منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الفضائل في فكر الصوفي الإسلامي

 الفضائل في الفكر الصوفي الإسلامي/  الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

 الفضائل في الفكر الصوفي الإسلامي

 الدكتور عبد اللطيف بن رحو

جامعة محمد الأول وجدة

 

ملخص البحث

إن الإسلام دعا إلى تأْسِيسِ مجتمع تقتضي طبيعته ورسالته إلى البشرية أن يكون مجتمعا نموذجياً، وقوياً، ومُنْسَجِماً، وفاعِلاً. وإذا كانت المناسبةُ شَرْطاً وكَانَتْ إِطاراً يمنحُ الموْضُوعَ أهميةً خاصةً، وقيمةً مُضافةً فإن الموضوع الذي تَنَاوَلْتُهُ يَكْتَسِبُ تلك الأهمية والجدوى، من كونه يأتي في سياق التحلي بالفضائل الحسنة النابعة من مكتسبات الدين الحنيف، ومن اللطائف البديعة أن يجمع المسلم بين الفضائل والمقامات التي لا تشوبها الشوائب.

وجاء هذا البحث ليتحدث عن تزكية النفس وتطهير النفس من الدنس وتوصيل الإنسان إلى نيل الدرجات العلا، وأخذ رضى التمام والكمال.

وإن كنت ربطت هذا النوع من التربية بالتصوف لأن الكثير ممن اتصفوا به كانوا من المتصوفة المتفردة من نوعها وقياسا على ما نعلمه من محطات وأبعاد في حياتهم الخاصة والتي حكتها العامة.

الكلمات المفتاحية: التربية الإسلامية-التصوف-الفضائل.

 

Islam called for the establishment of a model and strong society.

A muslim must have the good virtues ; so this research talk about purification of the self ; to get higher grades of satisfaction,and if associate these qualities with mysticism ;cause many personne ho had thoose virtues was from mystics .

Key words :

Islamic education

Mysticism

virtues

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأعز من شاء ونصر، ورفع أقواما وخفض أقواما، فسبحانه الذي لا يرى بالبصر ويستدل عليه بالآيات والعبر وخلق كل شيء بقدر. والصلاة والسلام الأتمان الأنوران الأكملان الأزهران الأعتران المشرقان المضيئان على ولد عدنان سيدنا محمد ﷺ وعلى صحابته أجمعين ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد..

فلعل الإسلام هو الدين الوحيد، من بين الديانات السماوية والوضعية، الذي ينظر إلى الحياة نظرة واقعية، ويضع الإنسان في مكانه الواقعي في الحياة. فالحياة في الإسلام وجدت لتعيشها الكائنات في طبيعتها المنسجمة. والكائنات وجدت لتعيش بطبيعتها الحياة كما هي. ومن هناك كان الانسجام الكامل بين الحياة والكائنات الحية، وكان التجاوب الكبير الذي يؤكده عظمة الله الذي أوجد الحياة وأوجد الكائنات التي تعيشها فمن هذا المنطلق كانت التربية الإسلامية هي التنظيم النفسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام، وتطبيقه كليا في حياة الفرد والجماعة. فالتربية الإسلامية ضرورية لتحقيق الإسلام كما أراده الله أن يتحقق.

أصبح من المسلم به أن التربية هي أخطر قضايا العصر، باهتمام المفكرين وعلماء التربية والاجتماع، لما للتربية من أثر بالغ في حياة الشعوب ونهضتها والمتدبر في تعاليم الإسلام يجد كنزا ثمينا من التوجيهات التربوية والتعليمية، لا نجدها لدى الآخرين منذ خلق الله الأرض وملا عليها ولا سيما حينما نتأمل القصص القرآنية وأسلوب الأمر والنهي وأساليب الشرط والاستفهام والبلاغة الدقيقة في التعبير عن كيفية معالجة الأمور، حتى أن الباحث في ديننا الحنيف والدارس المتعمق في نصوصه وأحكامه ليعج من احتوائه على كل أصل من أصول الحياة. ومن العجيب أن يكون لدينا هذا الزاد الذي لا ينفد من أنظمة وقوانین وتربية وآداب قد احتواها القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف الذي يعتبر مرجعا أساسيا لتربية الإسلامية. فالإسلام شريعة الله للبشر أنزلها لهم ليحققوا عبادته في الأرض، وإن العمل بهذه الشريعة يقتضي تطوير الإنسان وتهذيبه، حتى يصلح لحمل هذه الأمانة وتحقيق هذه الخلافة، وهذا التطوير والتهذيب هو التربية الإسلامية، فلا تحقيق الشريعة الإسلام إلا بتربية النفس والجيل والمجتمع، على الإيمان بالله ومراقبته والخضوع له وحده. ومن هنا كانت التربية الإسلامية فريضة في أعناق جميع الآباء والمعلمين، وأمانة يحملها الجيل للجيل الذي بعده. ويؤديها المربون للناشئين، وكان الويل لمن يخون هذه الأمانة أو ينحرف بها عن هدفها، أو يسئ تفسيرها، أو يغير محتواها.

إنها تربية الإنسان على أن يحكم شريعة الله في جميع أعماله وتصرفاته ثم لا يجد حرجا فيما حكم الله ورسوله ﷺ، بل ينقاد مطيعا لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ.

لذلك نجد الكثير من الناس في تدهور أخلاقي مستمر، لأنهم ابتعدوا عن الدين وقيمه مبادئه، في الوقت التي اعتنت فيه التربية الإسلامية بالأخلاق وجعلتها منبع كل سلوك حميد، فكثرة صور الانحرافات وتدهور الأخلاق والجرائم وغير ذلك ناجم عن فساد التربية التي لا يصلح معها تعليم وإن توهم البعض غير ذلك – لذلك يجب اعداد الإنسان ليكون عضوا نافعا ولبنة صالحة، ولا يتم هذا إلا إذا تحققت أساليب التربية الصحيحة الإسلامية. فالتربية المعاصرة التي تدور على أرض الإسلام في مجتمعنا الآن تربية غير إسلامية، إلا من رحم ربك، والدليل على ذلك أن علوم التربية أو ما يطلق عليه علوم تربوية، والتي تلقن إلينا نحن الطلبة إنما هي في الواقع مجرد نظريات أو تأملات أو آراء خاصة بأصحابها ومجتمعاتها.

ودراستها بصورتها الحالية لا تسهم في معظمها إلا في تنمية الشعور بالتبعية الثقافية، وعدم النضج الفكري الذي يمكن صاحبه من أن يكون له شخصيته التربوية المستقلة.

فالتربية الإسلامية لم تعتمد على التلقين، وإنما اعتمدت على ارتباط النظرية بالتطبيق فهي لا تعتني بالتدريب على المهن والأعمال كما فعلت التربية المصرية الفرعونية القديمة، ولا تعتني بالجسد وقوته كما فعلت التربية الروماني او لا تعتني بالعقل والفلسفة كما فعلت التربية اليونانية، ولا تعتني بالروح فتد ولكنها هي تربية متكاملة، اهتمت بالعقل والجسد والروح والتدريب المهني، فكانت بحق تربية متكاملة. فهل نظم ومناهج التربية والتعليم في وقتنا الراهن والحالي يمكن أن نعتبرها متكاملة الجوانب؟ لذلك وجب تربية السلوك أولا.

وتأتي هذه التربية عفوا بغير تكليف لأنه تنفير عن الأمر الممثل له، حيث ينتقل إلى شعورنا. وهذا الشعور قد نجده في الصوفية السنية الصحيحة التي تسير وفق مناهج القرآن الكريم والسنة النبوية، فهي تربية تهدف بالأساس إلى تربية النفس وتزكيتها، فالتربية و التزكية هي من أهم مهمات الرسل، وهي هدف للمتقين، وعليها مدرار النجاة والهلاك عند الله عز وجل، فالتربية الإسلامية هي تطهير وإصلاح للنفس من الأمراض والآفات، ويظهر آثار تلك التربية الصحيحة على السلوك، لأن تعديل السلوك بما يتناسب يعتبر سموا في الأخلاق الحميدة، والمجتمع والحياة، وهذه التربية وجدانية راقية تستلزم سلوكا أخلاقيا راقيا، والمبادرة إلى تبني شرع الله والاعتماد عليه كمنهج للحياة. ولعل هذا السلوك الراقي يجعلك تتعامل مع الله عز وجل ومع خلقه بضبط متميز طيب، حتى يكون الإنسان المتخلف محبوبا عند سائر خلق الله بآدابه ومعاملاته وحبه وإخلاصه وخوفه وصبره وشكره وحلمه وصدقه، ويتخلى عما يقابل ذلك. [من كتاب: مجتمع المؤمنين من هدى القرآن لعبد الكريم غلاب بتصرف].

لهذا اتخذ المتصوفة الفضيلة مذهبا وشعارا لهم مما قد جعل بعضهم مثاليين في محيطهم الأخلاقي والاجتماعي. فالخلق هو جانب من جوانب التصوف المرتبط بموضوعه، واكتمال العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق الكريمة والطباع المستقيمة. وهدفه وغايته بلوغ الذات العليا، والمحبة فيها والفناء في ذاتها.

