منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقود المطبقة في البنوك الإسلامية؛ وظائفها ومقاصدها

الدكتور أحمد الإدريسي

0

الحكمة من تشريع العقود هي؛ التيسير على ‏الناس ومراعاة أحوالهم وحوائجهم، وذلك لأن أصحاب الصناعات والأعمال وكذلك ‏أصحاب الأراضي والأشجار ونحوهم، كثيراً ما يحتاجون إلى النقود من أجل تأمين المواد ‏الأولية لمنتجاتهم، أو تهيئة الآلات والأدوات لمصانعهم، والبنوك الإسلامية تراعي اليسر والمرونة التي تميز الشريعة الإسلامية، وتسعى لتطبيق المقاصد الشرعية المرجوة من العقود.

المبحث الأول: العقود؛ ضوابطها ومقاصدها.

الفرع الأول: العقود وأقسامها؛

      • أولا: مفهـوم العقود؛

1- العقد لغة: نقيض الحل عقده يعقده عقدا وتعقادا وعقدة، وهو الربط والشد والضمان والعهد، وهو الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه، وأصله الشد والجمع عقود ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[1]، والمعاقدة: المعاهدة، وعاقده: عاهده، وتعاقد القوم: تعاهدوا[2]. وقال ابن فارس: (العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها)[3]. وأصل العقد الربط والوثيقة، تقول العرب: وعقدنا أمر كذا وكذا أي: ربطناه بالقول، كربط الحبل بالحبل، قال الشاعر:

المزيد من المشاركات
1 من 20

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم *** شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا

والعقدة: حجم العقد والجمع عقد، وخيوط معقدة شدد للكثرة، ويقال: عقدت الحبل فهو معقود، وكذلك العهد ومنه عقدة النكاح ، وانعقد عقد الحبل انعقادا،  وموضع العقد من الحبل معقد وجمعه معاقد. والعقد الخيط ينظم فيه الخرز وجمعه عقود، وقد اعتقد الدر والخرز وغيره إذا اتخذ منه عقدا، والمعقاد: خيط ينظم فيه خرزات وتعلق في عنق الصبي، وعقد التاج فوق رأسه واعتقده: عصبه به.

2- العقد اصطلاحا، هو: “التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرًا وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول”[4].

وقيل: هو “كل ما يعقد الشخص أن يفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه”[5]. وعلى ذلك فيسمى البيع والنكاح وسائر عقود المعاوضات عقودا، لأن كل واحد من طرفي العقد ألزم نفسه الوفاء به، وسمي اليمين على المستقبل عقدا، لأن الحالف ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من الفعل أو الترك، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[6]، قال العلماء في تفسيرها: يعني بذلك عقود الدين، وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام[7]. وعند تفسيره لهذه الآية، قسم ابن العربي العقود إلى خمسة أقسام، وعلّـق عليها[8].

      • ثـانيا: أقسام العقود

للعقود تصنيفات متنوعة، أذكرها كما وردت في ثنايا كتب الفقه والقانون، وهي:

1- تقسيم العقود من حيثُ التسمية:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 28
  • عقود مسماة: وهي العقود التي أفرد المشرع أحكاما خاصة لها مثل عقد البيع والهبة والشركة.
  • عقود غير مسماة: وهي العقود التي لم يُفرد لها المشرع أحكاما” خاصة” بها وتخضع في أحكامها للنظرية العامة للالتزام.

2- تقسيم العقود من حيث المقابل:

  • عقود المعاوضة: وهو العقد بعوض يأخذ فيه كلا” من المتعاقدين مقابلا” لما التزم به مثل عقد البيع، والإجارة.
  • عقود التبرع: وهي العقود التي لا يأخذ فيها أحد المتعاقدين مقابلا” لما التزم به مثل عقد الهبة والوقف.

