منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 تفسير سورة الليل 

 تفسير سورة الليل / الشيخ بنسالم باهشام

0

 تفسير سورة الليل 

الشيخ بنسالم باهشام

 

﴿ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ ﴾

﴿ وَاليْلِ إِذَا يَغْش۪ىٰ ﴿1﴾  وَالنَّه۪ارِ إِذَا تَجَلّ۪ىٰ ﴿2﴾  وَمَا خَلَقَ اَ۬لذَّكَرَ وَالُانث۪ىٰٓ ﴿3﴾  إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّ۪ىٰۖ ﴿4﴾  فَأَمَّا مَنَ اَعْط۪ىٰ وَاتَّق۪ىٰ ﴿5﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْن۪ىٰ ﴿6﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْر۪ىٰۖ ﴿7﴾ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَاسْتَغْن۪ىٰ ﴿8﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْن۪ىٰ ﴿9﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْر۪ىٰۖ ﴿10﴾ وَمَا يُغْنِے عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدّ۪ىٰٓۖ ﴿11﴾ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُد۪ىٰ ﴿12﴾ وَإِنَّ لَنَا لَلَاخِرَةَ وَالُاول۪ىٰۖ ﴿13﴾ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراٗ تَلَظّ۪ىٰ ﴿14﴾ لَا يَصْلَيٰهَآ إِلَّا اَ۬لَاشْقَي ﴿15﴾ اَ۬لذِے كَذَّبَ وَتَوَلّ۪ىٰۖ ﴿16﴾ وَسَيُجَنَّبُهَا اَ۬لَاتْقَي ﴿17﴾ اَ۬لذِے يُوتِے مَالَهُۥ يَتَزَكّ۪ىٰۖ ﴿18﴾ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٖ تُجْز۪ىٰٓ ﴿19﴾ إِلَّا اَ۪بْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ اِ۬لَاعْل۪ىٰۖ ﴿20﴾ وَلَسَوْفَ يَرْض۪ىٰۖ ﴿21﴾ ﴾

﴿التعريف بسورة الليل﴾.

سورة الليل مكية. نزلت قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، آياتها 21 آية،

ترتيبها بالمصحف 92، جاءت بعد سورة الشمس، وقبل سورة الضحى، وترتيبها في النزول 9، نزلت بعد سورة الأعلى. وقبل سورة الفجر، افتتحها تعالى بالقسم ببعض الكائنات على أن الناس مختلفون في سعيهم وأعمالهم، منهم المؤمن الذي يعمل الصالحات، ويتقرب إلى الله بأنواع القربات، ويسعى جادا لعتق مهجته من عذاب الله تعالى، ومنهم الكافر والمتمرد على الله تعالى الذي لا يألوا جهدا في التمرد والإعراض عن دين الله عز وجل واتباع هواه، ثم يبين أن من أنفق ماله واتقى الله عز وجل فإنه سيهيأ للعمل المؤدي به إلى الجنة ونعيمها، بينما الذي كذب بالجنة وما أعد الله فيها لأوليائه سيهيؤه لطريق الشر والحياة السيئة المؤدية إلى دار العذاب.

﴿ مقصد سورة الليل ﴾.

اختلاف زمان السعي، والساعي واختلاف المصير

﴿ المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه ﴾.

في القسم في القرآن، يلاحظ أن هناك تناسبا بين المقسم به والمقسم عليه، وقد تفرد بها القسم في القرآن الكريم، حيث يلاحظ أن هناك ربطا للمعنوي بالحسي مع الأقسام التي جاءت معها واو القسم. وأكثر المفسرين حينما تطرّقوا إلى الأقسام الواردة في القرآن الكريم، ركّزوا جهودهم لبيان ما للمقسم به من أسرار ورموز،  كالشمس والقمر والليل والنهار والخيل… وغيرها، ولكنّهم غفلوا عن البحث في بيان الصلة والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه، وهو أنّه تعالى لم يقسم في سورة الليل بالشمس ولا بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون، وإنما أقسم بالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، لأجل المقسم عليه الذي هو : (إن سعيكم لشتى).

وصفوة القول: إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر، ولكن يقع الكلام في كلّ قسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون سائر الأُمور الكثيرة التي يقسم بها؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن، ولم يتعرّض له أكثر المفسرين ولا سيما ابن قيم الجوزية في كتابه «التبيان في أقسام القرآن» إلّا نزراً يسيراً.

﴿أقسام سورة الليل ﴾.

تتألف سورة الليل من أربع فقرات:

 – الفقرة الأولى: (من الآية 1 إلى  نهاية الآية 4)

(القسم بزمان السعي والساعي، على اختلاف الساعي).