أسباب اختياري للموضوع

من أهم أسباب اختياري للموضوع السلوك الذي تنبني عليه الأمة وهي التربية على المبادئ والأخلاق التي دعا إليها الإسلام، ولما لها من أثر بالغ في حياة الشعوب ونهضتها، فأردت أن أوضح أهم ما يتعلق بتطهير النفس من فضائل عامة ظهرت خاصة عند من تعلق بالتصوف وتربى على المنهج السليم.

الدراسات السابقة

هناك من تحدث عن الفضائل بشكل عام وفضفاض دون تدقيق وتمييز، غير أنني وَسَمْتُ هذا ابحث بالتربية الإسلامية ذات البعد الصوفي وجعلتها من مخائيل التربية الإسلامية، خصوصا إذا قاربت المنهج الرباني والسنة النبوية.

أهمية الموضوع

للموضوع أهمية بالغة في كونه يجمع بين التربية والتصوف السليم الخالص لله عز وجل، وتزكية النفس والعبادة البعيدة عن الرياء.

وحاولت بيان النظم والأسس التي تقوم عليها التربية الحميدة وفق ما خصصه الله تبارك وتعالى ورسوله ﷺ من فضائل، حتى يكون الإنسان مثاليا في محيطه الأخلاقي والاجتماعي.

كما تظهر أهمية الموضوع أن إسلام المرء لا يكتمل إلا باكتمال الأخلاق الحميدة وربطها بالفضال التي أوجبها الشرع الحنيف.

منهج البحث

-حاولت في هذا البحث أن أعتمد على المنهج الاستقرائي والاستنباطي والتحليلي، وتتبعت ذلك في أمهات المصادر ومراجه الدراسات الإسلامية التي عنيت بموضوع التربية والأخلاق الحميدة.

-التزمت في هذا البحث بالنصوص الواردة من القرآن الكريم والسنة النبوية وشرحها وتحليلها.

-عرض الأقوال المأثورة وتوظيفها وتحليلها.

إشكالية البحث

إلى أي مدى ساهمت التربية الإسلامية والأخلاق الحميدة في التقرب إلى الله عز وجل؟

ما هو الأثر الذي تركته التربية الحسنة في المجتمع الإسلامي؟

كيف ساهم التصوف السليم في إرجاع التربية والأخلاق الحميدة؟

خطة البحث

واستنادا على ما تم جمعه من مادة علمية منتقاة من مختلف المصادر والمراجع، وبعد الاطلاع عليها وتحليلها وتوظيفها، تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وستة مطالب وخاتمة.

– المطلب الأول تحت عنوان العبادة وإصلاح النفس وتزكيتها

– المطلب الثاني تحت عنوان الصدق وفضيلته

– المطلب الثالث تحت عنوان الإخلاص

– المطلب الرابع تحت عنوان الورد

– المطلب الخامس تحت عنوان الذكر

– المطلب السادس تحت عنوان الزهد والورع

 المطلب الأول: العبادة وإصلاح النفس وتزكيتها

إن العبادة في نظام الإسلام جزء أساسي لابد منه لقيامه وحسن تنفيذه، فالعبادة هي التي تجعل العقيدة الإسلامية – أو التصور الإسلامي للوجود – حية في النفس، وتنقلها من حيز الفكر المجرد إلى حيز القلب الذي يحس ويشعر، فتجعلها بذلك قوة دافعة، لها حرارتها ولها نورها، المنعكس على الأعضاء سلوكا وعملا. فشتان بين من يعلم عقليا ويقتنع فكريا بوجود الله. والعبادة تذكر الإنسان بموقعه الحقيقي من الوجود، ذلك أنه لا يتذكر ولا يحس إلا بالقرب العاجل والمنفعة الحاضرة، فهو يتذكر جسمه ونفسه من غير مذكر، إذ يدفعه الجوع والعطش إلى الطعام والشرب، وتدفعه اللذة إلى التضلع منها، وكذلك سائر غرائزه وشهواته. ومن وظائف العبادة ترقية الجانب الروحي من الإنسان، ذلك أن الإنسان يتكون من عناصر عدة: الجسمي العضوي، والعقلي ومما تحققه العبادات الإسلامية من أهداف تقوية الإنسان في معارك الحياة، فالحياة في نظر الإسلام صراع بين الحق والباطل في النفس والمجتمع، وعلى هذا بنيت الحياة الإنسانية منذ أن هبط آدم عليه السلام إلى الأرض. والعبادة هي التي تجعل الإنسان قويا في هذه المعركة إذا تذكره بالله الدائم الباقي القوي، وبمسؤوليته العظيمة أمامه، وبحياته الأخرة الباقية، ومما يترتب فيها على أعماله من جزاء فهو يعيش لا ليأكل ويشرب ولا ليلهو وينام، ولا ليزرع ويجمع، ولا ليسيطر ويستعلي، بل ليكون نعيرا للحق على الباطل، والخير والشر، والعدل على الظلم.[1]

والعبودية هي البداية والنهاية في حق كل إنسان وفي حق كل تصرف ولذلك فهي كالماء للإحياء وكالهواء للإنسان والروح للحي تتغلغل في الأجزاء والأعضاء وفي المقاصد والأعمال، ومن ههنا فإن الربانيين يعتبرون التركيز على معاني العبودية هو المهم الأول لهم، والمهم الأعلى عندهم. والعبادة هي تلك الصور المحددة التي رسمها الإسلام للتقرب بها إلى الله عز وجل واتخذها شعائر مميزة له، وعين لها مواقيت ومقادير وكيفيات لا مجال فيها للتبديل أو التعديل. وهذا ما يجعلنا نقصر الحديث على العبادات الأربع المعروفة. والأصل في العبادات أنها تؤدي امتثالا لأمر الله وأداء لحقه على عباده وشكرا لنعامة التي لا تنكر، وليس من اللازم أن يكون لهذه العبادات ثمرات ومنافع في حياة الإنسانية المادية وليس من الضروري أن تكون لها حكمة يدركها عقله المحدود. الأصل فيها أنها ابتلاء لعبودية الإنسان لربه، فلا معنى لأن يدرك السر في كل تفصيلاتها فالعبد عبد والرب رب. وما أسعد الإنسان إذا عرف قدر نفسه! ولو كان الان لا يتعبد الله إلا بما وافق عليه عقله المحدود وعرف الحكمة فيه تفصيلا، فإذا عجز عن إدراك السار للي جزئية أو أكثر من جزئياته. أعرض ونأى بجانبه، إن العبودية لله شعائرها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة للأمر ولو لم تحط بسره. فالله غني عن عباده كل الغنى، وإذا تعبدهم بشيء فإنما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية، الفردية والاجتماعية الدنيوية والأخروية.[2]

والعبادة أيضا يراد بها التعبير عن ذلك الوصف المستكن في الفطرة، بالطاعة السلوكية، قي أوامر لا يراد من تنفيذها إلا التلبية والطاعات، بدون أي نظر إلى المصلحة أو فائدة قد تستوعبها.[3]

فالعبادة كما قال الأستاذ العقاد شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها، ولا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها، إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الأخر، لو استبدل منها ما اقترحه المقترح بما جرت عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها.[4]

ومن هنا كان للإسلام فضل عظيم في أن أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد به وجه الله ومرضاته وعملت على وجهها المشروع وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة.[5]

أما تزكية النفس فهي من مهمات الرسل، وهي هدف للمتقين، وعليها مدار النجاة والهلال حان الله عز وجل. والتزكية في اللغة تأتي على معان: منها التطهير، ومنها النمو، وهي كذلك في الاصطلاح، فزكاة النفس وتطهيرها من أمراض وأفات، وتحققها بمقامات، وتخلقها بأسماء وصفات، فالتزكية في النهاية تطهر وتحقق وتخلق، ولذلك وسائله المشروعة وماهيته وثمراته الشرعية، ويظهر آثار ذلك على السلوك، في التعامل مع الله عز وجل ومع الخلق، وفي ضبط الجوارح على أمر الله. ثم إن تركية القلوب والنفوس إنما تكون بالعبادات ونوع من الأعمال، إذا أدي ذلك على كماله وتمامه، فعند يحقق القلب بمعان تكون النفس بها مزكاة، ويكون لذلك آثاره وثمراته على الجوارح كلها كاللسان والعین والأذن وبقية الأعضاء، وأظهر ثمرات النفس المزكاة حسن الأدب والمعاملة مع الله   والناس: مع الله قياما بحقوقه بما في ذلك بذل النفس جهادا في سبيله، ومع الناس على حسب الدائرة وعلى المقتضی والقيام على ضوء التكليف الرباني. وإذن فالتزكية لها وسائل مثل الصلاة والإنفاق والصوم والحج والذكر والفكر وتلاوة القرآن والتأمل والمحاسبة وتذكر الموت، إذا أديت هذه على كمالها وتمامها. والتي يحدث أن تزكية الأنفس يصيبها الضعف في الجيل بعد الجيل مما يقتضي تجديدا مستمرا لها، فكما أنه في كل يوم توجد في هذه الأمة أنفس جديدة، فالتزكية ينبغي أن تطال هذه الأنفس، ولعل ضعف التزكية في عصرنا كان أكثر منه في أي عصر مضى.[6]

