منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا تحرير بلا تحرر (تسلم عمر مفاتيح القدس ووفاة الحجاج) حدث في رمضان (الحلقة 13)

محمد سكويلي  

0

في مثل هذا اليوم 13 من رمضان تسلم عمر بن الخطاب الإمام العادل مفاتيح بيت المقدس بعد مسيرة من الجهاد بجميع أبوابه، حتى أقام الله على يديه دولة ساست الدنيا بإقامة العدل، وحرست الدين بترسيخ جميع معاني الإحسان، وفي نفس اليوم توفي الحجاج بن يوسف الثقفي القائد الجبار بعد مسيرة من الجور والاستبداد، والقتل والاستعباد، وفي ذلك إشارة أن لا تحرير للأقصى اليوم إلا بعد التحرر من الأهواء والشهوات، ومن وسوسة الشيطان وجور السلطان، وكل ذلك يتطلب مجاهدة للنفس حتى تتحرر من أنانياتها وعاداتها و ذهنياتها، فاللهم استعملنا لخدمة دينك، ولا تخالف بنا عن نهجك، واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، فلنتابع على بركة الله.

أولا: عمر بن الخطاب يتسلم مفاتيح بيت المقدس

في اليوم 13 رمضان 15هجرية، الموافق 18 أكتوبر 636م، وصل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى فلسطين، وتسلم مفاتيح مدينة القدس. وقام بتأمين المسيحيين على أرواحهم وشعائرهم الدينية.

بداية.. كانت القدس مدينة مهمة من المقاطعة البيزنطية في السنوات قبل الفتح الإسلامي، وفي عام 614 م غزا الساسانيون المدينة أثناء الحروب الساسانية البيزنطية، وقام الفرس بنهب المدينة، وذبحوا 90 ألف مسيحي، واضطهدوا جميع من في المدينة، وكان ذلك بمساعدة اليهود.

بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلفه أبو بكر الصديق، الذي قام بـ «حروب الرِّدة” وأرجع السيادة على الجزيرة العربية، وبدأ الفتح الإسلامي في الشرق من خلال غزو العراق، مقاطعة من الإمبراطورية الفارسية الساسانية. وعلى الجبهة الغربية، غزت جيوشه الإمبراطورية البيزنطية.

المزيد من المشاركات
1 من 69

بعد وفاة أبي بكر الصديق، خلفه عمر بن الخطاب، وفي عهده أطلق الإمبراطور هرقل حملة كبيرة لاستعادة الأراضي المفقودة، لكن خاب ظنه وهُزم في معركة اليرموك عام636 م، وبعد أن انتصر المسلمون في اليرموك، أمر أبو عبيدة خالدا أن يخرج في إثر الروم إلى أن وصل حمص، وأخذ أبو عبيدة جيشه إلى دمشق؛ فقسم أبو عبيدة رضي الله عنه منطقة الشام إلى 4 مناطق:

الأولى: دمشق وما حولها بإمارة يزيد بن أبي سفيان،

الثانية: منطـقـة فلسطين بإمرة عمرو بن العاص،

الثالثة: منطـقـة الأردن بإمرة شُرَحْبِيل بن حسنة،

الرابعة: حمص وما حولها، بإمرته هو.

لما انتهى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من فتح دمشق، كتب إلى أهل إيلياء -وإيلياء هي القدس- يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، فرفضوا أن يُجِيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده، واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس، وطلب من أهلها الصلح، ولكنهم رفضوا، وقال رهبانهم: “لن يفتحها إلا رجلٌ، وذكروا بعض الأوصاف الجسمية لرجل معين، وأن اسمه يتكون من ثلاثة حروف، فوجد المسلمون أن هذه المواصفات لا تنطبق إلا على الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وقام عمر بن الخطاب باستشارة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب للذهاب إليهم بنفسه، فأشار عليه عثمان بألا يذهب، وأشار عليه علي بأن يذهب، فأخذ عمر برأي علي بن أبي طالب، فجاء عمر رضي الله عنه من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، وقام باستخلاف علي رضي الله عنه على المسلمين في المدينة المنورة.