3- تقسيم العقود من حيث التكوين:

  • العقود البسيطة: وهو العقد الذي يتناول نوعا واحدا من العقود مثل عقد البيع أو عقد الإيجار.
  • العقود المركبة: وهو العقد الذي يجمع بين عدة عقود بآن واحد ويكون عادة” من العقود الغير مسماة مثل العقد بين الفندق والنزيل والذي يتضمن مجموعة عقود، وهي:
  • عقد إيجار للغرفة.
  • عقد عمل بالنسبة للخدمة المقدمة من الفندق للنزيل.
  • عقد بيع بالنسبة للطعام المقدم من الفندق للنزيل
  • عقد وديعة بالنسبة لأمتعة النزيل الموجودة بالغرفة.

4- تقسيم العقود من حيث التزام الأطراف:

  • العقود الملزمة للطرفين: وهو العقد الذي يرتب التزامات على عاتق طرفي العقد فيكون كل منهما دائنا” ومدينا” في الوقت ذاته.
  • العقود الملزمة لطرف واحد؛ وهو العقد الذي يرتب التزاما على عاتق طرف واحد من أطراف العقد كعقد الهبة وعقد القرض.

5- تقسيم العقود من حيث قيمة الالتزام:

  • عقود محددة: وهو العقد الذي يقف فيه كل من المتعاقدين على انعقاده ومقدار غنمه من العقد المبرم
  • العقود الاحتمالية: وهو العقد الذي لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين الوقوف على وقت انعقاده ومقدار غنمه وغرمه من العقد المبرم لأنه لا يمكن تحديد ذلك إلاّ في المستقبل كعقد اليانصيب وعقود التأمين.

6- تقسيم العقود من حيث الزمن:

  • العقد الفوري: هو العقد الذي لا يكون الزمن عنصرا أساسيا فيه فبمجرد إبرامه يُنتج آثاره القانونية ويُرتب التزامات على عاتق كلا الطرفين مثل عقد البيع بثمن مؤجل.
  • العقد المستمر: هو العقد الذي يكون الزمن عنصرا “جوهريا” فيه مثل عقد العمل وعقد الإيجار.

الفرع الثـاني: الضوابط الشرعية للعقود؛

لدراسة العقود وأحكامها، خاصة المستجدات الفقهية في مجالات الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وغيرهما، ينبغي مراعـاة الضوابط التالية:

  1.  إيضاح مقاصد العقود قبل الحكم عليها، وهل إذا خلا العقد من المقصد يفسد أم يبطل؟ والعلاقة بين الانعقاد وبين الصحة والنفاذ، وعلاقة المقاصد بالاجتهاد الفقهي أو مجرد بيان حكمة التشريع، والفرق بين مقاصد العلة ومقاصد الحكمة.
  2.  التمييز بين الاختيار والرضا في العقود، وما يترتب عليه من حكم شرعي، كما ذهب الحنفية إلى أن العقود المالية – مثل البيع والإجارة – فالمشترط فيها الاختيار عندهم للانعقاد، واشترط لصحتها الرضا، فإذا تحققا في التصرف كان صحيحا ومنعقدا -مع توفر الشروط الأخرى- وإذا انعدم الاختيار انعدم العقد وأصبح باطلا، وأما إذا وجد الاختيار وانعدم الرضا فإن العقد يكون فاسدا.
  3. التمييز بين الحكم الشرعي للعقد وما يتبعه من الحكم بالإثم والحرمة مع التصحيح، أو الحكم بانعقاده مع فساده.
  4. تفعيل القواعد الخاصة بالمعاملات، ومنها: “العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني”. و“يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد”، و”الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه”، و”إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام”، والإفادة من القواعد الكلية الخمسة الشهيرة: “الأمور بمقاصدها”، و”اليقين لا يزول بالشك”، و”المشقة تجلب التيسير”، و”الضرر يزال”، و”العادة محكمة”، وغير ذلك من القواعد المتعلقة بالمعاملات المالية، والتي تكون أساساً للاجتهاد الفقهي في المستجدات[9].

