منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(12) “حكم حرق الموتى أو دفنهم في بلاد المهجر… |فقهيات “كورونا”|

" أحكام الجنائز في ظل أزمة كورونا "تتمة" عثمان غفاري

0

في هاته الحلقة نستمر في مطارحة بعض أحكام الجنائز في ظل أزمة كورونا، فبعد الحلقة 11 السابقة التي تحدثنا فيها، عن تغسيل ودفن وصلاة الجنازة على المتوفين بسبب الإصابة بوباء كورونا، اليوم سنحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة جديدة وثيقة الصلاة بالوفاة بسبب الجائحة، برصد فتاوى سادتنا العلماء أفرادا وهيئات وهي:

  • لو ثبت أنّ شخصا كان مصابًا بفيروس كورونا ونقل العدوى لغيره، فهل يعدّ شروعًا في القتل، أو قتلا خطأ، وما الذي يجب شرعًا في هاته الحالة؟
  • هل يجوز حرق الأموات الذين ماتوا بهذا الوباء خاصة لو دعت الجهات المسؤولة لذلك؟
  • وما حكم الشرعي إن عجز أهل الميت عن تنفيذ وصيته بالدفن في موطنه الأصلي، لتوقف حركة الطيران والنقل خارج أوروبا، فهل يأثمون بدفنه حيث مات؟

وقد تصد للجواب عن هاته الأسئلة ثلة مباركة من العلماء العاملين إعمالا للاجتهاد الجماعي، في مؤتمر المجلس الأوروبي للإفتاء المنعقد بمارس سنة 2020، ومما جاء في فتاويها بهذا الصدد يجب على الإنسان أن يأخذ جميع التدابير التي يجب اتخاذها للحفاظ على نفسه والآخرين، فإذا كان الإنسان يعرف أنّه مصاب بالفيروس فيجب عليه أن يبتعد عن الناس وإلّا يكون آثمًا محاسبًا أمام الله تعالى؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها». البخاري، وهذا أمر والأمر المطلق يفيد الوجوب، وقد أفتى بعض فقهاء الحنفية في شخص مصاب بالطاعون وهو يعلم وقد خالف الحجر في أيام الطاعون فسافر ونقل العدوى لشخص آخر فمات، أنّه قتل بالتسبّب وتجب الدية على العاقلة، أمّا إذا أخذ المصاب الاحتياطات الطبية اللازمة لعدم نقل العدوى لغيره، ورغم ذلك انتقلت وأدّت إلى موت شخص فلا شيء عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5].

ومن جهة أخرى فإن دفن الموتى في القبور هو الموافق لشرف الإنسان وحرمته، وهو المنصوص عليه في كتاب الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25، 26]، وهي الطريقة المتبعة من زمن نبيّنا- صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا في جميع أراضي المسلمين ومجتمعاتهم، فليُصِرّ المسلمون على التمسك بهذه السنة المحمدية بحق موتاهم، وعلى المؤسسات الإسلامية أن تبذل جهدها لبيان الخصوصية الدينية لأمر الدفن عند المسلمين، وما يخلقه قرار إحراق الجثث في نفوس المسلمين من إشكالات، والحمد لله أنّنا لا نعلم أنّ في أوروبا بلدًا يُلزِم بالحرق، بل يجعل ذلك اختياريًّا، والأصل أن يدفن الإنسان حيث يموت، والسنة التعجيل بالدفن قدر الإمكان، وهذا في الأحوال العادية، فكيف بالظروف الاستثنائية التي يستحيل فيها نقل الجثمان وتنفيذ الوصيّة؟ فعلينا أن نعجّل بدفن موتانا في مقابر المسلمين حيث ماتوا، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة فضل خاص لمن مات بعيدًا عن مكان ولادته، فمن ذلك ما رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وابن حبان من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:”مَاتَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ، قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّة”  صححه أحمد شاكر، ونسأل الله أن يكتب لموتانا بهذا الداء الوباء أجر الشهيد، وأن يرفع درجتهم عنده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.