منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإسلام وسؤال الهوية والثقافة: (الأمازيغية أنموذجا)

ذ. عز الدين حدو

0

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

يحاول هذا البحث معالجة جدلية علاقة الهوياتي والثقافي بالديني -الأمازيغية أنموذجا- انطلاقا من زاوية إسلامية، مستعينا في ذلك بالمنهج الوصفي التحليلي. كما يروم البحث مناقشة رؤية الإسلام وكيفية تعامله مع الهويات والثقافات من حيث هي خلاصة تعايش الإنسان في الحياة قبل ارتباطه بالدين الإسلامي، وذلك عبر الإجابة عن الأسئلة التالية:

  • هل الإسلام دين قومي محلي كما يزعم البعض؟
  • هل يشترط الإسلام على معتنقينه التخلي عن كل العادات والتقاليد المرتبطة بهويتهم؟
  • ما موقف الإسلام من الهوية والثقافة؟
  • هل فعلا فرض الدين الإسلامي على سكان شمال إفريقيا بالقوة؟

كلمات مفتاحية: الهوية، الثقافة، الدين الإسلامي، الأمازيغية.

المزيد من المشاركات
1 من 44

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

This piece of research is framed by an Islamic vision and depends on a descriptive analytical method. It attempts to deal with the dialectic relation binding issues of identity and culture to religion: Tamazight as case study. It equally seeks to discuss Islam’s vision and the way it treats identities and cultures in terms of being a culmination of humans’ coexistence in life even before being related to Islamic religion. Accordingly, we attempt to answer the following questions: Is Islam an ethnic local religion as some people argue, does Islam oblige its holders to dismiss all the habits and customs related to their identity, what is the attitude of Islam regarding identity and culture, is it true that Islam has been forcefully imposed on north African people?

Keywords:  identity, culture, Islam, Tamazight, coexistence, language.

 

مقدمة:

في البداية لا بد أن نشير إلى أن الحديث في مسألة الهوية والثقافة ووجهة نظر الإسلام فيها، وكذا صراع الثقافي والديني، لم يعرف اهتماما كبيرا في كتابات المسلمين إلا بعد سقوط وحدتهم، وغزو أراضيهم من قبل الاحتلال الغربي وخصوصا في شمال إفريقيا. فلم يكتفي المحتل الفرنسي من نهب الأموال والثروات والأراضي، بل كان همه ضرب سكان شمال إفريقيا في ثقافتهم وهويتهم ليسهل انقيادهم. لكن هذه السياسة فشلت إلى حد ما بعد اصطدامها بحصنين متينين: الإسلام واللغة العربية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 27

ورغم ذلك لم تتوقف التخطيطات والاستراتيجيات العديدة في محاولة توجيه العقل واللسان، وشرخ الوحدة الدينية والثقافية. فجاءت السياسة البربرية بالمغرب بإصدار الظهير البربري سنة 1930م الذي قسم المسلمين إلى عرب وأمازيغ واستبدل أحكام الشريعة في منطقة الريف بالعادات والأعراف بحجة أن هذه الأخيرة سابقة في الظهور عن الإسلام. ثم بعدها تم تأسيس ما يسمى بالحركة الثقافية الأمازيغية التي قام نشطاؤها بإعادة قراءة تاريخ المغرب خلصوا فيها إلى: أن اللغة العربية لغة المحتل لأراضي (تامزغا)، وأن الإسلام عنصر دخيل فرض على أمازيغ إفريقيا بالقوة (حقيقة مزيفة نجيب عنها في محاور البحث)، وغير ذلك من الحقائق المزيفة والتساؤلات الملغومة البريئة أحيانا. نحاول من خلال هذا البحث الإجابة عن المزيفة وضحدها وتوجيه البريء منها وفق التصور الإسلامي بمنهجية ننتقل فيها من العام إلى الخاص، عبر قراءة تمزج بين التاريخية والمقارنة. والله المستعان

المبحث الأول: مدخل مفاهيمي:

1- في مفهوم الهوية:

الهوية عند فلاسفة الإسلام مشتقة من الضمير “هو” أي ما به يكون الشيء هو نفسه. ف “هوية الشيء وعينيته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له، كل واحد. وقولنا إنه هو إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه إشراك”[1]. أما الجرجاني فقد ميز بين الماهية والهوية والذات والجوهر حيث يقول: “الأمر المتعقل، من حيث أنه مقول في جواب ما هو يسمى: ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى: حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى: هوية، ومن حيث حمل الوازم له: ذاتا، ومن حيث يستنبط من اللفظ: مدلولا، ومن حيث أنه محل للحوادث: جوهرا”[2].  وبهذه التعريفات الفلسفية تكون الهوية تدل على ما يكون به الشيء هو هو منفردا متميزا عن غيره.

