منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقدمات في التفسير| مجلس التفسير الأول للدكتور عبد العلي المسئول

د. رشيد عموري

0

مقدمات في التفسير

مجلس التفسير الأول للدكتور عبد العلي المسئول

كتبه: د. رشيد عموري

 استهل الدكتور عبد العالي المسؤول أستاذ علوم القرآن والقراءات بكلية الآداب والعلوم الانسانية بفاس مجلسه بشرح معنى التفسير فقال بأنه: فهم مراد الله من كلامه الذي أنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن القرآن نزل به الروح الامين على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليبينه للناس، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتذكرون﴾.

كان القران عندما يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤه على أصحابه، ثم يعلمهم معاني هذا القرآن؛ فيهرعون جميعا إلى العمل بما علموه وفهموه، قال تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، والصحابة يستمعون إلى هذه القراءة المرتلة المجودة، وبعد ذلك يقرؤون هم ويستمع إلى قراءتهم ليصححها.

قال تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ تعليم الكتاب فهم معاني الآي، والحكمة: تعليمهم فضائل الأعمال والاقوال، ويزكيهم: بمعنى يطهرهم، ويربيهم، ويعلمهم كيف ، وكيف يعبدونه، وكيف يذكرونه سبحانه وتعالى.

النبي أرسله الله معلما لهذه الأمة، معلما للصحابة، معلما للبشرية، فإذا تبيين القرآن كان من وظائفه صلى الله عليه وسلم ثم انبرى عدد من صحابته لتعليم معاني القرآن، ومن بينهم ابن عباس الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”، ثم اقتفى أثر الصحابة التابعون، وبرز منهم عدد من المفسرين كمجاهد الذي صاحب ابن عباس، وأخذ منه الشيء الكثير. فالتفسير الذي يراد به فهم مراد الله تعالى مصدره النبي الكريم والصحابة ومن اقتفى أثرهم، وبعد ذلك ظهر ناس يهتمون بتفسير القرآن الكريم، وكان منهم من يركز كثيرا على الدلالات البلاغية كالزمخشري في كتابه الكشاف، ومنهم من يفسر بالمأثور كابن جرير الطبري في كتابه جامع البيان في تأويل آي القرآن، ومنهم من يعتمد النحو والصرف والقراءات لفهم مراد الله كأبي حيان في البحر المحيط،، ومنهم من يستعمل آلة المفاهيم العقدية والكلامية كالفخر الرازي في كتابه: مفاتيح الغيب، ومنهم من جعل تفسيره موسوعة فقهية لكونه يتوسع في المباحث الفقهية الكامنة في كثير من آيات رب العالمين، ومن أشهر هذا النوع من التفاسير: الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي.

ان فهم كتاب الله يفهم بهذه الآليات، لكن ينبغي أن لا تطغى هذه الآليات على المعاني، فالنحو والصرف والقراءات والأصول هذه كلها آليات يتوسل بها إلى فهم مراد الله، وقد تجد من المفسرين من يتوسع لفهم كلمة أو حرف في كتاب الله أكثر من توسع اللغويين في كتبهم، فيخرج عن مراد التفسير والذي قلنا هو فهم مراد الله تعالى من الآي.

لابد من التركيز على مراد الله من القرآن، كيف يعمل الناس بمراد الله تعالى؟ كيف يجعلون آيات الله دستورا لهم في حياتهم؟ فليس المراد أن تكون التفاسير عبارة عن معاجم لغوية، أو كتب نحو أو كتب تصريف، أو كتب قراءات، أو كتب فقه، وهكذا ظهرت عدد من المدارس في التفسير، واعتُمِدت عدد من المناهج في تفسير القرآن، فظهر ناس يفسرون القرآن ظاهريا، ومن بينهم ابن حزم الظاهري الذي لم يكن له تفسير، لكنه كان ينظر إلى نصوص القرآن والسنة نظرة ظاهرية، فقد كان يعتمد على آليات الاستنباط والقواعد الكلية في تفسير القرآن، ومن ذلك قوله في قوله تعالى: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾، قال: هذه الآية غير مقيدة ومن تم يجوز إرضاع الكبير، وهذا من الأقوال التي ينبغي ألا تؤخذ.

نعم هناك من التفاسير الظاهرية ما ينبغي الأخذ بها والاستئناس بها، ومن هذا ما ذكره هو نفسه أن الزوج المعسر ينبغي لزوجته أن تنفق عليه، لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ فقال: إن المرأة وارثة فينبغي أن تنفق على زوجها على خلاف معروف بين العلماء.

