منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مصطلح الفكر الإسلامي

مصطلح الفكر الإسلامي/ د. فتحي حسن ملكاوي

0

مصطلح الفكر الإسلامي

د. فتحي حسن ملكاوي

الإسلام دين الله، الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس، فكل رسل الله بعثوا بهذا الدين.

والمسلمون يمارسون أركان الإسلام وأركان الإيمان بما يبلغهم من العلم، ما قلَّ منه أو كثُر. وما يبلغهم منه هو فهمهم البشري، أو فهم من علَّمهم إيَّاه. وهذا الفهم هو فهم بشري ناتج عن عمل فكرهم في النصوص، فالفكر هو فعل التفكير، ونتيجة هذا الفعل، وهو عمل بشري. يخطئ ويصيب. فثمة دين، وثمة فهم للدين؛ أي دين أنزله الله، وتديّن يمارسه البشر استجابة لأمر الله.

الفكر الإسلامي هو اجتهاد بشري ضمن ما يفهمه المجتهد من دلالات النصوص الإسلامية. ونصوص القرآن الكريم كلُّها قطعية الثبوث، لكنَّ معظمها ظني الدلالة، أما السنة فمعظمها ظني الثبوت ظني الدلالة. ومن أجل ذلك اختلفت المدارس الفقهية والأصولية والحديثية والكلامية -الفلسفية والصوفية… وكلُّها -كما يقول أبو الحسن الأشعري في مقدمة كتاب “مقالات الإسلاميين”– يحتويها الإسلام ويشتمل عليها. وما اختلفت هذه المدارس إلا لاختلاف تفكير مؤسسيها في الفهم. فلكل منهم جهد في التفكير ومن ثم فكر إسلامي.

المزيد من المشاركات
1 من 97

ومن يدّعي منهج السلف، ومنهج خير القرون “القرون الثلاثة الأولى” ليعطي لعلمه وفكره واجتهاده وفتواه سلطة الصواب، ليحكم على علم غيره وفكره وفتواه بالخطأ، ليس لادّعائه معنى. فقد بدأ اختلاف المدارس في هذه القرون. والادّعاء بأفضلية العلم على الفكر لا معنى له، فما اكتسب العلماء من علم إلا بالفكر والتفكير. وادعاؤهم بأفضلية الفقه على الفكر لا معنى له لأن الفقه هو الفهم، وهذا الفهم هو نتيجة الفكر والتفكير. وإذا ساد مصطلح الفقه –فترة طويلة- بمعنى فقه العبادات، فالاختلاف فيه كبير.

وإذا اعتمدنا الفقه بمعنى “الفهم مطلقاً” للنصوص، والمقاصد، وآليات التنزيل، أي الاجتهاد البشري في الفهم في سائر المجالات، فسيكون لدينا فهم؛ أي فقه أو فكر في السياسة، أي فكر سياسي، وفهم؛ أي فقه أو فكر في التربية، أي فكر تربوي، وهكذا.

ونخشى أن يكون رفض مصطلح الفكر هو من باب المماحكات اللفظية. فمن يرفضون ذلك لا يجدون حرجاً في تسمية أفكار الغربيين بأنها فكر غربي لأن مصدرها الغرب، منسوب للبشر الغربيين. وهو فكر غير إسلامي، ما دام أنّ مرجعيته غير إسلامية، بصرف النظر عما قد يكون فيه من صواب أو خطأ. لكنهم يرفضون إطلاق لفظ الفكر الإسلامي عندما تكون مرجعيته إسلامية، ومصدره فكر المسلمين. بصرف النظر عما فيه من صواب وخطأ.

نعم! فكر العلماء المسلمين ليس هو الإسلام. وإنما هو فكر مرجعيته ومصدره نصوص الإسلام. واجتهد هؤلاء العلماء في فهم هذه النصوص، لتوليد هذه: الأفكار، أو الآراء، أو المبادئ، ونحن نحسن الظن بأنهم اجتهدوا؛ أي بذلوا جهدهم في الوصول إلى ما يرونه الحق، ومع ذلك فالخطأ محتمل. والمفكر الإسلامي يفكر؛ أي يجتهد في التفكير في ممارسته لثلاث عمليات: عملية فهم (فقه) النص، وعملية فهم (فقه) الواقع، وعلمية فهم (فقه) تنزيل النص على الواقع. وإذا كان النص ثابتاً فإن فهمه ليس ثابتاً، وإذا كان الواقع متغيراً فليس من المستنكر أن يختلف تنزيل النص على الواقع. وإذا كان تنزيل النص على الواقع هو اجتهاد المجتهد، فقد عرفنا اختلاف الاجتهاد في زمن الرسول صلى الله وعليه وسلم، وفي زمن الصحابة، وفي جميع الأزمان بعد ذلك.

من المهم أن نؤكد قبل ذلك وبعده أن ثمة معلوماً من الدين بالضرورة، في كثير من مسائل العبادات والمعاملات، وهي أمور متفق عليها. وهي مسائل من الفكر البشري في فهم نص متفق على دلالته، وعلِمَتْهُ الأمة ومارسته طوال تاريخها. وهذا لا يعني أن ما نسمية “علوماً إسلامية” تختلف عما يمكن أن نسمية “فكراً إسلامياً” في احتمال وجود الصواب والخطأ. وفيما عدا المعلوم من الدين بالضرورة، يمكن أن يتغير الحكم بالصواب أو الخطأ في حالة أو زمن، عندما تلزم الفتوى في حالة أخرى أو زمن آخر، لأن الحكم الشرعي يدور مع المصلحة المشروعة، فحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، كما يقول الشاطبي، وذلك فيما سكت عنه الشارع، وتركه لعقولنا واجتهادنا في البحث عن المصلحة، وفي الوقت نفسه لا ننسى بالضرورة أن نعتقد أنه: حيث يوجد شرع الله فثم المصلحة.