أما الهوية كمفهوم حضاري مجتمعي فهي مرتبطة بالفهم الوجودي “وبمنظومات القيم الكلية التي هي جوهر الحضارة، لأن ماهية الحضارة اليونانية القديمة مثلا كجواب مقول للسؤال: ما هو؟ مرتبطة بمنظومة القيم الكلية التي وجهت هذه الحضارة، والتي تحتوي في حالة من الكمون على تجليات هذه الحضارة تاريخيا، وهي في الوقت نفسه ما يميز هذه الحضارة ويعطيها صفة التفرد والتميز”[3]. وبناء على هذا عندما نطرح سؤال الهوية فإننا نلامس حدودها في الوجود الحضاري والقيمي والعقائدي للمجتمع.

2- في مفهوم الثقافة:

الثقافة عموما يمكن أن ننظر إليها على أنها كل “السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعنا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات”[4]. ومن أقدم التعريفات للثقافة وأشهرها تعريف إدوارد تايلور في كتابه “الثقافة البدائية” حيث يقول: “الثقافة هي الكل المعقد الذي يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والتقاليد وكل الإمكانات الأخرى والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع”[5].

3- مفهوم الأمازيغية:

الأمازيغية نسبة إلى الأمازيغ مفرد “أمازيغ” أي الرجل الحر النبيل. والأمازيغ هم أقدم الشعوب التي سكنت مناطق شمال إفريقيا، حيث يرجع المؤرخون هذا الوجود إلى آلاف السنين قبل الميلاد وهذا ما دفع بعضهم إلى جعل الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا. وقد كان الأمازيغ كما تروي بعض المصادر التاريخية نادرا ما تجمعهم سلطة واحدة حيث كانوا يعيشون في الغالب ثائرين متفرقين يصعب تجميعهم -هذا قبل دخول الإسلام شمال إفريقيا- وغير ذلك من المرويات حول تاريخ الأمازيغ. لكن عندما يتعلق الأمر بتاريخ مختلف فيه ينبغي الاحتراز وعدم إصدار الأحكام النهائية.

هذه هي المفاهيم التي سيتناوله البحث منسوبة إلى الأمازيغ الثائرين المتميزين بهويتهم وثقافتهم الواسعة، بعد عرضها على الإسلام. لنرى كيف ينظر الإسلام إلى الثقافية والهوية؟ وكيف تعامل معه الأمازيغ زمن دخوله -أي الإسلام- شمال إفريقيا؟ وكيف كانت ردة فعلهم إزاءه؟

المبحث الثاني: القرآن الكريم بين عربية التنزيل وعالمية الرسالة

1- مقاصد نزول القرآن عربيا:

يأتي هذا المطلب في بداية هذا المحور ليجيب على سؤال يتجدد في كل عصر وعلى لسان كل جيل مستفهما عن سببية نزول القرآن الكريم باللغة العربية. حيث يقال: إن كان القرآن الكريم رسالة عالمية فلماذا نزل على لسان واحد هو اللسان العربي؟

وإني أرى أن هذا السؤال يأتي من منطلقين: المنطلق الأول منطلقا استفهاميا يبحث عن إجابة لرفع غشاوة الجهل وطلب مزيد معرفة. أما المنطلق الثاني وهو الأكثر انتشارا: فهو منطلق مبعثه نظرة تشكيكيه تروم الطعن في القرآن الكريم والافتراء على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن الإسلام ما هو إلا دين قومي محلي اختص به العرب دون غيرهم.

سنحاول الإجابة عن السؤال من خلال استنباط مقصدين أراهما رئيسيين ومركزيين في نزول القرآن الكريم عربيا:

  • أولا: تحد وإعجاز

اشتهر عند الباحثين في معجزات الأنبياء قولهم أن: معجزة الأنبياء من جنس ما برع فيه قومهم. غالبا، فسيدنا موسى عليه السلام أرسل في زمن كان فيه السحر أمرا عظيما، فأيده الله سبحانه عز وجل بعلم أبطل به سحر السحرة. وسيدنا عيسى عليه السلام بعثه الله تعالى في زمن بلغ فيه أهله من الطب مبلغا عاليا، فكانت معجزته عليه السلام أن تفوق على أطباء عصره بإذن الله تعالى، وهكذا كان الحال مع معظم الأنبياء والرسل.

أما رسول البشرية محمد صلى الله عليه وسلم بعث في قوم كانت الميزة الرئيسية لأهله هي القمة من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان. فالعرب كانوا أشد الناس تفاخرا بلغتهم، بل لم يكن لهم علم يفتخرون به أو يتبارون فيه غير علم لسانهم ونظم أشعارهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَى الله إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ”[6].

لذلك جاء القرآن الكريم عربيا فصيحا عجز عن مجاراته فطاحلة العرب، بل جاء بتحدٍ شاق ومستحيل في هذا الشق البياني لكافة الخلق وللعرب خاصة، قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[7] إلا أن قوة قريحتهم، وفصاحة لسانهم عجزت أن تصوغ لهم بناء كلاميا يشبه أو يماثل أصغر صورة في القرآن الكريم. ف” تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضًا في اللطف والبراعة، ممَّا يتعذَّر على البشر ويمنع “[8]. وذلك ليثبت لأولي الألباب أن هذا الكلام ما كان ليفترى أو أن يأتي به إنس أو جن من عند نفسه.