الفرع الثـالث: المقاصد الشرعية للعقـود؛

      • أولا: ضرورة النظر لمقاصد العقود؛

إن كان عدم توافر الشروط في العقد يجعله فاسدا لا يحل التعامل به، أو باطلا، أو يجعل الشرط فاسدا مع صحة العقد في بعض الحالات، فإن من أخوف ما يفتى به؛ النظر إلى صحة الشروط وحدها، دون النظر إلى مقاصد العقود، وهي شيء معتبر في صحة العقد، كما قال الإمام الشاطبي: (فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عري عن القصد لم يتعلق به شيء منها. فلو فرضنا العمل مع عدم الاختيار كالملجأ، والنائم والمجنون. فلا يتعلق بأفعالهم مقتضى الأدلة، فليس هذا النمط بمقصود للشارع، فبقي ما كان مفعولا بالاختيار لا بد فيه من قصد)[10].

إن غياب المقاصد المرجوة من العقود مع توافر شروط الصحة تولد أزمة فقهية حقيقية، بين أن تكون العقود مجرد شيء صوري يمرر لأجل إخماد الضمير من التأثم، أو أن نجعل التطبيق الشرعي في مأزق أمام الناس، مما يدفعهم إلى إماتة الضمير؛ لأن العقد الشرعي توافرت شروطه غير أنه لم يحقق المصلحة المرجوة منه، ولا المقصد الشرعي فيه، فيتخطى الناس حينئذ الشرع باحثين عن تحقيق المقاصد الدنيوية من العقد، ولو مع مخالفات شرعية تتمثل في غياب بعض الشروط التي استنبطها العلماء من آلة الاجتهاد الفقهي.

      • ثانيا: المقاصد العامة للعقود العوضية:

سنرى في المبحث الثاني من هذا الفصل التمهيدي الوظائف الاقتصادية للعقود، وسأتناول في هذا البحث مقاصد العقود العوضية عامة، والتي يُـعمل بها في البنوك الإسلامية خاصة، وهي تتنوع إلى مقاصد تربوية، واجتماعية، وأخرى اقتصادية – تنموية، أذكر منها:

–  مقاصد تربوية:

  •  الانقياد والطاعة لأوامر الله تعالى  واجتناب نواهيه المتعلقة بنظام العقود العوضية.
  •  إعطاء قيمة إثباتية للعقود.
  •  التربية على قيم الوفاء والعفة والحرص على إعطاء الناس حقوقهم.

– مقاصد اجتماعية:

  •  المحافظة على الاستقرار والسلم الاجتماعيين.
  •  الحفاظ على سلامة العلاقات الاجتماعية.
  •  نشر أجواء الثقة بين الناس.
  •  ضمان الحقوق وحمايتها من كل تلاعب.
  •  تبادل المنافع بين الناس، وتحقيق التعاون والأخوة بينهم.

– مقاصد اقتصادية – تنموية:

  •  عقود تيسر وتضبط المعاملات المالية، مما يؤدي إلى الاستقرار والتطور الاقتصادي.
  •  عقود تساير تطور الحركة الاقتصادية.
  •  عقود ضابطة تمنع كل أشكال الاستغلال والظلم والإكراه.
  •  عقود متنوعة ومنفتحة تُسْهِمُ  في التنمية.
  •  تمويل الحرفيين والصنّـاع والمزارعين وإمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها.
  •  تشجع المستثمرين على الإسهام في الحركة الاقتصادية والمالية، بحماية حقوقهم بهذه العقود.

المبحث الثـاني: الوظائف الاقتصادية للعقود المطبقة في البنوك الإسلامية؛

البنك الإسلامي هو البنك الذي يلتزم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملاته المصرفية والاستثمارية، من خلال تطبيق مفهوم الوساطة المالية القائم علي مبدأ المشاركة في الربح أو الخسارة، ومن خلال إطار الوكالة بنوعيها العامة والخاصة. والتمويل المصرفي يخضع “لمجموعة من الضابط المستمدة من الشريعة الإسلامية، هذه الضوابط يمكن حصرها في ضابط العقيدة وضابط القواعد الكلية وضابط الأحكام الخمسة وضابط المقاصد الكلية”[11].

