منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أصول التمويل الإسلامي

أصول التمويل الإسلامي/ أحمد بلمختار

0

أصول التمويل الإسلامي
ذ. أحمد بلمختار

 

مما تناوله الكاتب سامي بن إبراهيم السويلم في بحثه ” مدخل إلى أصول التمويل الإسلامي ” في حديثه عن أصول التمويل الإسلامي الربحي والغير الربحي، عرضه لتكامل بناء التمويل الإسلامي وتناسقه وترابط أجزائه، وتبيينه لحكمة الشريعة الإسلامية كما وصفها ابن القيم رحمه الله تعالى.

النشاط الغير الربحي:

نستشف أنه لا يمكن فهم نظرية التمويل الإسلامي إلا بدراسة جانبي النشاط الاقتصادي الربحي وغير الربحي، وفيما يلي مناقشة مختصرة لأصول النشاط غير الربحي وعلى رأسها الزكاة وعلاقتها بالنشاط الاقتصادي.

العلاقة بين الصدقة والربا:

قارن القرآن الكريم بين الربا والصدقة في قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}[1] وفي قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ}[2].

فالزكاة والصدقات وسائر أعمال البر المعروفة تؤدي وظيفة جوهرية في اشتمال الربا ومكافحها، ولهذا كان لحكمة التشريع أن نزل الأمر بالزكاة والصدقات قبل تحريم الربا بمدة طويلة، حيث تأخر النص الصريح بتحريم الربا إلى غيره في السنة الثالثة للهجرة. أما النصوص الآمرة بالبر والمعروف والإحسان فكانت تتوالى منذ بدء البعثة.

وحكمة تقديم الأمر بالزكاة والمعروف على تحريم الربا، تظهر من خلال فهم مشكلة الربا وأسباب وجوده، فالربا ينشأ في جهتين: حاجة المقترض وشح المقرض، فالحاجة من جهة الطلب، والشح من جهة العرض. فجاءت نصوص الشرع الحكيم بمعالجة الأمرين من خلال الأمر بالزكاة؛ والصدقات، و العطف؛ على المساكين و اليتيم؛ و نحوها من صور التكافل الاجتماعي. فهذه الأعمال تغني المحتاج أو تخفف من عوزه، و في الوقت نفسه تربي صاحب المال على السخاء و البذل، و تستل جذور الشح و البخل من قلبه، و بذلك تعمل على استئصال الربا من جهتين وهذا بطبيعة الحال يأخذ وقتا ولا يتم بين عشية و ضحاها، و لهذا تأخر تحريم الربا الصريح إلى ما بعد الهجرة ولما نزلت آية تحريم الربا كانت البيئة النفسية و الاجتماعية مهيئة و جاهزة لاستقبال الحكم و امتثاله على أكمل وجه.

اتساع دائرة النشاط غير الربحي:

تعكس فريضة الزكاة أهمية النشاط غير الربحي في الاقتصاد الإسلامي فالزكاة ركن من أركان الإسلام وتمثل أساس الأنشطة غير الربحية في الاقتصاد الإسلامي، فالزكاة فرض عين لكنها ليست الفريضة الوحيدة في الأعمال غير الربحية، فأعمال البر والمعروف الأخرى كإطعام الجائع وفك الأسير والمواساة في حالة العسرة فرض كفاية بإجماع العلماء.

ومعنى كونها فرض على الكفاية أنه إذا قام بها من يكفي في المجتمع سقطت عن الباقين، وإلا أثم الجميع فهي حاجب عن المجموع وإن لم تكن فرض عين على كل، ويدل على ذلك قوله تعالى: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم. وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين}[3]، وقوله سبحانه وتعالى: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين}[4]، حيث أنكر على المشركين عدم تعاونهم على أعمال المعروف والتكافل الاجتماعي، فدل على وجوب التعاون على ذلك، وهذا هو معنى فرض الكفاية.  وهو داخل في عموم قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى}[5].

ولا ريب أن القرض الحسن يدخل في أعمال المعروف بل هو أولى، لأن المقرض يستعد أمواله أما في الأعمال الأخرى فالمنفق لا يسترد شيئا، فيكون وجوبه على الكفاية آكد وأظهر، القرض الحسن أو المجاني قد يكون مستحبا في حق الفرد لكنه واجب في حق المجموع، وهذا مما يؤكد التوازن في الاقتصاد الإسلامي بين التمويل الربحي وغير الربحي.