فمقصد الاعجاز البياني واللغوي في القرآن الكريم جاء صريحا وواضحا.

  • ثانيا: كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم تكلم بلسانهم ليبين لهم:

لقد اصطفى الله أقواما لإنزال رسالاته، واصطفى من كل قوم رجلا ليبلغ رسالة ربه إلى قومه. فكان العرب من بين من اصطفاهم الله عز وجل وبعث فيهم رجلا منهم، رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، ومن ثم كان من الطبيعي اختيار اللغة العربية دون غيرها من اللغات، حتى يفهموا عنه صلى الله عليه وسلم من غير الحاجة إلى وساطة أو ترجمة، وحتى يتمكن أيضا من التعامل الطبيعي في علاقته بقومه. وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[9].

كما أن خصائص اللغة العربية من سعة وحيوية ومرونة في تعبيراتها، وما تتميز به أيضا من إمكانية تعريب الألفاظ الواردة، والاشتقاق الصرفي، والايجاز، والخصائص الصوتية، يجعل اختيارها لغة للقرآن الكريم هو الخيار الصحيح والحكيم، “فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا وَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ؟ قِيلَ: بُعِثَ مِنَ الْعَرَبِ بِلِسَانِهِمْ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ ثُمَّ بَثَّ الرُّسُلُ إِلَى الْأَطْرَافِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُتَرْجِمُونَ لَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ[10]﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[11].

2- عربية الوحي لا تنافي عالمية الإسلام:

كما سبق وذكرنا في المحور السالف أن نزول القران الكريم بلسان عربي، كان لأسباب دقيقة، فلم يكن الأمر عفويا، وإنما تجلت في ذلك الحكمة الالهية التي تجلت في سائر الخلق.

إلا أن هذا الاختيار للغة لا يفيد مطلقا انحصار الدعوة وقصر الرسالة القرآنية على قوم العرب دون غيرهم. وقد دلت على هذا نصوص كثيرة قرآنا وسنة، بل حتى صيغة مخاطبة الله سبحانه عز وجل للإنسان في القران الكريم جاءت ب ” يا أيها الناس” ” يا بني آدم ” ” يا أيها الذين آمنوا ” ولم يقل يا أيها العرب.

وهكذا نجد الخطاب في القران الكريم خطابا شموليا عاما، جاء مخاطبا الانسانية جمعاء على اختلاف أجناسها وأمكنتها ومللها إلى توحيد الله تعالى، دون ميز في الجنس أو العرق أو اللون، بل إن رسالة القرآن الكريم تعم المجتمع الانساني بشتى تلاوينه، فمن قرأه يلتمس ذلك في كثير من آيه. نذكر مثالا لا حصرا قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ} [12] وقوله عز وجل: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ، وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا، وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا}[13]وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[14] وقال تعالى: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}[15].

وأمّا السنة الشريفة فيكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الخطاب الذي ألقاه في داره، حينما وفد إليه أعمامه وأخواله، ومن كانت له به صلة: “والله الّذي لا إله إلاّ هو، إِنّي رسولُ الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة”[16].

أبدا لم تكن رسالة الاسلام كما يزمع البعض بأنها رسالة محدودة الزمان والمكان محلية قومية. فنصوصه وسيرة رسوله وتاريخه تؤكد على عدم حصره في عرق أو لغة. وإلا لماذا كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ملوك زمانه؟ وما الغاية التي كانت من الفتوحات الإسلامية؟

فرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت الرسالة الخاتمة، وبذلك اقتضت سنة الله تعالى أن تكون رسالة عالمية مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}[17]. وبالتالي فإن عالمية الدين من غيرها تحددها نصوصه وتاريخه وسيرة من أتى به من الأنبياء، لا الأهواء والآراء القصيرة الفهم المتقوقعة النظر.

المبحث الثالث: منهج الاسلام في التعامل مع الهوية والثقافة

1- الحفاظ على الهوية العرقية دون تعصب لها:

من سنن الله تعالى في خلقه أن جعل الناس شعوبا وقبائل، تختلف لغتهم وألوانهم وعاداتهم وثقافاتهم، فتشكلت بذلك حضارات عريضة تباينت أعمارها السنوية في التاريخ. هذا التاريخ الذي نقف عند دارسته على أن الانسانية ما هي إلا أمم عرقية متنوعة، باعتقادات وديانات وثقافات مختلفة. جهود بشرية شكلت لنفسها عبر التاريخ قيما ومبادئ تحقيقا لسعادتها وتشكيلا لمجتمعها، منها ما اندثر ومنها ما استمر بين تخلف ونهضة.

