون في فخ القوة الزائفة المهلكة !

4 – وتقدم سورة البلد للإنسان المصدر الحقيقي للقوة الهائلة النافعة، وهو “بناء الإنسان“، فإذا استطاع الإنسان أن يبني ويحرر نفسه وغيره من البشر باقتحام العقبة، فإنه يمتلك بذلك قدرة جماعية هائلة نافعة.

إذا تم استيعاب مقصد السورة، فإنه يمكن أن نجمع به بين موضوعات السورة:

*بحيث تبدأ سورة البلد بنفي القسم بأعظم بلد؛ احتوت أعظم بنيان – من الناحية الروحية، وهو الكعبة -، وذلك لأن الإنسان (الرسول) مستباح ومستحل فيها من باقي أهل هذا البلد، فليس للبناء مهما عظم مكانة عند الله إذا أهين الإنسان، فحرمة الإنسان عند الله أعظم من حرمة الكعبة، وقد جاء في حديث صحيح بمجموع طرقه، أخرجه الترمذي، وابن حبان،أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نظر يوما إلى الكعبة فقال: (ما أعظمك وأعظم حرمتك؛ والمؤمن أعظم حرمة منك)[1].

ومن خلال مقصد السورة الأساسي الذي هو مصدر القوة، تتجلى هذه الحقيقة التي يمكن أن تُتخذ قاعدة عبر كل زمان ومكان، وهي أن بناء الإنسان يجب أن يكون قبل بناء العمران.

“الدعوة إلى الله تخاطب الإنسان من حيث كونه إنسانا في كبد، تستحثه للنهوض من الجهل بالله، والقعود عن الجهاد في سبيل الله.  وتشجعه على اقتحام العقبة التي يتجاوز باقتحامها عوائق الشح المجبولة عليه النفوس، فيصبح مؤهلا للانضمام لجماعة المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة، المصطفين للميمنة والسعادة عند الله.”[2]

* فالإنسان مخلوق في مشقة وشدة معالجة للأمور، ولكن عليه أن لا يعد المكابدات الدنيوية هي مصدر العزة والقوة، فيظن أنه بمكابدته وتملكه المال الشديد، وإنفاقه في المباني العالية والمصارف المختلفة، قد حاز السلطة المطلقة، وأصبح يقدر على التصرف في كل ما يحيط به كما يشاء، فما عاد أحد يستطيع التغلب عليه وعلى سلطانه، فينفض الله عز وجل عنه هذا الوهم نفضا، ويذكره أنه إنسان ضعيف، يسري عليه كل ما يسري على باقي إخوانه ممن استضعفهم واستباحهم، فيذكره بأنه إنسان طبيعي، يحتاج إلى نعم الله عليه، والتي تعينه على المكابدة مثل العين واللسان والشفتين، وقبل ذلك احتاج إلى ثدي أمه من أجل بناء جسده،

* فهلا استغل كل ذلك في اقتحام العقبة وإزالتها من أمام من لا يستطيع إزالتها،بأن يحرر الإنسان من ذل العبودية، سواء كانت كلية أو جزئية، كعبودية الطعام، فيخرج للمجتمع إنسانا حرا، نفسا وجسدا، يستطيع أن يخدم المجتمع ويساعد في بنائه، وبذلك تقوى وحدة بناء المجتمع عن طريق تحرر عامة أفراده،

* ولكن، قبل أن يحرر غيره، يكون ممن حرر نفسه أولا، وقواها بالإيمان والعمل الجماعي التابع له، عن طريق التواصي بالصبر وبالمرحمة. وبهذا يحصل الإنسان على مصدر القوة الحقيقي.

 ﴿أقسام سورة البلد﴾.

 يمكن تقسيم سورة البلد على حسب مضوعاتها إلى خمسة أقسام:

 القسم الأول: نفي القسم بأعظم بلد؛احتوت أعظم بنيان؛ مهما عظم مكانة عند الله إذا أهين الإنسان، فحُرمة الإنسان عند الله أعظم من حرمة الكعبة.

﴿ لَآ أُقْسِمُ بِهَٰذَا اَ۬لْبَلَدِ ﴿1﴾ وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا اَ۬لْبَلَدِ ﴿2﴾ وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ﴿3﴾

 القسم الثاني: المكابدات الدنيوية ليست هي مصدر العزة والقوة للإنسان.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ فِے كَبَدٍۖ ﴿4﴾ اَيَحْسِبُ أَن لَّنْ يَّقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٞ ﴿5﴾ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاٗ لُّبَداًۖ ﴿6﴾ اَيَحْسِبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌۖ ﴿7﴾ ﴾.