الفرع الأول: وظائف البنوك الإسلامية من خلال العقود المطبقة؛

مما يميز المصارف الإسلامية تطبيق أحكام وقيم الشريعة الإسلامية في كافة معاملاتها، وقد أوجدت البنوك الإسلامية نوعا من التعامل المصرفي لم يكن موجودا قبل ذلك في القطاع المصرفي التقليدي، فقد أدخلت المصارف الإسلامية أسس للتعامل بين المصرف والمتعامل تعتمد علي المشاركة في الأرباح والخسائر بالإضافة إلي المشاركة في الجهد من قبل المصرف والمتعامل،  مما يطمئن ويشجع المتعاملين على إيداع أموالهم في البنوك لتنميتها. كما أوجدت المصارف الإسلامية أنظمة للتعامل الاستثماري في جميع القطاعات الاقتصادية وهي صيغ الاستثمار الإسلامية كالمرابحة والمشاركة والمضاربة والاستصناع والتأجير وغيرها من الصيغ البديلة والتي تصلح للاستخدام في كافة الأنشطة.

ومن الوظائف الأساسية للبنوك الإسلامية من خلال هذه العقود، أذكر ما يلي:

  1. التوزيع العادل لنتيجة النشاط الاقتصادي وربط ذلك بتحمل عنصر رأس المال مسؤوليته كشريك في العملية الإنتاجية، حيث يعمل عقد المضاربة المطلقة والمشاركة على مشاركة المساهمين والمودعين في مخاطر الاستثمار، والنتيجة أن رأس المال لا يأخد نصيبا محددا سلفا بصرف النظر عن نتيجة النشاط الاقتصادي.
  2.  تعمل البنوك الإسلامية على إعادة توزيع الدخول بين أفـراد المجتمع مما يسهم في تقدم المجتمع ودعم قدرته الاقتصادية كما يقول الدكتور سيد شوربحي عبد المولى: )إن تقدم المجتمعات ودعم قدرتها الاقتصادية لا يعود كافيا إلا إذا اقترن بعدالة توزيع الدخول بين إفراد المجتمع ضماناً للاستقرار الاجتماعي وحمايةً لمكتسبات التنمية، وحتى يمكن استمرار جهود التنمية)[12].
  3. تسعى البنوك الإسلامية إلى تحقيق التوازن بين أطراف العقد، وإلى استخدام مجموعة من العقود للاستفادة من المال وتنميته وإصلاحه من داخل كل نشاط اقتصادي، مما يؤدي إلى تنمية جادة وحقيقية.

الفرع الثاني: الوظائف الاقتصادية للعقود؛

تؤدي العقود المطبقة في البنوك الإسلامية وظائف اقتصادية هـامة، ومنها:

  • تحقيق التوازن بين عوائد عناصر الإنتاج:

في عقود المضاربة والمزارعة والمساقاة مثلا، هناك ربط لعائد كل من العمل ورأس المال بما يتحقق فعلا من عائد، حيث ينال كل طرف حقه مقابل إسهامه في عملية الإنتـاج، دون التمييز بينها.

  • الاستخدام الكفء للموارد الاقتصادية:

المقصود بالكفاءة في استخدام الموارد أمران، إما أن ننتج اكبر كمية ممكنه من السلع والخدمات بكمية محددة من عناصر الإنتاج أو ننتج كمية معينة من السلع والخدمات باستخدام أقل كمية ممكنه من عناصر الإنتاج. والعقود المطبقة في البنوك الإسلامية تسهم بشكل كبير في تحقيق هذه الكفاءة. ومما يكفل الاستخدام الكفء للموارد الاقتصادية، تطبيق شروط العقود، ومنها استبعاد النجس وما لا منفعة فيه من السلع، وتحريم بعض المهن غير المنتجة، مثل الكهانة، والتركيز على العقود التي تسهم في الإنتاج الحقيقي.