لكن الذي ميز هذه الحضارات أنها كانت حضارات عرقية صرفه، أي كل حضارة شكلها عرق بشري معين، كالإغريق والرومان، والهند، والصين، وغيرهم. وهذا ما لا نجده في الحضارة الإسلامية، وذلك يعود لطبيعتها العالمية وتميزها الرباني.

فعلى غرار ذلك تماما نجد أن الدعوة الاسلامية لما انتشرت في أنحاء الأرض، استجاب لها أقوام شتى من أمم وحضارات متباينة) الحضارة الإسلامية مثلا جمعت العرب مع الفرس مع الباكستانيين مع التتار في آسيا الوسطى، بل والأوروبيين من وسط القارة البيضاء وغربها، بل وشمالها، بالإضافة إلى أعراق أخرى) إذ لم يكن شرط دخول الاسلام التخلي عن الهوية العرقية، وإنكار الأرض التي نشا فيها ذاك الانسان، وترعرع عليها، وتنفس هواها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أخرجه قومه من أرضه مكة قبل أن يتجاوز حدودها في اتجاه المدينة، استقبلها قائلا: ” ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”[18]. وورد عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ” من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه”[19].

وما الهوية إلا قيم ومثل ومبادئ امتاز بها قوم عن قوم، ومجتمع عن آخر، على اختلاف في اللون والشكل، أو كما سماها اسماعيل الفقي هي: ” مجموعة من السمات الثقافية التي تتصف بها جماعة من الناس في فترة زمنية معينة، والتي تولد الإحساس لدي الأفراد بالانتماء لشعب معين، والارتباط بوطن معين، والتعبير عن مشاعر الاعتزاز، والفخر بالشعب الذي ينتمي إليه هؤلاء الأفراد”[20].

ومنه فإن الاسلام لما اعتنقته هذه الأقوام، والمجتمعات أو هذه الهويات والثقافات المتنوعة، لم يطمس تلك القيم، والمبادئ، والعادات، والتقاليد جملة واحدة، ورفضها بالبت والمطلق، واشترط على من اعتنق الدين الاسلامي أن يتخلى عن كل عاداته وتقاليده وثقافته. ففي الغالب أن هذه العادات والثقافات أوجدها الناس لخلق التوازن داخل مجتمعاتهم فهي ليست سيئة مطلقا. لذلك فإن الاسلام عالجها عن طريق دفع الضرر وجلب المصلحة واستبعاد كل ما يحط من كرامة الانسان وقيمته العليا، كتحريم الأوثان، والاستعباد وبعض طرق الزواج وغير ذلك من العلاقات الانسانية والاجتماعية، وفي هذا السياق يحضرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”[21]. فالإسلام لا يتعارض مع الهوية والثقافة القومية إلا فيما فيه تحقير للقيم الإنسانية وضرر المجتمع البشري.

ورد في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أحد الصحابة قائلا: “يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه. قال: لا ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم”[22]. إذا ليس من العيب أن يحب الرجل قومه، ويعتز بهويته ولغته، وتاريخ أرضه، وأمجاد أجداده، فذاك شعور بالانتماء القومي وهو غريزة في بني آدم. لكن الآفة الكبرى التي حاربها الاسلام، هي العصبية العرقية العمياء، التي تخرق وحدة الأمة، وتمزق أواصر الأخوة الدينية والولاء الإيماني وينصر العصبي أخاه ظالما ومظلوما، فينصر بذلك الباطل على الحق. وهذه طامة تفتك بأي مجتمع كيفما كان. لذلك ذمها النبي عليه الصلاة والسلام قائلا: ” ليس منا من دعا الى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية”[23].

2 – إهمال المعيار العرقي في التعامل الإنساني:

إن مما شاع في بعض مناطق بلداننا الاسلامية والعربية للأسف، ظاهرة ما أنزل الله بها من سلطان، وما علمنا لها حرفة في المجتمع النبوي، ولا الراشدي. ظاهرة من أخبث الأمراض المجتمعية، فإن شاءت الأقدار ونزلت ضيفا في غير منطقتك أو بلدتك، فسترى كيف ينظر إليك بالنقيصة والتحقير، خصوصا إن كنت مختلف اللهجة أو اللون، حتى وان كنت تشاركهم الدين والمعتقد.

وبهذا أصبح التعامل الانساني الحسن مبني أساسا بهذا المنطق على مشاركتك لهم اللهجة أو لون البشرة أو العادة والثقافة، وأحيانا حتى في الرأي السياسي. وإلا فأنت العدو الدخيل.

إن الاسلام لم يفاضل بين الناس باللون، أو الجنس، أو اللغة والنسب، بل فاضل بينهم بالإيمان والتقوى، قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ” يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله: “يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللت أتقاكم إن الله عليم خبير.”[24]. وروى الامام أحمد عن أبي نضرة حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: ” يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى. أبلغت؟” قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم”[25].