القسم الثالث: حاجة الإنسان إلى نعم الله عليه، والتي تعينه على المكابدة مثل العين واللسان والشفتين، وقبل ذلك ثدي أمه من أجل بناء جسده،

﴿ اَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ ﴿8﴾ وَلِسَاناٗ وَشَفَتَيْنِ ﴿9﴾ وَهَدَيْنَٰهُ اُ۬لنَّجْدَيْنِۖ ﴿10﴾ ﴾.

القسم الرابع: استعمال نعم الله على العبد في اقتحام العقبة وإزالتها من أمام من لا يستطيع إزالتها للحصول على مصدر القوة الحقيقي

﴿فَلَا اَ۪قْتَحَمَ اَ۬لْعَقَبَةَۖ ﴿11﴾ وَمَآ أَدْر۪يٰكَ مَا اَ۬لْعَقَبَةُۖ ﴿12﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿13﴾ اَوِ اِطْعَامٞ فِے يَوْمٖ ذِے مَسْغَبَةٖ ﴿14﴾ يَتِيماٗ ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿15﴾ اَوْ مِسْكِيناٗ ذَا مَتْرَبَةٖۖ ﴿16﴾﴾.

 القسم الخامس: مصير أصحاب القوة الحقيقية، وأصحاب القوة المزيفة.

﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِۖ ﴿17﴾ أُوْلَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ اُ۬لْمَيْمَنَةِۖ ﴿18﴾ وَالذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمُۥٓ أَصْحَٰبُ اُ۬لْمَشْـَٔمَةِۖ ﴿19﴾ عَلَيْهِمْ نَارٞ مُّوصَدَةٞۖ ﴿20﴾﴾.

﴿من خصائص سورة البلد ﴾.

 1 – ﴿ لَآ أُقْسِمُ بِهَٰذَا اَ۬لْبَلَدِ ﴿1﴾ وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا اَ۬لْبَلَدِ ﴿2﴾ وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ ﴿3﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ فِے كَبَدٍۖ ﴿4﴾﴾.

قسمه تعالى بالبلد الأمين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم به، وبالوالد وما ولد، والمراد بذلك على قول الجمهور آدم وذريته الصالحون؛ على أن الإنسان في كبد وشدة يقاسي المتاعب والشدائد طول وجوده، بداية من حمله، فولادته، فرضاعته، ففطامه، فطفولته، فشبابه، فكهولته، فشيخوخته، فهو في كل هذه المراحل في تعب وشدة، ثم تكون خاتمته سكرات الموت.

2 –  ﴿ اَيَحْسِبُ أَن لَّنْ يَّقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٞ ﴿5﴾ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاٗ لُّبَداًۖ ﴿6﴾ اَيَحْسِبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌۖ ﴿7﴾﴾.

إنكاره تعالى على بعض العتاة أهل الغرور الذي كان يظن أن لن يقدر عليه أحد لقوته، وأن أمره يخفى على الله عز وجل.

 3 – ﴿  اَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ ﴿8﴾ وَلِسَاناٗ وَشَفَتَيْنِ ﴿9﴾ وَهَدَيْنَٰهُ اُ۬لنَّجْدَيْنِۖ ﴿10﴾﴾.

امتنان الله عز وجل على عباده بنعمه العظام السوابغ التي جعلها للإنسان كالعينين مثلا واللسان والشفتين، وكونه بين له طريقي الخير والشر.

4 – ﴿ فَلَا اَ۪قْتَحَمَ اَ۬لْعَقَبَةَۖ ﴿11﴾ وَمَآ أَدْر۪يٰكَ مَا اَ۬لْعَقَبَةُۖ ﴿12﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿13﴾ اَوِ اِطْعَامٞ فِے يَوْمٖ ذِے مَسْغَبَةٖ ﴿14﴾ يَتِيماٗ ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿15﴾ اَوْ مِسْكِيناٗ ذَا مَتْرَبَةٖۖ ﴿16﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِۖ ﴿17﴾﴾.

بيان العقبة الكؤود التي ينبغي للإنسان أن يجتازها، وهي العمل الصالح الشاق كفك الرقبة، وإطعام اليتامى والمساكين والأقارب أيام الحاجة والجوع، مع التواصي بالصبر والرحمة والشفقة.

5 – ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ اُ۬لْمَيْمَنَةِۖ ﴿18﴾ وَالذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمُۥٓ أَصْحَٰبُ اُ۬لْمَشْـَٔمَةِۖ ﴿19﴾ عَلَيْهِمْ نَارٞ مُّوصَدَةٞۖ ﴿20﴾﴾.

مصير المقتحمين الأخروي، والمكذبين.

