منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من صحيح ما ذكر في شهر شعبان

المصطافي حسنة

0

اختص رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر شعبان بكثرة الصيام، وقد ورد في ذلك روايات صحيحة، منها ما ورد في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان»[1]

واختُلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان، وقد نقل ابن حجر أقوال  بعض العلماء في ذلك، ورجح واحدا منها بقوله:« والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأبو داود وصححه بن خزيمة عن أسامة بن زيد قال:    « قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟» قال: ” ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”». [2]

وقد استنبط ابن رجب فوائد من حديث أسامة بن زيد، نذكر منها معنيين:

« أحدهما: أنه شهر “يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان” يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولا عنه وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك وروى ابن وهب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت: ذكر لرسول الله ناس يصومون رجبا؟ فقال: “فأين هم عن شعبان”.

وفي قوله: “يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان” إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقا أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل».[3]

المزيد من المشاركات
1 من 55

وقد اعتبره البعض كتمرين واستعداد لاستقبال رمضان” لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس[4]

وأيا كانت الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان، فيكفي أن لنا في رسول الله الإسوة الحسنة؛ في أقواله وأفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم، وذلك لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر، فكلنا مطالبون بالاقتداء به، ولكل  درجته في ذلك الائتساء، ولكل حظ منه.

وفي رواية مسلم من  حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه، أنها قالت: « لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله، وكان يقول: ” خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا”»[5].

أي أنه صلى الله عليه وسلم كان  يصوم أكثره والعرب تطلق الكل على الأكثر،” وقول كله، فليس على ظاهره وعمومه، والمراد أكثره لا جميعه، وقد جاء ذلك عنها مفسرا؛ روى ابن وهب عن أسامة بن زيد، قال: حدثني محمد بن إبراهيم، عن أبى سلمة، قال: « سألت عائشة عن صيام رسول الله فقالت كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان يصوم شعبان، أو عامة شعبان»[6].

وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى الاقتصاد في العبادة واجتناب التشدد  وتكليف النفس ما لا تطيق، فالمؤمن يأتي من الأعمال ما يطيق الدوام عليه. أما قوله صلى الله عليه وسلم:      ” فإن الله لا يمل حتى تملوا ” هو بفتح الميم فيهما وفي الرواية الأخرى لا يسأم حتى تسأموا وهما بمعنى، قال العلماء الملل والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويل الحديث. قال المحققون معناه: لا يعاملكم معاملة المالٌ فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم …وفي هذا الحديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتتم العبادة بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه أو يفعله بكلفة وبغير انشراح القلب[7]

وقد بين ابن حجر مناسبة قوله: “خذوا من العمل ما تطيقون” للحديث« الإشارة إلى أن صيامه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يتأسى به فيه إلا من أطاق ما كان يطيق وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خشي عليه أن يمل فيفضي إلى تركه والمداومة على العبادة وإن قلت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع»[8]

مضى رجب وما أحسنت فيه        وهذا شهر شعبان المبارك

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

فيا من ضيع الأوقات جهلا         بحرمتها أفق  واحذر  بوارك

فسوف  تفارق  اللذات  قسرا        ويخلي الموت كرها منك دارك

تدارك ما استطعت من الخطايا     بتوبة مخلص واجعل مدارك

على طلب السلامة من جحيم        فخير ذوي الجرائم من تدارك[9]


[1] أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب صوم شعبان، رقم: 1969.

[2] كتاب فتح الباري صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، 4/ 215.

[3] لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف المؤلف، ا بن رجب الحنبلي (ت : 795هـ)، ص: 131-132.

[4] نفسه، ص: 134-135

[5]– أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان واستحباب أن لا يُخَلِّيَ شهرا عن صوم، رقم: 1156.

[6]– شرح النووي على مسلم، يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ)، 6/ 71

[7] كتاب شرح النووي على مسلم، يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ)، 6/ 71

[8] فتح الباري،  4/ 215.

[9] لطائف المعارف، ص: 135

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.