منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التصوف: أصالته، تطوره، علاقته بالفلسفة

مصطفى بن حمو

0

 

أولا: أصالة التصوف في الإسلام.

 إن التصوف من حيث هو ظاهرة روحية ومجاهدة للنفس الإنسانية وتطهيرها، وسياحة تأملية وفكرية في هذا الكون، أصيل في الإسلام. وليس كما يدعي بعض المستشرقين كجولد تسيهر اليهودي، ونيكلسون في كتابه” في التصوف الإسلامي وتاريخه”، الذين يرون أن التصوف الإسلامي إنما هو نتيجة مؤثرات ثقافية أجنبية، تتمثل في الأفلاطونية المحدثة والرهبنة المسيحية والفلسفة التاوية الصينية..

وإذا نظرنا بتأمل في القرآن والسنة النبوية، فإننا سنجد فيهما البذور الأولى والحقيقية للتصوف الإسلامي، قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر: 99).

وقوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} (السجدة: 16).

المزيد من المشاركات
1 من 85

وقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} (الشمس 9_10).

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقة الإحسان” أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

كل هذه النصوص وآيات أخرى كثيرة تشهد ناطقة على اهتمام الإسلام بالتربية الروحية وترويض النفس على الطاعة والعبادة.

كما أننا لا ننكر تأثر بعض الصوفية المسلمين بثقافات وفلسفات أجنبية، تمثلت في وحدة الوجود عند ابن عربي وابن فارض وابن سبعين وعبد الكريم الجيلي، والحلول عند الحلاج والفلسفة الإشراقية عند السهروردي. [تجديد الفكر الإسلامي: محسن عبد الحميد، ص 79].

ثانيا: تطور التصوف.

بادئ ذي بدء، وبعد أن نستثني فترة كبار الصحابة والتابعين، كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن سيرين، وبعض أعلام الإسلام، كالشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، والتي تميزت فترتهم بالزهد والتسامي عن الحياة المادية.

يقول عمر فروخ: ” على أن هؤلاء لم يكونوا صوفيين، بل لم يكونوا زاهدين بالمعنى المتواضع عليه، ولكنهم لما ملكوا الدنيا من حافتيها في العلم والسيادة، وعظم شانهم في بناء الأمة، هانت عندهم الحياة المادية”. [التصوف في الإسلام، عمر فروخ، ص 57].

ثم تلي هذه الطبقة بعض أعلام التصوف، والذين حافظوا فيه على التشبه بالسابقين في الزهد والتقشف والتسامي عن الحياة المادية، ومن هؤلاء، أبي نصر بشر بن الحارث الحافي، والمحاسبي صاحب” رسالة المسترشدين”، ومعروف الكرخي، وأبو سعيد أحمد الخراز والجنيد أبو القاسم البغدادي تلميذ المحاسبي.

إلى هنا وعند هؤلاء، لم يزل التصوف نقيا قائما على التأمل العميق والعبودية التامة لله،

كما يقول الدكتور محسن عبد الحميد” وكان الفكر الصوفي نظيفا عند أمثال معروف الكرخي، وأبي سعيد الخراز، والجنيد البغدادي، لأنه كان يعتمد عندهم على التأمل العميق في التوحيد والعبودية التامة لله عن طريق تصفية القلب، واستقامة السلوك ومجانبة الدواعي النفسية والتعلق بالعلوم المستنبطة من الكتاب والسنة”. [تجديد الفكر الإسلامي، محسن عبد الحميد، ص 77]. إلى أنه في هذه الفترة تم تسرب بعض العناصر الأجنبية، كالكلام عن الفناء أو عقيدة اتحاد النفس النهائي بالله عند ذا النون المصري والبسطامي، ولعل هذا الأخير أول من تكلم عن الفناء (النرفانا).

إلى أن التصوف الإسلامي النقي والخالي من العناصر الثقافية الأجنبية، والقائم على التأمل العميق في الكتابين المسطور والمنظور (القرآن والكون)، وعلى التوحيد والعبودية التامة لله، لم يصمد في وجه التطورات الفكرية التي لحقت الحضارة الإسلامية.