﴿الأحاديث الصحيحة الواردة في تفسير سورة البلد ﴾.

  • أولا: قوله تعالى: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿13﴾﴾.
  • ﴿ الحديث 1 .

 روى أحمد، والبخاري في الأدب المفرد ، والطيالسي ، وصححه الحاكم، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلا يُدْخِلُني الْجَنَّةَ، قَالَ : لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ، لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسْمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ، فقَالَ : يا رسول الله،  أَوَ لَيْسَتَا بوَاحِدَةً ؟ قَالَ : لا ،إن عِتْق النَّسْمَةِ : أَنْ تُفَرِدَ بِعِتْقِهَا ، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ : أَنْ تُعِينَ فِي عتقها، وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ ، وَالْفَيءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ، فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ ، وَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ ، فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ الخَيْرٍ ).

  • ﴿تخريج الحديث﴾.

 رواه أحمد (4/299، رقم 18670)، والبخاري في الأدب المفرد 69، والطيالسي (ص100 ، رقم 739)، وابن حبان في صحيحه (2/97 ،98 ، رقم 374)، والحاكم (2/217)، والبيهقي (10/272 ، 273 رقم 21102)، والبغوي في شرح السنة 9/354، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأورده النور في المجمع برواية أحمد، وقال: رجاله ثقات 4/ 243،  قال الهيثمي (4/240): رجاله ثقات.

  • ﴿غريب كلمات الحديث.

لقد أقصرت الخطبة: أي جئت بها قصيرة

لقد أعرضت: …أي جئت بها عريضة واسعة.

والنسمة: ذات الروح.

والمنحة الوكوف: أي غزيرة اللبن. 

  • ﴿ما يستفاد من الحديث.

 1 – في الحديث فضل فك الرقاب وعتقها إن وجدت مملوكة، وذلك بعض اقتحام العقبة المذكورة في الآية، والعقبة هي عقبة في الدنيا تمنع دخول الجنة، فإذا اقتحمها العبد، سهل الوصول إلى الجنة، وقد وضحت السورة كيف تقتحم هذه العقبة.

2 – وفيه مع ذلك مكارم ينبغي للمسلم الاتصاف بها، وهي منحة الماشية والصدقة على القريب المنحرف المعتدي، وإطعام الجائع، وسقي العطشان، والأمر بالخير، والنهي عن الشر، فمن لم يطق ذلك، فلا أقل أن يكون سلبيا لا له ولا عليه، بأن يكف لسانه عن الآخرين إلا من خير، فالحديث من جوامع الأخلاق.

  • ثانيا : قوله تعالى: ﴿ اَوِ اِطْعَامٞ فِے يَوْمٖ ذِے مَسْغَبَةٖ ﴿14يَتِيماٗ ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿15اَوْ مِسْكِيناٗ ذَا مَتْرَبَةٖۖ ﴿16﴾﴾.
  • ﴿ الحديث 2 .

روى أحمد، والحميدي، والترمذي وغيرهم، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّىِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : (الصَدَقَة عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ).

  •  ﴿تخريج الحديث﴾.

 1 – حديث سلمان بن عامر الضبي: أخرجه أحمد (4/17، 18، 214 رقم 16278) ، والحميدي 823، والترمذي (582)، والنسائي (5/ 69)، كلاهما في الزكاة، ورواه النسائي في الكبرى أيضا 2/92، وابن ماجه (1/591 ، رقم 1844)، وابن خزيمة (4/77، رقم 2385)، وابن حبان (8/133)، وبالموارد 892 ،893 ، والحاكم (1/431 ،432)، والبيهقي (4/238، 239)، وابن أبي شيبة (2/413 ، رقم 10541)، والدارمي (1/488 ، رقم 1681) ، والطبراني (6/274 ، رقم 6204)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/363 ، رقم 1136)، والحديث صحيح لشواهده.

2 – حديث أنس عن أبى طلحة: أخرجه الطبراني في الكبير (5/101 رقم 4723)، وأخرجه أيضًا: في الأوسط (4/161، رقم 3868)، قال الهيثمي (3/116): فيه من لم أعرفه .

  • ﴿غريب كلمات الحديث.

 في يوم ذي مسغبة: أي ذي مجاعة.

  • ﴿ما يستفاد من الحديث .

في الحديث بيان أن الصدقة على المسكين، وخاصة القريب، فيها خير كبير، وهي من اقتحام العقبة، وما ذكر هنا هم أصحاب الميمنة.

الخاتمة

  •  أولا: سورة البلد وعناصر البلاغ والإرسال

المتدبر لمقاصد سورة البلد، يجد أنها قد استوفت عناصر البلاغ والإرسال، فقد ذكرت: موطن الرسالة، والرسول، والمرسل إليهم، والرسالة.