ومن الأمور التي تحدث عنها علماؤنا: التفسير الإشاري، وهو إشارات لطيفة تظهر للمفسر في آي كلام رب العالمين، هذه الإشارات ليست تفسيرا ولكنها إشارة لأهل السلوك تظهر في آيات رب العالمين. هذه الإشارات يمكن الأخذ بها إذا أمكن الجمع بينها وبين التفسير الظاهري لنصوص القرآن، وإذا لم تعارض نصا من نصوص الشريعة، ويمكن الحديث عنها إذا لم تكن هذه الإشاره دعوى إلى بدعة أو هوى، فبهذه الضوابط لا باس من ذكرها، وقد ظهرت كتب اهتمت بهذا التفسير الإشاري، ومن بينها تفسير الامام القشيري لطائف الإشارات، والبحر المديد لابن عجيبة. ومن هذا الباب ما ذُكِر عن علي رضي الله عنه أنه قال: من لبس نعلي جلد أصفر قل همه. علي رضي الله عنه استنبط هذا من قول الله تعالى: ﴿صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾، فهذه إشاره لطيفة منه، ولذلك نجد إلى الآن من الناس من يلبسون في الأعياد والجمع النعال الصفر، وهذا استنباط منه رضي الله عنه، وينبغي أن لا يزعم الواحد أنها هي المراد من الاية، وإنما يراد بها هذه ويراد ما ذكره المفسرون في الاية.

هذه الفهم الذي نقل إلينا هل يمكن الاقتصار عليه فقط؟ لا فينبغي أن ننظر في كلام الله، وأن نفهمه فهما ينسجم مع واقعنا، ومع المصالح، ومع قاعدة درء المفاسد، هذا هو المطلوب. وللأسف أن عددا من الناس ذهبوا إلى أنه لا يُفسر إلا بما ذكره ابن عباس، ومجاهد وابن مسعود، وأن التفسير ينبغي أن يؤخذ قصرا عن الصحابة والتابعين، وقالوا: من قال برأيه في القرآن فليتبوأ مقعده من النار. وهذا القول ليس صوابا، فعلماؤنا نظروا في القرآن الكريم، وفهموا كلام رب العالمين فهما يليق بواقعهم وإمكاناتهم، ونحن ينبغي أن ننظر في كلام ربنا ونفهمه وفق القواعد وآليات الاستنباط، لكن لا يمكن أن نقتصر على فهود من سبقنا بإيمان، والدليل ما روي من أن جحيفة جاء إلى علي رضي الله عنه، فقال: هل عندكم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء غير ما في كتاب الله؟ فقال علي رضي الله عنه: لا والذي فلق الحبة، وخلق النسمة إلا فهما أوتيه رجل في القرآن. فقال جحيفة: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، ويقصد بذلك الدية. العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.

علي رضي الله عنه أشار إلى مساله الفهم الذي يؤتيه الله في القرآن، وفضل الله لا يحجر، والقرآن حمال وجوه، ولذلك ومنذ أن نزل القرآن والناس يفسرونه، وسيبقوا يفسرونه، ولن تنقضي عجائبه، ففي القران يظهر للخلف ما لم يظهر للسلف.

الاقتصار على ما فسره سلفنا هو تحجير لواسع، وإغلاق للعقول، وغلق لباب الاجتهاد الذي يجب أن يبقى مفتوحا. القران كتاب  أنزله الله لنتدبره ونتعظ به، ولنعمل به، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾.

ليس المقصود من كلام الله هو الفهم فقط، وإنما نفهم كلام الله لنعمل به. الصحابة كانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرئهم ويعلمهم عشر آيات، فيعملون بها، ثم يستزيدون، فجمعوا بين العلم والعمل، العلم ليس مقصودا لذاته، إنما المقصود العمل.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجمان القرآن؛ لأنه كان قرآنا يمشي، كان خلقه القرآن، فهذه الصفة ينبغي أن تكون في سلوكنا، وفي توجهنا إلى الباري، وفي تعاملنا مع نساءنا وأحبابنا، ومع الموافق والمخالف.

وينبغي ختاما أن نبرز المعاني الإسلامية والإيمانية والإحسانية، الدين: إسلام، وإيمان، وإحسان. سيدنا جبريل عليه السلام جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فسأله في الحديث المعروف عن الإسلام، والإيمان والإحسان، فقال بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. هذه المعاني الإيمانية الإحسانية ينبغي إبرازها، وإماطة اللثام عنها ونحن نفسر كلام رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.