منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التمويل الإسلامي: مفهومه، وظيفته، صيغه

د. محمد جعواني / التمويل الإسلامي: مفهومه، وظيفته، صيغه

0

التمويل الإسلامي: مفهومه، وظيفته، صيغه

د. محمد جعواني

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

أولا: مفهوم التمويل الإسلامي

يقصد بالتمويل الإسلامي تقديم ثروة عيـنية أو نقدية، بقصد الاسترباح من مالكها إلى شخص آخر يديـرها ويتصرف فيها لقاء عائد تبيحه أحكام الشريعة الإسلامية.[1]

المزيد من المشاركات
1 من 18

والمال هو شريان الحياة الاقتصادية وعصبها، وبه قوامها وازدهارها، وبغيابه تتوقف معظم النشاطات وتنهار. وفي كتاب الله تعالى:﴿ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قِيَمًا﴾[النساء،5]وقرأ عاصم -رحمه الله- ﴿قياما﴾ قال ابن كثيـر -رحمه الله-: «قياما، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيـرها»[2]

فالتمويل وضعٌ للمال رهن الاستعمال في النشاط الاقتصادي النافع المثمر واستخدام له في المسار الصحيح، رجاء تحقيق وظائفه النبيلة.

ثانيا: وظيفة التمويل الإسلامي

إن من أهم خصائص «الاقتصاد الإسلامي» خاصية الواقعية، حيث يُعنى بالأنشطة الحقيقة التي تثمر قيمة مضافة في واقع الناس وحياتهم، ويـنأى بنفسه عن المعاملات الافتراضية الوهمية في عالم أسواق المال والأعمال، وما يـنتج عن ذلك من «مضاربات» مقيتة مهلكة للحرث والنسل.

وشاءت حكمة الله سبحانه أن يتفاوت الناس في العطاء والأرزاق، ابتلاء لهم وتحقيقا لمقصد «التسخيـر». ﴿ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾[الزخرف، 32]

فقد يوجد المال وتغيب الخبرة، وقد توجد الخبرة والدراية ويغيب المال، وقد يوجدان معا وتُفقَد القدرة…

ونظرا لذلك، وسعيا لتحقيق «التسخيـر» خلُص أهل الحكمة إلى ضرورة إيجاد «آلية للوساطة»، وساطة بيـن المال الفائض والعمل المتوقف على التمويل، وهي فكرة سديدة تعكس صورة من التعاون والتآزر بيـن فئات المجتمع، كما تسعى إلى تحقيق الوظائف الأساسية للمال في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للأفراد والجماعات.

ثم ازدادت الحاجة إلى تلك «الوساطة» مع تعقد الحياة الاقتصادية، وتطور الأنشطة الاستثمارية، وفقدان عنصر «الثقة» نتيجة التحولات الاجتماعية الكبرى -الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق السوق العالمي- الذي قلّل من جريان رأس المال «الجبان بطبعه» في الأنشطة الاقتصادية النافعة.[3]

ولم تكن تلك «الآلية» التي تعنى بالوساطة بيـن المال والعمل، بيـن رب المال والمستثمر، إلا «البنوك».

فوظيفة التمويل والهدف الأساس منه هو تسهيل المبادلات والأنشطة الحقيقية التي تولد القيمة المضافة للنشاط الاقتصادي.

وإنما تنشأ الحاجة للتمويل إذا وجدت مبادلة نافعة لكنها متوقفة بسبب غياب المال اللازم لإتمامها، فهو بذلك يحقق قيمة مضافة للاقتصاد، لأنه يسمح بإتمام نشاط حقيقي نافع لم يكن من الممكن إتمامه لولا وجود التمويل. وبالتالي يسهم في تنمية الثـروة وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود.

وبناء على هذا الأساس النظري نجد أن جميع صيغ التمويل في الشريعة الإسلامية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالنشاط الاقتصادي الحقيقي. فعقود المعاوضات من بيع وسلم وإجارة ومشاركة ومضاربة…كلها صيغ تمويلية مرتبطة بالنشاط الحقيقي وهذا يتفق مع طبيعة التمويل ووظيفته التي سبقت الإشارة إليها.

عائد التمويل الإسلامي

في مقابل الوظيفة الحيوية التي يحققها التمويل في الحياة الاقتصادية استحق عائدًا مشروعا يـنبع من القيمة المضافة التي يحققها، إذ بدون هذه القيمة المضافة سيصبح هذا العائد تكلفة محضة وخسارة على النشاط الاقتصادي.