ويشير الدكتور محسن عبد الحميد إلى ذلك بأن الفكر الصوفي المستقيم الذي تضبطه ضوابط القرآن والسنة النبوية، لم يستطع أن يسيطر على عالم التصوف، بل ظهرت منذ عصر الجنيد بوادر الانحراف، تمثلت في شطحات الحلاج وقوله بالحلول، صاحب المقولة الشهيرة” أنا الحق”، كما أن هناك طائفة أخرى تبنت نظريات أجنبية نتيجة التأثر، كوحدة الوجود عند بن عربي وابن الفارض وابن سبعين والفلسفة الإشراقية عند السهروردي، المشهور بالحكيم المقتول صاحب كتاب” هياكل النور” و” حكمة الإشراق”، له أتباع يطلق عليهم الإشراقيون وطريقة تدعى نور نجشية. [تجديد الفكر الإسلامي، بتصرف].

ويعتبر بن عربي أعظم الصوفية المسلمين، وهو الذي خرج بالتصوف الإسلامي من اتجاه زهدي إلى نظام فلسفي مبني على وحدة الوجود، أي لا فرق لديه بين الجوهر والعرض ولا بين العالم والله. [التصوف في الإسلام، عمر فروخ، ص 82].

ويضيف محسن عبد الحميد أن هذه النظريات لم تكن نتيجة لتجربة روحية إسلامية، وإنما كانت مظهرا لدراسات فلسفية عقلية لا علاقة لها بالروحانية الإسلامية عند الصوفية المستقيمين.

وهنا يمكن أن نلاحظ تطور مفهوم التوحيد في البيئة الصوفية، من توحيد هو الإقرار بوحدانية الله تعالى والعبودية التامة له، إلى توحيد ذوقي لا متناهي في حالة شعور عميق بوحدة شاملة تغيب فيها معالم فردية الصوفي وشخصيته، ولا يبقى ماثلا أمامه سوى الله. [أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية في الإسلام، ص 166]. والفناء هو اسم آخر يطلقه الصوفية على معنى التوحيد، وقد ذكرنا أن البسطامي هو أول من تكلم في الفناء.

رغم هذه التطورات التي لحقت التصوف الإسلامي، حيث امتُزج عند بعض الصوفية المسلمين بعناصر ثقافية أجنبية، ظل نقيا ومضبوطا بضوابط الشريعة عند أمثال عبد القادر الجيلاني، وابن طفيل المغربي صاحب حي بن يقظان، الذي يعتبر واحة من واحات التصوف المغربي، وعند شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد تلميذ عبد القادر الجيلاني، وأبو الحسن الشاذلي، الذي يعتبر لديه عنصر التقوى قوي جدا، فهو يؤكد على جانب الاستغفار، ويفضل العمل بالكتاب والسنة على العمل بنتائج الكشف، وإذا تعارضا، يتم العمل بالكتاب والسنة وترك الكشف. [عمر فروخ، التصوف في الإسلام، ص 83 بتصرف].

ومن أعظم الصوفية في الإسلام، أبي نصر السراج الطوسي صاحب كتاب ” اللمع” الذي يعتبر بحق مصدرا من مصادر التصوف الإسلامي النقي.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور محسن عبد الحميد” ولا يعني ذلك أن ساحة التصوف الإسلامين قد خلت من التيار الصوفي الصادق والمنضبط بضوابط الشريعة، بل لقد استمر ذلك التيار عند أمثال أبي القاسم القشيري صاحب ” الرسالة القشيرية”، وأحمد الرفاعي صاحب” البرهان المؤيد”، وعبد القادر الجيلاني صاحب ” الغنية” للجيلاني. ”

[تجديد الفكر الإسلامي، ص 79].

ثالثا: التصوف والفلسفة.

التصوف ـ كما رأينا ـ المبني على التأمل والتوحيد والعبودية التامة لله، والمنضبط بضوابط الشريعة، ليس هو التصوف الفلسفي الذي يعمد أصحابه إلى المزج بين أذواقهم الصوفية وبين النظريات والفلسفات العقلية، إذا قصدنا بالفلسفة البحث العقلي النظري.