﴿ وَاليْلِ إِذَا يَغْش۪ىٰ ﴿1﴾  وَالنَّه۪ارِ إِذَا تَجَلّ۪ىٰ ﴿2﴾  وَمَا خَلَقَ اَ۬لذَّكَرَ وَالُانث۪ىٰٓ ﴿3﴾  إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّ۪ىٰۖ ﴿4﴾ ﴾ .

 – الفقرة الثانية: (من الآية 5 إلى  نهاية الآية 11)

( تفصيل في اختلاف السعي)

﴿ فَأَمَّا مَنَ اَعْط۪ىٰ وَاتَّق۪ىٰ ﴿5﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْن۪ىٰ ﴿6﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْر۪ىٰۖ ﴿7﴾ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَاسْتَغْن۪ىٰ ﴿8﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْن۪ىٰ ﴿9﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْر۪ىٰۖ ﴿10﴾ وَمَا يُغْنِے عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدّ۪ىٰٓۖ ﴿11﴾ ﴾.

– الفقرة الثالثة: (من الآية 12 إلى نهاية الآية 16)

(مصير الساعي الشقي)

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُد۪ىٰ ﴿12﴾ وَإِنَّ لَنَا لَلَاخِرَةَ وَالُاول۪ىٰۖ ﴿13﴾ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراٗ تَلَظّ۪ىٰ ﴿14﴾ لَا يَصْلَيٰهَآ إِلَّا اَ۬لَاشْقَي ﴿15﴾ اَ۬لذِے كَذَّبَ وَتَوَلّ۪ىٰۖ  ﴿16﴾﴾.

 – الفقرة الرابعة: (من الآية 17 إلى نهاية الآية 21)

( مصير الساعي التقي)

﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا اَ۬لَاتْقَي ﴿17﴾ اَ۬لذِے يُوتِے مَالَهُۥ يَتَزَكّ۪ىٰۖ ﴿18﴾ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٖ تُجْز۪ىٰٓ ﴿19﴾ إِلَّا اَ۪بْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ اِ۬لَاعْل۪ىٰۖ ﴿20﴾ وَلَسَوْفَ يَرْض۪ىٰۖ ﴿21﴾ ﴾

 – الفقرة الأولى: القسم بزمان السعي، وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي.

﴿ وَاليْلِ إِذَا يَغْش۪ىٰ ﴿1﴾  وَالنَّه۪ارِ إِذَا تَجَلّ۪ىٰ ﴿2﴾  وَمَا خَلَقَ اَ۬لذَّكَرَ وَالُانث۪ىٰٓ ﴿3﴾  إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّ۪ىٰۖ ﴿4﴾ ﴾.

أقسم سبحانه في سورة الليل بأُمور ثلاثة: (اللَّيل إِذا يَغْشى)، و (النَّهار إِذا تَجَلّى) و( ما خلق الذكر والأنثى).

﴿المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه﴾.

1 – أقسم سبحانه بالليل وقت غشيانه، وأتى بصيغة المضارع ( يغشى)؛ لأنه يغشى شيئا بعد شيء، وأما النهار، فأتى به على صيغة الماضي (تجلى)، لأنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة، ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى، وذلك يتضمن الإقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه، وقابل بين الذكر والأنثى، كما قابل بين الليل والنهار. وكل ذلك من آيات ربوبيته، فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية، كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية، فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها، كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس فيها.

والصلة بين المقسم به والمقسم عليه، أنّه سبحانه أقسم بالمتفرقات خلقاً وأثراً: الليل والنهار، الذكر والأنثى، على المساعي المتفرقة في أنفسها وآثارها، فأين التقوى والتصديق من البخل والتكذيب؟

2 – أقسم سبحانه بزمان السعي، وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي، كما اختلف الليل والنهار، والذكر والأنثى. والمناسبة بين المقسم به والمقسم عليه: أن الليل والنهار هما وعاء الأعمال، ولا تتصور أعمال الناس خارج الزمن، فهم يتسلمون أعمارهم أقساطاً أقساطاً، ويصنعون منها أعمالاً تيسرهم لليسرى أو للعسرى.

3 –  مناسبة المقسم به للمقسم عليه، أن سعي الناس، منه خير ومنه شر، وهما يماثلان النور والظلمة، وأن سعي الناس؛ ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها الضار، كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة.

﴿الحكمة من القسم بالليل وتسبيقه على النهار﴾.

1 – في القسم بالليل وبالنهار التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون، وبديع قدرته، وخص بالذكر ما في الليل من الدلالة من حالة غشيانه الجانب الذي يغشاه من الأرض. ويغشى فيه من الموجودات، فتعمها ظلمته، فلا تبدو للناظرين، لأن ذلك أقوى أحواله، وخص بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك.

2 – واختير القسم بالليل والنهار لمناسبته للمقام، لأن غرض السورة بيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة.

