منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تفسير سورة الغاشية

تفسير سورة الغاشية/ بن سالم باهشام

0

تفسير سورة الغاشية

بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

﴿ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ

﴿هَلَ اَت۪يٰكَ حَدِيثُ اُ۬لْغَٰشِيَةِۖ ﴿1﴾ وُجُوهٞ يَوْمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ﴿2﴾ عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ﴿3﴾ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةٗ ﴿4﴾ تُسْق۪ىٰ مِنْ عَيْنٍ اٰنِيَةٖۖ ﴿5﴾ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ اِلَّا مِن ضَرِيعٖ ﴿6﴾ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِے مِن جُوعٖۖ ﴿7﴾ وُجُوهٞ يَوْمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ﴿8﴾ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٞ ﴿9﴾ فِے جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ﴿10﴾ لَّا تُسْمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٞۖ ﴿11﴾ فِيهَا عَيْنٞ جَارِيَةٞۖ  ﴿12﴾ فِيهَا سُرُرٞ مَّرْفُوعَةٞ ﴿13﴾ وَأَكْوَابٞ مَّوْضُوعَةٞ ﴿14﴾ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٞ ﴿15﴾ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌۖ ﴿16﴾ ۞ اَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى اَ۬لِابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿17﴾ وَإِلَى اَ۬لسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿18﴾ وَإِلَى اَ۬لْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ  ﴿19﴾ وَإِلَى اَ۬لَارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْۖ ﴿20﴾ فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞۖ ﴿21﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍۖ ﴿22﴾ اِلَّا مَن تَوَلّ۪ىٰ وَكَفَرَ ﴿23﴾ فَيُعَذِّبُهُ اُ۬للَّهُ اُ۬لْعَذَابَ اَ۬لَاكْبَرَۖ ﴿24﴾ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ﴿25﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْۖ ﴿26﴾﴾

﴿التعريف بسورة الغاشية.

 سورة الغاشية هي سورة مكية، آياتها 26، وترتيبها في المصحف 88، سمى الله هذه السورة بهذا الاسم الحكيم “الغاشية”، وسميت سورة “الغاشية” بهذا الاسم، لورود هذا اللفظ فيها: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها كذلك. فهذه من السور التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه. وسور القرآن منها ما وردت تسميته على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، فتكون توقيفية، ومنها ما سمته الصحابة رضي الله عنهم، واشتهر بينهم، ولهذا قد نجد للسورة الواحدة أكثر من اسم؛ وهكذا. وهذه السورة، كما السورة السابقة “سبح”، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة، والعيدين، حتى إنه ربما اجتمع يوم عيد، ويوم جمعة، فقرأ بهما  في الصلاتين كما روى  مسلم في صحيحه[1]، وما ذاك إلا لما تضمنته هاتان السورتان من المعاني الجليلة، والمواعظ البليغة. وقد وردت في الأحاديث باسم: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)، وفي المصاحف وكتب التفسير باسم “الغاشية”، وبعض المفسرين سماها سورة: “هل أتاك” حيث لم تبدأ سورة أخرى بهذا السؤال. هناك: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) [الإنسان: 1].

وهناك في القرآن ثلاث مرات غير هذه: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) [الذاريات:24]، (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ)[البروج:17])، (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى)[النازعات:15]، ولكن في أثناء السور، فهذه هي السورة الوحيدة التي بدأت بهذا السؤال، فسماها البعض بهذا الاسم: “هل أتاك”. لكن الاسم الذي اشتهرت به هو سورة: “الغاشية”،  بدأت بأسلوب استفهام، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة، بداية الدرس سؤال، وسيلة تربوية عالية؛ إنها تنبه الأذهان في المخاطبين، تستحضر عقولهم، ليتلقوا هذا الخبر بوعي، فليس خبرا كجميع الأخبار، أو كغيره من الأخبار، إنما هو نبأ عظيم، أنتم عنه معرضون، الناس معرضون عنه بدنياهم، ولهوهم، ومشاغلهم، وأولادهم، كل ذلك ينسي أمر الآخرة، والله سماها نبأ عظيم.نزلت بعد سورة الذاريات، والغاشية أحد أسماء يوم القيامة في الإسلام، وحديثها عن القيامة وبيان أهل الشقاء وأهل السعادة، ثم الكلام على دلائل التوحيد والقدرة  الإلهية في الحيوان والسماء والأرض والجبال.