فالإسلام لم يعط للمعيار العرقي أو الجنسي في التعامل الانساني أي وزن أو قيمة، بل على العكس من ذلك تماما، أوجب التعامل مع الناس بمنطق الاحترام والتقدير والحكمة، بغض النظر عن أي شيء. وأوجب المحافظة على حقوق هذا الانسان المادية والمعنوية كيف ما كان بصفته إنسانا مكرما من عند الله، قال هز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[26]. فمبادئ الإسلام وتعاليمه وقيمه كلها قائمة على “احترام الكرامة الإنسانية وصونها وحِفْظها، وعلى تعميق الشعور الإنساني بهذه الكرامة، وما دامت الرسالة الإسلامية تتغيَّا في المقام الأول سعادةَ الإنسان وصلاحه، وتبتغي جلْب المنفعة له ودرء المفسدة عنه، فإن هذه المقاصد الشريفة هي مُنْتهى التكريم للإنسان بكل الدَّلالات الأخلاقية والمعاني القانونية للتكريم”[27]. قال الله عز وجل: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[28].

المبحث الرابع: الاعتزاز بالأمازيغية هوية وثقافة لا ينافي الاعتزاز بالإسلام دينا

تمر الأعوام والسنون وتضعف الدولة وتضمحل بعد قوة وهيمنة، لأسباب داخلية وخارجية، وتتوالى الصراعات وتتعاقب البلدان والحضارات والمعتقدات، فيشكل التاريخ وتزرع الجغرافية نسيجا مجتمعيا من أمازيغ وعرب وأندلس، أعراق وثقافات وهويات مختلفة ومتباينة على رقعة جغرافية هي شمال إفريقيا.

فمنطق التاريخ يقرر بحتمية الصراع بين هذه الأعراق المختلفة لأجل السيطرة والبقاء للأقوى، غير أن ذلك يبقى منطق التاريخ وليس منطق الاسلام الذي كان سببا في انصهار هذه الفوارق العرقية لتشكل أمة إسلامية واحدة، أمة الإنسانية. فالدين كما قال الأمير الخطابي في مذكراته التي حررها روجر ماثيو عام 1927 م هو أقوى الروابط وأمتن علائق المؤاخاة.

يقول الفقيه والعالم الفلكي محمد البوجرفاوي يحكي دخول الاسلام الى شمال إفريقيا: ” لما جاء الاسلام من الجزيرة العربية عن طريق الفتوحات لم يُفرض على الناس هنا فرضا، بل قبله المغاربة رغم أنهم ليسوا عربا، فأحبوه واحتضنوه رغم فارق اللغة والثقافة، وبمرور الزمن خبروه أكثر وتبحروا في علومه بلغتهم “[29]. فلم يكن وازع العرق واللغة الأمازيغية يقف حاجزا أمام خدمة الإسلام والاعتزاز به دينا.

ولا بأس أن نستحضر مثالا لا حصرا بعض رموز أبطالنا الأمازيغ الذين لم يكتفوا بقبول الاسلام دينا وحسب، بل جعلوه سلوك ومنهاج حياة، بل اعتبروه أساس صناعة التاريخ والحضارة الانسانية، ونذكر هنا الأسد الأمازيغي المغوار طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وليس معه غير اثني عشر أمازيغيا مسلما، وعدد يسير من العرب، بعد أن أمره بذلك موسى بن نصير المسلم العربي. فلم يكن هم طارق بن زياد غير الجهاد في سبيل الله ونشر الدعوة الاسلامية التي أوصلها إلى صنهاجة وغمارة وكثير من القبائل. فتاريخ هذا البطل الأمازيغي المسلم في خدمة معتقده الديني لا يخفى على أحد صديقا كان أم عدوا. فماذا راح طارق يفعل بالأندلس؟ وفي سبيل ماذا يخاطر بحياته؟ أليس هو البربري الأصيل فلماذا يأتمر بأمر موسى بن نصير العربي الدخيل؟ الجواب نجده في قول ابن زياد منافحا عن دينه وداعيا جيشه إلى القتال بغية نشر الإسلام بعدما سقطت قلوب الجيش ذعرا من عدوهم: “أيا الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام…وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة … وليكون حظه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة… والله تعالى ولي أنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين[30].

ونذكر أيضا المجاهد الصنهاجي الصوفي الفذ يوسف بن تاشفين، الذي قاد الجيوش الاسلامية في معركة الزلاقة الشهيرة، التي انتصر فيها على جحافل الاسبان فاستدرك المسلمون بذلك الاندلس من الضياع. وبعده رجل الفكر والعلم بمسائل الدين والدنيا البربري الشريف ابن تومرت الذي قضى شبابه بين أحضان المساجد، يتزود الإيمان واليقين استعدادا لبناء الدولة الإسلامية التي أسسها في شمال إفريقيا بعد أن جمع حول الأنصار من الأمازيغ وحرر لهم العقيدة -المرشدة- بالأمازيغية ليربيهم على الإيمان باعتباره اهم بواعث التغيير والنهضة.