المطلب الثاني: الصدق وفضيلته

قال تعالى: ﴿مِّنَ اَ۬لْمُومِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ اُ۬للَّهَ عَلَيْهِۖ فَمِنْهُم مَّن قَض۪يٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلا﴾ [سورة الأحزاب الآية:23]. ﴿ ٓيَأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَكُونُواْ مَعَ اَ۬لصَّٰدِقِينَۖ﴾ [سورة التوبة الآية:120]. فهؤلاء وصفهم الله بالصدق ولو لا أنه من فضائل الأعمال ما وصفهم بذلك، والصدق يستعمل في ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك، فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق.[7]

فالصدق الأول صدق اللسان: فاللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنه صغير جرمه عظيم، طاعته وجرمه إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والعصيان، ثم أنه ما من وجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مضنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي فإن كان يتناوله العلم يعرب عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناوله.  وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور، والأذان لا تصل إلى غير الأصوات واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الأعضاء واللسان رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجاله منتهی، وجد له في الخير مجال رحب وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.[8]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاد بن جبل رضي الله عنه قال:” ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا. فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.”[9]

ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع إلا فيما يطلقه لينفعه في الدنيا والآخرة ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وأجله، وعلم ما يحمد في إطلاق اللسان أو بذم غامض عزيز. وخطر اللسان عظيم ولا نجاة من خطره إلا بالصمت فلذلك مدح الشرع الصمت، وجعل لزومه أمر، وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة.[10]

فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق، ولكن لهذا الصدق كمالان: أحدهما: الاحتراز عن المعارضين فقد قيل في المعارضين مندوحة عن الكذب وذلك لأنها تقوم مقام الكذب، إذ المحذور عن الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه في نفسه. والصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه، وتعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعارضين ما وجد إليه سبيلاً.[11]

والكمال الثاني: أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه يناجي بها ربه كقوله تعالى: ﴿إِنِّے وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِے فَطَرَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَ حَنِيفاۖ وَمَآ أَنَا مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَۖ﴾ [سورة الأنعام الآية:80]. فإن كان قلبه منصرفا عن الله مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب. وقوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُۖ﴾ [سورة الفاتحة الآية:4].  فإذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صادقا.

الصدق الثاني: في نية الإرادة: ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن يكون له باعث في الحركات والسكنات إلى الله تعالى، فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل الصدق النية وصاحبه يجوز أن يسمى كاذبا. وهذا القول يتضمن إجبارا بقرينة الحال إذ يظهر صاحبه من نفسه أن يعتقد ما يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال كل ما في قلبه، فإن كذب في ذلك ولم يكذب يما يلفظ به، فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق فلا بد وأن يكون مخلصا.[12]

الصدق الثالث: في صدق العمل: وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به، لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر، ورب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره ولكن قلبه غافل عن الصلاة، فمن ينظر إليه يراه قائما بين يدي الله تعالى وهو الباطن قائم في السوق يبن شهوة من شهواته، فهذه أعمال تعرب بلسان الحال عن الباطن إعرابا هو فيه كاذب وهو ما طلب بالصدق في الأعمال.[13]

إذن فمخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سمیتْ رِیَاءاً ويفوت بها الإخلاص، وإن كانت من غير قصد فيفوت بها الصدق.

الصدق الرابع: في الوفاء والعزم: فإن النفس قد تسخر بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد والعزم والمؤونة فيه خفيفة، فإذا حققت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم، وهذا يضاد الصدق فيه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿مِّنَ اَ۬لْمُومِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ اُ۬للَّهَ عَلَيْهِۖ فَمِنْهُم مَّن قَض۪يٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية:23].  وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث، فإن الناس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند الوفاء لشدته عليها، ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب. ولذلك استثنى عمر رضي الله عنه فقال: “لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن تأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند القتل شيئا لا أجده الآن لأني لا أمن أن ينقل عليها ذلك فتتغير عن عزمها.” أشار بذلك إلى شدة الوفاء والعزم.[14]

الصدق الخامس في العزم: فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه إن رزقني الله مالا تصدقت بجميعه – أو بشطره – لو لقيت عدوا في سبيل الله قاتلت ولم أبالي وإن قتلت، وإن أعطاني الله ولاية عدلت فيها ولم اعص الله بظلم ميل إلى خلق. فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ومیل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة، فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال: لفلان شهوة صادقة، ويقال هذا المريض شهوته كاذبة، مهما لم تكن عن سبب ثابت قوي أو كانت ضعيفة، فقد يطلق الصدق ويراد به هذا المعنى.[15]

والصدق السادس: الصدق في مقامات الدين: كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور. فإن لهذه الأمور لها مبادئ يكلف الاسم بظهورها، ثم لها غايات    وحقائق، والصادق المحقق من نال حقيقتها، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقا فيه، كما يقال: فلان صدق القتال وقيل إذا طلبت الله بالصدق أعطاك امرأة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة وقيل عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وقبل كل شيء وصادقة الكذب لا شيء وقيل علامة الكذاب جوده باليمين بغير مستحلف وقال ابن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظریف وقبل ما أملق تاجر صدوق.[16]

والصدق بصفة عامة عماد الأمر وبه تمامه وفيه نظامه وهو ثاني درجة النبوة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُّطِعِ اِ۬للَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ اَ۬لذِينَ أَنْعَمَ اَ۬للَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ اَ۬لنَّبِيٓـِٕۧنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّٰلِحِينَۖ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقاۖ﴾ [سورة النساء الآية:68]. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق كي يكتب عند الله صديقا.” [17]

المطلب الثالث: الإخلاص

اعلم أن كل شي يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا، ويسمى الفعل المصفى المخلص: إخلاصا. والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصا، فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات، فالإخلاص وضده يتوار دان على القلب، فمحله القلب وإنما يكون ذلك في المقصود والنيات.[18]

والإخلاص هو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك قال تعالى: ﴿أَلَا لِلهِ اِ۬لدِّينُ اُ۬لْخَالِصُۖ﴾ [سورة الزمر الآية :3]. والإخلاص هو إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنی من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى، ويصح أن يقال الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، ويصح أن يقال الإخلاص التوقي عن ملاحظة الأشخاص.[19]

والإخلاص هو إفراد القلب لعبادة الرب، وسره لبه، وهو الصدق المعبر عنه بالتبري من الحول والقوة، إذ لا يتم إلا به وإن صح دونه، إذ الإخلاص في الرياء والشرك والخفي، وسره نفي العجب وملاحظة النفس، والرياء قادح في صحة العمل، والعجب قادح في أعماله فقط. والأعمال كلها أشباح وأجسادا، وأرواحها وجود الإخلاص فيها، فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح، وإلا كانت منبتته ساقطة، كذلك لا قيام للأعمال البدنية والقلبية إلا بوجود الإخلاص فيها وإلا كانت صورا قائمة وأشباحا خاوية لا عبرة بها قال تعالى:﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اُ۬للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُ۬لدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَيُوتُواْ اُ۬لزَّكَوٰةَۖ﴾[ سورة البينة الآية:5].

والإخلاص على ثلاث درجات: درجة العوام، والخواص، وخواص الخواص. فإخلاص العوام هو إخراج الخلق من معاملة الحق مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور. وإخلاص الخواص طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية. وإخلاص خواص الخواص إخراج الحظوظ بالكلية، فعبادتهم تحقيق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية أو محبته وشوقا إلى رؤيته.

والإخلاص عند الموحدين: خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال وعدم السكون والاستراحة إليهم في الأحوال. وقال أبو طالب رضي الله عنه: الإخلاص عند المخلصين إخراج الخلق من معاملة الحق، وأول الخلق النفس. والإخلاص عند المحبين أن لا يعملوا عملا لأجل النفس وإلا دخل عليها مطالعة العوض أو الميل إلى حظ النفس. وقال بعض المشايخ: صحح عملك بالإخلاص، وصحح إخلاصك بالتبري من الحول والقوة. وقال بعض العارفين: لا يتحقق الإخلاص حتى يسقط من عين الناس ويسقط الناس من عينه، لذلك قال آخرون كلما سقطت من عين الخلق عظمت في عين الحق، ولما عظمت في عين الخلق سقطت في عين الحق.[20]

أما الهروي فجعل الإخلاص تصفية العمل من كل شوب أي لا يمزج عمله ما يشوبه من شوائب إرادة النفس: إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم، والهرب من ذمهم أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم، أو خدمتهم ومحبتهم، وقضائهم حوائجهم. وقيل الإخلاص استبراء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرا من باطنه.

والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره. وقبل الإخلاص نسيان رؤيته الخلق بدوام النظر إلى الخالق. ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله. قال الجنيد: الإخلاص سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.