﴿مقصد سورة الغاشية﴾.

  •  عمل الحساب ليوم الحساب

إذا كان مقصد  سورة الأعلى هو طلب العلو، ويعلم الله سبحانه أن من عباده من يستجيب ويسبح الله ويطلب العلو في كل المنحي الواجب طلب العلو فيها،، وأن منهم من يعرض ويتولى ويدبر، فقد توعدهم الله في سورة “الغاشية”، فبين جزاء من يطيع، وجزاء من يعصي الله.

وبين أن المؤمنين في جنة عالية، فيها الخير والراحة والنعيم، وأما من أعرض وتولى فإنه في نار جهنم، وجهُه ذليل، ونظراته منكسرة يوم القيامة، فمن لم يخشع لله برغبته وبحبه لله في الدنيا؛ الله يخشعه يوم القيامة، ويظهر الذلة على وجهه.

سورة الغاشية يأمر الله فيها بعبادة الله عزّ وجل، خالق الإنسان والسماء والأرض، مبينا أن عبادة الله وحده هي التي توصل إلى الغاية. أما العبادة الخاطئة فإنها لا توصل إلا إلى النار، وسورة الغاشية تعرض علينا صورتين:

1 – صورة لعُبّاد عاملين؛ ولكنهم يشركون في عبادتهم.

2 – وصورة للعُبّاد الموحدين.

تعرض علينا السورة هؤلاء وهؤلاء، ثم تلفت النظر إلى توحيد الله عزّ وجل، ثم تختم بالأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتذكير. وتطوف السورة بالقلب البشري في مجالين هائلين:

1 – مجال الآخرة وعالمها الواسع، ومشاهدها المؤثرة.

2 – ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر، وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع.

3 – ثم تذكرهم بعد هاتين الجولتين الهائلتين بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف.

﴿أقسام سورة الغاشية﴾.

 تتألف سورة الغاشية من فقرتين واضحتي المعالم والصلات:

  • الفقرة الأولى من الآية 1 وتنتهي بالآية 16

وتتألف الفقرة الأولى من مقدمة ومجموعتين

  • الفقرة الثانية من الآية 17 وتنتهي بالآية 26 أي بنهاية السورة

والفقرة الثانية تتألف من مجموعتين

  • الفقرة الأولى:

– مقدمة الفقرة الأولى

﴿هَلَ اَت۪يٰكَ حَدِيثُ اُ۬لْغَٰشِيَةِۖ ﴿1﴾ ﴾

– المجموعة الأولى:  جزاء الصنف الذي لم يعمل الحساب ليوم الحساب

﴿ وُجُوهٞ يَوْمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ﴿2﴾ عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ﴿3﴾ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةٗ ﴿4﴾ تُسْق۪ىٰ مِنْ عَيْنٍ اٰنِيَةٖۖ ﴿5﴾ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ اِلَّا مِن ضَرِيعٖ ﴿6﴾ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِے مِن جُوعٖۖ ﴿7﴾

– المجموعة الثانية: جزاء الصنف الذي عمل الحساب ليوم الحساب

﴿وُجُوهٞ يَوْمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ﴿8﴾ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٞ ﴿9﴾ فِے جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ﴿10﴾ لَّا تُسْمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٞۖ ﴿11﴾ فِيهَا عَيْنٞ جَارِيَةٞۖ  ﴿12﴾ فِيهَا سُرُرٞ مَّرْفُوعَةٞ ﴿13﴾ وَأَكْوَابٞ مَّوْضُوعَةٞ ﴿14﴾ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٞ ﴿15﴾ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌۖ ﴿16﴾  ﴾.

