منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: لحظات مع النبيﷺ في رحلتي الإسراء والمعراج

خطبة: لحظات مع النبيﷺ في رحلتي الإسراء والمعراج/ للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

خطبة: لحظات مع النبيﷺ في رحلتي الإسراء والمعراج

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي أكرم المصطفىﷺ بمعجزة المعراج والإسراء، وأشهد أن لا إله إلا الله المستحق لكل مدح وإطراء، المنعم علينا بنعم فاقت الإحصاء والاستقراء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي دفع عنا الشر والضراء، وجلب إلينا الخير والسراء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين صفا إيمانهم في غير شك ولا مراء، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تولدت من الأفكار الآراء.

أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

في شهر رجب على المشهور وقعت معجزة الإسراء والمعراج؛ هذه المعجزة التي خرقت النواميس المعهودة، وعطلت القوانين المعروفة في العادة، والقاعدة في العادة (أن المكان كلما ابتعد طال الزمن في قطع مسافته)؛ ولكن النبيﷺ رحل ليلة الإسراء إلى أبعد الأمكنة في أقل الأزمنة؛ حين أسرى الله بهﷺ في رحلة أرضية من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به في رحلة سماوية إلى ما فوق سبع سماوات، إلى (قاب قوسين أو أدنى)، حيث رأى من آيات ربه الكبرى، وهذه الرحلة ثابتة بنص القرآن الكريم، وذكر النبيﷺ بعض تفاصيلها؛ فلا مجال لإنكارها فمن أنكرها فقد أنكر القرآن نفسه؛ يقول الله تعالى: في رحلة الإسراء: {سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ ‌أَسۡرَىٰ ‌بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ}، ويقول سبحانه في رحلة المعراج بأسلوب الرد على المنكرين: {‌ثُمَّ ‌دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ}...

فتعالوا بنا اليوم لنفتح شاشة الإيمان؛ ولنضغط على زر الاشتغال فتشعل الشاشة؛ ولنشاهد ببصائر قلوبنا النبيَّﷺ في هذه الرحلة العظيمة فأقول:
بينما النبيﷺ ليلا قرب الكعبة المشرفة، وفجأة يأتيه جبريل عليه السلام، فيأمره بالاستعداد للرحلة، وقبل الانطلاق أجريت له عملية شق صدرهﷺ حيث تم غسل قلبه بماء زمزم، «فمُلئ حكمة وإيمانا» كما في صحيح البخاري.

ثم بدأت الرحلة الأرضية رحلة الأسراء، على متن مركب ملائكي اسمه البراق، سرعته فاقت سرعة البرق، وعلى لمح البصر كانﷺ في المسجد الأقصى، حيث وجد في انتظاره جميع الأنبياء والمرسلين فصلى بهمﷺ إماما، وبذلك نال مرتبة إمام الأنبياء والمرسلين ولم تكن لغيرهﷺ.

وفي مراسم الاستقبال في المسجد الأقصى قدم له الحليب والخمر؛ فاختارﷺ الحليب لأنه يوافق الفطرة بنوعيها: فطرة الدين لأنه حلال، وفطرة البدن لأنه مفيد للصحة، بينما رفضﷺ الخمر لأنه مفسد لفطرة الدين لكونه حراما، ولفطرة البدن لكونه مضرا بالصحة؛ ولو لم يكن في الخمر إلا هذا الرفضُ النبويُّ لكفى المسلمين من أجل اجتناب كل ما يسكر ويخدر العقول.

ثم بدأت الرحلة السماوية رحلة المعراج، فانطلقت من قوق الصخرة التي بنيت عليها الآن تلك القبة الذهبية المعروفة في المسجد الأقصى، والتي صارت رمز المسجد الأقصى؛ بل رمز مدينة القدس المحتلة اليوم من طرف الصهاينة الظالمين؛ بل رمز معاناة أهل فلسطين؛ بل رمز الأمة المسلمة كلها؛ وما ضاعت الأمة إلا حين ضيعت رموزها؛ عرج بهﷺ فجاب أقطار السماوات العلا؛ ففي السماء الأولى استقبله آدم، وفي الثانية استقبله ابنا الخالة: يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم عليهم السلام، ورأى كما في صحيح البخاري «البيت المعمور.. يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه».