ويروي ابن القيم الجوزية عن مكحول قال: “””ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.” وقال أيضا أبو سليمان الداراني: “إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء. وقيل الإخلاص تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.””[21]

والإخلاص هو تجريد قصد التقرب إلى الله عز وجل عن جميع الشوائب، وقيل هو إفراد الله عز وجل بالقصد والطاعات، والإخلاص شرط لقبول العمل الصالح الموافق لسنة رسول الله ﷺ، والإخلاص هو كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للأخرة.  قال يعقوب: المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته. قال السوسي: “الإخلاص فقد رؤية الإخلاص، فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص قد احتاج إخلاصه إلى إخلاصه. وقال الفضيل: “ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منها.”[22]

وفي الإخلاص ينبغي أن يكون العمل كله لله ومعه ومن أجله. وقد كفاك كل مخلوق وجلب لك كل خير. وإياك وأن تميل عنه بموافقة هوي وإرضاء مخلوق، فإن يعكس عليك الحال ويفوتك المقصود. وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه. فإن قيل: كيف يعيش معه؟ قلت: بامتثال أمره، واجتناب نهيه ومراعاة حدوده، والرضا بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من الاعتراض في أقداره.[23]

فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر والفرد الفذ وهو المستثنى في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُ۬لْمُخْلَصِينَۖ﴾ [سورة الحجر الآية :40]. فليكن العيد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر.[24]

والمبدأ الذي وضعه الإسلام في شأن العبادة: أن أساس القبول لأي عبادة هو إخلاص القلوب لله. فإن حقيقة العبادة ليست شكلا يتعلق بالمظهر، ولا رسما يتصل بالجسد. ولكنها سر يتعلق بالقلب، وإخلاص ينبع من الروح، فإذا لم يصدق قلب المسلم في عبادته. ولم يخلص لله في طاعته، وأداها رسوما خالية من الروح. كما ينطق الأبله بالألفاظ الخالية من المعنى. فهناك يردها الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلِ اِ۬للَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصا لَّهُۥ دِينِ﴾ [سورة الزمر الآية:14]. إذن فالإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره.[25]

المطلب الرابع: الورد

  • الفرع الأول: الورد لغة

هو الشرب قال تعالى: ﴿وَبِيسَ اَ۬لْوِرْدُ اُ۬لْمَوْرُودُۖ﴾ [سورة هود الآية:98]. ويقال الورد الاشراف على الماء وغيره، دخله أو لم يدخله، ووقت يوم الورد بين الضمأين والماء الذي يورد والقوم يوردون الماء والإبل الواردة والنصيب من الماء.[26]

  • الفرع الثاني: اصطلاحا

وهو ما يرتبه العبد على نفسه، وما يتحفه الحق تعالى على قلوب أوليائه من النفحات الإلهية فيكسبه قوة محركة، وربما يدهشه أو يغيبه عن حسه، والورد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ- ورد العباد والزهاد من المجتهدين: فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات وعباداتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وقيام.

ب- ورد السائرين: فهو الخروج من الشواغل والشوائب، وترك العلائق والعوائق وتطهير القلوب من المساوي والعيوب، وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل.

ج – ورد الواصلين فهو اسقاط الهوى ومحبة المولى، وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة.

وأولى ما يعتني به العبد أيضا ما هو طلبه منه الحق تعالی وهو الورد، دون ما يطلب هو منه وهو الوارد، فالوارد من وظائف العبودية، وهو الذي طلبه من الحق تعالى، والوارد من وظائف الحرية ولذلك تطلبه النفس وتعشق إليه، وأين ما هو طالبه من مما هو مصلبنا منه، فالاعتناء بالورد أفضل وأكمل من الاعتناء بالوارد، لأن الورد من وظائف العبودية، وهي لا تنقطع ما دام العبد في هذه الدار، كما أن حقوق الربوبية لا تنقطع كذلك حقوق العبودية لا تنقطع.[27]

ثم إن الله عز وجل فرض على المسلم فرائض متنوعة، وطالبه بأعمال كثيرة، لأن القلب البشري يحتاج إلى أنواع من الواردات المتعددة، ولكل عمل، أثاره في القلب إذا صحت النية، وصلاح القلب بالقيام بالأعمال كلها فكل عمل يخلق نوعا من الأحوال في القلب وكل حال يحتاج إلى نوع من العمل الصالح حتى يكون …

قال ابن عطاء: من علامات إتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات. وفي ذلك إشارة إلى أن المسلم عليه ألا يفرط في الفريضة على حساب النافلة، وهي قضية يغفل عنها أكثر الخلق، فأكثر الخلق يجهلون فرائض الوقت ويستغرقون بأمور هي من باب المباحات، وبعضها من باب البدع، ويظنون أنفسهم أنهم يحسنون صنعا.

ويقول أيضا ابن عطاء: إذا رأيت عبدا أقامه الله تعالی بوجود الأوراد وادامه عليها مع طول الإمداد فلا تستحقرون ما منحه مولاه لأنك لم تر عليه سيما العارفين ولا بهجة المحبين فلولا وارد لما كان ورد. يفهم من كلام الشيخ أنه متى وجد الورد فقد وجد الوارد، أحس به صاحبه أم لم يحس، أحس به الأخرون أو لم يحسوا، وقد بين الشيخ أهمية الورد للإنسان. وأدب بعض جهلة الصوفية الباطلة الذين يحتقرون أهل الأوراد إذا لم تظهر عليهم بعض المعاني. وقد حض الشيخ ابن عطاء أهل الذكر ألا يتركوا أورادهم بسبب بقاء غفلة القلوب فلا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز. فالقلب البشري يحتاج إلى أدوية وأغذية وفي الصلاة دواء وغذاء، وفي الصوم والذكر دواء وغذاء.[28]

فللأوراد أهمية في حياة المسلم، وأهميتها تتجلى في إصلاح القلب وترقيته.

المطلب الخامس: الذكر

ذكر الله تعالى هو روح العبادة وغايتها، وذروة سنامها ويكفي دليلا على ذلك أن الصلاة وهي عماد الدين، إنما شرعت لتوصل إليه قال تعالى: ﴿إِنَّنِيَ أَنَا اَ۬للَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا فَاعْبُدْنِے وَأَقِمِ اِ۬لصَّلَوٰةَ لِذِكْرِيَۖ﴾[ سورة طه الآية:14].وقد اعتبر بعض العلماء أن الذكر من أعظم العبادات وأكبر المطالب الدينية، فقد أمر تعالی به في غير ما آية من كتابه، ووعد الذاكرين بما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما أوعد الغافلين المعرضين عن الذكر. ومن الآيات التي تأمر بالذكر صراحة: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِے أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِے وَلَا تَكْفُرُونِۖ ﴾[ سورة البقرة الآية:151].

وقال تعالى: ﴿۞وَاذْكُرُواْ اُ۬للَّهَ فِے أَيَّام مَّعْدُودَٰتۖ﴾ [سورة البقرة الآية:201]. قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [سورة الكهف الآية :24].  وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اِ۪سْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلِ اِلَيْهِ تَبْتِيلاۖ ﴾ [ سورة المزمل الآية:7]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اِ۪سْمَ رَبِّكَ بُكْرَة وَأَصِيلاۖ﴾ [سورة الإنسان الآية:25]. ومن الآيات التي تحث على الذكر ببيان ثمراته: قال تعالى: ﴿اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ أَلَا بِذِكْرِ اِ۬للَّهِ تَطْمَئِنُّ اُ۬لْقُلُوبُۖ﴾ [سورة الرعد الآية:29]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُۥٓ إِلَيٰ ذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ ذَٰلِكَ هُدَي اَ۬للَّهِ يَهْدِے بِهِۦ مَنْ يَّشَآءُۖ وَمَنْ يُّضْلِلِ اِ۬للَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۖ﴾ [سورة الزمر الآية:22].  و قال تعالى:﴿وَالذَّٰكِرِينَ اَ۬للَّهَ كَثِيرا وَالذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ اَ۬للَّهُ لَهُم مَّغْفِرَة وَأَجْراً عَظِيماۖ ﴾[ سورة الأحزاب الآية:35].

والذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالی بل هو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلا الله تعالى إلا بدوام الذكر على ضربين: ذكر اللسان، وذكر القلب فذكر اللسان به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب والتأثير لذكر القلب فإذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل في وصفه في حال سلوكه. وقيل ذكر الله بالقلب سيف المريدين به يقاتلون أعداءهم وبه يدفعون الآفات التي يقصدهم وإن البلاء إذا أظل العبد فإذا فزع بقلبه إلى الله تعالى يحيد عنه في الحال كل ما يكرهه. ومن خصائص الذكر أنه غير مؤقت بل ما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله تعالى إما فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات والذكر بالقلم مستدام في عموم الحالات. قال أبو علي رحمه الله:

ما إن ذكرك إلا هم يزجرني      قلبي وسري وروحي عند ذكرانا[29]

وفي بعض الكتب أن موسى عليه السلام قال: يا رب أين تسكن؟ فأوحى الله تعالى إليه في قلب عبدي المؤمن، ومعناه سكون الذكر في القلب فإن الحق سبحانه وتعالى منزه عن كل سكون وحلول وإنما هو إثبات ذکر وتحصيل.[30]

والذكر يتسع حتى يشمل كل الطاعات، لأن العبادات كلها تحتاج للنية، حتى يؤجر صاحبها عليها، ومن نوى بعلمه وجه الله وابتغاء مرضاته فقد ذكره. ومال النية أن يستصحبها في العبادة من أولها إلى آخرها، وإن كان محلها عند بدء العبادة، فهي في الصلاة تقارن تكبيرة الإحرام وكمال الصلاة باستصحاب النية إلى السلام. ولكن لفظ مجالس الذكر ينصرف للوهلة الأولى كما جاء في سنته ﷺ لنوع خاص من الطاعات. هو تحلق مجموعة من الذاكرين يجتمعون على تسبیح الله وتكبيره وتحميده وتمجیده، أو على ذكره وتذكر نعمه عليهم، وخاصة نعمة الإسلام.[31]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ” وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزل عليهم السكينة، وغشيهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.”[32]

وقال أيضا رسول الله ﷺ: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت.”[33]

لقد أفادت هذه النصوص وجوب ذكر الله، ووجوب الصلاة على النبي ﷺ لكنها في الوقت نفسه تمثل أوامر مجملة تحتاج إلى بيان كيفية الذكر ومتعلقاته. ولم يترك النبي ﷺ مجالا من مجالات الذكر ولا موقعا من مواقع التي يؤمر فيها بالذكر إلا وبين صيغة الذكر المطلوب في ذلك الظرف.  وقد يرد الذكر بالأجر المرتب عليه، وقد لا يرد التصريح به فينبغي للمؤمن أن يعتقد ثبوت الأجر في كل الأذكار الواردة، وأما التصريح وعدمه فلحكم يعلمه الله. ولا ينبغي له أن يرتب هو أجرا على ذكر معين ولم يذكر الشارع جزاءه، وكذلك الأمر بالنسبة للعدد قد يرد الذكر محددا بعدد معين وقد يرد مطلقا من غير تقييد بعدد. وقد ذكر العدد الصحيح بالأجر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، وميت عنه مائة شيني، وكانت له حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه.” [34]

ومن هذه التوطئة يتلخص أن الأذكار حتى تكون شرعية ننتج التقوى والصلة بالمولی والثواب في الآخرة لا بد أن يتوخى بها أمور تضاف إلى حسن النية وحضور القلب وهي:

1-أن تكون بما ورد عن الشارع، 2- أن يراعى فيها العدد عن الشارع 3 – أن لا يشرع لها الإنسان أجرا محددا، 4- أن لا يكون جهرا لأنه منهي عنه، 5 – أن لا يضاف إليها أي شيء من الكيفيات و الهيئات.[35]

قال ابن العباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى ﴿ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۟ذْكُرُواْ اُ۬للَّهَ ذِكْرا كَثِيرا﴾ [سورة الأحزاب الآية:41].  إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ثم و عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فأن الله تعالى لم يجعل له أحدا ينتهي إليه و لم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على ترکه فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ اُ۬لصَّلَوٰةَ فَاذْكُرُواْ اُ۬للَّهَ قِيَٰما وَقُعُودا وَعَلَيٰ جُنُوبِكُمْۖ ﴾[ سورة النساء الآية:103]. بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغني والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.[36]

ومن خصائص الذكر أنه غير مؤقت، بل ما من وقت إلا والعبد مأمور بذكر الله فيه، إما فرضا وإما ندبا. والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات والذكر بالقلب مستدام في جميع الحالات.[37]

والذكر منشور الولاية، من أعطيه اتصل به، ومن منفعة عزله. وهو وقت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا. والذكر هو جلاء القلوب وفعالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذكر في ذكره استغراقا ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقه، وإذا وطأ قلبه للسانه في ذكره نسي في جنب ذكره كل شيء وبه يزول البكم عن الألسنة ويزول الوقر عن السماع، وتنقشع الظلمة عن الأبصار، وهو باب الله المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.[38]

وقال الإمام النووي: اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها بل كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر الله تعالى، كما قال سعيد بن جبير رضي الله عنه وغیره من العلماء.[39]

وأكد ذلك الحافظ بن حجر عن الإمام النووي في شرح المشكاة، فقال: “مجالس الذكر هي مجالس سائر الطاعات ومن قال: هي مجالس الحلال والحرام أراد التنصيص على أخص أنواعه.”[40]

فقد أراد التنصيص على أخص أنواع الذكر وبتفسير ابن حجر لكلام من خصص مجالس الذكر بمجالس الحلال والحرام يفسر كلام كل من خصص مجالس الذكر بطاعة دون سواه، فيفهم من التخصيص أن القائل به يرى أن هذه الطاعة أفضل من غيرها ولا يفهم منه أن سائر الطاعات باستثناء ما ذكره ليست من الذكر، وهذا يجمع بين كلام من قال: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، أي دروس الفقه من عبادات ومعاملات. هذا ومن العلماء الذين خصصوا الذكر بطاعة دون سواها على الجمع المتقدم القرطبي في المفهم فقد قال: مجالس الذكر هي مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله ﷺ، وأخبار السلف الصالح، وکلام الأئمة والزهاد. هذا ويكون الذكر بالقلب وباللسان، والأفضل ما كان بالقلب واللسان جميعا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل.[41]

وهناك من قسم الذكر، إلى ثناء ودعاء ورعاية. فأما ذكر الثناء نحو سبحان الله، والحمد لله. وذكر الدعاء مثل قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَ۬لْخَٰسِرِينَۖ﴾. [سورة الأعراف الآية:22]

وذكر الرعاية مثل قول الذاكرين الله معين الله ناظر إليه، الله شاهد. والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة، فإنها متضمنة أيضا للثناء على الله، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به، والأذكار النبوية متضمنة أيضا لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات والاعتصام من الوسواس والشيطان، وفيها تعلم القلب مناجاة الرب تملقا تارة، وتضرعا تارة، وثناء تارة واستعظاما تارة، وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسر والقلب.[42]

يقول ابن العربي: “عليكم بذكر الله في السر والعلن وفي أنفسكم وفي الملا، فإن الله يقول: ﴿ فَاذْكُرُونِے أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِے وَلَا تَكْفُرُونِۖ﴾.[ سورة البقرة: الآية:151]

فجعل جواب الذكر من العبد الذكر من الله، وأي ضراء على العبد من الذنب؟ وكان يقول ﷺ في حال الضراء: الحمد لله على كل حال وفي السراء الحمد لله المنعم المفضل فإنك إذا أشعرت قلبك ذكر الله دائما في كل حال لا بد أن يستنير قلبك بنور الذكر، فيرزقك ذلك النور الكشف، فإنه بالنور يقع الكشف للأشياء. فعليك بالذكر الثابت في العموم فإنه الذكر الأقوى وله النور الأضوی والمكانة الزلفي، ولا يشعر بذلك إلا من لزمه وعمل به حتى أحكمه.[43]

وقد أشار البوطي إلى أن كثير ممن ينتسبون إلى المذهب المزعوم المسمى بالسلفية، ينكرون مثل هذا الذكر، وينكرونه على أصاحبه، وينسبونهم إلى الابتداع والضلال، مستدلين بأن هذه الجلسة المحددة بهذا الشكل وعلى هذا النظام، لم تكن معروفة في عصر السلف، ولا نرى شاهدا عليها في الكتاب والسنة. غير أن الذين يتداعون إلى هذه الحلقات ويحضرونها، يحتجون بالعموم الذي يدل عليه قول الله تعالى: ﴿اِ۬لذِينَ يَذْكُرُونَ اَ۬للَّهَ قِيَٰما وَقُعُودا وَعَلَيٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِے خَلْقِ اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِۖ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلا سُبْحَٰنَكَۖ فَقِنَا عَذَابَ اَ۬لنّ۪ارِۖ﴾ [سورة آل عمران الآية:191]. غير أن الذكر قد يلتبس بعمل منهي عليه كالقص والتثني فهذا ممنوع وخارج من عموم النص القرآني العام استنادا إلى دليل حرمته – الرقص والتثني – وجل من ينسبون أنفسهم إلى مذهب السلفية ينكرون هذا الذكر ويحرمونه، وينسبون من يذكر الله باسمه المفرد وحده إلى الضلال، ولكن نعتهم ابن تيمية رحمه الله بالضلال والابتداع. ويستدلون على ذلك بأن جميع ما ورد من صيغ الأذكار في القرآن الكريم والسنة جمل أو كلمات ذات دلالة على معنى يتضمن حكما کاملا، مثل: لا إله إلا الله، أستغفر الله، سبحان الله، لاحول ولا قوة إلا بالله، وليس فيها لفظ جلالة المفرد، فذكر الله بهذا اللفظ بدعة باطلة.[44]

ويؤكد ابن رجب الحنبلي جواز الذكر بالاسم المفرد فيقول: “كلما قويت المعرفة صار الذكر يجري على لسان الذكر من غير كلفة حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه الله.”[45]