ولا يفوتنا المقام والمقال أن نستحضر مفخرة المسلمين وإمام المجاهدين أسد الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي يشيد به ويتمجد به الكثير من إخوتنا الأمازيغ من الجيل الجديد وغيرهم، لكن الكثير منهم يجهل أو يهمل العامل الرئيسي والأساسي في صناعة هذه الشخصية العالمية التي أصبحت رمزا للتضحية والتحرر. أقصد هنا العامل والباعث الديني الذي كان هو محرك قومة وثورة الرجل بل كان الغاية التي من أجلها جاهد وناضل. يقول الاستاذ محمد العلمي في كتابه “زعيم الريف”: ” وفي 15 أكتوبر 1920 دخل الجنرال بزغير إلى الشاون دخولا رسميا على رأس الجيوش الاسبانية، فرأى أهل الريف في هذا الحادث مغزى خاصا، واعتبروا  أنه بإمكان الجيوش الاسبانية أن تدخل إلى مساجد المسلمين مهما أنها سمحت لنفسها الدخول إلى مدينة الأولياء والصالحين، وفي هذه الظروف وبسبب الدافع الديني قرر عبد الكريم الخطابي (الأب) وهو شيخ هرم محاربة اسبانيا …وهكذا هجمت جماعة من أهل الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي (وكان عبد الكريم الخطابي الابن مشاركا في هذا الهجوم) على معسكر تافريست ولقي حتفه خلال هذا الهجوم “[31].

ثم يضيف الكاتب متحدثا عن بيعة الريفيين للمجاهد عبد الكريم الخطابي: ” وكان أكثر الريفيين أميين ولكن إسلامهم متين، يحترمون الفقهاء وعلماء الدين المتخرجين من جامعة القرويين في فاس مثل محمد عبد الكريم الذي أعربوا له عن طاعتهم وولائهم ما دام يدافع عن حرمة الدين والوطن. فمن أجل هذا الهدف انضمت القبائل إلى الثورة”[32].  بفعل الاسلام توحدت القبائل الأمازيغية وبايعوا محمد بن عبد الكريم الخطابي وخاضوا معاركهم البطولية التي دونها التاريخ على جدرانه بمداد من ذهب ضد الاحتلال الغربي الغاشم.

هذا والأمثلة كثيرة جدا من فقهاء وعلماء أمازيغ خدموا الاسلام ونشروه ودافعوا عنه في أمصار عدة.

المبحث الخامس: في الحاجة إلى مجتمع أخوي ﻻ مجتمع قومي تجزيئي

هكذا هم جماهير الأمازيغ على جغرافية شمال إفريقيا معتزين بدينهم الإسلامي ومنافحين عنه ضاربين المثل الأسمى في الوفاء له، ومصطحبين مع ذلك الاعتزاز بهويتهم الثقافية وأمجادهم الخالدة.

لقد انحدر وزن المسلمين السياسي وانحلت عراهم وتفككت بنيتهم بعدما دخل المستعمر الغربي أوطانهم وجزء أرضهم. هذه التجزئة للأرض تبعتها تجزئة للفكر حتى صنعت من المسلمين -أمازيغ وغيرهم- نسخة مطابقة للأصل الغربي بشعره وبزته ونمط حياته. ولدت وتولد هذه التجزئة في الفكر خطابا قوميا مشحونا بروح استعمارية تهدف في كل حين إلى خلق التشتت والتشويش على محاولات تأسيس الوحدة الوطنية للشعوب المستعمرة، خاصة إذا ما كان منطلق هذه الوحدة الهوية الدينية المتمثلة في الإسلام. خطابا قوميا متجلببا برداء الدفاع عن الهوية الثقافية.

إننا في هذا المقام نوجه الدعوة للصادقين في الدفاع عن المسألة الأمازيغية إلى جعلها مدخلا لبناء مجتمع أخوي لا وسيلة للتجزئة التي تجعل من المجتمع بؤرة للتخلف والتبعية والصراعات الحزبية والسياسوية.

نجعل الدفاع عن الثقافة الأمازيغية منطلق لتشييد عمران أخوي يكون أساسه ومقتضياته هويتنا الإسلامية الجامعة، فما منينا بالهزيمة والتخلف إلا لجفاف القلوب من الإيمان والرحمة، ورحم الله المجاهد عبد الكريم الخطابي الذي ترك قولته في أذن أحفاده يبين لهم سبل تحقيق النصر والتقدم: “هزمنا الإسبان بالإيمان والإيمان وحده”.

فالمواطنة القلبية الإيمانية هي جوهر هذا المجتمع الأخوي، مواطنة إيمانية تجعل من الدفاع عن الهوية الإسلامية أم القضايا وأولاها، فلا سبيل للحفاظ عن الثقافية المادية في ظل تشتت روحي وفرقة فكرية.

يصف لنا الرسول الكريم هذا المجتمع الأخوي المنشود قائلا: “مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطفهم مثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى[33]“. مجتمع تكون عقيدته توحيدية ” تُوَحِّدُ في الوجدان الخلقَ أجمعـين وتدعو إلى وحدة الأمة الإسلامية لتبرز في العالم شاهدة على الناس، حاملة لرسالة التوحيد، مبلغة إياها نيابة ووراثة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام’[34].