ذهب عمر ليتسلم مفاتيح القدس، ولكنه لم يدخل عمر إلى القدس مباشرة، وإنما ذهب إلى منطقة الجابية وكان المسلمون هناك مستعدين لاستقباله مع أبي عبيدة بن الجراح وخالد ويزيد، فرحبوا به ترحيبا عظيما، وقام عمر يخطب فيهم خطبة ويقول: “أيها الناسُ أصلحوا سرائركم تَصلُحْ علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تُكْفَوْا أَمْرَ دنياكم”، وقال أيضا: “فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد“.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 27

بعد ذلك دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس وتسلم مفاتيحه وأعطى المسيحيين الأمان والحرية في عبادتهم وشعائرهم الدينية، ثم حضر العوّام والي القدس إلى الجابية واتفقا على صلح القدس، وكتب عمر بن الخطاب (العهدة العمرية)، التي سطرها التاريخ بحروف من نور، وأجمع عليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارّ أحدٌ منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، (لأنهم كانوا يعادون اليهود عداءً حقيقيا)، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرِجُوا منها الروم، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصُلُبَهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فعليه مثل ما على أهل إيلياء، ومن شاء أن يسير مع الروم، سار مع الروم وهو آمن، ومن شاء أن يرجع إلى أهله، رجع إلى أهله، وهو آمن، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان وكُتِبَ وحُضِرَ سنة خمس عشرة“.

بعد ذلك دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد كنيسة القيامة، فلبّى دعوته، وأدركته الصلاة وهو فيها، فالتفت إلى البطريرك، وقال له: “أين أصلى؟”، فقال: “صلِّ مكانك”، فخشي عمر أن يصلي فيها فيتخذها المسلمون من بعده مسجدا، فقال: “ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا“، وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى، بعد ذلك بُني “مسجد عمر” في البقعة نقسها التي صلى فيها الخليفة عمر بن الخطاب، واستمر الحكم الإسلامي على القدس لمدة 400 سنة متتالية، إلى أن جاءت الحملة الصليبية الأولى في عام 1099.

ثانيا: وفاة الحجاج الثقفي

في اليوم 13 رمضان 95هجريةـ، الموافق 714 م توفى الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل أبو محمد الثقفي، من مواليد سنة 42 هـ بمدينة الطائف التي تقع بمكة المكرمة، وقد نشأ في أسرة متعلمة وأيضًا مثقفة، وقد اشتهر بتعليم الأبناء بالطائف، ولكن الحجاج بن يوسف قد ترك التعليم، ثم التحق بعد ذلك بالجيش الأموي. هو سياسي أموي، وقائد عسكري، من أشهر الشخصيات في التاريخ الإسلامي والعربي، طاغية متجبر عُرف بـ (المبير). وخطيب بليغ. والى الكوفة الواقعة في العراق أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، لعب دوراً كبيراً في تثبيت أركان الدولة الأموية، سير الفتوح، خطط المدن، وبنى واسط. وحاصر مكة وهدم الكعبة بالمنجنيق. واختلط في المخيلة الشعبية بروايات مبالغ فيها تدل على ميراث الرعب الهائل الذي خلفه. وأهم ما فعله هو القضاء على دولة عبد الله بن الزبير، التي أعلنها عام 63 للهجرة، بعد رفضه مبايعة يزيد، وقد بايعه أهل الحجاز على ذلك.

نشأ الحجاج بن يوسف الثقفي بعائلة كريمة من ثقيف، ووالده معروف عنه بالالتزام والتميز، حيث أنه كان مُطلعًا على فضائل الآداب، وكان قد كرس حياته من أجل تعليم الأبناء القرآن الكريم، ودون أن يتلقى أي أجر، وقد حفظ الحجاج حينها كتاب الله.

وقد بدأ الحجاج في الجلوس بحلقات الأئمة والتابعين منهم أنس بن مالك بالإضافة إلى عبد الله بن عباس، ثم انخرط بتعليم الصبيان وقد أثرت تلك النشأة على فصاحته، وكان مُتصل بقبيلة هذيل وهي كانت أفصح العرب وقد برع بمجال الخطابة، تباينت آراء المؤرخين سواء القدماء أو المحدثين بشخصية الحجاج، فمنهم من مدحه، ومنهم من ذمه، كما أن هناك تأييد كبير لسياسته من ناحية، ومعارضة له من ناحية أخرى، ولكن يبقى سجله دالا على أن الاستبداد منذر بالخراب والدمار، فعصره كان مليئا بالفتن وأيضًا المشاكل والتدافع بين الحق والباطل، فالحجاج اتبع طريقة مبالغ فيها، حيث أنه قد أسرف بقتل كافة الخارجين عن أمر الدولة، وهو ما جعل المؤرخين يجمعنا على أن الإنسان يطغى لما ينسى المولى، توفى الحجاج بمدينة واسط عام 714م و95 هــ، وقد أُصيب الحجاج بمرض شديد وقد قيل أنه سرطان المعدة، وكان عمره 55 عامًا، وترك وصيته وهى ” بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف: أوصى بأنَّه يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث” ودُفن الحجاج بواسط وقد حزن الوليد بن الملك بشكل شديد، وكان كافة الناس يقومون بالعزاء فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.