منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عناصر القوة الذاتية الموجودة في الإسلام لفضيلة د. أبو زيد المقرئ الإدريسي

عبد العزيز ثابت

0

بعد أن فصل الدكتور المقرئ أبو زيد في الأسباب الذاتية لمرحلة أفول المشروع الحضاري الإسلامي، ثنى بالحديث عن العوامل الخارجية لهذا الاندحار في سياق الجواب على سؤال: ما العامل الخارجي، وكيف بدأ، وكيف امتد، وما الضربات التي كالها أعداء الإسلام للإسلام منذ اليوم الأول لنزول الوحي وحتى مرحلة الاستعمار الحديث وما تلاها؟

وفيما يلي نص جوابه.

شراسة الأعداء انضافت لانطفاء العقل فكان الاندحار

نعم، الظواهر التاريخية بالخصوص لا يمكن أن تقوم إلا بعاملين، سواء كانت ظواهر سلبية أو ظواهر إيجابية. وأفول الحضارة الإسلامية كان فيها عامل داخلي أسميناه انطفاء العقل، وعامل خارجي هو شراسة الأعداء. والقرآن الكريم كما قلت نبهنا من الناحية التربوية ومن الناحية المنهجية إلى أن نبدأ بالعامل الذاتي، وأعطينا مثال حيا على ذلك هزيمة المسلمين في أحد والتي لم تنسب إلى قوة المشركين، كانوا ثلاثة آلاف مقابل ألف، ولا إلى رغبتهم في الانتقام من هزيمة بدر، ولا حقدهم ولا شركهم ولا كفرهم، وإنما أرجعه الإسلام إلى {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}. لكن هذا لا ينفي أبدا أن نعرف العامل الخارجي، القرآن نفسه الذي نبهنا إلى العامل الداخلي، حذرنا من العدو الخارجي.

العدو الأول إبليس اللعين

المزيد من المشاركات
1 من 28

القرآن الكريم بين لنا أن أول عدو لنا خارجي هو إبليس، وهو الأخطر لأنه عدو لا يرى، وعدو قوي وله ملكات غيبية، وعدو لا يموت مُنظر إلى يوم القيامة.

العدو الثاني المخالفين لنا في الدين

العدو الثاني فصله القرآن في قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}، ليس كل النصارى، {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}، أي الفئة الأقرب هي فئة النصارى المنصفين. معنى هذا أن الذين هم أشد عداوة هم بالترتيب: أولا اليهود، ثانيا بقية الوثنيين، ثالثا غير المنصفين من النصارى و للأسف يمثلون الأغلبية الساحقة.

هؤلاء منذ أول يوم، كما ذكرت جزاك الله خيرا، منذ أول آية نزلت، منذ أول كلمة فتح بها النبي صلى الله عليه وسلم فمه، بدأ العداء وبدأت الحرب وبدأ التخطيط، ونحن نعلم قبل البعثة أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وعمره اثنتا عشرة سنة، لما سافر مع عمه أبي طالب إلى التجارة في الشام ورآه الراهب بحيرا، ورأى عليه علامات النبوة، أمر عمه، وكان يحبه، أن يرجعه ويفارقه ولا يستمر به في الطريق، قال لأنه إذا رآه اليهود فسوف يقتلونه. وتعرض النبي صلى الله عليه وسلم إلى اثنتي عشرة محاولة اغتيال بعد البعثة، تسعة منها منظمة من اليهود وثلاثة من المشركين.

إذن هذه الخريطة العقدية، بل هذه الخريطة الأنطولوجية التي فيها الإنس وغير الإنس الذي هو إبليس تبين لنا مواقع العداء ومراتب العداء. والتاريخ يصدق ذلك كله، التاريخ صدق الحروب التي، من فتوحات المسلمين في بلاد الشام والعراق إلى الارتداد التسونامي للحروب الصليبية، ثم للغزوات التترية، إلى العصر الحديث، إلى هذا الاستعمار الشرس الإمبريالي الشمولي التأبيدي الاستئصالي، كل هذا يثَبت ويثْبت حقيقة أن هذا الدين أصيب بضربات من الداخل ومن الخارج.