مجتمع أخوي نعمل في سبيل تأسيسه جميعا على تحطيم القوى الفكرية والسياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه، والتي تُعَبِّدُ الناس للناس، وتمنعهم من العبودية لله تعالى عز وجل.

خاتمة:

ختاما، نسجل بقلم صادق وحروف يملأها الأسى والأمل، في ان يصوغ الصادقون في الدفاع عن القضية الأمازيغية ثقافة ولغة، خطابا ذا بعد نضالي مطلبي، بعيدا عن النزعة العرقية القومية التي تساهم عوامل خارجية وداخلية امبريالية في تأجيجها، فيتحول الدفاع عن القضية ضربا في اللغة العربية ومعاداة للإسلام وفتوحاته، وبذلك طمس خمسة عشر قرنا بذلها أجدادنا الأمازيغ في نشر الاسلام وترسيخه داخل المغرب وخارجه، وفي الأندلس وجنوب إفريقيا.

نعم فهناك من يتربص بالإسلام والمسلمين بحثا عن كل ما من شأنه أن يزيد في تنويم الأمة الإسلامية، وعن كل فرصة لوأد محاولة النهوض والصحوة والالتحام التي تعيشها الأمة بفضل الله الآن، بعد سنوات الخمول والسبات.

مخاطبة للعواطف واستغلال للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتشتيت وتفرقة المسلمين كما فعلوا في العراق شيعة وسنة، وكثير من بلدان الاسلام التي خلقوا فيها الصراع القومي بين عرب وأكراد وفرس وغير ذلك.

هي دعوة إلى الصادقين والفضلاء من أبناء وطننا الحبيب بأن تصرف الجهود وتتشابك الأيادي في بناء دولة الحق والقانون، ومواجهة العولمة والتصدي لمهمتنا الرسالية التي تنتظرها منا البشرية المعذبة، وإعادتها إلى مجرى شريعة ربنا سبحانه تعالى.

ونؤكد مرة أخرى على موقف الإسلام الواضح من الحضارات، والثقافات، والأعراق المختلفة. القائم على احتضانها وصهرها وتعبئتها لتحقيق العبودية المطلقة لله عز وجل وحده، وعمارة الأرض وفق المنهاج الرباني الذي ارتضاه عز وجل للإنسان ليحقق سعادته في الدنيا والآخرة، بغض النظر عن لغته وثقافته الموظفة في التعمير.

وإننا حين نتحدث عن القضية الأمازيغية، فليس منطلقنا في ذلك نظرة خارجية عدائية، أو متجاهلة للهم الأمازيغي، بل إننا نعتز بتراثنا الأمازيغي الثري، وبمساهمته الرائدة التي لا يمكن للتاريخ تجاوزها بحال في بناء هذا الوطن وترسيخ الإسلام فيه.

 

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم برواية حفص.
  • ابن الأثير، الجزري، الكامل في التاريخ، تحقيق أبو الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1971.
  • ابن الأثير، محمد الجزري، جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية.
  • ابن حجر، شهاب الدين العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تحقيق عبد العزيز بن باز ومحمد فؤاد، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
  • ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمن، تح: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م/1398ه.
  • الباقلاني، القاضي أبو بكر، إعجاز القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1971م.
  • البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي -بيروت، ط1420 هـ.
  • التبريزي، أبو عبد الله الخطيب، مشكاة المصابيح، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، لبنان.
  • التبريزي، ولي الدين أبو عبد الله محمد، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، تحقيق: الشيخ جمال عيتاني، دار الكتب، العلمية، بيروت.
  • شريح، محمد عادل، إشكالية الهوية في الفكر الإسلامي الحديث، دار الفكر، دمشق، ط1، 2011م.
  •  الشريف، علي بن محمد بن علي الشريف الحسني الجرجاني، كتاب التعريفات، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 2003م.
  • شمس الدين، إبراهيم، حكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • الضياء المقدسي، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الحنبلي، صحاح الأحاديث فيما اتفق عليه أهل الحديث، تحقيق حمزة أحمد الزين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دون تاريخ.
  • عرفة، أحمد، التسامح الإسلامي ودوره في التعايش السلمي بين أبناء الوطن، دار التعليم الجامعي، الإسكندرية.
  •  عزمي، طه السيد، الثقافة الإسلامية مفهومها مصادرها خصائصها مجالاتها، دار المناهج للنشر والتوزيع، ط5، 2016.
  • العلمي، محمد، زعيم الريف محمد عبد الكريم الخطابي، مطبعة الأطلسي، الدار البيضاء، 1968م.
  • الفارابي، أبو نصر محمد، كتاب التعليقات، تحقيق جعفر آل ياسين، دار المناهل للطباعة والنشر، بيروت، 1988م.
  • الفقي، إسماعيل، إدراك طلاب الجامعة لمفهوم العولمة وعلاقته بالهوية والانتماء، الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، القاهرة، 1999م.
  • كافي، حسن البوسني، أزهار الروضات في شرح روضات الجنات، تحقيق علي أكبر ضيائي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • المباركفوري، أبو العلا محمد عبد الرحمان، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، تحقيق خالد عبد الغني محفوظ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • مسلم، الإمام أبي الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • ياسين، العدل: عبد السلام، الإسلاميون والحكم، الطبعة 1، 2000م.
  • https://www.aljazeera.net/programs/the-witness/2005/11/21/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%BA%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85