وذكر البوطي أن ابن تيمية ناقش في الأمر، وذلك أن الاستمرار على ذكر الله باسمه المفرد، من شأنه أن يزج الذاكر في أوهام الحلول ووحده الوجود، بأن ذكر الله تعالى باللفظ أو القلب، وبأي أسمائه عز وجل من شأنه أن يرقى بالذكر لكل من حالتي الجمع والفرق في اعتدال وتناسق فكما أن ذكر الله تعالى ينبه الذاكر إلى معاني الجمع، فهو يعبده في الوقت ذاته إلى حقائق الفرق.[46]

وقد تغلب على كثير من الذاكرين، وخاصة الذاكرين الله ب: لا إله إلا الله أو بالاسم المفرد، تغلب عليهم الحركة. قال الزهير البابي: “إن لله عبادا ذكروه فخرجت نفوسهم اعظاما واشتياقا وقوم ذكروه فوجلت قلوبهم فرقا وهيبة، فلو حرقوا بالنار لم يجدوا من النار، وآخرون ذكروه في الشتاء فارفضوا عرقا من خوفه. وقوم ذكروه فحالت ألوانهم، وقوم ذكروه فجفت أعينهم سهرا.” كما يضيف بعض الناس بعد الذكر على السبحة. ويبدوا أن هذا الضيق بالسبحة شي قديم، فقد تعرض الشيخ الشعراني لشيء من هذا، وذكر طرفا من الأدلة على أن التابعين ومن بعدهم سبح جمع منهم على السبحة. مما يدل على عدم الإنكار على التسبيح عليها. قال الشيخ الشعراني: بلغني أن بعض الفقهاء يعيب على من يسبح على السبحة، فقلت له: الأمر سهل فاستفتي العلماء في ذلك فاختلفت فتاويهم، فأغاثني الله بمؤلف للشيخ السيوطي رحمه الله في الأمر بالتسبيح على السبحة وأن أول من سبح بها الحسن البصري رضي الله عنه.[47]

لذلك اعتبر الذكر من أعظم العبادات وأكبر المطالب الدينية، ودوامه تكثيرا لشهود العبد يوم القيامة، وسببا لاشتغال العبد عن الكلام إلى ظل من الغيبة والنميمة وغير ذلك، فهو قوة القلوب والروح، فإذا أفقده العبد صار بمنزلة الجسد إذا حيل بينه وبين قوته. ومنها: أن يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره، ويرضي الرحمان عز وجل، ويزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب له الفرح، والسرور والبسط، وينور القلب والوجه، ويكسو الذاكر المهام والحلاوة والنظرة، ويورثه محبة الله عز وجل وتقواه والإنابة إليه، وكذلك يورث العبد ذكر الله عز وجل.[48]

لذلك أمر الله بالإكثار من ذكره فسارع الصحابة رضوان الله عليهم للإكثار من ذكره، وتفننوا في كيفية الإكثار من ذكر الله عز وجل، وعد ذلك بوسائل مختلفة حرصا من عنهم على أن يذكر الواحد منهم ما ألزم نفسه به. والصادق المصدوق لما رأى منهم ذلك، أخذ بأيدهم وعلمهم من صيغ الذكر الكثير الكثير.

المطلب السادس: الزهد والورع

الزهد في اللغة ترك الميل إلى الشيء، وفي الاصطلاح لأهل الحقيقة هو بعض الدنيا والأعراض عنها، وقيل هو ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة، وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك.[49]

والزهد هو انحراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وأما العم الثمر لهذه الحال فهو العلم يكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ فمن عرف أن ما عند الله باق، وأن الأخرة خير وأبقى، كما أن الجوهر خير وأبقى من الثلج. فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض   والآخرة كالجوهر الذي لا فناء له، وبقدر اليقين بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع، وقد مدح القرآن الكريم الزهد في الدنيا وذم الرغبة فيها.[50]

قال تعالى: ﴿بَلْ تُوثِرُونَ اَ۬لْحَيَوٰةَ اَ۬لدُّنْي۪ا وَالَاخِرَةُ خَيْر وَأَبْق۪يٰٓۖ﴾ [سورة الأعلى الآية:16-17]، وقال أيضا عز وجل: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ اَ۬لدُّنْي۪ا وَاللَّهُ يُرِيدُ اُ۬لَاخِرَةَۖ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمۖ﴾ [سورة الأنفال الآية:68]، وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: “يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.”[51]

فالزهد هو الإعراض عن الشيء لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمة عنه، يقال شيء زهيد أي قليل خفير، قال يونس بن ميسرة: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء. قال الفضيل: أصل: الزهد الرضى عن الله عز وجل، وقال: القنوع هو الزاهد، وهو الغني، فمن حقق اليقين، ووثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا.[52]

فكل شخص اختار طريق الزهد والتصوف، عليه ألا يشتغل بأمور الدنيا ولا يتطلع إلى أي حظ أو خطة من خططها مهما صغرت أو كبرت، ويبتعد عن ذكر أهلها بخير أو شر، ويشتغل بحاله ونفسه عمن سواه، ويترك الأنكار على كافة الخلق من الحكام أو غيرهم.[53]

والزهد في رأي ابن تيمية، يعني الإعراض عن فضول الدنيا وزينتها وزخرفها، لذلك عرف الزهد لدى مختلف الشعوب والأمم، فقد كان في المشركين زهاد، وفي أهل الكتاب زهاد، وفي أهل البدع زهاد. والزهد في رأي ابن تيمية ليس تورعا للأهل والأولاد والسياحة في البلاد لغير هدف مشروع. كما يحذر من الخلط بين الزهد والكسل والعجز والبطالة، كمن يزهد هربا من تعب الدنيا وطلبا لراحة، أو من يزهد ليسلم من أدى الناس، أو يزهد ليتمكن من أكل أموال الناس بالباطل. والزهد الحقيقي هو الزهد الذي فيما لا يحبه الله ورسول ﷺ، ويقومون بما يأمر به المولى سبحانه    ورسوله، لأن ترك المكروه بدون فعل المحبوب ليس بمطلوب.[54]

فالعادة جارية على تخصيص اسم الزهد على الزهد في الدنيا، والزهد على الزهد في الدنيا، والزهد فيما هو مقدور عليه ولذا قيل لبن المبارك: یا زاهد، قال: الزاهد هو عمر بن عبد العزيز إذا جاءته الدنيا راغبة تركها، وأما أنا ففيما ذا زهدت.[55]

ثم اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد، وليس كذلك، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد، فكم من الراهبين من ردوا أنفسهم كل يوم قدر يسير من الطعام ولازموا داراً لا باب له، وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له، فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة، فإذا معرفة الزهد أمر مشكل، بل حال الزهد. على الزاهد. وينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علامات:

– العلامة الأولى: أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود، كما قال تعالى : ﴿لِّكَيْلَا تَاسَوْاْ عَلَيٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَات۪يٰكُمْۖ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُورٍۖ﴾ [سورة الحديد الآية :22].

– العلامة الثانية: أن يستوي عنده ذامه ومادحه، فالأول علامة الزهد في المال، والثاني علامة، الزهد في الجاه.

-العلامة الثالثة: أن يكون أُنْسُه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب من حلاوة المحبة إما محبة الدنيا وإما محبة الله، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح، فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره، ولذلك قيل لبعضهم : إلى ماذا أفضى بهم الزهد؟ فقال: إلى الأنس بالله، وأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان. فإذن علامات الزهد استواء الفقر والغني والعز والذل والمدح والذم، وذلك لغلبة الأنس بالله. ويتفرغ عن هذه العلامات علامات أخرى لا محالة وقال يحيي بن معاذ: علامة الزهد السخاء بالموجود. وقال ابن خفيف: علامته وجود الراحة في الخروج من الملك. وقال أيضا: الزهد هو عزوف النفس عن الدنيا بل تكلف وقال أحمد بن حنبل: علامة الزهد قصر الأمل.[56]

فالزهد كما جاء في تعريف للإمام علي كرم الله وجهه ليس اعتزالا لدنيا أو هجرا للكسب والعمل من أجل زيادة القدرات من مستلزمات الحياة مما يكون عنصر قوة الإسلام والمسلمين. قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: “لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد وجه الله به تعالی یسمی زاهدا ولو أنه ترك جميع ما في الأرض ولم يرد بترکه وجه الله تعالى لم يسم زاهدا لا لكان لله تعالى في ذلك عابدا. فليكن أخذك الذي تأخذه وتركك الذي تتركه الله عز وجل لا لغيره، واعلم أن الحكيم إذا تناول أعراض الدنيا جَری مجری حاذق تناول حية قد عرف ضرها ونفعها، وأمن سمها، فيتحرى بتناولها الوجه الذي ينتفع هو به وينفع غيره.”[57]

