منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تفسير سورة الفجر

تفسير سورة الفجر/ الشيخ بنسالم باهشام

0

تفسير سورة الفجر

 الشيخ بنسالم باهشام

 

﴿ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ

﴿ وَالْفَجْرِ ﴿1﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٖ ﴿2﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿3﴾ وَاليْلِ إِذَا يَسْرِۦ ﴿4﴾ هَلْ فِے ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِے حِجْرٍۖ ﴿5﴾ اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿6﴾ اِرَمَ ذَاتِ اِ۬لْعِمَادِ ﴿7﴾ اِ۬لتِے لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِے اِ۬لْبِلَٰدِ ﴿8﴾ وَثَمُودَ اَ۬لذِينَ جَابُواْ اُ۬لصَّخْرَ بِالْوَادِۦ ﴿9﴾ وَفِرْعَوْنَ ذِے اِ۬لَاوْتَادِ ﴿10﴾ اِ۬لذِينَ طَغَوْاْ فِے اِ۬لْبِلَٰدِ ﴿11﴾ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اَ۬لْفَسَادَ ﴿12﴾ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍۖ ﴿13﴾ اِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِۖ ﴿14﴾ فَأَمَّا اَ۬لِانسَٰنُ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ ﴿15﴾ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِۦۖ ﴿16﴾ وَأَمَّآ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ ﴿17﴾ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَٰنَنِۦ ﴿18﴾ كَلَّاۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ اَ۬لْيَتِيمَ ﴿19﴾ وَلَا تَحُضُّونَ عَلَيٰ طَعَامِ اِ۬لْمِسْكِينِ ﴿20﴾ وَتَاكُلُونَ اَ۬لتُّرَاثَ أَكْلاٗ لَّمّاٗ ﴿21﴾ وَتُحِبُّونَ اَ۬لْمَالَ حُبّاٗ جَمّاٗ ﴿22﴾ كَلَّآ إِذَا دُكَّتِ اِ۬لَارْضُ دَكّاٗ دَكّاٗ ﴿23﴾ وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاٗ صَفّاٗ ﴿24﴾ وَجِےٓءَ يَوْمَئِذِۢ بِجَهَنَّمَ ﴿25﴾ يَوْمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ اُ۬لِانسَٰنُ وَأَنّ۪يٰ لَهُ اُ۬لذِّكْر۪يٰۖ ﴿26﴾ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِے قَدَّمْتُ لِحَيَاتِےۖ ﴿27﴾ فَيَوْمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ﴿28﴾ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞۖ ﴿29﴾ يَٰٓأَيَّتُهَا اَ۬لنَّفْسُ اُ۬لْمُطْمَئِنَّةُ ﴿30﴾ اُ۪رْجِعِےٓ إِلَيٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرْضِيَّةٗ ﴿31﴾ فَادْخُلِے فِے عِبَٰدِے وَادْخُلِے جَنَّتِےۖ ﴿32﴾﴾.

﴿التعريف بسورة الفجر﴾.

بدأت سورة الفجر بالقَسَم بوقت الفجر، ولهذا سميت السورة بهذا الاسم، ويتضح اسم السورة من مطلعها، مثل الكثير من سور القرآن الكريم، ولم يعرف لهذه السورة اسم سوى ( الفجر ) في المصاحف والتفاسير والكتب الستة. وسورة الفجر مكية، نزلت قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، عدد آياتها 32 آية. عند أهل العدد بالمدينة ومكة، عدُّوا قوله: (فأكرمه ونعمه) ، منتهى آية، وقوله: (فقدر عليه رزقه)، منتهى آية، عدّهما المدنيان والمكي، ولم يعدهما الباقون. منتهى آية، وترتيبها بالمصحف التاسعة والثمانون، بعد سورة الغاشية، وقبل سورة البلد، و رتبت 10 في النزول،  نزلت بعد سورة الليل.