(العلاقة بين الأمازيغية والإسلام، مقالة بمدونات الجزيرة، رابط المقالة: ، تم الولوج يوم 19/04/2020).

[1]  الفارابي، أبو نصر محمد، كتاب التعليقات، ت جعفر آل ياسين، دار المناهل للطباعة والنشر، بيروت، 1988م، ص 62.

[2]  الشريف، علي بن محمد بن علي الشريف الحسني الجرجاني، كتاب التعريفات، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 2003م، ص160.

[3] شريح، محمد عادل، إشكالية الهوية في الفكر الإسلامي الحديث، دار الفكر، دمشق، ط1/ 2011م، ص 42.

[4]  عزمي، طه السيد، الثقافة الإسلامية مفهومها مصادرها خصائصها مجالاتها، دار المناهج للنشر والتوزيع، ط5/ 2016، ص20.

[5] المرجع نفسه، ص19.

[6]  التبريزي، أبو عبد الله الخطيب، مشكاة المصابيح، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، لبنان، دون تاريخ، المجلد الأول، ص 426.

[7]  سورة البقرة: الآية 23.

[8]  الباقلاني، القاضي أبو بكر، إعجاز القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1971 م، ص 35.

[9]  سورة إبراهيم: الآية 4.

[10]  البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تح عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1420 هـ، ج 3، ص 30.

[11] سورة البقرة: الآية 23.

[12] سورة: الأعراف الآية 158.

[13] سورة: النساء الآية 79.

[14] سورة: الأنبياء الآية 105.

[15]  سورة: القلم الآية: 51/52.

[16]  ابن الأثير، الجزري، الكامل في التاريخ، تح أبو الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1971، ج 1، ص585.

[17] سورة: فاطر الآية 24.

 [18]  الضياء المقدسي، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الحنبلي، صحاح الأحاديث فيما اتفق عليه أهل الحديث، ت حمزة أحمد الزين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دون تاريخ، ج9، ص 337.

[19]  شمس الدين، إبراهيم، حكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دار الكتب العلمية، بيروت، دون تاريخ، ص 242.

[20]  الفقي، إسماعيل، إدراك طلاب الجامعة لمفهوم العولمة وعلاقته بالهوية والانتماء، الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، القاهرة، 1999م، ص 205.

[21]  ابن حجر، شهاب الدين العسقلاني، فتح الباري، ت عبد العزيز بن باز ومحمد فؤاد، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، لم تذكر الطبعة، ج6، ص 479.

[22]  ابن الأثير، محمد الجزري، جامع الأصول في أحاديث الرسول، ت أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، لم تذكر الطبعة، ج1، ص91.

[23]  التبريزي، ولي الدين أبو عبد الله محمد، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، تح: الشيخ جمال عيتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، كتاب: الآداب، باب: المفاخرة والعصبية، ج 9، ص 129.

[24]  المباركفوري، أبو العلا محمد عبد الرحمان، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ت خالد عبد الغني محفوظ، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، دون تاريخ، ج9، ص 96.

[25]  الشيخ حسن كافي البوسني ت 1056ه، أزهار الروضات في شرح روضات الجنات، ت الدكتور علي أكبر ضيائي، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ص 319.

[26] سورة: الاسراء، الآية 70.

[27] عرفة، أحمد، التسامح الإسلامي ودوره في التعايش السلمي بين أبناء الوطن، دار التعليم الجامعي، الإسكندرية، لم تذكر الطبعة، ص 11.

[28]  سورة: الممتحنة، الآية 8.

[29]  العلاقة بين الأمازيغية والإسلام، مدونات الجزيرة، رابط المقالة:

https://www.aljazeera.net/programs/the،witness/2005/11/21/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9،%D8%A8%D9%8A%D9%86،%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%BA%D9%8A%D8%A9،%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85 تم الولوج يوم 19/04/2020.

[30] ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمن، تح: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978م/1398ه، ج2، ص 177-178.

[31] العلمي، محمد، زعيم الريف محمد عبد الكريم الخطابي، مطبعة الأطلسي، الدار البيضاء، 1968م، ص 20.

[32]  المرجع نفسه: ص 26.

[33] مسلم، الإمام أبي الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، لم تذكر الطبعة، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ص 1001.

[34]  ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، الطبعة 1، 2000م، ص137.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.