  •  الفقرة الثانية:

– المجموعة الأولى: قدرة الله على الحساب من خلال إثبات وحدانيته وقدرته على خلق الإبل والسماء والجبال والأرض.

﴿ ۞ اَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى اَ۬لِابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿17﴾ وَإِلَى اَ۬لسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿18﴾ وَإِلَى اَ۬لْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ  ﴿19﴾ وَإِلَى اَ۬لَارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْۖ ﴿20﴾

أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤمنوا به، ويستعدوا للقائه.

– المجموعة الثانية:  التذكير برجوع الناس جميعا لله تعالى للحساب.

﴿ فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞۖ ﴿21﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍۖ ﴿22﴾ اِلَّا مَن تَوَلّ۪ىٰ وَكَفَرَ ﴿23﴾ فَيُعَذِّبُهُ اُ۬للَّهُ اُ۬لْعَذَابَ اَ۬لَاكْبَرَۖ ﴿24﴾ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ﴿25﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْۖ ﴿26﴾﴾

 ﴿من خصائص سورة الغاشية.

 1 –   ﴿ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٞ ﴿15﴾ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌۖ ﴿16﴾ ۞﴾

ذكر النمارق والزرابي في صفة الجنة.

2 –   ﴿۞ اَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى اَ۬لِابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿17﴾ ﴾.

لفت الأنظار إلى التفكر في كيفية خلق الإبل وذكرها وحدها هنا دون بقية المواشي من بقر وغنم وعز، لما في خلقها من العظمة والدلالة على الله عز وجل، ولو كان الفيل عند العرب لذكره لهم سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه.

﴿الأحاديث الصحيحة الواردة في تفسير سورة الغاشية﴾.

  •  أولا: قوله تعالى: ﴿هَلَ اَت۪يٰكَ حَدِيثُ اُ۬لْغَٰشِيَةِۖ ﴿1﴾الآيات.

 ﴿الحديث 1.

روى مسلم، وأبو داود، والنسائي في المجتبى وفي الكبرى، عن  النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه سئل: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ به في الجمعة على إثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾.

﴿تخريج الحديث.

 رواه مسلم878، وأبو داود 1123، والنسائي في المجتبى وفي الكبرى 5/ رقم 1119

 ﴿غريب كلمات الحديث والمستفاد منه.

 في الحديث مشروعية قراءة سورة الغاشية مع سورة الجمعة في صلاتها.

والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، لأنها تغشى كل الخلائق.

﴿غريب كلمات الآية والمستفاد منها.

﴿أتاك: القرآن الكريم يستعمل أتى لما هو أيسر من جاء، يعني المجيء فيه صعوبة بالنسبة لأتى، ولذلك يكاد يكون هذا طابع عام في القرآن الكريم، إذ يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى). فلما تحدث الحق تعالى عن الصاخة والطامة استعمل جاء، فقال سبحانه في سورة النازعات: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34]، وقال تعالى في سورة عبس: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33]، أما في سورة الغاشية فالذي ورد هنا هو الحديث، وليس الغاشية، في حين أن الذي جاء في النازعات وعبس هو الطامة والصاخة ونحوهما مما ذكر. فهو سبحانه لم يقل: أتتكم الغاشية، وإنما أتاك حديث الغاشية، فالحديث يعني الكلام عنها في الدنيا، أما هناك فقد جاءت الصاخة أو الطامة وليس الحديث عنها.

  •  ثانيا: قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اَ۬لسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿18 وَإِلَى اَ۬لْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ  ﴿19﴾ وَإِلَى اَ۬لَارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْۖ ﴿20﴾ ﴾.

﴿ الحديث 2 ﴾.