وقبل سورة الضحى ، وتتحدث السورة عن بعض قصص الطغاة المفسدين العتاة الأقدمين، كعاد وثمود وفرعون، وما نزل بهم من أليم عقاب الله عز وجل، ثم الكلام  على بعض أخلاق العباد عند الابتلاء، ثم الإشارة إلى يوم القيامة وذكر بعض مشاهدها…

 ﴿مقصد سورة الفجر﴾.

  •  صور الطغيان وعاقبته

 مقصد  كل سورة، هو أصل معانيها التي ترجع إليه ، ولهذا فإن معاني السورة لا تتحقق إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر، واستخراج مقصدها، وبعد الاستقراء والتأمل، نجد  سورة الفجر تناقش، صور الطغيان وعاقبته، بما في ذلك الطغيان بقوة الأجساد المتمثلة في عاد، والطغيان بقوة الصناعة والبناء المتمثلة في ثمود، والطغيان بقوة القهر والبغي المتمثلة في فرعون، و الطغيان النفسي المتمثل في الإنسان، وكلها تشترك في تجاوز الحد والبغي الذي يستجلب عذاب الله .

فسورة الفجر تعالج قضية من أهم القضايا الإنسانية وهي: “الحياة الجديدة،و انكشاف الحقائق”، وعلى رأس هذه الحقائق، أن الله مطلع على عباده، (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ، وهي جواب القسم، فهو سبحانه بالمرصاد لكل أصناف الطغيان:

1 – الجسدية المتمثلة في عاد.

2 – والعمرانية المتمثلة في ثمود.

3 – والسلطوية المتمثلة في فرعون.

4 –  والنفسية المتمثلة في الإنسان المجرد من منهج الله.

فبسورة الفجر، ينبلج فجر الحقائق، وتنكشف عند التأمل، وفي كل كلمة فيها بيان، ومصباح نور يكشف حقيقة كونية أو شرعية أو سنة إلهية. فمهما طال غياب الحقائق، وانخدع الناس بالمظاهر الزائفة المغرية والخلابة، لا بد لها أن تكشف وتظهر كما يكشف الفجر ما أخفاه الظلام، إما في الدنيا وإما في الآخرة.

فسورة الفجر تأذن بميلاد جديد، لحياة جديدة، بحركة جديدة، كما تشير كلمة الفجر، عنوانًا على هذه السورة، إشارة إلى موضوعها، و الذي هو في نهاية المطاف، يوم القيامة، قال تعالى: ( إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم)، وقال سبحانه: ( إن إلى ربك الرجعى)، إيحاءات قرآنية لطيفة، كأن اسم الفجر الذي هو عنوان على هذه السورة، يوحي الله من خلاله إلى العباد، أن الذي يعيد الحياة للفجر بعد الليل إذا يسر، فيمضي الليل ويأتي الفجر، إيذانًا بيوم جديد من حياة جديدة، فيه عمل جديد، في شؤون جديدة، فيه رزق جديد، فيه أحوال غير الأمس، وقدر على إحداث تلك الآية مرة بعد مرة، أمام أعينكم، لقادر على أن يعيد الحياة كلها من جديد، يوم يبعث العباد.