  • المساهمة في معالجة مشكلة البطالة:

إن الفئات القادرة على العمل والباحثة عنه في حاجة ماسة للأمن بشكل عام، والأمن الاقتصادي بشكل خاص، ويتحقق لهم ذلك من خلال الحصول على التمويل بالصيغ الإسلامية وبدأ الأنشطة الاقتصادية مما يعنى التخلص من مشكلة البطالة من جهة والحصول على دخل مما يعنى انحسار الفقر. وينبغي أن نعي أن قطاع التمويل الإسلامي هو وسيلة لمزاولة الأعمال بما يتوافق مع أحكام الشريعة، فهو بديل أخلاقي للاستثمار يتمتع بالنزاهة، والمسؤولية الاجتماعية، أضف إلى ذلك أنها وسيلة تساهم في تنويع محافظ المستثمرين، الشيء الذي يجعلهم يطمئنون أكثر على أموالهم، ويدفعهم لتنويع الاستثمارات.

  • المساهمة في استقرار متوسط دخل الفرد:

تعمد المصارف الإسلامية إلى استقرار وتحسين دخل الفرد عن طريق استثمار الأموال في الصالح العام؛ “مما يترب عليه كثرة الإنتاج، وبذلك تقـلّ نسبة البطالة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يتحقق لدينا زيادة دخل الفرد فيعود ذلك على ارتفاع نسبة الأموال في مورد الزكاة، فضلا عن أن عقيدة الفرد الإسلامية تزيد تقواه وتجعله حريصا على ذل القربات، وذلك عن طريق الصدقات”[13].

  • المساهمة في استقرار السوق:

اعتبارا لأهمية السوق النقدية، حيث تحتل الأسواق النقدية أهمية كبيرة خاصة في الدول التي تأخذ بنظام اقتصاد السوق، يظهر جليا ضرورة تنظيم العقود ومراعاة العوامل المؤدية إلى استقرار السوق، ومنها: تحريم الغش بأنواعه، ودقة الكيل والميزان، والعلم التام بالعقود وحيثياتها، وإظهار عيوب السلعة، ومنع النقود المزيفة، وتوافر الخيار بأنواعه. ثم تفعيل دور المحتسب في تنظيم السوق.

إضافة إلى ذلك، لابد من دراسة الأسواق ودرجة نموها وتطورها ودرجة نمو وتطور النظام المصرفي عموما و السياسة الائتمانية بشكل خاص.

  • ضمان حرية السوق:

المقصود بتحرير الأسواق عند أهل الاختصاص؛ تقليص الدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد وقد وضعت منظمات التمويل الرأسمالية الدولية برامج لتحقيق ذلك عرفت ببرامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي.

ومن الشروط المحيطة بالعقود التي تهدف إلى ضمان حرية السوق؛ النهي عن الاحتكار، والنهي عن تلقي الركبان، مما يؤدي إلى زادة المنافسة في السوق، وتعدد عدد التجار. والنهي عن التسعير الجبري للسلع –محل العقود- مما يساعد على تحديد السعر الذي يسـاوي بين العرض والطلب في الأسواق، ويحول دون وقوع ظلم بين أي من المتعاقدين. كل ذلك يؤدي إلى تخفيض السعر بالنسبة للمستهلك، حيث يسود الحجم الأمل للإنتاج، والسعر الأمثل، ويؤدي أيضا إلى الجود والإتقان المستمر للسلـع.

  • المساهمة في معالجة مشكل الهجرة والنزوح:

من أهم أسباب النزوح والهجرة من الأرياف ضعف التمويل الفلاحي والزراعي اللازمين للاستقرار في الريف، وفي ظل أحكام الشريعة الإسلامية يمكن للبنوك الإسلامية عموما وبنوك التنمية الزراعية خاصة مزاولة نشاطها التمويلي من خلال استخدام الصيغ الإسلامية المعروف كاستخدام نظام المرابحة بدلاً من نظام الفائدة المحرمة حيث يقوم البنك في هذه الحالة بشراء مستلزمات الإنتاج كالأسمدة والبذور وغيرها ثم يعيد بيعها للمزارع على أن يسدد قيمتها في نهاية الموسم وكاستخدام نظام التأجير المنتهي بالتمليك للآلات والمعدات الزراعية وأجهزة الري وغيرها من الآلات الزراعية نظير أجر سنوي مع تسديد جزء من قيمة العين المؤجرة حتى يتم تسديد القيمة كاملة ومن ثم تنتقل الملكية إلى المستفيد[14].