فالزهد الصحيح إذا ليس معناه هجر المال والعيال، وتعذيب النفس والبدن بالسهر الطويل والجوع الشديد، والاعتزال في البيوت المظلمة، والصمت الطويل من غير موجب، لأن اتخاذ هذا النوع من الزهد نمط للحياة يعد سلوكا سلبيا، فالزهد عد السلف الصالح يعني التوسط، فلا إفراط ولا تفريط.  إذا وجدوا شيئا من أسباب الحياة انتفعوا بها وتقووا بها، وإذا طرأت ظروف قاهرة كالجذب غيروا نمط العيش واكتفوا بأقل ما يمكن. فعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان أبيض اللون جسيما يأكل السمن واللبن في أيام الرخاء، فهو الذي صار نحيفا أسود اللون حين خفض من مستواه الغذائي عام الرمادة، فهذا هو الزهد عند السلف. أما الزهد عند أنصار الفكر الصوفي بعيد اكل البعد عن الزهد الذي عرفه السلف الصالح، وهذا من الوضوح بحيث يتعرف به الصوفية أنفسهم.[58]

وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن حاله وشاهده، فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم. والكلام بلسان العلم، أوسع من الكلام بلسان الذوق، وأقرب إلى الحجة والبرهان. قال سفيان الثوري رحمه الله: “الزهد في الدنيا إنما هو قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لباس العباء.” وقال الجنيد رحمه الله: “الزهد خلو اليد من الملك والقلب من التتبع، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “الزهد على ثلاثة أوجه ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني ترك الفصول من عَفَّه الحلال وهو زهد الخواص، والثالث ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.”  قال أبو حفص رحمة الله عليه: “الزهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدنيا فلا زهد، وما أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن البصري رحمه الله قال: “ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال.”[59]

وقال يحيى بن معاذ: “لا يبلغ أحدكم حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع وعز بلا ریاسة. فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه، وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان، ولا ريب أن النفس إذا نالت حظا صالحا من الدنيا قويت وسرت واستجمعت قواها وجمعتها وزال تشتتها. فلا يصح زهد العبد حتى يقطع اضطراب الدنيا من قلبه، فالزهد زهد القلب، لا زهد الترك من اليد وسائر الأعضاء.”[60]

أما الورع فهو مقام شريف يرقى إليه من كان متصفا بالتقوى وخشية الله تعالى، مما يدفعه إليها تحري كل ما يعرض له من أعراض الدنيا متفحصا. فإذا وجد فيه أدني شبه غادره تجنبا للوقوع في الحرام، لأن من حام حول الحمى كاد أن يقع فيه. يقول الطوسي في وصف أهل الورع: “متهم من تورع عن الشبهات التي اشتبهت عليه وهي ما بين الحرام البين والحلال البين، وما لا يقطع عليه اسم حلال مطلق ولا اسم حرام مطلق فيكون بين ذلك فيتورع عنهما.[61]

والورع ملاك الدين الحارس لأهل الإيمان من مقاربة حمى الله وحدوده التي أخبر بها الشرع وهاجم ابن العريف العمال والفقهاء الذين يمارسون الفقه بلا ورع، والذين انشغلوا عن مصالح الناس بكنز الأموال، وأهملوا أمور العباد، وتصامموا عن السماع شكاوى المظلومين وسماهم علماء أهل السوء وكبراء الدين المغرورين.[62]

والورع أيضا هو ترك الشبهات كذلك قال إبراهيم بن أدهم الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات.[63] وقال ﷺ لأبي هريرة:” كن ورعا تكن أعبد الناس.”[64]

وممن اشتهر بالورع الشديد أبو بكر رضي الله عنه، الذي لم يكن ليأكل من طعام قبل أن يسأل عنه، ويتحرى مصدره فإن وجد فيه شبهة امتنع عن تناوله. ومن ذلك قصته مع خادمه الذي قدم له طعاما أخذه بدل رقي مارسه لقوم في جاهليته وأكل منه أبو بكر لقمة، ولما عرف تقيأها، وأقسم أنها لو لم تخرج إلا مع نفسه لأخرجها. والدافع إلى الورع هو التبرؤ من مظالم الخلق بأكل حقوقهم حتى لا يكون لأحد على المرء مظلمة يقاضي عليها يوم الحساب. وهذا الأمر يجب أن يكون دافعا للإنسان بألا يقدم على أي شيء أصابته ريبة حوله، أو حاك في صدره شك فيه.[65]

قال يحي بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل. وقال يونس بن عبيد: الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: جلساء الله تعالی غدا أهل الورع والزهد. ورؤي سفيان الثوري في المنام وله جناحان يطير بهما في الجنة من شجرة إلى شجرة، فقيل له بما نلت هذا؟ فقال بالورع. وتكلم أبو سعيد الخراز في الورع فمر به عباس بن المهتدي فقال: يا أبا سعيد أما تستحي تجلس تحت سقف أبي الدوانیق وتشرب من بركة زبيدة وتتعامل بالدرهم المزيفة، وتتكلم في الورع.[66]

فالإنسان الورع هو الذي يقوم على الإنفاق والتصرف بالحلال الطيب وهو ذاكرا لله تعالی ومراقبا له، فيرعى الله وحق العباد حتى في حلاله. سئل سهل بن عبد الله عن الحلال الصافي فقال: الحلال الذي لا يعصي الله فيه والحلال الصافي الذي لا ينسى الله فيه، فالورع فيما لا ينسى الله فيه هو الورع الذي سئل عنه الشبلي رحمه الله فقال: “أن تتورع أن لا يتشتت قلبك عن الله عز وجل طرفة عين.”[67]

خاتمة

جاء الإسلام لإرجاع الإنسان إلى هذه الفطرة، التي تقوم على تنوير القلب بنور التوحيد الخاص والتربية الصحيحة، وإذا استنار القلب بنور الله رأى النعم كلها صادرة عن الله عز وجل. وبقدر الخلل في توحيد الله اعتقادا أو شعورا يوجد الشرك الأكبر أو الأصغر، فإذا وجد الشرك انطفأ نور الفطرة كله. فكان هدف الإسلام من إقرار التوحيد هو تحقيق السعادة في الدارين. وكل مسلم في الحقيقة سائر إلى الله ما دام ينصاع ويفعل ما أمره به.

ومن الأمور التي تطرقت إليها في البحث، أنني عرجت على مخائيل التربية الإسلامية الصحيحة والسليمة، وجعلتها مرتبطة بالذوق الحسي للمسلم.

كما يجب أن تكون التربية رفيعة وأصلية لأنها متقيدة بأصول وضوابط الشريعة السمحا، وبذلك تكون أصولها وقوية.

وقد حاولت في بحثي هذا تقديم نوع من التربية المحررة على ضوء الكتاب والسنة ومذاهب أهل الحق، لإيماننا أن هذا وحده هو الذي يجب أن يكون وأن يصير إليه الناس جميعا، فالسير إلى الله لا يمكن أن يلغى، بل يجب أن يكون حثيثا، ولكن ينبغي التحري والتمحيص وازالة الشوائب، فلسنا معصومین، فالمعصوم هو الذكر الحكيم، وما نطق به الصادق المصدوق عليه أزكى الصلوات والتسليم.


قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية الإمام ورش

[أ]

1- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين لمحمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بالمرتضی ط دار العلمية 1989 بيروت.

2-إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، ط جديدة دار الكتب العلمية بيروت.

3-إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة، ط 3 مكتبة ومطبعة مصطفى الباجي الريحاني وأولاده 1982 القاهرة.

4-الأذكار النووية للنووي الدمشقي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت.

[ب]

5-ابن تميمة والصوفية لدرنيقة والمصري، الطبعة:1 مكتبة الإيمان المكتب الإسلامي سنة: 1992 مصر.

[ت]

6-تزكية النفوس للغزالي وابن القيم جمعها أحمد فريد، تحقيق ماجد بن أبي الليل، الطبعة:1 دار القلم بيروت.

7-تفسير ابن كثير، ط 5 دار النهضة العربية 1996 بیروت ج/ 3 ص: 476.

8-تهذيب مدراج السالكين لابن القيم الجوزية، حققه عبد المنعم صالح العلي العزي، الطبعة:1، المغرب.

9-التصوف الإسلامي لعبد القادر أحمد عطا، ط 1 دار الجيل 1987 بیروت.

10-التصوف منشؤه ومصطلحاته لأسعد السحمراني، الطبعة:1 دار النفائس 1987 بيرت.

11-تربيتنا الرحية لسعيد حوى، الطبعة: 4 دار السلام سنة:1995 القاهرة.

[ج]

12-جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، لابن رجب الحنبلي، تحقيق محمد عبد الله السيد أحمد، دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

13-الجامع الكبير للترمذي تحقيق بشار عواد معروف دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة:1 سنة:1996.

[ذ]

14-الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهاني، مطبعة الوطن 1299 ه مصر.

15-ذكر الله عزوجل للدكتور الحسيني أبو فرحة سلسلة كتب التصوف، رقم الكتاب 27.

[ر]

16-الرسالة القشيرية للقشيرية، الطبعة:1 مؤسسة الكتب الثقافية 2000 بيروت، ص 210.

[س]

17-سنن ابن ماجة تحقيق فؤاد عبد الباقي دار الفكر لبنان (بدون رقم طبعة ولا تاريخ).

18-السلفية للبوطي الطبعة:1 دار الفكر سنة: 1988 دمشق ص: 191-192.

[ص]

19- صحيح البخاري طبعة دار الكتب العلمية 1999 بيروت.