فإذا كان الله تعالى قد خلق حياة محدودة وزائلة في هذه الدنيا، وجعلها مبتدأ، فقد أعد حياة دائمة أبدية في الآخرة وجعلها خبرا، والجملة لا تتم إلا بالمبتدأ والخبر، وكذلك الحياة لا تتم إلا بوجود بعث ودار آخرة، فلماذا تستعظمون الحياة الأخرى بعد الحياة الأولى، وقد رأيتم يومًا بعد يوم، وفجرًا بعد ليل، وحركة بعد سكون، حياة جديدة تكون بعد الليل الذي يسري ويذهب، وتتمثل في بعثة الإنسان المتكررة عند استيقاظه من النوم كل فجر بعد الموتة الصغرى، قال تعالى في سورة الزمر: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، وعند الاستيقاظ يفرح العبد بالبعثة المتجددة لحياة جديدة، فيحمد الله عليها، ويسعى لتكون أفضل من أمسه، والحياة الجديدة تكون بعد  فترة الظُّلم؛ والظَّلَمة الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد، والحياة الجديدة الدائمة التي تكون بعد الموت، ويكون العبد فيها قد أفلح وفاز في الابتلاء الدنيوي، سواء كان ممن بسط رزقه، أو ممن قدره عليه ، فأدخله الله تعالى في سرب عباده الصالحين، لأنه أ كرم اليتيم، وحض على طعام المسكين، ولم يكن عبدا للدينار ولا للدرهم ولا للقطيفة، ولم تكن الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه، ولا منتهى غايته، بل أنفق ماله وابتغى به وجه ربه الأعلى، وبهذا كان ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه.

ومناسبة اسم سورة الفجر، للمقصد الذي هو صور الطغيان وعاقبته،  والحياة الجديدة وانكشاف الحقائق، أن الاسم في غاية المناسبة للمقصد، إذ أن الفجر وهو وقت طلوع الصبح، وانتشار الضوء، هو وقت حياة الإنسان واستيقاظه من النوم، وظهور الأشياء والأمور على حقيقتها، بعد أن كانت ملفوفة في ظلام دامس، أسبغه عليها ليل طال، ثم لم يلبث أن سرى، وكذلك حال الأشياء في الدنيا، لا تظهر على حقيقتها أول وهلة، بل تبقى دهرا على ما هي عليه، تغر كل ناظر ينظر إليها، فيمهل الله الظالم حتى يظن مَن حَوله أنه تمكّن، ويعطي أشخاصا ويمنع آخرين، فيظن أكثرهم ارتباط الكرامة بالعطاء، حتى إذا جاء أمر ربك بالعذاب في الدنيا، أو قامت القيامة، تكَشّفت الحقائق وظهرت، فموازين الله مختلفة عن موازين الخلق، وقد ذكر في سورة الفجر نوعان من الأمور التي تغطي عادة على الحقائق:

أحدها: على مستوى الأمم: حيث تغتر هذه الأمم أو طواغيتها بقوتهم، وما وهبهم الله من النعمة والقوة، فتسلبهم عقولهم وقلوبهم وتغشى أبصارهم، فيظنون أنهم معجزون.

الثانية: على مستوى الأفراد: حيث يعتقد ارتباط الكرامة والمهانة بالعطاء المادي، نتيجة انغماسه في هذه الدنيا المنقطعة، ولا يردعه في ذلك موت مَن حوله، ونقصهم شيئا فشيئا، وأحيانا ينزل الله العذاب على أقوام فيرون الحقيقة في الدنيا عذابا يأتيهم فيهلكهم عن بَكرة أبيهم، والقصص في ذلك كثيرة، وأحيانا يؤخر الله أقواما فتنكشف لهم الحقائق يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، فيتمنون فيه لو أنهم قدّموا ليومهم هذا، ولات حين مناص. كما أشارت الآيات من سورة الفجر إلى حقيقةٍ غاية في الأهمية، وجديرة كل الجدارة بالانتباه والاهتمام، ألا وهي أن: (الحياة ابتلاء) بحلوها ومرها، بعطائها ومنعها، وهذا واضح في قوله تعالى: ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه،…وأما إذا ما ابتلاه… ). وأخطر الحقائق وأكثرها إيلاما وخفاء عن الناس، أشارت إليها السورة هي: ( يا ليتني قدمت لحياتي)، أي حين يعلم المرء أن الحياة الحقيقية، ليست هي الدنيا الفانية التي يعيش فيها، وإنما هي الحياة الآخرة الأبدية التي تنتظره.

﴿أقسام سورة الفجر﴾.

