منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فرحة عماد لا تكتمل (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

ينتمي عماد لأسرة تعيش تحت عتبة الفقر، عاطل عن العمل بل معطل كما يسمي نفسه، ولم تشفع له شواهده الجامعية، لطيف المعشر ورومانسي المشاعر رغم أنه وحيد بلا أنيس.
اعتاد في كل عيد حب أن يشتري وردة، وفي كل عيد عمال أن يحمل لافتة.
لم يمل، ولم ييأس، بل ظل متفائلا يفعل ذلك في كل عيد، وهو واع بحاله إذْ ليست في قلبه أميرة محددة ولا في حياته حبيبة معينة، يهديها تلك الوردة التي تظل بين يديه طول النهار، حتى تذبل وتذبل معها نفسيته.
لقد تَعَوّدَ أن يجلس تحت ظل شجرة العطالة في العيديْن، يتساءل مع نفسه في صمت، كالأبكم الذي لا صوت له، أو كالمُقْعَد الذي لا فائدة من محاولته الوقوف أو المشي، يبكي في صمت، ويتألم بلا صوت، وهو يشاهد، ويتابع العشاق وهم في طريقهم سائرون، كل ثنائي منسجم في المشي على جنبات الشواطئ وفوق الصخور وأكثر انسجاما في الحدائق العمومية، أثناء الوشوشة بكلمات الغرام الملتهبة، كما يشاهد ويتابع العمال كل صباح وهم في طريقهم الى عملهم، كي يحسنوا وضعيتهم، ويبنوا مستقبل أولادهم، وهو قابع في مكانه أشبه بمواطن ذهب ليشارك في عملية التصويت، لكنهم سرقوا صوته داخل القاعة، وتركوه على الهامش، ينتظر معجزة تعيد اليه كرامته وإنسانيته.
ما أقسى الحياة على المرء الذي يعيش حياته بلا حب وبلا عمل، ويقضي أيامه على الهامش.
عاش عماد مراهقته متألما من عدم إحساسه بمشاعر الحب المتبادلة، ومن خجله المفرط، وظروفه القاهرة، ومع ذلك ظل متفائلا ينتظر حبيبة في علم الغيب لتعيد الدفء الى مشاعره، والبهجة الى حياته، لقد كان يقاتل باستماتة حتى لا تموت الأشياء الجميلة التي بداخله مثل الابتسامة والحب والأمل، فيموت بموتها، وهو حي يرزق، ويصبح تاريخ وفاته مجازا لا علاقة له بتاريخ دفنه حقيقة، وبينهما شهور وأعوام.
أما في فاتح ماي، عيد العمال، فيشارك فيه وهو لا يزاول عملا، ولا يستطعم عيدا، لذلك تراه يحمل لافتة، يطلب من خلالها عملا قارا، ويمضي العيد ويظل عاطلا بلا عمل، ومُهْمَلا بلا قيمة، بجانب لافتته التي انتهت مهمتها ولم يعد لها داع مثله.
لا نصيب له في عيد الحب، ولا منصب له في عيد العمال سوى الحسرة وخيبة الأمل.
كيف يشتري الحب، والمشاعر لا تباع ولا تشترى ؟..
كيف يفتح بيتا، وهو مفلس الجيب وعاطل عن العمل ؟..
كيف يعيش بين الناس، وهو لا يرى له مكانا بينهم رغم حصوله على الماستر؟..
ما أكثر اللطمات والصفعات التي تلقاها في شبابه، وأيام دراسته، وسبَّبَتْ له أوجاعا قلبية لازمته بقية حياته، من صبايا وفتيات، خرّ صريعا في ساحة غرامهن، فقط من نظرة خاطفة أو ابتسامة عابرة، أحبهن بصدق، لكنه حب من طرف واحد، ومازال وحيدا بلا حب وبلا عمل، وسجينا في سجن مفتوح بلا باب ولا أسوار.
ليس في سمائه غيمة ككل العشاق، ولا في حقله سنبلة ككل العمال، ولا في حياته بارقة أمل، ومع ذلك كل صباح ينتظر من صباحه الجديد أخبارا عن وظيفة أو عمل، وينتظر من يومه الجديد بوادر علاقة لرفيقة درب، أو شريكة حياة، تنقده من ضوء الفراغ نهارا وظلمة الجحيم ليلا.