3 – وابتدئ في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكس ما في سورة الشمس، لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة، فترتيب سورة الشمس في النزول جاء 26، بينما سورة الليل كانت تاسعة السور في النزول،  وأيامئذ كان الكفر مخيما على الناس إلا نفرا قليلا، وكان الإسلام قد أخذ في التجلي، فناسب تلك الحالة بالإشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله: (إن سعيكم لشتى) إلى قوله: (إذا تردى)[1].

 – الفقرة الثانية: تفصيل في اختلاف السعي

﴿ فَأَمَّا مَنَ اَعْط۪ىٰ وَاتَّق۪ىٰ ﴿5﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْن۪ىٰ ﴿6﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْر۪ىٰۖ ﴿7﴾ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَاسْتَغْن۪ىٰ ﴿8﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْن۪ىٰ ﴿9﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْعُسْر۪ىٰۖ ﴿10﴾ وَمَا يُغْنِے عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدّ۪ىٰٓۖ ﴿11﴾ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُد۪ىٰ ﴿12﴾ وَإِنَّ لَنَا لَلَاخِرَةَ وَالُاول۪ىٰۖ ﴿13﴾ ﴾.

صنّف الله المساعي إلى قسمين، وقال في الآيات التالية بأنّ الناس على صنفين:

1 – صنف يصبُّ سعيه في طريق العطاء والتقى والتصديق بالحسنى، فيُيسّـر لليسري، وهم أهل الإيمان الذين بذلوا المال وصدقوا بلا إله إلا الله.

2 –  وصنف آخر يصبُّ سعيه على ضدّ ما ذكر، فيبخل ويستغني بما لديه، ويكذب بالحسنى، فيُيسر للعسرى. وهم أهل الكفر الذين بخلوا بالمال واستغنوا عن ربهم.

 – الفقرة الثالثة: مصير الساعي الشقي.

﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراٗ تَلَظّ۪ىٰ ﴿14﴾ لَا يَصْلَيٰهَآ إِلَّا اَ۬لَاشْقَي ﴿15﴾ اَ۬لذِے كَذَّبَ وَتَوَلّ۪ىٰۖ ﴿16﴾﴾.

تحذير أهل مكة من عقاب الله وانتقامه من المكذبين بآياته ورسوله.

 – الفقرة الرابعة: مصير الساعي التقي.

﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا اَ۬لَاتْقَي ﴿17﴾ اَ۬لذِے يُوتِے مَالَهُۥ يَتَزَكّ۪ىٰۖ ﴿18﴾ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٖ تُجْز۪ىٰٓ ﴿19﴾ إِلَّا اَ۪بْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ اِ۬لَاعْل۪ىٰۖ ﴿20﴾ وَلَسَوْفَ يَرْض۪ىٰۖ ﴿21﴾ ﴾.

نموذج المؤمن الصالح المنفق في وجوه الخير ليزكي نفسه. وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين اشترى بلالا وأعتقه لله.

﴿الأحاديث الصحيحة الواردة في تفسير سورة الليل ﴾.

  • أولا: قوله تعالى: ﴿ وَاليْلِ إِذَا يَغْش۪ىٰ ﴿1﴾  وَالنَّه۪ارِ إِذَا تَجَلّ۪ىٰ ﴿2﴾  وَمَا خَلَقَ اَ۬لذَّكَرَ وَالُانث۪ىٰٓ ﴿3﴾ ﴾.

 ﴿غريب كلمات الآيات﴾.

وَاللَّيل إِذا يَغْشى: أقسم بالليل إذا يغشى النهار، أو يغشى الأرض.

* ويدل على الليل إذا يغشى النهار، قوله تعالى في سورة الأعراف: (يُغشِي اللَّيلَ النَّهار) [الأعراف:54]. بمعنى يأتي بأحدهما بعد الآخر، فيجعل ظلمة الليل بمنزلة الغشاوة للنهار.

*ويحتمل الليل يغشى الأرض ، كما في قوله تعالى في سورة الشمس:(وَاللَّيل إِذا يَغْشاها).

وَالنَّهار إِذا تَجَلّى: عطْف على الليل، والتجلّـي: ظهور الشيء بعد خفائه، وقد جاء الفعل في الآية الأولى (يَغْشى): بصيغة المضارع، وفي الآية الثانية (تَجَلّى) بصورة الماضي، وفقاً لسورة الشمس.

وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالانثى: و”ما” موصولة، كناية عن الخالق البارئ للذكر والاُنثى، سواء أكان من جنس الإنسان أو من جنس الحيوان، وتطبيقه في بعض التفاسير على أبينا آدم وزوجه حوّاء عليهما السلام، من باب التمثيل لا التخصيص.

الذكر والأنثى: صنفا أنواع الحيوان. والمراد: خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى، كما قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾. [الحجرات: 13] لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات، وهو الذي يدرك المخاطبون أكثر دقائقه لتكرره على أنفسهم ذكورهم وإناثهم بخلاف تكون نسل الحيوان، فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يحصي كثيرا منها.