 تتألف سورة الفجر بوضوح إلى أربع فقرات:

 – الفقرة الأولى: من الآية 1 وتنتهي بالآية 5.

 – محور الفقرة الأولى: القسم بأزمنة إهلاك الطغاة.

﴿ وَالْفَجْرِ ﴿1﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٖ ﴿2﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿3﴾ وَاليْلِ إِذَا يَسْرِۦ ﴿4﴾ هَلْ فِے ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِے حِجْرٍۖ ﴿5﴾﴾.

معالم ملحمة الأقدار، وتغاير وجه الزمان، تتبدى في إقبال النهار “الفجر” وإدبار الليل شيئا فشيئا “إذا يسر” ،  وبينهما الشواهد الميدانية التي تؤكد هذه الحقيقة الكونية، وهي أيام العقاب التي هي “ليال عشر” والتي لحقت عادا في سبع ليال، وثمود في ثلاثة أيام، والعطاء والمنع في  “الشفع والوتر”، فتدبر سنن الله في الكون، بصيرة لأصحاب العقل، لوعي سنن تدافع الحق والباطل .

 – الفقرة الثانية: من الآية 6 وتنتهي بالآية 14

 – محور الفقرة الثانية: كشف حال الطغاة وما أوتوا من القوة والجبروت حين أهلكهم الله.

اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿6﴾ اِرَمَ ذَاتِ اِ۬لْعِمَادِ ﴿7﴾ اِ۬لتِے لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِے اِ۬لْبِلَٰدِ ﴿8﴾ وَثَمُودَ اَ۬لذِينَ جَابُواْ اُ۬لصَّخْرَ بِالْوَادِۦ ﴿9﴾ وَفِرْعَوْنَ ذِے اِ۬لَاوْتَادِ ﴿10﴾ اِ۬لذِينَ طَغَوْاْ فِے اِ۬لْبِلَٰدِ ﴿11﴾ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اَ۬لْفَسَادَ ﴿12﴾ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍۖ ﴿13﴾ اِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِۖ ﴿14﴾﴾.

صور الطغيان والباطل، وتنوعها بين:

1 – الطغيان بقوة الأجساد المتمثلة في عاد.

2 – أو قوة الصناعة والبناء المتمثلة في ثمود.

3 – أو قوة القهر والبغي المتمثلة في فرعون، وكلها تشترك في تجاوز الحد والبغي الذي يستجلب عذاب الله .

 – الفقرة الثالثة: من الآية 15 وتنتهي بالآية 22

 – محور الفقرة الثالثة: طغيان النفس، المتشوفة للتملك والعلو .

﴿ فَأَمَّا اَ۬لِانسَٰنُ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ ﴿15﴾ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِۦۖ ﴿16﴾ وَأَمَّآ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ ﴿17﴾ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَٰنَنِۦ ﴿18﴾ كَلَّاۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ اَ۬لْيَتِيمَ ﴿19﴾ وَلَا تَحُضُّونَ عَلَيٰ طَعَامِ اِ۬لْمِسْكِينِ ﴿20﴾ وَتَاكُلُونَ اَ۬لتُّرَاثَ أَكْلاٗ لَّمّاٗ ﴿21﴾ وَتُحِبُّونَ اَ۬لْمَالَ حُبّاٗ جَمّاٗ ﴿22﴾﴾.

بَيَانُ سُنَّةِ الَّلهِ تَعَالى في ابْتِلاَءِ العِبَادِ في هَذِهِ الحَيَاةِ بالخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالغِنَى وَالفَقْرِ ، وَطَبِيعَةِ الإِنْسَانِ في حُبـِّهِ الشَّدِيدِ لِلْمَالِ. وبداية الطغيان على مستوى النفس، عندما تتمحور حول ذاتها، وتتشوف للتملك والعلو ، فإذا أُعطي المرء فرح، وإذا حُرم سخط ، وليس هذا ميزان الحق ، وهذا الخلل على مستوى النفس يزداد حتى يستولي حب المال على النفس، وتموت الرحمة ومعاني الإنسانية في النفس، فلا ترحم يتيما أو مسكينا .