وقد أخذ عالمنا الإسلامي يشهد على مدى القرون الثلاثة الأخيرة ثنائية نكدة في العلوم والمعارف البشرية، إذ بقي ما كان سائداً من علوم الأمة قبل اصطدامها بالغرب، وعرفت “بالعلوم الإسلامية”، وأصبح معظمها الآن في حكم التراث الإسلامي، وظهرت علوم حديثة ذات مرجعية غربية غالباً. وانشطر التعليم إلى مسارين متوازيين بثقافتين مختلفتين، وأحياناً بلغتين مختلفتين. وغلب مصطلح العلم ليدل على العلوم الإسلامية، وحبب إلى بعض الناس مصطلح الفكر ليدل على العلوم الحديثة وما فيها من أفكار. ثم ظهرت محاولات الجمع أو التوفيق أو التكامل بين المسارين، ونشأ عن هذه المحاولات بعض الاحتكاك والتقابل والتحيز لمصطلحات دون أخرى، فيما يعده حماة كل طرف هو الأولى والأجدر بتحقيق مصلحة الأمة.

ونشعر بأن تقييم علوم كل من المسارين يحتاج إلى معايير بعضها خاص بكل منها وبعضها مشترك بينهما، ومع ذلك فإنه ليس من المستغرب أن نجد في كل منهما أفكار حية، وأفكار ميتة، وأفكار مميتة. وعليه فإن ما يمكن أن نسميه اليوم علوماً إسلامية معاصرة أو فكراً إسلامياً معاصراً، في أي مجال من المجالات: السياسة، والاقتصاد، والتعليم، وغيرها، يحتاج إلى تمحيص ما في التراث من فكر، وما في الواقع المعاصر من فكر، ليلتقط الأفكار الحية من المصدرين، ويعيد تنزيل فهمه للنصوص وفق مقاصدها، وينزلها على الواقع وفق اجتهاد علمائه ومفكريه، اجتهاداً هو الأجدر في تحقيق المصالح المشروعة للأمة، في واقعها ومستقبلها.

ومع الفوارق الدقيقة بين المصطلحات السائدة اليوم لكل من العالم والمفكر والمثقف والفيلسوف، والمصلح والخبير… ليس ثمة ما يمنع أن يكون العالم مفكراً، عندما يجمع ما غلب على خصائص العالم من تخصص دقيق في علم أو فرع من علم، والإبداع في موضوعه وحل بعض مشكلاته، وعلى خصائص المفكر في امتلاكه لمنهج متميز في النظر الدقيق والتفكير العميق في فهم القضايا العامة ولا سيما المعقدة، وربطها بالواقع والحياة العامة. وبالقدر نفسه ليس ثمة ما يمنع من أن يكون المفكر فيلسوفاً. وقد يكون المصلح أو الداعية عالماً أو مفكراً أو مثقفاً أو فيلسوفاً، أو يجمع صفتين أو أكثر من صفات هؤلاء.

ولا نجد حرجاً من التنويه بشخصيات إسلامية معاصرة عُرفت في مجال “الجهاد الفكري” منذ مطلع القرن العشرين، ومع ذلك فينبغي أن نلفت الانتباه إلى حقيقة أن بعض من عُرف في ميدان الفكر الإسلامي، أو حاول أن يعرِّف بنفسه في هذا الميدان، كانوا دخلاء على الفكر الإسلامي، وأشعلوا في ميدانه معارك هامشية، لكنها استغرقت كثيراً من الجهد والوقت، وربما كانت جهود بعضهم ناتجة عن اجتهادات خاطئة، ومحاولات مخلصة ينقصها العلم، ولكن بعضها الآخر كان عملاً مدبراً ماكراً، يقصد به الإسهام في إحداث البلبلة والفوضى الفكرية في المجتمعات الإسلامية.

ولا نجد ما يمنع من استعمال مصطلحات استجدت لتصف حالات كانت تُطلق عليها مصطلحات أخرى. فقد عرف التراث استخدام مصطلح الفقيه والمحدث والأصولي والمؤرخ والمفسر، ليعني أنَّ شخصاً غلب عليه العلم بالفقه أو الحديث أو الأصول أو التاريخ أو التفسير. فهذه المصطلحات نشأت بعد تمايز العلوم وتخصص العلماء في كلٍّ منها.

فمصطلح علم أصول الفقه مثلاً لم يعرف إلا بعد مراحل من تطور علم الفقه، وظهور الحاجة إلى قواعد لضبط مناهج استنباط الأحكام الفقهية، ثم جاءت صفة من يضع هذه القواعد ويشرحها ويوظفها لتطلق على عالم معين. وهكذا سائر العلوم.

فكل العلوم والمعارف في حالة تطور وتجدد، وتنشأ لها من الأسماء والمصطلحات ما يدل عليها ويميز كلاً منها عن غيره.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.