منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل الإسلام سبب تخلف الدول الإسلامية؟

محمد كريم إبراهيم / هل الإسلام سبب تخلف الدول الإسلامية؟

0

هل الإسلام سبب تخلف الدول الإسلامية؟

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

تطاولت ألسنة بعض الملحدين الجهلة على أن يعولوا تخلف العلوم والفنون في الدول الاسلامية إلى الدين الإسلامي. نجدهم يقولون بأنه لولا الإسلام لكان العرب وغيرهم من المسلمين متقدمين أو مواكبين لتقدم التقني والعلمي للغرب. وقد نسي هؤلاء بأعداد العلماء الهائلة الذين ظهروا في بلاد الإسلام وطوروا أفكاراً وأنتجوا مواداً وبرعوا في العلوم والفنون ما كان يحسدهم عليه الأجانب آنذاك.

لا أدري كيف يفسر هؤلاء العصر الذهبي للإسلام الذي وصل فيه التقنيات والعلوم سواءاً كانت فلسفية أم أحيائية أم طبية أم لغوية أم كيميائية أم فيزيائية أو هندسية إلى ذروتها وإلى مقامٍ لم يشهده العالم من قبل. كيف يفسرون طب ابن سينا والرازي؟ كيف يفسرون رياضيات ابن الهيثم والخوارزمي؟ كيف يفسرون موسيقات ابن الكندي؟ كيف يفسرون ميكانيكات بديع الزمان الجزري؟ أو ليس هؤلاء بعلماء مسلمين، آمنوا بالله واتبعوا كتابه وسنة نبيه!

ترى هذا الشخص نفسه يمسك بيده كتاباً عن الإغريق والروم، فيتعجب بهم بشدة، ويصفهم بالحضارة التي كانت مثقفة ومنفتحة ومُكتشفة. كأنه لا يعلم كان للروم والإغريق أديانهم الخاصة وعشرات آلهات. وكأنه لم يقرأ كيف أعدموا سقراط بتهمة الإلحاد! كان ذلك الزمن متفشيًا بالجهل والعبودية والظلم، بالرغم من أنهم من الأوائل الذين أسسوا افكارًا فلسفية ومدارس للتعليم وتقنيات مرتكزة على علم الرياضيات. وكذلك الحضارتان العريقتان البابلية والمصرية اللتين كانتا مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالدين، حيث شن البابليون والآشوريون حروبًا طاحنة بينهما باسم الدين، وحيثُ الفراعنة اُعتبروا بمثابة إمام الذي يتواصل مع الآلهة بغية تمشية أمور الشعب.

المزيد من المشاركات
1 من 57

ماذا عن عصر التنوير في أوروبا الذي يفتخر به العلمانيين؟ ماذا عن الفيلسوف ديكارت (من أوائل التنويريين) الذي حاول اثبات وجود الله عن طريق المنطق؟ ماذا عن إسحاق نيوتن العالم الذي كتب كتابًا يشرح فيه اسرار الانجيل؟ أو العالم لايبنتس (مكتشف التفاضل والتكامل في الرياضيات مستقلا عن نيوتن) الذي قال إن الله وضعنا في أفضل عالم من بقية العوالم الممكنة؟

المقصد هو إنه ليس هناك عصر بشري في التاريخ خلت من الأديان، وهذه الأديان بالكاد كانت رادعة للتقدم والتطور. بل إن بعض علماء المسلمين جعلوا دراسة العلوم الدنيوية وجوبًا كفائيًا، وفي سبيل معرفة الخالق عن طريق المخلوق هرع اغلبية علماء المسلمين قديمًا وحديثًا في طلب كافة العلوم والمعارف، ومنهم ابن الرشد الذي قال: من اشتغل بعلم التشريح ازداد ايمانًا بالله.

واتقان العرب للغة العربية جاء لسببين: أولاهما الشعر والآخر القرآن. وحتى هذه التطورات في العلوم اللغوية – من النحو والصرف والبلاغة – كانت نتيجتها في الأخير مفيدة دنيويًا للمجتمع العربي ولمتعلم اللغة العربية: فقد استطاعوا إزالة الغموض من الكلمات العربية عن طريق وضع نقط واشارات مثل الفتح والضم، وفسروا موضع الكلمات من الجمل بدقة بالإعراب من أجل فهم الشعر والقرآن بشكل أوضح. بالإضافة الى ذلك استطاع الفيلسوف المسلم أبو يوسف الكندي أن يجد حلولًا إبداعية للنصوص المشفرة من خلال دراسته اللغوية (بذلك فقد أضاف الى علم التشفير).