العلاقة بين التمويل الربحي وغير الربحي:

لا يمكن للاقتصاد أن يزدهر في السوق لوحده، ولا بالأنشطة غير الربحية وحدها بل لابد من القطاعين معا لكي ينمو الاقتصاد ويحقق الرخاء للمجتمع، فهما له كالجناحين للطائر لا يستغنى بأحدهما عن الآخر

فالسوق والأنشطة الربحية ضرورية لتوليد الثروة، بينما الأنشطة والمؤسسات غير الربحية ضرورية لإعادة توزيع الثروة على نحو أكثر عدالة وحفظ واستقرار للمجتمع من خلال بناء شبكة أمان تقيه من شر الدورات الاقتصادية واضطرابات الأسواق، وتحافظ على توازن العرض والطلب وعلى الناتج الاقتصادي

ومن حيث الواقع والتاريخ لا يوجد اقتصاد قائم على الأنشطة الربحية أو السوق وحدها، ولا اقتصاد قائم على الأنشطة غير الربحية وحدها، لقد كانت الرأسمالية في وقت من الأوقات قيل في الثلاثينيات تميل إلى تقليب السوق والنشاط الربحي فأخفقت آنذاك كما أخفقت اليوم، وحاولت الاشتراكية تغليب النشاط غير الربحي فأخفقت بانهيار الاتحاد السوفياتي فلا مفر من حيث الواقع من وجود القطاعين جنبا لجنب فما الذي يضيفه الاقتصاد الاسلامي إذن؟

الاقتصاد الإسلامي يحدد العلاقة بوضوح بين القطاعين، فهو يحدد متى تنتهي الأنشطة الربحية ومتى تبدأ الأنشطة غير الربحية فالقرض مثلا نشاط غير ربحي ولا يجوز أن يتحول إلى نشاط ربحي لأن هذا هو الربا وكذلك الضمان والكفالة كما أن الزكاة فرض وركن غير ربحي وبقية أعمال المعروف فرض على كفاية كما سبق ، وفي المقابل فإن الشرع يؤكد على فضيلة العمل الشريف لكسب القوت ، وليس أن يكون المرء عالة على الآخرين فالزكاة لا تعطى لغني ولا لمرء سوي كما جاء في الحديث الشريف : فمصدر قوت الإنسان وعيشه يجب أن يكون من خلال الكسب والسوق وليس من خلال التبرعات والصدقات إلا عند العجز.

فهناك 5 أنشطة غير ربحية لا يجوز أن تتحول إلى أنشطة ربحية، فالاقتصاد الإسلامي إذن يقدم الحدود الفاصلة بين القطاع الربحي وغير الربحي وإن كان ذلك لا يمنع أن تكون هناك مناطق “رمادية” إن صح التعبير تخضع للاجتهاد البشري لكن الحدود الأساسية صريحة، وواضحة وأغلبها محل اجماع.

وبهذا التحديد للعلاقة بين القطاعين ينجح الاقتصاد الإسلامي في أن يجنب البشرية التخبط عبر التاريخ من الرأسمالية المتوحشة والاشتراكية الكاسرة إلى الرأسمالية مرة أخرى وهكذا، وهذا التخبط يكلف البشرية الكثير سواء اقتصاديا أو اجتماعيا أكثر هو لا يعلن أن يقف على خدلان العقل البشري قاصر ولا يستطيع أن يصل إلى الحدود الفاصلة بين الأمرين بما يحقق الحد الأدنى من الاستقرار في المجتمعات الإنسانية.

البحث عن السعادة:

النشاط غير الربحي يؤدي وظيفة حيوية في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه كل إنسان وهو السعادة. حيث تشير عدة دراسات إلى أن السعادة تزيد مع مستوى الدخل ولكن الى حد معين، بعد ذلك لا تبدو السعادة مرتبطة ايجابيا، فالدخل يمكن أن يزيد بنسب ملحوظة بينما تبقى السعادة دون ازدياد وهناك أكثر من تفسير لهذه الظاهرة ، أحدهما أن الزيادة في الدخل يرافقها في البداية زيادة في مستوى السعادة لكن بعد الاعتناء على مستوى المعيشة الجديدة تعود السعادة إلى مستواها السابق فهي زيادة مؤقتة فحسب، يضاف الى ذلك أن بعد اشباع الحاجات الإنسانية يبدأ المرء يقارن نفسه بالآخرين ويقيس سعادته بنسبة تفوقه عليهم فلو زاد دخله بنسبة 10% بينما يجد دخل أقرانه زاد بنسبة 20% مثلا، فسيتراجع مستوى سعادته بالرغم من زيادة دخله.

ولكن هذه العقبة يمكن تجاوزها من خلال النشاط غير الربحي، فالعطاء له لذة يدركها كل من يمارسه، من خلال العطاء يتحقق استمرار الزيادة في مستوى السعادة بعد اشباع الحاجات الأساسية. ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ” [رواه البخاري 1361] و [مسلم 1716]

فالوقت الأمثل للعطاء والبذل يكون بعد تحقيق الغنى وهو اشباع الحاجات الأساسية، كما أن العطاء يخفف من مشكلة الاعتياد التي سبقت الاشارة إليها، لأنه يحول جزء من الدخل والثروة للمحتاجين ما يرفع من المنفعة المادية للدخل والأهم ربما هو أن العطاء يحول انتباه المرء من المقارنة بالآخرين إلى ما هو دونه من المحتاجين ما يجعل المرء يستشعر فضل الله عليه، ويعزز من ثم مستوى السعادة لديه، كما قال عليه الصلاة والسلام ” انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” [ رواه مسلم ،2963].


[1]  البقرة: 267

[2]  الروم: 39

[3] الفجر: 17/18

[4]  الحاقة: 33/34

[5]  المائدة: 02

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.