هكذا تتأسس دول الطغيان على مستوى المفاهيم والأخلاق والقيم، فيتحول المجتمع إلى صورة مشوهة من الوجود الإنساني؛ في تجانس بين اتباع الشهوات والطغيان.

  – الفقرة الرابعة: من الآية 23 وتنتهي بالآية 32

 – محور الفقرة الرابعة: مشهد يوم القيامة. الكاشف للحقائق

﴿كَلَّآ إِذَا دُكَّتِ اِ۬لَارْضُ دَكّاٗ دَكّاٗ ﴿23﴾ وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاٗ صَفّاٗ ﴿24﴾ وَجِےٓءَ يَوْمَئِذِۢ بِجَهَنَّمَ ﴿25﴾ يَوْمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ اُ۬لِانسَٰنُ وَأَنّ۪يٰ لَهُ اُ۬لذِّكْر۪يٰۖ ﴿26﴾ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِے قَدَّمْتُ لِحَيَاتِےۖ ﴿27﴾ فَيَوْمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ﴿28﴾ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞۖ ﴿29﴾ يَٰٓأَيَّتُهَا اَ۬لنَّفْسُ اُ۬لْمُطْمَئِنَّةُ ﴿30﴾ اُ۪رْجِعِےٓ إِلَيٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرْضِيَّةٗ ﴿31﴾ فَادْخُلِے فِے عِبَٰدِے وَادْخُلِے جَنَّتِےۖ ﴿32﴾﴾.

النفوس المشوهة، لا تقبل نصحا أو توجيها في الدنيا، حتى يأتي يوم الحق، لتذوق ويلات أفعالها وحيدة ذليلة.

وفي ظل هذه الملحمة، تنجو نفوس مطمئنة لوعد الله، وبمعية الله، وباتباع أمره، فازت في الدنيا بالصبر مع الصالحين، والكينونة معهم، صحبة وجماعة وذكرا وصدقا وبذلا وعلما وعملا وسمتا حسنا وتؤدة واقتصادا وجهادا، فهنيئا لها رضاها بقدر الله، ورضا الله عنها، وقربه وجنته،والحشر مع من كانت معهم في الدنيا من عباد الله ممن عاشرتهم، وممن سبقوها بالإيمان.

إنها ملحمة الفجر حيث يُدْبر الليل، ويُقبل النهار، حريٌّ بأولي الألباب تدبرها، للتفقه في سنن الله في الأزمان .

 ﴿من خصائص سورة الفجر﴾.

 1 – ﴿ ﴿ وَالْفَجْرِ ﴿1﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٖ ﴿2﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿3﴾ ﴾.

القسم بالليالي العشر من ذي الحجة، والشفع والوتر من كل شيء.

2 – ﴿ اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿6﴾ اِرَمَ ذَاتِ اِ۬لْعِمَادِ ﴿7﴾ اِ۬لتِے لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِے اِ۬لْبِلَٰدِ ﴿8﴾﴾.

ذكر عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.

3 – ﴿ فَأَمَّا اَ۬لِانسَٰنُ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ ﴿15﴾ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِۦۖ ﴿16﴾ وَأَمَّآ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ ﴿17﴾ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَٰنَنِۦ ﴿18﴾ ﴾.

بيان حالة الإنسان عند الابتلاء بالخير والشر، وما يقوله ويعتقده عندئذ.

4 – ﴿ وَجِےٓءَ يَوْمَئِذِۢ بِجَهَنَّمَ ﴿25﴾ يَوْمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ اُ۬لِانسَٰنُ وَأَنّ۪يٰ لَهُ اُ۬لذِّكْر۪يٰۖ ﴿26﴾ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِے قَدَّمْتُ لِحَيَاتِےۖ ﴿27﴾ ﴾.