بقيت الإشارة إلى أن مع الحرص على الكفاءة الاقتصادية لابد من اعتبار التكاليف الاجتماعية، وينبغي الحرص على التوظيف الكامل للموارد؛ باستخدام جميع الموارد المتاحة بالمجتمع بالكامل وعدم تعطيل أي جزء منه، مع مراعاة التكاليف الاجتماعية.

المبحث الثـالث: المرونة في توظيف العقود ومزايا البنوك الإسلامية؛

الفرع الأول: المرونة في توظيف العقود:

إذا كانت الحكمة من تشريع العقود هي؛ التيسير على ‏الناس ومراعاة أحوالهم وحوائجهم، وذلك لأن أصحاب الصناعات والأعمال وكذلك ‏أصحاب الأراضي والأشجار ونحوهم، كثيراً ما يحتاجون إلى النقود من أجل تأمين السلع ‏الأولية لمنتجاتهم، أو تهيئة الآلات والأدوات لمصانعهم، وكذلك الزراع الذين يحتاجون إلى نقود ‏من أجل رعاية أراضيهم، فإن البنوك الإسلامية مطالبة بمراعاة اليسر والمرونة التي تميز الشريعة الإسلامية، كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (إن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق، رعاية لظروفهم، وما غلب على أكثرهم من رقة الدين، وضعف اليقين، وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم، والمعوقات عن الخير، ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع، على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول)[15].

ومن خلال مرونة العقود فإن البنوك الإسلامية تساهم في حماية أصحاب الدخول المحدودة على شكل مساعدات مالية كالضمان الاجتماعي وكذلك توفير الرعاية التعليمية والصحية، وتساهم أيضا في تنمية مناطق الفقراء من خلال إقامة مشروعات للبنية الأساسية توفر لهم المعيشة بصورة كريمة.

الفرع الثاني: مزايا البنوك الإسلامية؛

تتميز البنوك الإسلامية بتقديم مجموعة من الأنشطة لا تقدمها المصارف التقليدية؛ من قبيل تنمية القرض الحسن، والمساهمة في تنظيم صندوق الزكاة؛ لجمعها واستثمارها وتوزيعها.

وتسعي البنوك الإسلامية لإيجاد الصيغ الاستثمارية الإسلامية التي يتمكن من خلالها من تمويل المشروعات الاستثمارية المختلفة بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. كما تعمل على ابتكار وتطوير الخدمات المصرفية، وتقديم العديد من التسهيلات للعملاء و”تعمل البنوك الإسلامية بشكل مستمر على استحداث أدوات بنكية إسلامية جديدة سواء في مجالات الموارد والودائع أو مجالات التوظيف والائتمان أو الاستثمار وبالشكل الذي يغطي احتياجات الأفراد و يتوافق مع متطلبات ومتغيرات العصر”[16]. ولكي تؤدي البنوك الإسلامية دورها هذا لابد من مساعدتها على تخطيط السياسة المالية من أجل تحقيق الأمن الاقتصادي الذي تطمح إليه؛ يقول الدكتور سيد شوربحي عبد المولى: )كما لتخطيط السياسة المالية دور في الحد من مشكلة التهريب الضريبي والقضاء على البطالة وحسن استخدام وتوجيه الإنفاق العام ومعالجة مشكل الفقر.)[17]

وتعتبر ثقة المودعين في المصرف؛ أهم عوامل نجاح البنوك الإسلامية، ومن أهم عوامل الثقة في البنوك توافر سيولة نقدية دائمة لمواجهة احتمالات السحب من ودائع العملاء خصوصا الودائع تحت الطلب دون الحاجة إلى تسييل أصول ثابتة. وتستخدم السيولة النقدية في البنوك في الوفاء باحتياجات سحب الودائع الجارية من ناحية واحتياجات البنك من المصروفات التشغيلية بالإضافة إلي توفير التمويل اللازم للمستثمرين.