وهنا يعترض بعض من يقيس الأمور الربانية بمقاييس بشرية، فيقول: كيف يصلي النبيﷺ بالأنبياء إماما في القدس، ثم يستقبلونه في مواقع السماوات؟!
والجواب: أن الأمر بسيط؛ وبالمثال يتضح المعنى -كما يقال-: فلو جاء مسؤول كبير لمدينتا أفلا تستقبله النخبة من رجال السلطة والأعمال في المطار، ثم نفس النخبة سيجدها مستقبلة إياه ومرحبة به في مقر إقامته، ثم نفس النخبة في مقر اجتماعه وفي أماكن زياراته التفقدية للأشغال والمشاريع؟ فإذا كان هذا أمرا عاديا بالنسبة لنا؛ فكيف بالنسبة لله سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى؟ فبعد أن صلىﷺ بالأنبياء إماما رجعوا على الفور إلى مواقعهم في السماوات منتظرين استقباله.

وفي هذه الرحلة كشف الله تعالى للنبيﷺ عن أمور كثيرة؛ منها مشاهد هي بمنزلة الترغيب والترهيب(1)؛ حيث شاهدﷺ صورا تبين ثواب أناس فعلوا الخير في الدنيا، وعقاب أناس فعلوا الشر فيها؛ وهي كالتالي:

● أولا: مشاهد في أعمال الخير:

• منها: أنهﷺ شاهد عبادات الملائكة، لا أقول ملايين ولا ملايير ولا بلايين من الملائكة؛ لأنها هذا حساب الدنيا؛ بل أقول: شاهدﷺ عددا لا يحصى من الملائكة؛ منها من كانت عبادته الوقوفَ، ومن يتعبد بالركوع، ومن يتعبد بالسجود، ومن يتعبد بالجلوس؛ وهذه الأفعال الأربعة جمعها الله لنا في الصلاة، حتى يوافق المسلم في صلاته عبادة الملائكة؛ فأنت حين تسجد لله فقد سجد معك عدد لا يحصى من الملائكة وكذلك في قيامك وركوعك وجلوسك في الصلاة.

منها: أنهﷺ شاهد المجاهدين يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، والجهاد لا يعني الحرب دائما؛ بل الجهاد أيضا اقتصاد وإعلام وتعليم وصحة وصناعة ومواقع الخير على شبكات الأنترنت؛ فكل من يؤدي واجبه كاملا دون غش ولا خيانة فهو مجاهد في سبيل الله؛ وقد قال النبيﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله».

● ثانيا: مشاهد في جرائم الأموال:

منها: أنهﷺ شاهد الذين يأكلون بالربا، يسبحون في بحر من الدماء؛ لأنهم قد امتصوا في الدنيا دماء الناس، بطونهم منتفخة أمثال البيوت، كلما حاول أحدهم القيام سقط، والناس يسحقونهم بأرجلهم، لأنهم كانوا في الدنيا يسحقون قلوب الناس بالربا، والله تعالى يقول: {ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ‌ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّ}.

منها: أنهﷺ شاهد آكلي أموال اليتامى لهم مشافر كمشافر الإبل، في أيدهم قطع من النار كالأحجار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم، والله تعالى يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ‌ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗا}؛ وقد قاس سيدنا عمر -رضي الله عنه- المال العام على مال اليتيم؛ فكل من اختلس منه بغير حقه يكون كمن أكل مال اليتامى؛ وهذا يسمى الغلول وفي مصطلح العصر يسمى التَّهْرِيب.

منها: أنهﷺ شاهد مانعي الزكاة؛ يسرحون كما تسرح البهائم إلى الضريع والزقوم، وهما من نباتات جهنم، يقول النبيﷺ فيما روى الترمذي: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم؛ فكيف بمن يكون طعامه؟!»؛ ومنع الزكاة يسمى الكنز؛ والله تعالى يقول: {وَٱلَّذِينَ ‌يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} ويسمى اليوم التَّهَرُّب.

منها: أنهﷺ شاهد المتهافتين على المناصب، الذين يتحملون ما لا يستطيعون من أمور الناس، فيضيعونها؛ شاهدهم في صورة رجل جمع على ظهره في جهنم حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يريد أن يزيد عليها.

● ثالثا: مشاهد في جرائم أخلاقية:

منها: أنهﷺ شاهد الزناة بين أيديهم لحم طيب ولحم خبيث، فيأكلون من الخبيث رغما عنهم، والطيب بين أيديهم؛ لأن من يمارس الزنا وهو متزوج يترك زوجه في الحلال الطيب ليركس نفسه في أحضان فُسَّاق أشبه بمراحيض متنقلة؛ وفي رواية شاهدﷺ الزانيات بالخصوص يعذبن وهن معلقات بأثدائهن.