وضربات الداخل هي التي تتيح وتشجع وتجرئ ضربات الخارج وتجعل لهذه الضربات وقعا قويا. يضاف إلى هذا اليوم واقع مؤلم، المسلمون من جهة ضعاف، مستباحون، متفرقون في أكثر من خمسين دولة ذات سيادة إسلامية وأكثر من مئة دولة، المسلمون فيها أقلية بدون سيادة. المسلمون اليوم في حالة من الضعف بحيث يشحذون من أعدائهم القمح والطائرة غربا، ويشحذون من أعدائهم الإبرة وعود تنظيف الأسنان شرقا، نشتري من الصين الإبرة ونشتري من أمريكا القمح والطائرة.  المسلمون اليوم في حالة من الاختلاف حول مرجعيتهم، ومن التنازع حول عقيدتهم، ومن الاضطراب فيما يتعلق بمقومات هويتهم. المسلمون فيهم اليوم الماركسي، وفيهم الملحد، وفيهم اليساري المتطرف، وفيهم القومي العلماني الشرس، وفيهم المتدين التقليدي الذي لا يكاد يفهم من شمولية الإسلام وترابطية أجزائه شيئا، وفيهم المنافق وفيهم الضعيف وفيهم المرتزق، وفيهم الحاكم الذي لا يهمه إلا عرشه، والتاجر الذي لا يهمه إلا ربحه والمرابي الذي لا يهمه إلا رصيده في البنك الربوي. وهذا طبعا هو الذي أسقط الأندلس. هذا هو الذي جاء بالاستعمار. هذا هو الذي جعل المسلمين إلبا على بعضهم البعض وحربا على بعضهم البعض، يستعينون بأعدائهم ضد بعضهم البعض.

الأمة الإسلامية ضعيفة ولكن الدين الإسلامي قوي

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

يضاف إلى هذا من جهة أخرى أن الإسلام ليس بالدين الذي يستهان به. ليس بالدين الذي لا يلتفت إليه. ليس بالدين الذي يطمئن الغرب إذا ضعف أهله أنه ضعيف. المفارقة، معاناة الإسلام اليوم ومكابدته، أن الأمة الإسلامية ضعيفة ولكن الدين الإسلامي قوي، هذا الدين كما فهمه الأوروبيون الذين أسلموا. وأنا أعتمدهم مدخلا إلى فهم هذه النقطة لأنهم يأتون إلى الإسلام من زاوية أخرى غير الزاوية التي نأتيه نحن. نحن نأتي الإسلام من زاوية التقليد والوراثة، و “من ملك شيئا أهانه”، والتعامل التراثي مع الدين الإسلامي والتجزيئي والطائفي، أما هم فيدخلون على الدين من منطق العلوم الإنسانية، من منطق الفلسفات الحديثة، من منطق المكابدة والعطش الروحي، من منطق القراءة النقدية الفاحصة، من منطق التخلص من جاذبية الضغط الصليبي الإمبريالي اليهودي الذي من تخلص منه فقد بذل قوة هائلة فكريا وعقليا وتأمليا تسمح له أن يرى الإسلام بصورة صحيحة، وأن تدخل إشراقاته وأنواره وأشعته إلى قلبه.

أنا أعطي مثالا هنا بغارودي الذي كتب كتاب ” الإسلام الحي”. أعطي مثال بمراد هوفمان الذي تكلم عن عناصر الجاذبية في الإسلام للنخب اليقظة في العالم اليوم. مراد هوفمان المفكر والقانوني والسياسي والحقوقي والدبلوماسي الكبير والمؤلف والباحث عندما أسلم وكتب كتابه ” الإسلام في القرن العشرين”، وكتب “يوميات مسلم ألماني”، شرح أن الإسلام يملك من الإغراء ومن الإقناع للنخبة اليقظة في العالم ما يجعله الدين الذي يسبق كل الأديان إلى هذه النخبة. آنا ماري شيمل التي أسلمت وما أعلنت إسلامها لكيلا تحارب، المرأة الألمانية العالمة المؤرخة المستشرقة المتخصصة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، عندما تكلمت عن أن هذا الدين هو الذي يستطيع وحده أن يتقدم داخل العقلية الألمانية بما يستجيب لقواعد التفكير الألماني، وبما يستجيب لأولويات الحاجة الألمانية، وبما يستجيب للإنسية الألمانية German Humanism)). وكانت تدافع عن الطالبات اللواتي يلبسن الحجاب في الجامعة ويدرسن عندها، كانت تدرس فقط الدراسات العليا، وكان لها من الهيبة ما جعل الدولة الألمانية تتراجع عن تقليد فرنسا في قضية اضطهاد المحجبات لمجرد أن آنا ماري شيمل والتي كان عمرها ثمانون سنة آنذاك كانت تتكلم الكلمة فيكون لها وقعها في المحفل الثقافي والإعلامي الألماني. ولكن أعظم هؤلاء جميعا وأقواهم وأرسخهم بعد غارودي هو ليوبولد فايس الذي أسلم وسمى نفسه محمد أسد، النمساوي الألماني اليهودي الجاسوس المغامر الصحفي الرحالة الفيلسوف الرجل الغريب الأطوار لما أسلم وكتب كتابه “الطريق إلى الإسلام”، وهو كتاب منشور ومترجم عدة ترجمات وله رواج من أكثر من ستين سنة نظرا لأهميته، مرة يكتب بعنوان ” الطريق إلى الإسلام” ومرة “الطريق إلى مكة”. المقدمة من أربعين صفحة، من أثمن ما كتب حول موضوع ” لماذا يخاف الغرب من الإسلام؟”، لأن الإسلام يملك عناصر القوة في ذاته حتى لو انحط المسلمون، بل حتى لو فني المسلمون، بل حتى لو ارتد المسلمون وتركوا الإسلام لوحده، وقال إنه حصلت له قصة مع رجل أمريكي كانا يسافران في سفينة في الأربعينيات من أمريكا إلى أوروبا، تأخذ السفينة أسبوعين، أسبوعان وهما يتناقشان في سؤال طرحه الأمريكي على النمساوي ليوبولد فايس، قال له: لماذا أسلمت؟ فقال له لو تحولت إلى البوذية أو إلى الهندوسية أو إلى المسيحية أو إلى الإلحاد والماركسية أو إلى اليوغا أو إلى الكريشنا لما سألتني هذا السؤال. وبدأ يشرح له ما هي عناصر القوة الذاتية الموجودة في الإسلام.

