منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في حوار خاص مع “منار الإسلام” البروفسور إسماعيل راموز يعالج الآثار النفسية للحجر الصحي؟

1

في حوار خاص مع موقع منار الإسلام البروفسور إسماعيل راموز، أخصائي الأمراض النفسية والعصبية، وأستاذ التعليم العالي بكلية الطب والصيدلة بأكادير، تطرق إلى الآثار النفسية لوباء كورونا على السلوك التعودي والتعبدي للفرد والأسرة والمجتمع.

السؤال الأول: كيف ترون دكتور أثر وباء كورونا على السلوك التعودي للإنسان الفرد عامة وللمواطن المغربي خاصة من خلال ما فرض على الجميع من الحجر المنزلي؟

باسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وصحابته ومن والاه. أشكر الإخوة الساهرين على هذا الموقع الالكتروني المتميز وأكرهم على اهتمامهم بالجانب النفسي لهذا الوباء العالمي.

لا شك أن قانون الطوارئ وفرض الحجر الصحي سيشكل عبئا نفسيا كبيرا على أغلب الناس، وبدرجات متفاوتة. خاصة من يعاني منهم من هشاشة نفسية أو شخصية مضطربة. والسر في ذلك أن هذه الظروف التي نعيشها ستكسر نمطا اعتياديا في المعيشة والسلوكات اليومية. والقاعدة النفسية في أبجديات علم النفس السلوكي تقول: أن السلوكات تكتسب وترسخ عن طريق التعلم، سواء تعلما ذهنيا أو تعلما اجتماعيا وبالتالي تصبح السلوكات اليومية عادة يصعب الانفصال عنها.

وفي ظل الحجر المنزلي، سيجد الإنسان صعوبات جمة في التغلب على عاداته اليومية، وفي نظري قد لا يحترم الحجر الصحي بصفة كاملة، خاصة في الأحياء ذات المساحة الضيقة وذات الكثافة العالية من السكان.

المزيد من المشاركات
1 من 4

ومن الآثار العميقة التي قد يخلفها الحجر الصحي: الشعور بالخوف على السلامة الشخصية، والخوف من الموت أو الخوف من الإصابة بالعدوى، أو الخوف من المستقبل، أو الخوف على الرزق أو انقطاع العمل. إذا فمن أول العواقب النفسية هي ظاهرة الخوف والهلع والجزع، رغم أن هذه الظاهرة هي مشتركة بين الناس في حدودها الدنيا. فالخوف إذا كان معتدلا ومنطقيا مع حقيقة الوباء وتهديداته فهو خوف مقبول وخوف إيجابي، يدفعنا لاتخاذ التدابير الوقائية. بينما إذا كان الخوف مبالغا فيه ويتخبط الشخص في حركاته وأفكاره ويعكر مزاجه فهو خوف سلبي.

وينتج الخوف عن اختلال في الإدراك لمستوى خطير، بحيث عندما يقع التهويل من احتمال الإصابة بالعدوى واحتمال الموت، تزداد الرسائل العصبية من الدماغ إلى جميع أجهزة الجسم العصبية والنفسية فتظهر علامات الخوف.

ومن خلال دراسات جديدة، تبين أن الاستسلام للخوف والهلع يؤديان إلى ضعف جهاز المناعة، وبالتالي يعتبر عاملا مساندا لتفاقم المرض إذا أصيب الشخص بالعدوى لا قدر الله.

السؤال الثاني: وكيف ترون أثر الحجر المنزلي على السلوك التعبدي للأسر المغربية حالا ومآلا؟

من الناحية التعبدية، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الوباء أحدث ضجة كبيرة في اعتقادات الناس وسولوكاتهم، وشرع الناس يتسألون عن قضايا وجودية مثل الحياة والموت وأين تتجه الإنسانية بحضارتها وتقدمها التكنولوجي، وهل فعلا جاء هذا الوباء لتنبيه الناس من غفلة طويلة حول معنى وجود الإنسان وما دوره في هذه الحياة.

هذا الانتباه العام على مستوى التفكر والتأمل، ينتج عنه تغير في السلوك التعبدي، والقاعدة الإلهية والسنة الكونية تخبرنا أن الناس تلجأ إلى الله تعالى في وقت الشدة وترفع أكف التضرع إليه سبحانه وتعالى من أجل رفع الضرر وكشف المصيبة.

وقد أخبرنا القرآن الكريم أن ملحدي القرون الماضية لما يقعوا في مصيبة تهدد حياتهم يرجعون إلى فطرتهم الأساسية وهي الإيمان بالله والتضرع إليه وتقديم الوعود لله عز وجل بتقديم الطاعات إن أنجاهم الله تعالى.

وتبقى استثناءات شاذة لبعض علماني القرن الواحد العشرين، حيث يبدون أكثر تفننا في الإنكار وأكثر تكبرا من أقرانهم في الماضي ولا يستحيون وهم في عز الأزمة التي تهدد حياتهم. ويرون أن التضرع لله تعالى ما هو إلا ضعف النفس البشرية واستسلام للخرافة.

