منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) مظاهر التشكيك في ثوابت ومصادر الوحي للدكتور عصام البشير

مظاهر التشكيك في ثوابت ومصادر الوحي للدكتور عصام البشير/ عبد العزيز ثابت  

0

 

مظاهر التشكيك في ثوابت ومصادر الوحي للدكتور عصام البشير

من إعداد الأستاذ عبد العزيز ثابت  

في إطار نشر موقع منار الإسلام لمضامين محاضرة ” دور العلماء في الحفاظ على ثوابت الأمة “ التي ألقاها الشيخ الدكتور عصام أحمد البشير نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عبر منصة بيان للتدريب والبحث العلمي يوم السبت 5 يونيو 2021 الموافق لـ 24 شوال 1442 على الساعة التاسعة مساء بتوقيت ماليزيا، الرابعة مساء بتوقيت مكة المكرمة، وبعد نشرنا للحلقة الأولى التي تضمنت ثلاث مسائل دققت المقصود بكل من العلماء والأمة، وحاجة الأمة للعلماء، وننشر اليوم الحلقة الثانية المركزة على مظاهر التشكيك في ثوابت و مصادر الوحي، فمتابعة طيبة.

المظهر الأول: استهداف القرآن الكريم وإضعاف صلة الأمة به.

المزيد من المشاركات
1 من 31

العلماء الربانيون الذين زاوجوا بين العلم و العمل و زاوجوا كذلك بين الارتباط بأصلهم و بين الاتصال بعصرهم هذه المزاوجة، و كانوا أصحاب همة عالية متوثبة عليهم أن يدركوا طبيعة التحديات في هذه المرحلة، و منها أن هناك ثمة مقاتل كثيرة، أول هاته المقاتل التي نشير إليها و يتعين على الأمة أن تنهض لصد كيد الكائدين و دحر الشائنين هي قضية الثوابت المتعلقة بمصادر الوحي نفسها والهجوم على القرآن الكريم و اعتبار أنه التشكيك في كونه الوحي الرباني و قدس الأقداس و أصل الأصول و الحديث عن النسبية و عن التاريخانية في قضية النص، هذه المدرسة الحداثية اليوم التي تطرح مفاهيم جديدة، شحرور و عابد الجابري و نصر أبو زيد، لا أريد أن أخوض في كل الأسماء فأنتم المدرسة تعرفونها و لكن جهات كثيرة تحاول أن تضعف الصلة، صلة الأمة بهذا الركن الركين، أو هذا قدس الأقداس و أصل الأصول الذي نستمد منه صفاء المنهج و سلامة العقيدة و شعائر التعبد و جوامع القيم، و نستمد كذلك منه رسالة الهداية للبشرية كلها. وكذلك التشكيك في هذا القرآن مصدرا والتشكيك في طرائق فهمه واستيعابه، هذا كله فيه استنهاض لهمم الأمة هنا بالمعنى الخاص، الأمة العلمانية، أن تعكس من خلال دوائر التخصص وأن يتكامل دورها لأن المقام هنا ليس التفصيل لطبيعة هذه الثوابت التي يشكك فيها، ولكن أيضا هناك جانب آخر يتعلق بالتشكيك في ثوابت ومصادر الوحي.

المظهر الثاني: إبعاد السنة عن مفهومي الوحي والذكر المحفوظ.

الوحي عندنا نوعان: وحي متلو متعبد بتلاوته معجز بلفظه و هو القرآن الكريم و هنالك وحي السنة النبوية غير المتعبد بتلاوته و غير المعجز بلفظه.

أيضا ثمة سهام مصوبة إلى السنة:

أولا في محاولة إخراجها من مفهوم الوحي، الأمر الثاني في محاولة إبعادها من مفهوم الذكر الذي تكفل الله بحفظه، فيقولون بأن القرآن حُفظ، تكفل الله بحفظه، و أن كلمة الذكر {إنا نحن نزلنا الذكر} لا تشمل وحي السنة، إنما تشمل وحي القرآن، و أن السنة وقع النهي عن كتابتها في عهد النبي صلى الله عليه و سلم، و أن تدوينها جاء متأخرا و اعتمد فيه على ذاكرة الأجيال، و بالتالي لا نستطيع أن نجزم بأن هذا الذي ينسب إلى النبي صلى الله عليه و سلم هو حقيقة و عين ما صدر عنه صلى الله عليه و سلم. فالتشكيك في كونها وحيا والتشكيك كذلك في كونها محفوظة تبعا لحفظ هذا الذكر، وهذا شيء خطير جدا لأن الله تعالى وكل إلى نبيه أن يقوم ببيان ما أنزل إلى الناس، وهذا البيان يشمل جزءا منه نظري والجزء الكبير منه عملي، بمعنى أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مجموعها وتكاملها ومحطاتها حربا وسلما ودعوة وجهادا وشعائر وشرائع وقيما كلها في مجموعها تمثل التمثل العملي للقرآن الكريم.

المظهر الثالث: التشكيك في نَقَلة الوحي والقطيعة المعرفية.