 عناصر القوة الذاتية الموجودة في الإسلام

  • العنصر الأول: الرأسمالية تقوم على الربا والإسلام هو الدين الوحيد الذي يشرح الأسس الظالمة للربا ويبين آلياتها ويفككها تفكيكا دقيقا ويضع البديل: الاستثمار اللاربوي.
  • العنصر الثاني: المرونة والاجتهاد.
  • العنصر الثالث: غياب إكليروس، ليس عندنا بابا ولا وسيط، ولا عندنا محاكم التفتيش، ولا عندنا اعترافات، ولا عندنا صكوك غفران، ولا شراء موقع في الجنة ولا شيء.
  • العنصر الرابع: البساطة في الاعتقاد والشرائع. أبسط مثال على هذه البساطة: الدين الوحيد الذي لا تؤدى الشعيرة المقدسة الكبرى فيه التي هي الصلاة بالضرورة في معبد. كل الديانات عندها معابد، هذا الكنيس وهذه الكنيسة وهذا معبد الهنود و … الإسلام: (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا). ولاحظ كيف الربط بينهما: (أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي)، واحدة (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، والثانية (وبعث الأنبياء لأقوامهم وبعثت للناس كافة، أسودهم وأحمرهم). انظر إلى هذا الرابط بين عالمية الإسلام وسعة الأرض التي يعبد الناس عليها لأنه لا يوجد معبد.
  • العنصر الخامس: العقيدة العقلانية تتبعت، قد لا يصدق الناس، تتبعت أربعمائة مفكر أوروبي أسلموا وكتبوا مذكرات أو انطباعات أو كتب عن إسلامهم، فوجدت أن العنصر المفصلي في دخولهم في الإسلام هو عقيدة التوحيد وتعقد عقيدة التثليث. و الذين لا يعرفون أن عقيدة التوحيد التي يدعي اليهود أنهم من سبق إليها لم تعد في العقيدة اليهودية، على من يقرأ كتاب إسرائيل شاحاك “الديانة اليهودية و التاريخ اليهودي وطأة ثلاثة آلاف سنة”،Histoire juive religion juive un poids de trois millénaires ، لكي يعرفوا أن الديانة اليهودية لم تعد ديانة توحيدية، و صار فيها تثليث و تربيع و تخميس.
  • العنصر السادس: الانفتاح، ومثاله الرمزي البسيط: نحن نتسمى بموسى، وما أكثر المسلمين الذين يأخذون هذا الاسم، ونتسمى بعيسى، وما أكثر المسلمين الذين يتسمون بعيسى، لا يوجد يهودي واحد يسمى بمحمد، ولا يوجد مسيحي واحد يسمى بمحمد. وإذا سب الفرنسيون في شخص رئيسهم اليوم نبينا وصوروه بالكاريكاتور على واجهات العمارات العملاقة في ليل وباريس ومارساي، فنحن ليس حتى أسفه سفهائنا وأجهل جهالنا وأكثر صعاليكنا انحرافا وتشردا يمكن أن يسب سيدنا عيسى أو يفكر بينه وبين نفسه أن ينتقص من قدره صلى الله عليه وعليه السلام. الأمة الوحيدة التي لم تعتدي على اليهود ولا على غيرهم لأنها قائمة على الانفتاح. إسرائيل شاحاك يتحدث على أن الأمة الوحيدة التي لم تعتدي على أمته اليهودية هم المسلمون، لأنه كما قال، وهو ملحد وهو ماركسي وهو أستاذ كيمياء، قال: الدين الوحيد الذي عنده تشريع، في شريعته صارم، لا يرحم المسلمين إذا اعتدوا على اليهود أو على غير المسلمين، وأرخ لمظاهر اعتداء غير اليهود على اليهود إلا المسلمين. هذه بعض عناصر القوة الذاتية التي تجعل الإسلام اليوم في حالة أفول وضعف وتفكك وتفرق، في نفس الوقت موضع عداء من الغرب، وخوف من الغرب وكراهية للمسلمين من الغرب.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.