منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

….إنها الغيرة فقط ….(قصة قصيرة)

....إنها الغيرة فقط ....(قصة قصيرة)/ نورالدين النبهاني

0

….إنها الغيرة فقط ….(قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

ما بها الأيام تتعثر بي، و كأنها متضايقة من وجودي، ما به عيد ميلادي يمضي متسللا باستحياء، مخفيا ملامحه و كأني أسرق الايام و الساعات من الأجيال الصاعدة.

انكمش الحاج المذكوري في مكانه بعد حوار و مناجاة طويلة مع ذاته، متحسرا على حياته، إذ لا أحد من أبنائه تذكر عيد ميلاده، و قد اعتادوا أن يستعدوا لعيد ميلاد بعضهم قبل الموعد بيومين أو ثلاثة أيام. من عاداته ان يصلي كل يوم في المسجد مع الجماعة، لكن في هذا اليوم مكث في البيت، في انتظار تهنئة مرفوقة بابتسامة من هذا أو من ذاك، وهكذا صلى الظهر في بهو المنزل، و صلى العصر في غرفة الضيوف، و ها قد اقترب موعد صلاة المغرب ولا احد تذكر عيد ميلاده أو حرك ساكنا نحوه.

تساءل مع نفسه ألا يحق للشيخ ان يحتفل بذكرى مولده، صحيح أن أجدادنا ما احتفلوا به و لا حتى آباءنا، ولم يسبق لي ان احتفلت به طوال شبابي إلا مرة او مرتين،فلماذا أصر اليوم على الاحتفال ؟..

ابتسم بشماتة ثم قال: ألا يحق لنا نحن الشيوخ أن نستفيد من بدع هذا العصر، و نقلد الغربيين في بعض الطقوس الاحتفالية. فجأة رن الهاتف رنة و احدة، أعاد الرنة معلنا عن وصول رسالة نصية، انقض على هاتفه كما ينقض الاسد على فريسته معتقدا أن أحد أبنائه يبعث له تهنئة، فكانت الرسالة الأولى و الثانية من مكتب 17 17 .يخبره فيها أنه مسجل في اللائحة الاولى التي تدشن عملية التلقيح التي ستنطلق في الغد بالمركز الصحي القديم المتواجد قرب ملعب كرة القدم بالحي، و عليه أن يلتحق صباحا الى المركز مصحوبا ببطاقته الوطنية. بعد أداء صلاة العشاء لم تكن له رغبة في الكلام، و لا شهية للأكل،معلنا عن استعداده للنوم دون عشاء،فجأة آنطفأت الاضواء و خيم صمت رهيب على البيت، فقط صوت زوجته التي كانت تحذره من التحرك خوفا عليه من الاصطدام بأثاث المنزل، ظل يسمع و لا يجيب ..يسمع و لا يهتم ..حتى الوشوشة المنبعثة من هنا و هناك، لم يهتم بها، و لم يسترق السمع لمعرفة مايدور، بعد لحظات جاءت حفيدته ذات التسع سنوات، و في يدها مصباح يدوي بسيط، تطلب منه أن يرافقها الى قاعة الضيوف لأنها تخشى أن تبقى بمفردها في الظلام، بتثاقل قام ملبيا طلبها، ظلت ترافقه ممسكة بيده و ضوء المصباح اليدوي يقودهما في الممر، بمجرد ما وصولهما الى باب القاعة، انطلقت اضواء المصابيح، و أصوات الموسيقى، و صراخ الابناء و الاحفاد محتفلين بعيد ميلاده السبعين، فتحول حزنه بسبب ظنه الى دهشة،تحولت دهشته الى فرحة، وارتسمت البسمة على شفتيه كصبية تُزَف الى حبيبها، ونسي الظن، و بعض الظن، والاثم، و انخرط محتفلا مع الحميع . قبل الساعة السابعة بعدة دقائق من صباح الغد، كان الحاج متواجدا بباب مركز التلقيح وكله تفاؤل منتشيا بحفلة الامس، وكان اول شخص يُسجل، و أول مُسَجل يُلقح بمنطقته، ثم عاد الى البيت بعد عملية التلقيح متثاقلا في مشيته،يشعر بالحمى و لا أثر للحرارة،يعاني من صداع في الرأس بلا سبب، و يكاد لا يرى أمامه إلا بصعوبة،ظلت زوجته تتابعه بخوف و هلع وهو ممدد على السرير، تحوم حوله،تفحص أعضاءه، وتهطل عليه بأسئلة لا اول لها و لا آخر،وهو لا يجيب إلا برأسه أو بأصابع يده اليمنى،لان يده اليسرى انتفخت قليلا، اتصلت بطبيبه، وابلغته بحالته الصحية، فاعطاها هاتف وعنوان المركز الذي بجب أن ترافقه اليه . فجأة وقفت تنظر اليه مليا، و تمعن النظر فيه، و بصوت خافت يكاد يكون همسا قائلة له باستغراب: الحاج أراك بدون نظارتك الطبية؟ أين تركت نظارتك؟ وكيف جئت من مركز التلقيح بدون نظارتك؟ ظل صامتا ينظر حوله ويفكر ..ينظر حوله و يبحث في جيوبه ..و بصوت جهوري مصحوب بانفعال، صاحت: (وفين انظاظرك الحاج ؟ ) ضاربة كفا بكف بل ضاربة بكفيها فخديها ..و أخيرا ضاربة بكفيها خديها معلنة عن الخسارة: (واش كشطوك الحاج ؟..وا فين تليفونك ؟..) أخرج الحاج الهاتف من جيبه و سلمه لها دليلا على عدم تعرضه للسلب و النهب، تسلمته منه،و لاحظت أن صوت الهاتف مكتوم،و قبل أن تسأله .انتبهت ان هناك سبع اتصالات من رقم واحد ..رقم مجهول بلا اسم . الحاج يئن بشدة من الصداع الذي يسحبه في رأسه، تركته يئن وفتحت الخط بمجرد رنين الهاتف، لان الظنون ذهبت بها بعيدا، والشك قادها نحو ماضيه . عبر الهاتف جاءها صوت حريمي فيه عذوبة قائلًا: “الحاج المذكوري كيف حالك؟ ..لقد نسيت فوق مكتبي نظارتك الطبية و بطاقتك الوطنية ” أغلقت الحاجة ازهور الخط بسرعة خاطفة، كانت تريد أن تلملم أفكارها المتضاربة، و أن تجمع كرامتها التي تبعثرت، وهي تسمع امرأة تخاطب زوجها دون تكلف أو مجاملات، يبدو ان الغيرة عند الحاجة ازهور قد تجاوزت كل الحدود . أعادت الاتصال بعد لحظة تركيز، معلنة لصاحبة الصوت أنها الحاجة ازهور زوجة الحاج المذكوري، متسائلة أين ترك الحاج نظارته و بطاقته ؟!..، و من أنت ؟.. فأجابها الصوت:

” أنا الدكتورة الهام المسؤولة عن مركز التلقيح، طلبت من زوجك أن يستريح بعد الحقنة بضع دقائق،لكنه مضى دون أن يحمل معه بطاقته الوطنية و نظارته الطبية، بلغيه سلامي، وقولي له حاجياتك في درج مكتبي في امان ” . عادت النظارات للحاج فذهب صداع الراس..لكن بقيت كل الوساوس عند الحاجة .. عادت البطاقة الوطنية و الحقيقة الكاملة لكن حلت محلهما الهواجس و الشكوك عند الحاجة ازهور . يبدو ان الحاج المذكوري ينتظره حساب عسير و مراقبة لصيقة،رغم انه في السبعين من عمره، لا زالت الحاجة تغار عليه بقدر ما تخاف من قراراته ..تشك فيه بقدر ما تثق في رجاحة عقله ..إنها الغيرة فقط. غيرة الأزواج ليس لها حدود ولا ضفاف، ولا تعترف بالسن مهما بلغ، إنها تمتد من سن العشرين الى ما فوق السبعين. لذلك بدأت الحاجة ازهور تُحصي حركات الحاج و سكناته، و أدخلت صلاة الجماعة في المسجد تحت المراقبة و التدقيق في الوقت، إنها لم تغفر له ماضيه،أيام كان جذابا و وسيما، يتبخثر بقوة شبابه وجمال أناقته، يتباهى بمنصبه المرموق،يصول و يجول، ينسج قصصا و يخوض مغامرات، مع فتيات مغربيات و أجنبيات في اوائل السبعينيات، ساعتها كانت تنحني للريح للحفاظ على بيتها، ولضمان العيش بجانبه، أما اليوم فهي التي تجعل الريح تنحني لها بعشرتها الطويلة، و عزوتها بما انجب بطنها من اولاد . الحاجة ازهور دائما تقول: الماضي لا يموت بل يقفز الى الحاضر بقوة عند الضرورة، و الحاج له ماض لا زال متلألئا في ابتسامته و مرسوما على شفتيه، و مركونا في إحدى زوايا ذاكرته . فعلا تنتظر الحاج المذكوري أوقات عصيبة، و حسابات دقيقة تجمع بين الماضي و الحاضر .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.