 روى عبد بن حميد ، ومسلم في الإيمان، والحاكم في “معرفة علوم الحديث”  وغيرهم، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : (كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ شَيء، فكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ : « صَدَقَ ». قَالَ :  فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ : «اللَّهُ ». قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ :« اللَّهُ ». قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ؟ قَالَ :« اللَّهُ». قَالَ : فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا هَذِهِ الْمَنَافِعَ؟ قَالَ :« اللَّهُ ». قَالَ : فَبِالَّذِى خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ ، وَنَصَبَ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا هَذِهِ الْمَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ :« نَعَمْ ». قَالَ : زَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ في يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا قَالَ :« صَدَقَ ». قَالَ : فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ :« نَعَمْ ». قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَدَقَةً في أَمْوَالِنَا؟ قَالَ :« صَدَقَ ». قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ :« نَعَمْ ». قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي سَنَتِنَا قَالَ :« صَدَقَ ». قَالَ : فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ :« نَعَمْ ». قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ :« صَدَقَ ». قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ :« نَعَمْ ». قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شيئا. فَلَمَّا قفى قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ »).

﴿تخريج الحديث.

إسناد الحديث  صحيح على شرط مسلم. سليمان بن المغيرة من رجاله، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرجه عبد بن حميد (1285) ، ومسلم في الإيمان رقم  (12)، 1/169 ،171 ، وابن منده في “الإيمان” (129) ، والحاكم في “معرفة علوم الحديث” ص5، والبيهقي في “الاعتقاد” ص47، وفي “الأسماء والصفات” ص16-17 من طريق هاشم بن القاسم أبي النضر، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة 11/9-11، والدارمي (650) ، والترمذي في الزكاة  (551) ، والنسائي في الصوم من المجتبى، وفي الكبرى 2/62،  ج 3/438، وأبو عوانة 1/2-3 و3، وابن حبان (155) ، وابن منده في “الإيمان” (129) ، والبغوي في شرح السنة رقم 4/5،وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. ورواه البخاري في العلم 1/158 ،161 بمعناه.

﴿ ما يستفاد من الحديث.

فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ :  هذا السائل هو ضمام بن ثعلبة، وجاء حديث هذا من طرق، وجاء مثل هذا السؤال من حديث طلحة بن عبيد الله، وهو في الصحيحين وغيرهما، وهذا الرجل كان عاقلا وعارفا بطريق الاستدلال، ولذلك كان أول ما سأل عليه النبي صلى الله عليه وسلم: من خلق هذه الأجرام المشاهدة وما فيها من منافع للخلق، ثم بعد ذلك لما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل ذلك خلق الله، جعل يسأله بالله آلله أرسله، آلله فرض كذا وكذا…

﴿ ما يستفاد من آيات سورة الغاشية.

 * في قوله تعالى: ﴿۞ اَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى اَ۬لِابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿17﴾ ﴾. إشارة إلى علم الحيوان

* وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اَ۬لسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿18﴾ ﴾. إشارة إلى علم الفلك.

* وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اَ۬لْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ  ﴿19﴾ ﴾. إشارة إلى علم الجغرافيا.

* وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اَ۬لَارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْۖ ﴿20﴾ ﴾. إشارة إلى علم طبقات الأرض.

فانظر كيف جمع سبحانه وتعالى في هذه الجمل بين عدة علوم من العلوم الكونية، وقد مر في القرآن الكثير منها مفرقا.

  • ثالثا: قوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞۖ ﴿21 لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍۖ ﴿22﴾﴾.

 ﴿ الحديث 3 .

روى أحمد، ومسلم في الإيمان، والترمذي  في التفسير وفي الإيمان، والنسائي في الكبرى ، والحاكم، وليس عند أحمد الآية، عن جابر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقولوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قالوها عصموا مني دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22).)

﴿تخريج الحديث.

 رواه أحمد 3/494، ومسلم في الإيمان 1/211، رقم 21 ، 45، والترمذي 3123 في التفسير وفي الإيمان، والنسائي في الكبرى 6/ 514، والحاكم 2/522، وليس عند أحمد الآية.