فلا وجود لتمويل منفصل عن النشاط الفعلي الحقيقي، ولا «شرعية» لعائد التمويل ما لم يكن خادما للنشاط الاقتصادي.

وهنا بيت القصيد في تحريم الربا والقروض الربوية.

فالعائد «المشروع» لا يمكن إلا أن يكون «ربحا» أو «أجرا» أو»جُعْلا».

فالربح طريقه الاستثمار – المباشر أو بالإنابة (المضاربة) – المبني على المخاطرة وتحمل الضمان، فـ»الخراج بالضمان» و»الغُنم بالغُرم».

والأجر طريقه العمل النافع والخدمة المشروعة المحددة.

والجعل طريقه إنجاز العمل المجاعل عليه وتحققه كما شرطه المجاعِل.

أما العائد (الفائدة) في القرض فلم يُشرع لكون المال لم يـرتبط بعمل، ولأن الضمان قد انتقل من المقرض إلى المقترض. وبالتالي خلا القرض من مسوغات التربح المشروع.

فالأصل في القرض أنه تبـرع وإحسان ابتغاء وجه الله، وليس معاوضة للتربح المادي.

ولا يمانع القطاع البنكي الربوي من فصل التمويل عن النشاط الاقتصادي حيث يصبح التمويل في حدّ ذاته نشاطا ربحيا دون أن يكون له ارتباط بالتبادل الحقيقي أو يكون خادما ومولدا لنشاط اقتصادي فعلي، وعليه يُرَتب للقرض عائدا لمجرد التمويل دون اعتبار للقيمة المضافة المفروض تحققها من كل تمويل.

هذا الوضع المعكوس للتمويل يؤدي إلى فصل معدل نمو المديونية عن معدل نمو الناتج الحقيقي، فتزداد المديونية بدرجة أسرع من نمو الاقتصاد الحقيقي.

وبالتالي يصبح العائد (الفائدة الربوية) عبئا ثقيلا على الدخل القومي وعلى التنمية الشاملة.[4]

وبدل أن يكون التمويل عاملا إيجابيا في النشاط الاقتصادي أصبح عامل هدم. وبدلا من أن يكون خادما للنشاط الاقتصادي أصبح النشاط الاقتصادي خادما للتمويل.[5]

ثالثا: صيغ التمويل الإسلامي

إذا كان التمويل الربوي لا يعرف إلا صيغة واحدة ووحيدة هي القرض بالفائدة فإن التمويل الإسلامي يتميز بصيغه الكثيـرة والمتنوعة التي تناسب مختلف القطاعات الاقتصادية -الزراعية والصناعية والتجارية والخدماتية- والتي تلبي ظروف وحاجيات الراغبيـن في التمويل.

وإن نظرة فاحصة لعقود المعاوضات والمشاركات في الفقه الإسلامي تجعل صاحبها يقف على تلك الغزارة وذلك التنوع في الصيغ التي يقدمها الفقه الإسلامي في مجال التمويل.

ومن أهم تلك الصيغ التمويلية نذكر: المشاركة، والمرابحة، والإجارة، والمضاربة والسلم، والاستصناع، والبيع الآجل(البيع بالتقسيط)، والمساقاة، والمغارسة والقرض الحسن.

وسنتناول في الفصل الثاني من هذا السّفر بالدراسة الفقهية التأصيلية أهم تلك الصيغ التمويلية التي اعتمدتها البنوك التشاركية والمتمثلة في المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة والسَّلم.

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي..

إصدار جديد: “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية. دراسة فقهية تأصيلية” للدكتور محمد جعواني

 


 

[1]–  منذر قحف، مفهوم التمويل الإسلامي في الاقتصاد الإسلامي ص 12

[2]–  ابن كثيـر، إسماعيل بن عمر بن كثيـر، تفسيـر القرآن العظيم، 2/214، تحقيق سامي بن محمد السلامة، الناشر دار طيبة، ط2، 1420هـ – 1999م

[3]–  انظر: جمال الديـن عطية، البنوك الإسلامية ص80‑81 بتصرف. كتاب الأمة، العدد 13 الطبعة الأولى، صفر الخيـر 1407ه

[4]–  يتوقع الخبراء أن ترتفع فوائد الديون الخارجية المستحقة على حكومات الدول النامية خلال العاميـن 2020 و2021 إلى ما يتراوح بيـن 2.6 تريليون و3.4 تريليون دولار.

[5]–  انظر: سامي السويلم، مقالات في التمويل الإسلامي ص 2‑ 3

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.