1 – موطن الرسالة: ذكرت (مكة) وهي المقصودة بقوله: (بهذا البلد).

2 – الرسول: وهو المقصود بقوله: (وأنت حل بهذا البلد).

3 – المرسل إليهم:  وهو (الإنسان) ويدخل فيه أيضاً: (الوالد وما ولد)،

4 – الرسالة: وهي الإيمان والعمل الصالح، وهو ما ذكرته من فك الرقبة ونحوه من الأعمال الصالحة.

  • ثانيا: سورة البلد وأصناف الخلق بالنسبة للاستجابة إلى الرسالة

ذكرت السورة أصناف الخلق بالنسبة للاستجابة إلى الرسالة، وهم أصحاب الميمنة الذين اقتحموا العقبة، وأصحاب المشأمة، وهم الكفرة.

  • ثالثا: سورة البلد  والتعبيرات الواردة فيها  والتي وضعت لتؤدي أكثر من معنى.

بعد معرفة مقصد سورة البلد نلاحظ التعابير المحكمة النسج، وكيف وضعت لتؤدي أكثر من معنى.

1 – فـ (لا أقسم) تحتمل النفي والإثبات.

2 – و(حِل) تحتمل الحال، والمستحل، والحلال.

3 – و(ووالد وما ولد) تحتمل العموم والخصوص من آدم وذريته، أو إبراهيم وذريته، أو الرسول صلى الله عليه وسلم وآبائه. وغير ذلك على وجه العموم.

4 – و(الكبد) تحتمل المكابدة والمعاناة، وتحتمل القوة والشدة، وتحتمل استقامة الجسم واعتداله وغير ذلك.

5 – و(أيحسب) تحتمل العموم والخصوص، فهي تحتمل كل إنسان، وتحتمل إنساناً معيناً تشير إليه الآية.

6 – و(أهلكت مالاً لبداً) تحتمل أكثر من معنى، فهو قد يكون أنفقه في المفاخر والمكارم والمباهاة. وتحتمل الإنفاق في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحتمل غير ذلك. وتحتمل الكذب فلم ينفق شيئاً، وإنما هو ادعاء محض.

7 – و(اللبد) تحتمل الجمع، وتحتمل المفرد، فعلى الجمع تكون جمع (لبدة) كنقطة ونقط، وخطوة وخطى، وعلى المفرد تكون صفة كحطم ولكع.

8 – و “النجدان” يحتملان طريقي الخير والشر، ويحتملان الثديين، وكلاهما هدانا ربنا إليهما.

9 – و(لا) في قوله: (فلا اقتحم العقبة) تحتمل نفي الدعاء، وتحتمل المضي والاستقبال.

10 – و(العقبة) تحتمل أموراً كثيرة، ذكر قسم من المفسرين: أنها في الآخرة. وقال آخرون: هي في الدنيا. وقيل: هي جبل في جهنم، وقيل: هي عقبة بين الجنة والنار.

11 – و(فك رقبة) يحتمل العتق وغيره من فك المغارم والديون وغيرها.

12 –و(أصحاب الميمنة) تحتمل أصحاب جهة اليمين. وأصحاب اليمين، وأصحاب اليمن ضد الشؤم.

13 –و(المشأمة)كذلك.

وهكذا  وضعت تعبيرات هذه السورة للاتساع في المعاني.

  • رابعا: سورة البلد والخطوط التعبيرية والمقامية الواضحة

والملاحظ في سورة  البلد كذلك أن فيها خطوطاً تعبيرية ومقامية واضحة أشير إليها، منها:

1 – خط المكابدة الذي تدل عليه الآية (لقد خلقنا الإنسان في كبد).

2 – وخط العموم والاتساع في المعنى وهو الذي بيناه آنفاً.

3 – وخط الاجتماع الذي ذكر في قوله: (أهلكت مالا لبداً)

4 – وخط الصبر الذي دل عليه قوله: (وتواصوا بالصبر).

5 – وخط المرحمة الذي دل عليه قوله: (تواصوا بالمرحمة).

وهكذا يكون الإحكام في النسج، والدقة في التعبير، إنه كلام الله الذي شهد بفصاحته الأعداء قبل المسلمين.

وبه تمت سورة البلد،  والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وذريته وزوجه وصحبه وحزبه أبد الآبدين.


[1] – حديث حسن، أخرجه الترمذي، وابن حبان.

[2]– المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا – عبد السلام ياسين ص 17. مجلة الجماعة العدد الثامن ص 15-16.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.