مع مواكبة مسلمين العرب خصوصًا تحديات بيئية قاسية، فقد اوجدوا وسائل إبداعية لم يقتصر فقط على الوسائل الدينية كالدعاء والترجي من الله، بل كانت هناك ايضا وسائل سياسية وعلمية. مثلا شق الانهر في بغداد (العاصمة العباسية آنذاك) لكي يواكب ازدياد اعداد السكان، وايجاد العلماء والمهندسين عدة طرق لاستخراج الماء من البئر، وهندسة الأجهزة الميكانيكية كالساعة والاوتوماتيكيات، وبناء مساجد عظيمة ونافورات خلابة ممتعة للناظرين، تولى تلك المهام علماء أمثال الجزري وأبناء الثلاثة لموسى بن شاكر.

أثرت البيئة القاسية الصحراوية – التي كانت شحيحة بالمصادر المادية – كثيرًا على الابداع العربي قديمًا، حينها انشغلوا بحروب عديدة من أجل الماديات. ثم أتى الإسلام واستمرت الحروب لكن أصبحت الان لأغراض دينية، إلا إن في الواقع قليل من المسلمين حاربوا لغاية نشر الرسالة، أما الاخرون فكان مطلبهم السبايا والجواري والأموال والمناصب.  ترف وسهولة المعيشة التي اكتسبتها الحرب للمسلمين غيرت احوالهم وباتوا في اواخر العصر الاموي والعصر العباسي من الغنى لا يعرفون اين يصرفون أموالهم. ومنها تغيرت توجهاتهم، ونظروا الى الأمم الأخرى بماذا مُنشغلة وأي شيء تُقدِس، وبدأت الدولة الإسلامية بجمع وترجمة ما يمكنها الحصول عليه من الكتب العلمية والفلسفية والتاريخية، ثم دفعوا تلك الأفكار الفلسفية والعلمية نحو الامام بالإضافة عليها.

بالتدريج، تبنى المسلمون العديد من الأفكار والعادات والعلوم من مختلف الأمم. مع وضع أديان هؤلاء الفلاسفة والعلماء جانبًا وأخذ ما يتم انتفاعه منهم، أضحت مكانة الدول الإسلامية رفيعة للغاية في ذلك الزمان، وأمست تؤثر بدورها على باقي الأمم. فقد عمل العربي زرياب على تغيير آداب الاكل في كل الدول العربية والاوروبية، وكذلك على تغيير الأزياء والموضة آنذاك. توسعت أيضًا فنون خط الكتابة العربية حتى اصبحت أجمل المناظر وأكثر العمران فنًا التي تتزين بالخطوط العربية. وكانت هيبة الخليفة تُعرف من كاتبه الذي يخط الكلمات العربية بيده بطريقة فنية جميلة جدا، حتى يُذكر انه كان هناك عملات اوروبية منقوشة على حدوده بكلمات عربية مكتوبة بخط كوفي والتي سموها بشبه الكوفية وذلك لغرض التجميل. مما يوحي لنا بأن المسلمين كانوا يتقدمون ويتطورن وبقوة مثل باقي المجتمعات، الإسلام لم يكن عائقًا أمام التعلم والعمران.

إذًا لماذا لم يستمر هذا التطور والعلم في الأمة الإسلامية ليومنا هذا؟ لعل الأغلبية يقولون بأن احتلال المغول لبغداد كانت نهاية التقدم وبداية التخلف، لا احد يعلم ما كان ليحدث لولا ذلك التاريخ المشؤوم، أين كانت لتستقر موجة التطور. لكن من باب المجادلة نقول إن العديد من الأمم وقعوا في انتكاسات حتى أعظم من سقوط بغداد، ونهضوا بعدها مجدداً ليقودوا العالم ويوقدوه (الصين على سبيل المثال).