منها: أنهﷺ شاهد عقاب خطباء الفتنة الذين يقولون ما لا يفعلون، تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض (أي بمقاص) من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت.

منها: أنهﷺ شاهد الذين يغتابون الناس ويتتبعون عوراتهم يخمشون وجوههم بأظافر من نحاس، ثم تعود كما كانت فيخمشونها مرة أخرى؛ سواء فعلوا ذلك في الواقع الاجتماعي أو في المواقع الاجتماعية.

منها: أنهﷺ شاهد الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى فيضيعونها ترضخ رؤوسهم بالصخور كلما رضخت عادت كما كانت، لا ينقطع عنهم ذلك أبدا، وترك الصلاة من جرائم الأخلاق لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

تلكم هي بعض المشاهد التي رفع النبيﷺ الستار عنها؛ فهي بمنزلة الترغيب لمن أحب خير الأمور، والترهيب لمن غرق في مستنقعات الشرور؛ وقد أرسل الله تعالى نبيهﷺ بشيرا ونذيرا…

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

 

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ وفي منتهى الرحلة انتقلﷺ إلى سدرة المنتهى حيث فرض الله عليه الصلوات، فكانت أولَ أمرها خمسين صلاة، ولكنها بمشورة من سيدنا موسى -عليه السلام-، خففت حتى صارت خمس صلوات، فقال الله تعالى كما في صحيح البخاري: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وأجزي الحسنة عشرا» وفي رواية له أيضا: «لا يبدل القول لدي»؛ فهي خمس في الأداء ولكنها خمسون في الجزاء؛ فدل ذلك على عظمتها، حيث إن الفرائض كلها فرضها الله تعالى بواسطة والنبيﷺ على الأرض، إلا الصلاة فقد فرضها مباشرة والنبيﷺ قاب قوسين أو أدنى.

وعلى سبيل المثال: فالمسؤول في أ ي إدارة اليوم تأتيه الملفات العادية من عاصمة بلاده عبر وسائط؛ ولكن الملف الأهم لا بد أن يذهب ليتسلمه بنفسه من غير واسطة ولله المثل الأعلى؛ فملف الصلاة أهم وأعظم؛ لأنها عمود الدين والصلة اليومية بين الإنسان وربه؛ بل هي المعراج اليومي لروح المؤمن كل يوم؛ من حافظ عليها فاز وَأَنْجَحَ، ومن ضيعها خاب وَأَجْنَحَ؛ أي: ارتكب جُنحة؛ يقول رسول اللهﷺ: «إن أول ما يُحاسَبُ به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاتُه؛ فإن صلحت فقد أفلح وَأَنْجَحَ، وإن فسدت فقد خاب وخسر».

وهنا نتساءل: لماذا كانت الرحلة الأرضية قبل الرحلة السماوية؟ ففي استطاعة الله تعالى أن ينقل الرسولﷺ إلى المعراج مباشرة من المسجد الحرام؛ ولكنه سبحانه قدم رحلة الإسراء أولا لينبه الأمة إلى مكانة المسجد الأقصى، ثم لتكون دليلا ملموسا على المعراج، ولذلك لما سألهﷺ كفار مكة بأسلوب التحدي وجد الدليل في الإسراء، حيث وصفﷺ لهم القدس وهم يعلمون أنه لم يزرها قط، كما تحدث لهم عن قافلة تجارية تابعة لهم مر بها في الطريق فوصفها وحدد مكانها وما وقع لها تلك الليلةَ؛ ومن هنا نتعلم أن المسلم مطالب بإقناع غيره بالأدلة النقلية الصحيحة، والعقلية السليمة، والبراهين الدامغة، والحجج البالغة؛ فلا تثبت حقيقة مع الأوهام، ولا يتحقق حق مع الشكوك.

وإذا كان لكل عائد من سفره هديةٌ يقدمها لأحبابه وأهله بعد عودته؛ فإن هدية النبيﷺ في عودته من رحلتي الإسراء والمعراج هي هذه الصلاة؛ فمن ضيعها فقد رفض هدية النبيﷺ؛ يقول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…


(1) انظر هذه المشاهد دلائل النبوة للبيهقي: (2/392)، ومجمع الزوائد للهيثمي: (1/67) (رقم:235).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.