﴿ غريب كلمات الحديث .

 ” أمرت ” : أي أمره الله عز وجل وأبهم الفاعل، لأنه معلوم، فإن الآمر والناهي هو الله تعالى .

” أقاتل الناس حتى يقولوا ” هذا الحديث عام، لكنه خصص بقوله تعالى: ” قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ “[2]. وكذلك السنة جاءت بأن الناس يقاتلون حتى يسلموا و يعطوا الجزية .

المصيطر: هو المسلط، أي لست عليهم بمسلك، ولا قهار تجبرهم على الإيمان.

﴿ما يستفاد من الحديث.

 1 –  وجوب مقاتلة الناس حتى يدخلوا في دين الله أو يعطوا الجزية لهذا الحديث، وللأدلة

الأخرى التي ذكرناها .

2 – أن الإنسان إذا دان الإسلام ظاهرا؛ فإن باطنه يوكل إلى الله ، ولهذا قال  صلى الله عليه وسلم: ” فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله ”

3 –  إثبات الحساب، أي أن الإنسان يحاسب على عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قال الله تعالى في سورة الزلزلة: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه )[3].

 ﴿دلالة الآية والحديث.

 الآية والحديث يدلان على أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي التبليغ والتذكير، ثم القتال لمن أبى الإسلام وشرائعه، وامتنع من أداء الجزية… وليس من مهمته صلى الله عليه وسلم إجبارهم على الإسلام، فإن الهداية والتوفيق بيد الله.

  •  رابعا: قوله تعالى: ﴿  اِلَّا مَن تَوَلّ۪ىٰ وَكَفَرَ ﴿23 فَيُعَذِّبُهُ اُ۬للَّهُ اُ۬لْعَذَابَ اَ۬لَاكْبَرَۖ ﴿24﴾﴾.

﴿ الحديث 4.

 روى أحمد، والبخاري في الاعتصام، والحاكم، عَنْ أَبي هريرةَ – رضي الله عنه – : أنَّ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – ، قَالَ : ( كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إلاَّ مَنْ أبَى . قيلَ : وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله ؟ قَالَ :  مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى ).

﴿تخريج الحديث.

 رواه أحمد 2/361، والبخاري في الاعتصام 9/114 (ح 7280 )، والحاكم 1/55.

﴿ الحديث 5.

 روى  الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، عَنْ أَبي هريرةَ – رضي الله عنه – : أنَّ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – ، قَالَ : (لتدخلن الجنة إلا من أبى وشرد على الله كشراد البعير)،

﴿تخريج الحديث.

 رواه  الحاكم 1/55 و4/247 بسند صحيح على شرط الشيخين، من طريق صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة. مرفوعاً:  وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي. وله شاهد عن أبي أمامة عند أحمد 5/58، والحاكم 1/55، 4/247، وأورده النور في المجمع 10/70 ،71، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن خالد وهو ثقة، وله شاهد آخر عن أبي سعيد الخدري بلفظ: “لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشارد البعير” الحديث، رواه ابن حبان 1/196،197 ، وعزاه النور 10/70 إلى أوسط الطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح.

 ﴿غريب كلمات الحديث.

 أبى: أي امتنع

شرد: بفتحتين، أي: نفر.

﴿ما يستفاد من الحديث.

لا يدخل النار إلا من شرد وفر عن الله وأعرض عنه وعن دينه كلية، أما من آمن به وبرسوله وبما جاء به، واتبع هديه واقتفى أثره صلى الله عليه وسلم حسب طاقته، دخل الجنة إن شاء رحمة منه وفضلا.

وبه تم الكلام على سورة الغاشية ،  والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وذريته وزوجه وصحبه وحزبه أبد الآبدين.


[1]  – (مسلم 3-15),

[2]  – التوبة/29

[3]  – الزلزلة7- 8.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.