ومن أهم مزايا البنوك الإسلامية؛ أنها تراعي مستويات المعيشة والمتغيرات، كما يقول الدكتور منصور التركي: (ومن مزايا النظرة الإسلامية لرأس المال أنها أكثر واقعية لأن إنتاجية رأس المال المعرضة للتغيير ترتبط فيها بواقع الإنتاج، الذي يفترض بأنه متحرك في الإطار الديناميكي للنمو ومراعاة جميع المتغيرات المؤثرة للسكان وعاداتهم وأذواقهم، ومستويات معيشتهم والاختراعات)[18].

الفرع الثالث: الدور التنموي للبنوك الإسلامية؛

يظهر دورها التنموي فيما يلي:

  • تحقيق معدل نمو:  تنشأ المؤسسات المالية بصفة عامة، وخصوصا البنوك، بهدف الاستثمار؛ حيث تمثل عماد الاقتصاد لأي دولة، وحتى تستمر البنوك الإسلامية في السوق المصرفية لابد أن تضع في اعتبارها تحقيق معدل نمو , وذلك حتى يمكنها الاستمرار والمنافسة في الأسواق المصرفية .
  • تحويل الأموال المجمدة إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية تعود على المجتمع بفوائد عديدة من خلال تمويل قطاع الصناعات الصغيرة الذي يؤدي إلي المساهمة المباشرة في حل مشكلات الاقتصاد وذلك بزيادة الدخل وتقليل معدلات البطالة والمساهمة في تخيف حدة الضغط على ميزان المدفوعات وتنشيط الاستهلاك الكلي المحفز للاستثمار.
  • الوسيط المالي: تقوم البنوك الإسلامية بدور الوساطة بين المودعين الذين يشكلون جانب عرض الأموال في النظام المصرفي والمقترضين الذين يشكلون جانب الطلب على هذه الأموال، يمثل النظام المصرفي ميكانيكية هامة لجمع وحشد المدخرات الوطنية وتحويلها إلى استثمارات في الآلات والمعدات والأبنية والبنية التحتية والبضائع والخدمات إلى جانب عملها على جذب الاستثمارات الأجنبية وتوجيهها لتمويل المشاريع الأكثر كفاءة وإنتاجية وربحية.  وقد ساعد هذا الدور المهم على فصل قرار الادخار عن قرار الاستثمار على المستوى الجزئي.
  • تنمية الموارد البشرية: تعد الموارد البشرية العنصر الرئيسي لعملية تحقيق الأرباح في المصارف بصفة عامة، حيث أن الأموال لا تدر عائدا بنفسها دون استثمار، وحتى يحقق المصرف الإسلامي ذلك لابد من توافر العنصر البشري القادر علي استثمار هذه الأموال، ولابد أن تتوافر لديه الخبرة المصرفية ولا يتأتي ذلك إلا من خلال العمل علي تنمية مهارات أداء العنصر البشري بالمصارف الإسلامية عن طريق التدريب للوصول إلي أفضل مستوي أداء في العمل .
  • تحويل الاستحقاق، حيث يتم تحويل ودائع العملاء قصيرة الأجل إلى قروض طويلة الأجل، موفقة بذلك بين رغبات المدخرين في حق سحب ودائعهم عند الحاجة إليها، ورغبات المقترضين في أن يحصلوا على قروض تتزامن مواعيد ردها ومواعيد تحقق العوائد من المشروع الممول.
  • تسعير المنتجات المصرفية: تلعب المصارف دورا أكثر مسؤولية وأهمية في مجالات الإصـلاح والتحول الاقتصادي، ويشمل ذلك التسعير الدقيق للمنتجات المصرفية والتوسع في منح القروض طويلة الأجل.

ولكي تتمكن البنوك الإسلامية من الحفاظ على وجودها بكفاءة وفعالية في السوق المصرفية لابد لها من مواكبة التطور المصرفي ولذلك فإنها تسعى إلى ابتكار صيغ للتمويل حتى يستطيع المصرف الإسلامي مواجهة المنافسة في اجتذاب المستثمرين، والاستمرار في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.

مقتطف من كتاب:
“العقود والصيغ البديلة في البنوك الإسلامية”
للدكتور أحمد الإدريسي
رابط التحميل:
https://www.islamanar.com/contrats-et-formules-alternatives/


[1] – المائدة : 1.