وقد ظهر هذا التصوف الفلسفي في الإسلام منذ القرنين السادس والسابع الهجريين عند كثير من المتفلسفة الصوفيين.

وكون هذا التصوف ممزوجا بالفلسفة، فهو نتيجة تسرب عناصر ثقافية أجنبية، هندية ومسيحية ويونانية، عن طريق تأثر بعض المتفلسفة الصوفية المسلمين بهذه الفلسفات الأجنبية. وقد ذكرنا سابقا أن بن عربي أعظم الصوفية في الإسلام، أول من خرج بالتصوف من اتجاه زهدي إلى اتجاه فلسفي.

” وثمة طابع عام يطبع هذا التصوف الفلسفي، وهو تصوف غامض ذو لغة اصطلاحية خاصة، لأنه لا يمكن اعتباره فلسفة حيث أنه قائم على الذوق، كما لا يمكن اعتباره تصوف خالص لأنه يختلف عن التصوف الخالص، فهو إذن بين بين”. [أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، ص 187].

لكن إذا ما أردنا السمو والارتقاء في الجانب الروحاني، وتطهير النفس الإنسانية وتصفية القلب ومعرفة الحقيقة، فإن السبيل إلى ذلك التصوف الخالص والمنضبط بضوابط الشريعة.

ويؤكد الدكتور أبو العلا عفيفي ” أن المعراج الروحي الحقيقي إلى عالم الحقيقة هو المعراج الصوفي لا الفلسفي، لأن التصوف تجربة روحية خاصة يعانيها الصوفي، ولتلك الحال من الصفات والخصائص ما يكفي تمييزها عن غيرها مما تعانيه النفس الإنسانية من أحوال أخرى، وفي هذا القدر وحده يكفي للقول بأن التصوف ليس فلسفة…، وليس للصوفي أن يتفلسف بأن يتخذ من تجربته الروحية أساسا لنظرية ميتافيزيقية في كبيعة الوجود”. [أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية في الإسلام، مرجع سابق، بتصرف.]

ومن المتفلسفة الصوفية في الإسلام، السهروردي المقتول، وهو أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك، الملقب بشهاب الدين، ويعتبر كتابه” حكمة الإشراق”، الذي يصور فيه مذهبه في التصوف الإشراقي، وعرفت حكمة السهروردي بالحكمة الإشرافية، نسبة إلى الإشراق الذي هو الكشف، وحكمته ذوقية تعتمد على الإشراق وهو ظهور الأنوار العقلية لمعانيها وفيضانها في النفس عند تجردها. [أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي].

ويلي السهروردي، محيي الدين بن عربي، الذي لم يظهر مذهب وحدة الوجود في صورته الكاملة إلا بمجيئه، وتصوف وحدة الوجود هو التصوف المبني على القول بأن ثمة وجودا واحدا فقط هو وجود الله.

ومن متأخري أصحاب وحدة الوجود عبد الكريم الجيلي وابن سبعين صاحب الوحدة المطلقة.

خاتمة:

كان التصوف فيما مضى حقيقة بلا اسم، فأصبح اليوم اسما بلا حقيقة. البوشنجي.

فالتصوف الخالص والنقي هو المبني على التوحيد والتأمل في الكتابين المسطور والمنظور، والمنضبط بضوابط الشريعة، أما التصوف الممزوج بالعناصر الثقافية الأجنبية، فهو ليس تصوفا خالصا، وبالتالي لن يعرج بنا في مضمار الروحانية الإسلامية، ولن يصل بنا إلى النتائج الصحيحة لأنه انطلق من منطلقات غير إسلامية.


المصادر والمراجع:

التصوف في الإسلام، عمر فروخ.

التصوف الثورة الروحية في الإسلام، أبو العلا عفيفي.

تجديد الفكر الإسلامي، محسن عبد الحميد.

مدخل إلى التصوف الإسلامي، أبو الوفا الغنيمي التفتازاني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.