ثم هنالك ثمة شبهات في نقلة الوحي وهذه من الثوابت، نقلة الوحي وهم الصحابة رضي الله عنهم الذين نالوا وتبوؤوا أن يكونوا غراس تربية النبي عليه الصلاة والسلام: (أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يعادون). الصحابة الذين كانوا هم نقلة القرآن الكريم إلينا نقل التواتر جيلا عن جيل وقرنا بعد قرن، وكذلك هم نقلة السنة نقلا إما حفظا لها في الصدور أو كتابة لها في السطور أو نقلا أيضا تواترا عمليا كصفة صلاته وصفة حجه وصفة صيامه وصفة ذكره وصفة دعائه وغير ذلك مما نقل عنه صلى الله عليه وسلم. فالتشكيك في الصحابة أمر خطير جدا وسيجعل هنالك قطيعة معرفية في مصادر المعرفة. إذن هنالك عندنا مصادر المعرفة المتعلقة بالقرآن الكريم، تتعلق بالسنة النبوية ثم كذلك حتى في نقلة السنة من الصحابة ثم كذلك في منهج فهم السنة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

المظهر الرابع: تجريد السنة من دلالتها التشريعية.

هنالك شبهات تجرد السنة عن كثير من دلالتها التشريعية، وكأن ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم إذا صحت النسبة فهي أقوال قيلت باعتبار البيئة والزمان والمكان وبالتالي لا تعطيها التسلسل الزمني الذي نستطيع من خلاله أن نثبت حجيتها واستمداد هدايتها للبشرية وغير ذلك وإنما ننسبها بقاعدة التاريخانية لذلك الظرف وتلك البيئة ولا نتجاوز بها هذه المسألة. التوسع أيضا في مفهوم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، وكأن مفهوم الدنيا لا تأتي الشريعة حاسمة له حتى إن لم يكن بأحكام جزئية بهدايات ومبادئ موجهة وكليات تضبطها، فهذا أيضا من الشبهات التي تصب في أصل الأصول.

المظهر الخامس: التشكيك في منهج العلماء في ضبط علم الحديث.

ثم هنالك شبهات تتعلق بدور العلماء أيضا في كشف هذه الشبهات: نقلت الأحاديث النبوية من أئمة الإسلام مثل البخاري ومسلم وأئمة السنن وأئمة المستدركات والمستخرجات والمعجمات وكل العلماء الذين ضبطوا علم الحديث ضبطا حتى كاد يحترق، فالآن هنالك دعوة للتشكيك في كل هذا المنهج، المنهج الذي قام عليه علم الجرح والتعديل وكذلك ضبط الرواية وفهم الدراية. علم الحديث يمشي في مساقين: الرواية والدراية، والرواية لها أصولها وأن أهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيح وضعيف وحسن، فالأول المتصل الإسناد*** بنقل عدل ضابط الفؤاد *** عن مثله من غير ما شذوذ *** أو علة قادحة فتودي. اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلو الحديث من الشذوذ أو العلة القادحة. فهذا علمه رواية، وهنالك علمه دراية، هنالك أيضا حملة للتشكيك في هذا المنهج والتشكيك في حملته، كالحملة على البخاري ومسلم وغير ذلك. فهذه معركة طويلة يحتاج العلماء في الدفاع عن هذه الثوابت أن يتسلحوا أولا بالإخلاص وبعلو الهمة وبالتعاون والتآزر والتناصر ورابعا بعميق البحث المتأني المتأمل المستبصر المستوعب لهذه القضايا وأن يكون الرد ردا علميا لتحقيق السكينة والطمأنينة في مسيرة الأمة للأجيال.

المظهر السادس: تراث السلف بين التقديس والتبخيس.

هنالك من بعد ذلك نأتي إلى شبهات للعلماء أن يتصدوا لها وهي مسألة إقامة القطيعة المعرفية مع التراث الذي خلفه سلفنا الصالح. ونحن في التراث نقصد جهود البشر، الجهد الذي خلفه علم أسلافنا، إن كان في علوم العقيدة أو التفسير أو الحديث أو الفقه أو الأصول أو علم التزكية أو غير ذلك فهو في النهاية جهد بشري لا عصمة فيه ولا قداسة، والناس فيه بين طرفين: بين طرف المقدسين لهذا التراث وإن بدا فيه قصور البشر وبين المبخسين للتراث وإن تجلت فيه روائع الهداية. يعني بين تقديس وتبخيس، بين جمود وجحود. فهنا الجامدون وقفوا، الذين اعتبروا أن كلمة الفصل قالها الأقدمون، وبالتالي أغلقوا الطريق على كل المحاولات الجادة للاجتهاد وللإضافة وللإصلاح وهذا ليس بسليم. وبالطرف المقابل من أراد أن يقيم القطيعة المعرفية ويعتبر علينا أن نهيل التراب على كل هذا الكسب المعرفي لجهد أسلافنا وكأننا نبدأ من الصفر. ونحن أمة نؤمن بمبدإ التراكم المعرفي والتكامل العلمي والعملي: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم}. فهذا جهد أيضا علمي يتصل بدور العلماء في ضبط ما يسمى بفقه الميزان في منهج التعامل مع التراث، تراث أسلافنا الصالحين دون تقديس أو تبخيس، دون جمود أو جحود. كيف ننتفع بأفضل ما خلفه علماؤنا وأن نعمل على إضافة ما يستدعيه الواقع؟ هذه أيضا من القضايا التي ينبغي أن يتصدى لها العلماء بوعي.

يتبع في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.