ندامة الكافر والمقصر يوم القيامة تتمنيهما تقديم العمل الصالح ليومهما ذلك، وأنّى لهما ذلك؟ فقد فات الوقت والأوان.

5 – ﴿ فَيَوْمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ﴿28﴾ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞۖ ﴿29﴾ ﴾.

التنصيص على أنه لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.

 6 – ﴿ يَٰٓأَيَّتُهَا اَ۬لنَّفْسُ اُ۬لْمُطْمَئِنَّةُ ﴿30﴾ اُ۪رْجِعِےٓ إِلَيٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرْضِيَّةٗ ﴿31﴾ فَادْخُلِے فِے عِبَٰدِے وَادْخُلِے جَنَّتِےۖ ﴿32﴾﴾.

ذكر النفس المطمئنة الزكية الطاهرة التقية وما ستنادى به عند الاحتضار. اللهم اجعلنا من أهل هذه النفس الطاهرة آمين.

﴿الأحاديث الصحيحة الواردة في تفسير سورة الفجر﴾.

  – أولا: قوله تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ ﴿1…. ﴾. الآيات.

  •  ﴿ الحديث 1 .

 روى النسائي في الكبرى بهذا السياق، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: (صَلَّى مُعَاذٌ صَلَاةً، فَجَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ فَطَوَّلَ، فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا، فَقَالَ: مُنَافِقٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ الْفَتَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَطَوَّلَ عَلَيَّ، فَانْصَرَفْتُ وَصَلَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَعَلَفْتُ نَاضِحِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ: ” أَفَتَّانًا يَا مُعَاذُ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ “سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى”[1]، “وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا”[2]، “وَالْفَجْرِ”[3]، “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى”) [4]؟

  • ﴿تخريج الحديث﴾.

الحديث بهذا السياق رواه النسائي في الكبرى 6/515.

  • ﴿غريب كلمات الحديث.

   فطوَّل علي: أي: قرأ في صلاته قراءة طويلة فطالت بها الصلاة.
  أفتانًا: أي: تريد أن تُوقِع الناس في الفتنة وتتسبب في تفريق جماعتهم.

  • ﴿الحديث من الناحية السلوكية.

تكلّم العلماء في هذا الحديث النبويّ من الناحية السلوكيّة، وبينوا أن فيه تأكيد على ضرورة أن يعلم الإمام أحوال المأمومين خلفه وأن يراعيها؛ فالناس ليسوا على شاكلة واحدة، والمجتمعات تختلف، والظروف تتباين، فقد يقع المسجد في وسط السوق، أو قرب المصانع، أو بجانب المزارع والحقول، فيتوجّه حينها تخفيف الصلاة وعدم تطويلها، وقد يكون في موطن يغلب فيه طلّاب العلم وأصحاب العبادة، فيمكن حينها للإمام أن يزيد من مقدار صلاته.

والحاصل أن الإمام يوازن بين مقدار قراءته وبين طبيعة المصلّين خلفه ونشاطهم، وبإدراك هذه القضيّة نستطيع أن نفهم التفاوت المذكور في مقدار قراءات النبي – صلى الله عليه وسلم- في صلاته الواردة في كتب السنة، فلربما قرأ في المغرب بالطور، ولربما قرأ فيها مرة أخرى بالمعوذتين، وكم بين الطور وبين المعوذتين من تفاوت.

ومما ينبغي للأئمة التنبّه له: أن كثرة المصلين مظنّة وجود ذوي الأعذار، ومتى ما تبيّن له وجود ذوي الأعذار خلفه – ولو بعد الشروع في الصلاة- فعليه أن يُخفّف من صلاته، ولقد كان من

هدي نبيّنا – صلى الله عليه وسلّم- أنه كان يدخل الصلاة وينوي الإطالة، فيسمع بكاء الأطفال من بين الصفوف فيخفّف لأجل ذلك من صلاته رحمةً بأمّهاتهم.