إن سعيكم لشتى: إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله: (فأما من أعطى) الآية ليتمكن تفصيله في الذهن. وقوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى) هو جواب القسم، وشتى جمع شتيت، كمرضى جمع مريض، والمراد تشتت السعي، فإنّ سعي الإنسان لمختلف، وليس منصبَّاً على اتجاه واحد، فمن ساع للدنيا ومن ساع للعقبى، ومن ساع للصلاح والفلاح، ومن ساع للهلاك والفساد.

﴿ الحديث 1 ﴾.

روى البخاري في مواضع في الفضائل، وفي الاستئذان، ومسلم في الصلاة، عن علقمة رحمه تعالى قال: قدمنا الشام فدخلنا مسجد دمشق على أبي الدرداء رضي الله عنه، فقال: (كيف يقرأ عبد الله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) ﴾….فقرأت عليه﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) ﴾. (والذكر والأنثى)، قال: والله لقد أقرأنيها رسول صلى الله عليه وسلم من فيه إلى في).

﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه البخاري في مواضع في الفضائل3742، 3761 ، وفي الاستئذان 6278، ومسلم في الصلاة 824 ، والترمذي في القراءات 2745، والنسائي في الكبرى 6/516.

﴿ ما يستفاد من الحديث﴾.

قراءة ابن مسعود هذه التي كان يقرؤها أبو الدرداء، ليست بمتواترة، وهي مخالفة للمصحف الإمام الذي بين أيدي المسلمين، ولعلها من القراءات المنسوخة التي لم يبلغ نسخها ابن مسعود وأبا الدرداء رضي الله عنهما.

  • ثانيا: قوله تعالى: ﴿  فَأَمَّا مَنَ اَعْط۪ىٰ وَاتَّق۪ىٰ ﴿5﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْن۪ىٰ﴿6﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلْيُسْر۪ىٰۖ ﴿7﴾﴾.

﴿ الحديث 2 ﴾.

روى البخاري في القدر، وفي التوحيد، ومسلم في القدر، عن عَلِيٍّ – رضي الله عنه – ، قَالَ : (كُنَّا فِي جَنَازَةٍ ببَقيعِ الغَرْقَدِ، فَأتَانَا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَبيده  مِخْصَرَةٌ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِها الأرض، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، فقالوا: يَا رسولَ الله، أفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابنَا؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا ؛ فكلٌّ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا من كان من أَهْل السَّعَادَةِ فسَيُيَسَّرُ إلى عمل السَّعَادَةِ،وَأَمَّا من كان من أَهْل الشّقاء فَسيُيَسَّرُ إلى عمل الشّقاء ، ثُمَّ قَرأ: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”)

﴿ تخريج الحديث﴾.

رواه أحمد رقم 261، 167 ، 168 ، 1110، والبخاري في القدر، وفي التوحيد 17/305، ومسلم في القدر 16/195 ،196، وأبوداود في القدر رقم 4694، والترمذي فيه 1968، وفي التفسير 3216، والنسائي 6/517، وابن ماجه 78، والطيالسي 61.

﴿غريب كلمات الحديث﴾.

مخصرة: بكسر الميم: كالسوط والعصا.

ينكث: أي يضرب

أفلا نتكل: أي نعتمد على القدر، وما كتب علينا وندع العمل.

اعملوا: أي لابد من العمل، فإنه الذي يصدق ما كتب في الأزل، فالسعيد سيهيأ للإيمان والعمل الصالح، وييسره الله لما خلق لأجله، والشقي بعكس ذلك، فمن اعتمد على ما كتب عليه، وترك العمل كان ذلك علامة على شقاوته.

﴿ الحديث 3 ﴾.

في الموضوع أحاديث عن أنس في الصحيحين، وعن عمران بن الحصين فيهما أيضا، وعن ابن عمر عند أحمد والترمذي.

﴿غريب كلمات الآيات﴾.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾، أي أنفق ماله ابتغاء وجه الله.

﴿وَاتَّقَى﴾، ربه فآمن  وكف عن محارمه، وآمن بالحسنى، أي : الجنة، فسنهيئه لعمل الخير، ونسهل عليه فعل الطاعات وترك المحرمات، والعكس بالعكس.

﴿ وأَمَّا مَنْ بخل واستغنى﴾، فمن بخل بإنفاق ماله، واستغنى عن ربه، وعن عبادته، وكذب بالجنة، فسنهيؤه للخصلة المؤدية للعسر، وهي طريق الشر المؤدي إلى النار.

وبهذا تمت سورة الليل ،  والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وذريته وزوجه وصحبه وحزبه أبد الآبدين.


[1]  – التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور (30/ 378 – 379).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.