20-صحيح مسلم دار إحياء التراث العربي لبنان ط:1 سنة:1991.

21-صيد الخاطر لابن الجوزي تحقيق عبد الحميد هنداوي، الطبعة:1 المكتبة العصرية 2002 بيروت.

[ع]

22-العبادة في الإسلام، ليوسف القرضاوي، ط 24 مؤسسة الرسالة 1993 بيروت.

23-على طريق العودة إلى الإسلام، للبوطي، ط 1 مؤسسة الرسالة 1981 بيروت.

[ف]

24-فتح الإله في شرح المشكاة، لابن حجر الهيثمي، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية بيروت.

25-الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوج، الطبعة:1 دار الهجر للنشر والتوزيع 1996 الرياض.

[ل]

26-اللمع في التصرف للطوسي تصحيح رينولد نیکلسون، مطبعة أبريل 914اليدن هولندا.

[م]

27- الموطأ للإمام مالك، الطبعة:1 المكتبة العصرية 2000 بيروت.

28-المستخلص في تزكية الأنفس لسعيد حوى، ط 4 دار السلام سنة: 1988 القاهرة.

29-المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية مكتبة الشروق الدولية مصر، الطبعة:4 سنة: 2004.

30-مفتاح السعادة وتحقيق طريق السعادة لأبي العباس بن العريف، جمعه أبو بكر عتيق من مؤمن، حققه عصمت عبد اللطيف دندش ط دار الغرب الإسلامي 1993 بيروت لبنان.

[ن]

31-نظام الإسلام في العقيدة والأخلاق والتشريع لمصطفى ديب بغا، ط 1 دار الفكر 1997 دمشق.

32-نظام الإسلام العقيدة والعبادة لمحمد مبارك، ط 2 دار الفكر .1981 دمشق.

[و]

33-الوصايا لمحي الدين بن العربي الطبعة:1 دار الجيل 1988 بيروت.


[1]  نظام الإسلام في العقيدة والأخلاق والتشريع، لمصطفى ديب بغا، ط 1 دار الفكر 1997 دمشق، ص 124 – 123.

[2]  العبادة في الإسلام، ليوسف القرضاوي، ط 24 مؤسسة الرسالة 1993 بيروت، ص 203- 207.

[3]  على طريق العودة إلى الإسلام، للبوطي، ط 1 مؤسسة الرسالة 1981 بيروت، ص 69.

[4]  العبادة في الإسلام، ص 208.

[5]  نظام الإسلام العقيدة والعبادة، لمحمد مبارك، ط 2 دار الفكر .1981 دمشق ص 169.

[6]  المستخلص في تزكية الأنفس، لسعيد حوى، ط 4 دار السلام سنة: 1988 القاهرة، ص 3.

[7]  اتحاف السادة المتقين، ج/9 ص:128.

[8]  المصدر نفسه، ج/9 ص:128.

[9]  الجامع الكبير، للترمذي كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم الحديث: 2616، تحقيق بشار عواد معروف دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة:1 سنة:1996 ج/4 ص:363.

[10]  اتحاف السادة المتقين، ج/9 ص:128.

[11]  إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، ط جديدة دار الكتب العلمية بيروت، ج 4، ص:409.

[12]  إحياء علوم الدين، ج/4 ص:410.

[13]  نفسه، ج/4 ص:412.

[14]  المستخلص فيه تزكية الأنفس، ص: 271-272.

[15]  المستخلص فيه تزكية الأنفس، ص:271.

[16]  الرسالة القشيرية، للقشيرية، الطبعة:1 مؤسسة الكتب الثقافية 2000 بیروت، ص 210.

[17] رواه الامام مالك في الموطأ، كتاب الكلام والغيبة والتقى، باب ما جاء في الصدق والكذب، حديث رقم: 1859 الطبعة:1 المكتبة العصرية 2000 بيروت، ص: 550-551.

[18]  المستخلص في تزكية الأنفس، ص 266.

[19]  الرسالة القشيرية، ص:204.

[20]  إيقاظ الهمم في شرح الحكم، لابن عجيبة، ط 3 مكتبة ومطبعة مصطفى الباجي الريحاني وأولاده 1982 القاهرة، ص:31-32.

[21]  تهذيب مدراج السالكين، لابن القيم الجوزية، حققه عبد المنعم صالح العلي العزي، الطبعة:1، المغرب، ص 322.

[22]  تزكية النفوس، للغزالي وابن القيم جمعها أحمد فريد، تحقيق ماجد بن أبي الليل، الطبعة:1 دار القلم بيروت ص 15- 17.

[23]  صيد الخاطر، لابن الجوزي تحقيق عبد الحميد هنداوي، الطبعة:1 المكتبة العصرية 2002 بيروت، ص 341-342.

[24]  المستخلص في تزكية الأنفس، ص: 268.

[25]  العبادة في الإسلام، ص 157.

[26]  المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية مكتبة الشروق الدولية مصر، الطبعة:4 سنة: 2004.ص:1024.

[27]  إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص 209 -210.

[28]  تربيتنا الرحية، لسعيد حوى، الطبعة: 4 دار السلام سنة:1995 القاهرة، 85-86.

[29]  الرسالة القشيرية، ص 218

[30]  المصدر نفسه، ص 218 – 220 – 221.

[31]  ذكر الله عزوجل، للدكتور الحسيني أبو فرحة، سلسلة كتب التصوف، رقم الكتاب 27، ص54-55.

[32] رواه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، باب رقم:11رقم الحديث: 2699 ج/4 ص:2074.

[33]  رواه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله تعالى، رقم الحديث:5928 ج/3 ص:307.

[34]  رواه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل التهليل، رقم الحديث:5924 ج/3 ص:305-306.

[35]  التصوف الإسلامي، لعبد القادر أحمد عطا، ط 1 دار الجيل 1987 بيروت، ج/ 1، ص: 271-277-278.

[36]  تفسير ابن كثير، ط 5 دار النهضة العربية 1996 بيروت ج/ 3 ص: 476.

[37]  الرسالة القشيرية، ص 220.

[38]  تهذيب مدارج السالكين، ص 463.

[39]  الأذكار النووية، للنووي الدمشقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، ص:13.

[40]  فتح الإله في شرح المشكاة، لابن حجر الهيثمي، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية بيروت، ج/7 ص:328.

[41]  ذكر الله سبحانه وتعالى للدكتور الحسيني أبو فرحة، ص 41-42.

[42]  تهذيب مدراج السالكين، ص: 468.

[43]  الوصايا، لمحي الدين بن العربي، الطبعة:1 دار الجيل 1988 بيروت ص: 11 – 16.

[44]  السلفية، للبوطي، الطبعة:1 دار الفكر سنة: 1988 دمشق ص: 191-192.

[45]  جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، لابن رجب الحنبلي، تحقيق محمد عبد الله السيد أحمد، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ص:498.

[46]  السلفية، للبوطي، ص:194.

[47]  ذكر الله سبحانه وتعالی، ص: 56 – 57.

[48]  تزكية النفوس، ص 45-47.

[49]  ابن تميمة والصوفية، لدرنيقة والمصري، الطبعة:1 مكتبة الإيمان المكتب الإسلامي سنة: 1992 مصر ص: 66.

[50]  تزكية النفوس، ص: 64.

[51]  رواه ابن ماجة في سننه، كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، رقم الحديث:4100، ج/ 2، ص: 1373-1374.

[52]  تزكية النفوس ص: 65.

[53]  مفتاح السعادة وتحقيق طريق السعادة، لأبي العباس بن العريف، جمعه أبو بكر عتيق من مؤمن، حققه عصمت عبد اللطيف دندش ط دار الغرب الإسلامي 1993 بيروت لبنان، ص 33-34.

[54]  ابن تيمية والصوفية، ص: 69.

[55]  المرجع نفسه، ص: 69.

[56]  المستخلص في تزكية الأنفس، ص 275 – 276.

[57]  الذريعة إلى مكارم الشريعة، للأصفهاني، مطبعة الوطن 1299 ه مصر، ص 161.

[58]  الفكر الصوفي، لمحمد أحمد لوج، الطبعة:1 دار الهجر للنشر والتوزيع 1996 الرياض، ج/1 ص:29-32.

[59]  تهذيب مدراج السالكين، ص:284-285.

[60]  المصدر نفسه، ص:286.

[61]  اللمع في التصرف، للطوسي، تصحيح رينولد نیکلسون، مطبعة أبريل 914اليدن هولندا ص: 44.

[62]  مفتاح السعادة وتحقيق طريق السعادة، ص: 54.

[63]  الرسالة القشيرية ص:110.

[64]  رواه ابن ماجة في سننه، كتاب الزهد باب الورع والتقوى حديث رقم:4217، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي مطبعة دار إحياء الكتب العربية وفيصل عيسى الباجي الحلبي ج/2 ص:1410.

[65]  التصوف منشؤه ومصطلحاته لأسعد السحمراني، الطبعة:1 دار النفائس 1987 بيرت ص: 128.

[66]  الرسالة القشيرية ص: 111- 113 – 114.

[67]  اللمع في التصرف للطوسي، ص: 46.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.