وفي قول النبي –صلى الله عليه وسلم  لمعاذ:  أفتّانا يا معاذ؟  نهيٌ عن كل ما يُنفّر عن الدين، ويصد عن سبيله، أو يوقع الناس في الفتنة، سواءٌ أكان بالقول أم بالفعل، وقلّ ما يتنبّه الدعاة لهذه اللفتة

النبويّة خصوصاً عند التعامل مع المهتدين الجدد.

  • ﴿ما يستفاد من الحديث.

1 –  البعد عن أسباب فتنة الناس.

2- استحباب مراعاة الإمام لأحوال المأمومين.

3- استحباب التخفيف في القراءة دون إضاعتها.

4-  هذه السور التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعتبر أمثلةً للتخفيف.

5- إذا صلى الإنسان وحده أو مع شخص مخصوص يرغب الإطالة، فلا بأس بذلك.

  – ثانيا: قوله تعالى: ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٖ ﴿2وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿3﴾ ﴾.

  • ﴿ الحديث 2 ﴾.

 روى أحمد، والبخاري في العيدين، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، كلهم في الصوم.عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ ، قَالُوا : وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ).

  • ﴿ تخريج الحديث﴾.

 رواه أحمد 2/224،338، والبخاري في العيدين رقم 969، وأبو داود 2438، والترمذي 669، وابن ماجه 1727، كلهم في الصوم.

  • ﴿ما يستفاد من الحديث.

 في الحديث فضل أيام العشر من ذي الحجة، وأن العمل فيها لا يوازيه إلا عمل رجل خرج لجهاد العدو بماله ونفسه، فاستشهد وقتل ولم يرجع بشيء من ذلك، وهذا فضل فائق.

  •  ﴿ الحديث 3﴾.

روى أحمد. والبزار كما فى كشف الأستار، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الأَضْحَى، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ).

  • ﴿ تخريج الحديث﴾.

أخرجه أحمد (3/327 ، رقم 14551) . وأخرجه أيضًا : البزار كما فى كشف الأستار (3/80 ، رقم 2286) . قال الهيثمى (7/137) : رجالهما رجال الصحيح غير عياش بن عقبة وهو ثقة .

  – ثالثا: قوله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴿17﴾ ﴾.

  • ﴿ الحديث 4 ﴾.

روى أحمد، والبخاري في الأدب من صحيحه، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ رضي الله عنه قَالَ:  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ. وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ والوسطى، وفرق بينهما قليلا).

  • ﴿ تخريج الحديث.

 رواه أحمد 5/333، والبخاري في الأدب من صحيحه 13/43، وفي الأدب المفرد 135، وأبو داود في الأدب 5150، والترمذي في البر والصلة 1764 بتهذيبي.

  • ﴿ الحديث 5 ﴾.

روى مسلم عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ إذا اتقى)

  •  ﴿ تخريج الحديث.

أخرجه مسلم في الزهد  (14/113) .

  • ﴿غريب كلمات الحديث.

قوله – صلى الله عليه وسلم – : ( اليَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ ) مَعْنَاهُ : قَريبُهُ ، أَو الأجْنَبيُّ مِنْهُ ، فالقَريبُ مِثلُ أنْ تَكْفَلهُ أمُّهُ أَوْ جَدُّهُ أَوْ أخُوهُ أَوْ غَيرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ.

  • ﴿ الحديث 6 ﴾.

روى أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- :  (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين- وجمع بين السبابة والوسطى- والسَّاعِي عَلَى اليتيم والأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، والصَّائِمِ  الْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ ).

  • ﴿ تخريج الحديث.

 رواه أبو يعلى 4/263، والطبراني في الأوسط 4739، وفيه ليث بن أبي سليم، ولا يضر، فإن له شاهدا عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال: (كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا ينام) رواه النسائي في الكبرى 2/46، وابن حبان في صحيحه 10/55، ومالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن، وسنده صحيح على شرطهما، بل هو في صحيح البخاري ومسلم، انظر ما سبق في الكلام على آية 36 من سورة النساء.