ظل على حاله سنوات إلى أن جاء الفرج، وشارك في إحدى المباريات التي لا تشترط حدا للسن، نجح في الامتحان الكتابي ثم الشفوي، ليجد نفسه في الاخير، وقد أصبح أستاذا متعاقدا، يجمعه بالوظيفة عقد، لكنه عقد ملغم هو أهون من بيت العنكبوت قد تلغيه مكالمة هاتفية أو رسالة نصية، وتربطه بالحياة أمل لكنه أمل مغشوش، أمل وهمي، يوهمه بأنه موظف لكن دون أن ينتمي للوظيفة العمومية.
بالأمس كانوا يقولون له كيف تحب وأنت عاطل عن العمل؟..
واليوم يقولون له كيف تتزوج ووضعك الوظيفي هش؟..
وكأنهم لا يعلمون أنه مُكْره.. مُرْغم.. مُضْطر.. لا بطل حين قَبِلَ بهذه الوظيفة، وبتلك الشروط.
وها هو اليوم يجد نفسه في واقعه الجديد، مُكْرها.. مُرْغما.. ومُضطرا.. القبول بالزوجة التي ترضى بوضعه الهش، ومستقبله الغامض، وباءت كل محاولات والدته بفشل ذريع، وهي تبحث له عن عروس، ترضى الإقامة والعيش معه في البادية.
حاولت والدة عماد تزويجه بطريقتها من إحدى معارفها حتى تكون العروس طوع أمرها، ظل عماد يعتذر في كل مرة، ويتهرب من اختياراتنا بألف عذر، فهو في حاجة إلى إعجاب متبادل من اول نظرة وإلى قصة حب عنيفة، تهز كيانه هزا قبل الخطوبة والى انسجام تام في الثقافة والمشاعر بعد الزواج.
ظل على حاله إلى أن ابتسم له الحظ، حيث أعجب بزميلة له في الوحدة المدرسية التي يشتغل بها، بدأ طيفها يتسلل إلى جوانحه، يغمر مشاعره، لأول مرة يشعر بآدميته وهو يرى شعورا متبادلا عبر نظرات وابتسامات، لم يتردد ولو لحظة، تقدم لخطبتها، وبعد مدة وجيزة تزوجا، ولأن ظروف الجائحة (فيروس كورونا كوفيد19) تمنع إقامة الأعراس، نظما حفلا بسيطا بلا بهرجة ولا تكاليف، يضم العائلتين، ودخلا القفص الذهبي.
أقاما بالسكن الوظيفي بوحدتهما المدرسية، ينعمان بالحياة الزوجية، في سكن قروي متآكل جدرانه.

ذات مساء وهو بساحة المؤسسة وحيدا يتأمل وضعه، ويستعيد شريط حياته، يحاول أن يكون منصفا مع نفسه بين الأشياء السيئة التي عاشها في حياته، والأشياء الجميلة التي تحققت أخيرا، فأدرك منتشيا، أنه أول مرة في حياته يجمع بين وظيفة وزوجة وسكن خاص بهما، ولا ينقصهما إلا شيء واحد، فاتح زوجته الأستاذة لمياء في موضوع الإنجاب، ابتسمت فضحكت بصوت عال ومتواصل وهو ينظر إليها باستغراب، وقالت له:
منذ أسبوع وأنا في شك من أمري، وأفكر كيف أفاتحك في الموضوع، اليوم تأكدت، ابشر يا عماد فأنا حامل،
قفز نحوها وضمها إلى صدره صائحا:
كم أنت كريم يا رب!!..
وضعت يدها على بطنها وقالت له:
مسكين هذا الولد، سيولد في البادية، وكلانا عاش وتربى في المدينة.
قاطعها مبتهجا:
بل قولي سيكون محظوظا لأنه سيولد في جو صحي، مستنشقا هواء نقيا.
متحسرة بصوت منخفض حزين قالت له:
كنت أتمنى أن يولد في شقة مملوكة لنا وسط المدينة، وله غرفة خاصة مزينة ومليئة باللعب والألعاب.
بإيمان وتفاؤل كبيرين، ناشدها:
الفرج قريب بإذن الله تعالى، قولي يا رب، فقط قولي يا رب، وستُفْرَج.
متسائلة استفسرته:
كيف؟ ومركبنا من ورق وأمواج المحيط عاتية، والضباب الكثيف يحجب عنا رؤية مستقبلنا.
قطب حاجبيْه وتكهربتْ أجواؤه، وهو يشم من حروف كلماتها رائحة غير عطرة، لم تعجبه، ويسمع من فحوى تعابيرها نغمات أغنية نشاز، لم ترقه، فتعكّر مزاجه.
دائما فرحته لا تكتمل وأحلامه لا تتم، منذ كان تلميذا في الابتدائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.