ربما يعود جزء آخر من المشكلة الى الضربة القوية التي ضربها الاحداث بعد سقوط بغداد بيد المغول مما آلت إلى سبات عميق للمسلمين ولما أفاقوا منها رأوا بأن الأجانب قد احدثوا فارقًا عجيبًا في شتى العلوم والفنون، وبسببها قل حافز المجتمع الإسلامي للسعي وراء العلم الدنيوي كون الآخرين أتقنوه بالفعل. أو لعله لعنة النفط في الكثير من الدول الإسلامية التي جعلتهم يعتمدون عليها في اقتصادهم بدلًا من التقدم العلمي. أما الزهد في الدنيا والطمع في الآخرة الذي جاء به الإسلام لم تكن فلسفة ذات تأثير عظيم للاقتصاد أو لتعلم علوم الدنيوية.

هناك حفنة من الملحدين يقولون بأن التفسيرات الدينية لأحداث الطبيعة قد غطت التفسيرات العلمية لها ومنعت المسلمين من البحث والاستقصاء أكثر عن حقائق الحياة والاستفادة منها. مثلًا هناك حديث نبوي يلمح بأن الشمس تغرب في عين حمئة في الأرض. فهذا النوع من المعرفة يثبط حافز العالم المسلم من البحث اكثر عن علم الفلك كونه يعرف اين تغيب الشمس من دينه فلا داعي للأبحاث المضيعة للوقت. إلا إني أقول (وفي رأيي الشخصي) إن المسببات دائمًا تعود إلى الله، لكن ما بين الأسباب والاحداث هناك فراغ واسع من المسببات الجزئية والوسيطة يجب على طالب العلم التحري عنها لغرض تسخيرها للمصلحة العامة. مثلاً، نحن نعلم إن الله خلقنا – فهو المسبب الرئيسي في وجودنا – لكننا نجهل كيفية تكوين الجنين وآلية إنشاء الجينات الوراثية للأعضاء وغيرها من الأمور المتعلقة بنمو العظام والانسجة مع مرور العمر. هذا ما نستطيع أن نبحث عنها ونتأملها ونتعمق فيها ومن خلالها نقدر قدرة الخالق أكثر.

الاخرون من العلمانيين يقولون بأن الدين الإسلامي يتدخل في مسائل السياسة والاقتصاد ويحرم المجتمع من الاستعارة من علوم وفنون الدول المتطورة ويمنع أفكار الحرة من التدفق بسلاسة داخل الشعوب الإسلامية، بالإضافة الى استهلاك المصادر في أمور دينية كبناء المساجد وتمويل الائمة وغيره.. إلا إنه لا يبدو واضحًا تأثير السياسة الدينية على اقتناء العلوم الدنيوية والعمل بها، وبالمقابل يوفر الشعائر الدينية دخلًا ماديًا جيدًا في بعض الدول مثل السعودية، مما يوازن المصاريف لأغراض دينية.

ما يسعنا استنتاجه في النهاية هو إعطاء الإسلام مساحة شاسعة للدول العربية من اجل التطور والتقدم بالاعتماد على الطرق الدنيوية، لكن من المعلوم إن الاتهام وُضعَ لجميع الأديان في كثير من البلدان بسبب إستراتيجيات المسيحية الشهيرة لتكتيم افواه العلماء والفلاسفة قديما أمثال غاليليو الذي قال بأن الأرض ليست مركز الكون. ربما من خلال قراءة هذا التاريخ، أستنتج بعض الملاحدة إن الأديان كلها تعيق بشكل او بآخر تطوير الإنسان لنفسه ولمجتمعه، تعيقه عن طريق قصص خيالية وقوانين بدائية واهداف غير واقعية.

بالرغم من هذا نرى إن العلوم والفنون ازدهرت في العصر الذهبي للإسلام ولم يخلوا أي قرن في التاريخ وفي الحاضر من علماء مسلمين الذين اكتشفوا وأسهموا الكثير للحياة الدنيوية الفانية. ببساطة الأديان كانت ولا زالت متواجدة منذ نشأة البشر وحتى يومنا هذا وستضل في المستقبل أيضًا على الأرجح، وهذا لا يمكن أن يعتبر مبررًا لعدم تقدم بلداننا الإسلامية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.