[2] – ابن منظور، لسان العرب، (دار صادر بيروت، الطبعة السابعة 1417-1997). 3/296.

والــفيروز أبادي، القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي. (دار الفكر،

طبعة:1425-2005). الصفحة: 300.

[3] – ابن فارس، أبو الحسين أحمد،  معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، (دار

الجيل في لبنان ، طبعة: 1420هـ). ج: 4 / ص: 86.

[4] – مجلة الأحكام العدلية، (الناشر: محمد نو). الصفحة: 29.

[5] – د.محمود، عبد الرحمان عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، (دار الفضيلة للنشر

والتوزيع والتصدير). ج: 2 / ص: 517. وينظر؛ نزـيه حمـاد، معجم المصطلحات المالية

والاقتصادية في لغة الفقهاء، (دار القلم-دمشق، والدار الشامية-بيروت، الطبعة الأولى: 1429هـ-

2008م). الصفحة: 327.

[6] – المائدة:1.

[7] – الإمام القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق سالم مصطفى البدري، (دار الكتب العلمية

بيروت، الطبعة الأولى 1420-2000). ج: 6/ ص:32.

[8] – الإمام ابن العربي، أبو بكر، أحكام القرآن. (طبعة: دار الفكر بيروت، دون تاريخ).

ج: 2/ ص:5-11.

[9] – ينظر كتب القواعد الفقهية، ومنها:

– الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى، إيـضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، تحقيق أحمد بوطاهر الخطابي.

– الأستاذ الندوي، علي أحمد، القواعـد الفقهية. (دار القلم، دمشق، الطبعة العاشرة: 1432هـ-2011م).

– الشيخ الزرقا، أحمد، شرح القواعد الفقهية. (دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية: 1409-1989).

[10] – الإمام الشاطبي، الموافقات في أصول الأحكام، تحقيق الشيخ عبد الله دراز، (دار الكتب العلمية،

بيروت). ج: 2/ ص: 327.

[11] – الدكتور الغريب ناصر، ضوابط التمويل المصرفي، (وقد فصل هذه الضوابط فأجاد وأفاد، في مجلة

الفرقان، العدد 43، 1420هـ2000م، وهو عدد خاص بالتطبيقات الاقتصادية الإسلامية المعاصرة)

[12] – الدكتور شوربحي، سيد عبد المولى، الفكر الاقتصادي الإسلامي ومكافحة جرائم النمو الاقتصادي،

(دار النشر: المركز العربي للدراسات الأمينة والتدريب بالرياض، طبعة 1412هـ 1991م).

الصفحة:159.

[13] – روضة، محمد بن ياسين، منهج الإسلام في حماية المجتمع من الجريمة، (نشر بالمركز العربي

للدراسات الأمنية والتدريب – الرياض، طبعة:1413هـ). ج: 2 / ص: 197.

[14]– البنك الإسلامي للتنمية، جهود البنك الإسلامي للتنمية في مجال تمويل القطاع الزراعي، ورقة عمل مقدمة للندوة القومية للتمويل والائتمان الزراعي في الوطن العربي, 1986، الناشر المنظمة العربية ضمن مجموعة أوراق الندوة، الصفحة: 150.

[15] – الدكتور يوسف القرضاوي، “الإجارة المنتهية بالتمليك كما تجريها المصارف الإسلامية”، (مكتبة

وهبة، الطبعة الثالثة: 1415هـ-1995م). الصفحة: 22.

[16] – الخضيري، أحمد محسن، “مقدمة في فكر واقتصاد وإدارة عصر اللادولة”، (مجموعة النيل العربية،

القاهرة، الطبعة الأولى، 2000م). الصفحة: 39.

[17] – شوربحي، سيد عبد المولى، “الفكر الاقتصادي الإسلامي ومكافحة جزائم النمو الاقتصادي”،

(مرجع سابق). الصفحة:196.

[18] – التركي، منصور، “الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق”، (المكتب المصري الحديث، طبعة

1976م). الصفحة: 141،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.