السؤال الثالث: ما هو إرهاق العزلة ؟ وكيف يمكن معالجته أو الحد من آثاره السلبية؟

إن قدرات الأشخاص على تحمل الوحدة متفاوتة ومتباينة، نظرا لوجود أنواع مختلفة من الشخصيات وتحملها للوحدة والمخالطة، فهناك شخصيات تميل إلى الوحدة دون أن تكون شخصيات مريضة، وتفضل الأنشطة الفردية وليس الجماعية، وتكون قليلة الكلام وتبدي ضجرها عندما تختلط بالناس.

وهناك نوع ثاني من الشخصيات تكون أكثر مخالطة وأكثر حركية واتصالا بالناس. وبالطبع يكون هذا النوع الثاني من الشخصيات أكثر تأثرا بقواعد الحجر المنزلي، بينما النوع الأول لا يبالي بهذه الأوضاع الحالية، بل يرى ذلك في بعض الأحيان هو الأنسب للحياة الاجتماعية.

السؤال الرابع:  الحجر الصحي الذي فرض على الناس وفر بيئة احتكاك بين أعضاء الأسرة لوقت طويل بشكل لم يعتادوا عليه من قبل، مما قد يظهر عدوانية كبيرة بين المرء وزوجه تصل  لدرجة ممارسة العنف المادي مثلا، ماذا يقترح علم النفس لتجاوز هذا الوضع بسلام؟

بالفعل فالمكوث في مكان واحد مع عدة أشخاص وفي مساحة ضيقة سيخلق احتكاكات ومواجهات لم نكن متعودين عليها من قبل، لكن هذا المعطى قد يكون متفاوتا من أسرة إلى أخرى ومن بيئة ثقافية لأخرى. ويكون كذلك لسعة البيت ومساحته وتوفره على فضاءات تهوية دور مهم في الوقاية من الإحساس بالضغط والملل.

من أجل تفادي الضغط النفسي الناتج عن الملل والشعور بالحبس المنزلي، لابد من خلق أجواء جديدة بالبيت، أولا بتأكيد عمق العلاقة العاطفية بين أفراد الأسرة، فمحبة الآباء لأبنائهم ومحبة الأبناء لآبائهم هي الضمانة الأولى لجعل البيت سكنا حقيقيا وملجأ نفسيا للراحة والاطمئنان. وبمقدار ما تدب الخلافات والكراهية إلى أفراد الأسرة. يصبح لزوم البيت لمدة طويلة بمثابة حكم بالسجن أو أقسى من ذلك.

ثم يجتهد الأبوان من أجل تبين أوقات معلومة ومحددة من أجل كسر الروتين اليومي، ويكون للصلوات الخمس دور كبير في رسم البرنامج اليومي للأسرة، إذ بعد أو قبل كل صلاة، تخصص جلسات لتذاكر أحوال الأسرة. ومن خلالها يقترب الآباء من أبنائهم للاستماع لهم وتمضية أوقات تسلية معهم، ولا بأس للآباء أن يقتنوا أشياء من أجل التودد لهم وكسر الحواجز معهم.

لا بد كذلك من الحديث مع أفراد الأسرة عن الأسباب الحقيقة للبقاء في المنزل والنتائج الإيجابية التي سيحصدها المجتمع بأكمله بعد حين، والقاعدة الذهنية تقول: من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف.

ونسمح كذلك للأطفال بالتعبير عن إبداعاتهم أو في ممارسة الرياضة داخل البيت ولا بأس أن نسمح لهم بقلب غرفة النوم أو غرفة الضيوف رأسا على عقب بالقفز أو معارك الوسائد مثلا، وذلك من أجل إخراج الطاقة المتراكمة من الراحة النفسية.

وبعد حصص مراجعة الدروس المدرسية، يسمح للأطفال بأنشطة ترفيهية دون السقوط في الإدماج على الشاشات مع الابتعاد قدر الإمكان عن الأخبار المتعلقة بالوباء.

وبعد الصلوات الخمس مباشرة يستغل الآباء فترة قصيرة من أجل مدارسة قصص حول سيرة الأنبياء والصالحين بأسلوب مشوق واستغلال الجو الرمضاني، الذي نحن مقبلون عليه. من أجل رسم برنامج روحي متنوع ومتقطع خلال اليوم والليلة. بما في ذلك صلاة التراويح جماعة داخل البيت والتسابق بين أعضاء الأسرة الواحدة من أجل ختم القرآن الكريم. وما إلى ذلك من أذكار وأدعية تؤدى جماعة حتى يتم ذلك الربط القلبي بين أفراد الأسرة ويسود جو التآلف والمحبة، والذي نعده الضامن الأساسي للاستقرار الأسري خلال هذه الأزمة الصحية.

نسأل الله أن يرفع عنا هذا الوباء وأن يعافينا في قلوبنا وأجسادنا. والله الموفق.

تعليق 1
  1. محمد زاوي يقول

    جزاكم الله خيرا. حوار نافع مانع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.