  • ﴿غريب كلمات الحديث.

 ( كافل اليتيم): أي القائم بنفقته وتربيته، والإحسان إليه.

  • ﴿ما يستفاد من الحديث والآية.

وفيه فضل عظيم لمن وفقه الله للإحسان إلى اليتيم ومن معه، والآية الكريمة جاءت منكرة على من يهملون اليتامى فلا يطعمونهم ولا يحسنون إليهم، كما لا يحثون على إطعام المحتاج والمسكين.

 – رابعا: قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿22﴾ ﴾.

  •  ﴿ الحديث 7 و 8 ﴾.

الحديث 7: في حديث الشفاعة الطويل…..(فيجيء الله تعالى لفصل الخطاب).

الحديث 8:  عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الصراط والرؤية...( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا…) الحديث

  • ﴿ تخريج الحديث.

 رواه البخاري في الرقاق 14/246 مطولا.

  • ﴿ما يستفاد من الحديثين.

هذا المجيء مما يجب الإيمان به على ما أراد  الله عز وجل، قال ابن كثير رحمه الله: ( وجاء ربك)، يعني: ( لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا…)

فيجب علينا أن نؤمن بمجيئه تعالى يوم القيامة ليفصل بين العباد، ويكلمهم ويحاسبهم بدون ترجمان، ومجيء الملائكة كذلك صفوفا متتابعة، وذلك لا بد أن يقع كما أخبر القرآن الكريم، ونطقت به السنة النبوية مع اعتقادنا أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، وما يقع في الآخرة هي أمور خارجة عن مستوى عقولنا ومن عالم الغيب.

  – خامسا: قوله تعالى: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴿23﴾ ﴾.

  • ﴿ الحديث 9 ﴾.

روى مسلم ، والترمذي، عن ابن مسعود – رضي الله عنه –  قَالَ : قَالَ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( يُؤتَى بِجَهَنَّمَ يَومَئذ لَهَا سَبْعُونَ ألفَ زِمَامٍ ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا ).

  • ﴿ تخريج الحديث.

أخرجه مسلم في الجنة (17/179) ، والترمذي في صفة جهنم (2390).

  • ﴿ما يستفاد من الآية والحديث .

 الآية والحديث متحدان في أنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، وذلك بموقف الناس لترعب الكفار وترهبهم وتزعجهم، وهذا أيضا من عالم الغيب مما لا نعلم كيفيته، فيجب الإيمان به وكفى.

 – سادسا: قوله تعالى: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴿24﴾﴾.

  •  ﴿ الحديث 10 ﴾.

روى أحمد  بسند صحيح، عن محمد بن عمرة رضي الله عنه، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَوْ أَنَّ عبدا خر عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أن يَمُوتُ فِي طاعةِ اللَّهِ، لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولودّ أنه رُد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب).

  • ﴿ تخريج الحديث.

 رواه أحمد 4/185 بسند صحيح، وهو من قبيل المرفوع، لأنه لا مجال فيه للنظر.

  • ﴿ما يستفاد من الآية والحديث .

 والآية والحديث يدلان على أن الإنسان من حيث هو سيتمنى يوم القيامة أن لو قدم لحياته تلك، أما الكافر والمقصر فأمرهما واضح. وأما الطائع التقي والمقتصد فلما يريان من عظم الجزاء، نسأل الله البر الرحيم أن يعاملنا بفضله وكرمه.

وبه  تم الكلام على سورة الفجر ،  والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وذريته وزوجه وصحبه وحزبه أبد الآبدين.


[1]  – [الأعلى: 1].

[2]  – [الشمس: 1].

[3]  – [الفجر: 1].

[4]  – [الليل: 1].

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.